Indexed OCR Text
Pages 281-300
ربع العادات كتاب آداب العزلة فلا يزالُ ينظرُ إلى نفسِهِ بعينِ الاستصغارِ ، وإلى عبادتِهِ بعينِ الاستحقارِ ، وما دامَ يرىُ نفسَهُ مقصِّراً .. فلا يخلو عنْ داعيةِ الاجتهادِ ؛ رغبةً في الاستكمالِ ، واستتماماً للاقتداءِ. ومَنْ نظرَ إلى الأحوالِ الغالبةِ على أهلِ الزمانِ ، وإعراضِهِمْ عنِ اللهِ تعالى، وإقبالِهِمْ على الدنيا، واعتيادِهِمُ المعاصيَ .. استعظمَ أمرَ نفسِهِ بأدنى رغبةٍ في الخيرِ يصادفُها في قلبهِ ، وذلكَ هوَ الهلاكُ . ويكفي في تغييرِ الطبعِ مجرَّدُ سماع الخيرِ والشرِّ فضلاً عنْ مشاهدتِهِ ، وبهذهِ الدقيقةِ يُعرفُ سرُّ قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((عندَ ذكرِ الصالحينَ تنزَّلُ الرحمةُ))(١) ، فإنَّما الرحمةُ دخولُ الجنَّةِ ولقاءُ اللهِ تعالى ، وليسَ ينزلُ عندَ الذكرِ عينُ ذلكَ ولكنْ سببُهُ ؛ وهوَ انبعاثُ الرغبةِ مِنَ القلبِ ، وحركةٌ الحرْصِ على الاقتداءِ بهِمْ ، والاستنكافُ مما هوَ ملابسٌ لهُ مِنَ القصورِ والتقصيرِ ، ومبدأُ الرحمةِ فعلُ الخيرِ ، ومبدأُ فعلِ الخيرِ الرغبةُ ، ومبدأُ الرغبةِ ذكرُ أحوالِ الصالحِينَ ، فهذا معنى نزولِ الرحمةِ . والمفهومُ مِنْ فحوى هذا الكلام عند الفَطِنِ كالمفهوم مِنْ نظمِهِ ، وهوَ أنَّ عندَ ذكرِ الفاسقينَ تنزلُ اللعنةُ ؛ لأنَّ كثرةَ ذكرِهِمْ تهوّنُ على الطبع أمرَ المعاصي ، واللعنةُ هيَ البعدُ ، ومبدأُ البعدِ مِنَ اللهِ هوَ المعاصي والإعراضُ (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٨٥/٧) من كلام ابن عيينة دون رفع للنبي صلى الله عليه وسلم، وانظر ((مقدمة ابن الصلاح)) (ص ٤٢٨)، و((الإتحاف)) (٣٥١/٦). ٢٨١ كتاب آداب العزلة ربع العادات عنِ اللهِ ؛ بالإقبالِ على الحظوظِ العاجلةِ والشهواتِ الحاضرةِ لا على الوجهِ المشروع ، ومبدأُ المعاصي سقوطُ ثقلِها وتفاحشِها عنِ القلبِ ، ومبدأ سقوطِ الثقلِ وقوعُ الأنسِ بها بكثرةِ السماع . وإذا كانَ هذا حالَ ذكرِ الصالحينَ والفاسقينَ .. فما ظنُّكَ بمشاهدتِهِمْ ، بلْ قَدْ صرَّحَ بهِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حيثُ قالَ: ((مثلُ الجليسِ السوءِ كمثلِ الكِيرِ ، إنْ لمْ يحرفْكَ بشررِهِ .. علقَ بكَ مِنْ ريحِهِ)) (١) ، فكما أنَّ الريحَ يعلقُ بالثوبِ ولا يشعرُ بهِ .. فكذلكَ يسهلُ الفسادُ على القلبِ وهوَ لا يشعرُ بهِ، وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((مثلُ الجليسِ الصالحِ كمثلٍ صاحبِ المسكِ، إنْ لمْ يهبْ لكَ منهُ .. تجدْ رِيحَهُ))(٢). ولهذا أقولُ : مَنْ عرفَ مِنْ عالمٍ زَلَّةً .. حَرُمَ عليهِ حكايتُها ؛ لعلتينِ : إحداهما : أنَّها غيبةٌ . والثانيةُ - وهيَ أعظمُهُما - : أنَّ حكايتَها تهوِّنُ على المستمعينَ أمرَ تلكَ الزلَّةِ، ويسقطُ مِنْ قلوبِهِمُ استعظامُهُمُ الإقدامَ عليها ، فيكونُ ذلكَ سبباً التهوينِ تلكَ المعصيةِ ؛ فإنَّهُ مهما وقعَ فيها فاستنكرَ ذلكَ .. دفعَ الاستنكارَ وقالَ : كيفَ يُستبعدُ هذا منَّا وكلُّنا مضطرونَ إلى مثلِهِ حتَّى العلماءُ والعبَّادُ ؟! (١) رواه البخاري (٢١٠١)، ومسلم (٢٦٢٨)، ولفظ المصنف عند ابن حبان في (صحيحه)) ( ٥٧٩ ) . (٢) قطعة من الحديث المتقدم قبله . ٢٨٢ ربع العادات کتاب آداب العزلة ولوٍ اعتقدَ أنَّ مثلَ ذلكَ لا يقدِمُ عليهِ عالمٌ ، ولا يتعاطاهُ مرموقٌ معتبرٌ . . لشقَّ عليهِ الإقدامُ ، فَكَمْ مِنْ شخصٍ يتكالبُ على الدنيا ، ويحرصُ على جمعِها ، ويتهالَكُ على حبِّ الرئاسةِ وتزيينِها ، ويهوِّنُ على نفسِهِ قبحَها ويزعمُ أنَّ الصحابةَ رضيَ اللهُ عنهُمْ لمْ ينزِّهوا أنفسَهُمْ عنْ حبِّ الرئاسةِ ، وربَّما يستشهدُ عليهِ بقتالِ عليٍّ ومعاويةَ رضيَ اللهُ عنهُما ، ويخمِّنُ في نفسِهِ أنَّ ذلكَ لمْ يكنْ لطلبِ الحقِّ، بلْ لطلبِ الرئاسةِ .. فهذا الاعتقادُ الخطأُ يهوّنُ عليهِ أمرَ الرئاسةِ ولوازمَها مِنَ المعاصي . والطبعُ اللئيمُ يميلُ إلى اتباع الهفواتِ ، والإعراضِ عنِ الحسناتِ ، بلْ إلى تقديرِ الهفوةِ فيما لا هفوةَ فيهِ بالتنزيلِ على مقتضى الشهوةِ ؛ ليتعلَّلَ بهِ ، وهوَ مِنْ دقائقِ مكايدِ الشيطانِ ، ولذلكَ وصفَ اللهُ المراغمينَ للشيطانِ فيها بقولِهِ : ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾. وضربَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لذلكَ مثلاً وقالَ : (( مثلُ الذي يجلسُ يستمعُ الحكمةَ ثُمَّ لا يعملُ إلا بشرِّ ما يسمعُ .. كمثلِ رجلٍ أتى راعياً فقالَ لهُ: يا راعي؛ اجزرْ لي شاةً مِنْ غنمِكَ، فقالَ : اذهبْ فخُذ خيرَ شاةٍ فيها، فذهبَ فأخذَ بأذنِ كلبِ الغنمِ !))(١) . وكلُّ مَنْ ينقلُ هفواتِ الأئمةِ فهذا مثالُهُ أيضاً . وممّا يدلُّ على سقوطٍ وقع الشيءِ عنِ القلبِ بسببِ تكرُّرِهِ ومشاهدتِهِ : (١) رواه ابن ماجه (٤١٧٢) وفيه: (أجزرني) بدل (اجزر لي) . ٢٨٣ ٠٩٢٠ 03 كتاب آداب العزلة ربع العادات أنَّ أكثرَ الناس إذا رأوا مسلماً أفطرَ في نهارِ رمضانَ .. استبعدوهُ استبعاداً يكادُ يفضي إلى اعتقادِهِمْ كفرَهُ ، وقدْ يشاهدونَ مَنْ يخرجُ صلواتٍ عنْ أوقاتِها فلا تنفرُ عنهُ طباعُهُمْ كنفرتِهِمْ عنْ تأخيرِ الصومِ ، معَ أنَّ صلاةً واحدةً يقتضي تركُها الكفرَ عندَ قومٍ ، وحزَّ الرقبةِ عندَ قومٍ ، وتركُ صومٍ رمضانَ كلِّهُ لا يقتضيهِ ، ولا سببَ لهُ إلا أنَّ الصلاةَ تتكزَّرُ، والتساهلُ فيها ممَّا يكثرُ ، فيسقطُ وقعُها بالمشاهدةِ عنِ القلبِ . G وكذلكَ لوْ لبسَ الفقيهُ ثوباً مِنْ حريرٍ ، أوْ خاتماً مِنْ ذهبٍ ، أَوْ شربَ مِنْ إناءِ فضةٍ .. استبعدَتُهُ النفوسُ، واشتدَّ إنكارُها ، وقدْ يُشاهدُ في مجلسٍ طويلٍ لا يتكلّمُ إلا بما هوَ اغتيابٌ للناسِ ولا يستبعدُ منهُ ذلكَ ، والغيبةُ أشدُّ مِنَ الزنا(١) ، فكيفَ لا تكونُ أشدَّ مِنْ لبسِ الحريرِ ؟! ولكنَّ كثرةَ سماع الغيبةِ ومشاهدةَ المغتابينَ .. أسقطَ عنِ القلوبِ وقعَها ، وهوَّنَ على النفسِ أمرَها . ـدة فتفطَّنْ لهذهِ الدقائقِ ، وفرَّ مِنَ الناسِ فرارَكَ مِنَ الأسدِ ، فإنَّكَ لا تشاهدُ منهُمْ إلا ما يزيدُ في حرصِكَ على الدنيا ، وغفلتِكَ عنِ الآخرةِ ، ويهوِّنُ (١) فقد روى هناد في ((الزهد)) (١١٧٨)، والطبراني في «الأوسط)) ( ٦٥٨٦)، والبيهقي في ((الشعب)) (٦٣١٥، ٦٣١٦) مرفوعاً: (( إياكم والغيبة ، فإن الغيبة أشد من الزنا))، قالوا: يا رسول الله؛ وكيف الغيبة أشد من الزنا؟ قال: ((إن الرجل قد يزني ثم يتوب ، فيتوب الله عليه ، وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه)) ، وسيأتي للمصنف . مشوزع جن ٢٨٤ كتاب آداب العزلة ربع العادات عليكَ المعصيةَ ، ويضعفُ رغبتكَ في الطاعةِ . فإِنْ وجدتَ جليساً تذكِّرُك باللهِ صورتُهُ وسيرتُهُ .. فالزمْهُ ولا تفارقْهُ ، واغتنمْهُ ولا تستحقرْهُ؛ فإنَّها غنيمةُ العاقلِ ، وضالَّةُ المؤمنِ ، وتحقَّقْ أنَّ الجليسَ الصالحَ خيرٌ مِنَ الوحدةِ ، وأنَّ الوحدةَ خيرٌ مِنَ الجليسِ السوءِ ، ومهما فهمتَ هذِهِ المعانيَ، ولاحظتَ طبعَكَ ، والتفتَّ إلى حالٍ منْ أردتَ مخالطتهُ .. لمْ يخفَ عليكَ أنَّ الأولى التباعُدُ عنهُ بالعزلةِ، أوِ التقرُّبُ إليهِ بالخلطةِ . وإِيَّاكَ أنْ تحكمَ مطلقاً على العزلةِ أوِ الخلطةِ بأنَّ إحداهما أولى ؛ إذْ كلُّ مفصّلٍ فإطلاقُ القولِ فيهِ بلا أوْ نعمْ خلْفٌّ محضٌ ، ولا حقَّ في المفصَّلِ إلا التفصيلُ . الفائدةُ الثالثةُ : الخلاصُ مِنَ الفتنِ والخصوماتِ ، وصيانةُ الدينِ والنفسِ عنِ الخوضِ فيها والتعرضٍ لأخطارِها : وقلَّما تخلو البلادُ عنْ تعصباتٍ وفتنٍ وخصوماتٍ ، فالمعتزلُ عنهُمْ في سلامةٍ منها ، قالَ عبدُ اللهِ بنُ عمرو بنِ العاصِ : لمَّا ذكرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الفتنَ ووصفَها وقالَ: (( إذا رأيتَ الناسَ مَرِجَتْ عهودُهُمْ، وخفَّتْ أماناتُهُمْ، وكانوا هكذا)) وشبَّكَ بينَ أصابعِهِ .. فقلتُ : فما تأمرني؟ فقالَ: (( الزمْ بيتَكَ، واملكْ عليكَ لسانَكَ، وخذْ ما تعرفُ، ٢٨٥ کتاب آداب العزلة ربع العادات ودعْ ما تنكرُ، وعليكَ بأمرِ الخاصَّةِ، ودِعْ عنكَ أمرَ العامَّةِ))(١). وروى أبو سعيد الخدريُّ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: (( يوشكُ أنْ يكونَ خيرُ مالِ المسلمِ غنماً يتبعُ بها شَعَفَ الجبالِ ومواقعَ القطرِ ، يفرُّ بدينِهِ مِنَ الفتنِ منْ شاهقٍ إلى شاهقٍ))(٢). وروى عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: (( سيأتي على الناسِ زمانٌ لا يسلمُ لذي دينِ دِينُهُ ، إلا مَنْ فَرَّ بدينِهِ مِنْ قريةٍ إلى قريةٍ ، ومِنْ شاهقٍ إلى شاهقٍ، ومِنْ حجرٍ إلى حجرٍ ؛ كالثعلبِ الذي يروغُ ))، قيلَ لهُ: ومتى ذلكَ يا رسولَ اللهِ ؟ قالَ: ((إذا لمْ تَنُلِ المعيشةُ إلا بمعاصي الله تعالى، فإذا كانَ ذلكَ الزمانُ .. حلَّتِ العزوبةُ))، قالوا: وكيفَ ذاكَ يا رسولَ اللهِ وقدْ أمرتَنَا بالتزويج؟ قالَ : « إذا كانَ ذلكَ الزمانُ .. كانَ هلاكُ الرجلِ على يدي أبويهِ ، فإنْ لمْ يكنْ لهُ أبوانِ .. فعلى يدِي زوجتِهِ وولدِهِ ، فإنْ لمْ يكنْ .. فعلى يدي قرابتِهِ))، قالوا: وكيفَ ذلكَ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ : (١) رواه أبو داوود ( ٤٣٤٣)، والنسائى في ((الكبرى)) (٩٩٦٢)، ومرجت : اضطربت وفسدت، قال الخطابي في (( العزلة)) ( ص١٥) عند شرحه لههذا الخبر : ( أمر الخاصة : هو كل ما يخصه ويعنيه ويخص كل إنسان في ذاته ؛ من إعالة أهله ، وسياسة ذويه ، والقيام لهم والسعي في مصالحهم ، ونهاه عن التعرض لأمر العامة ، والتعاطي لسياستهم ، والترؤس عليهم ، والتوسط في أمورهم ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((دع عنك أمر العامة)))، وسياق المصنف هنا عنده . (٢) رواه البخاري ( ١٩). ٢٨٦ ربع العادات كتاب آداب العزلة ((يعيِّرُونَهُ بضيقِ اليدِ، فيتكلّفُ ما لا يطيقُ، حتَّى يوردوهُ مواردَ الهلكةِ))(١). وهذا الحديثُ وإنْ كانَ في العزوبةِ فالعزلةُ مفهومةٌ منهُ ؛ إذْ لا يستغني المتأهِّلُ عنِ المعيشةِ والمخالطةِ ، ثمَّ لا ينالُ المعيشةَ إلا بمعصيةِ اللهِ تعالى . ولستُ أقولُ : هذا أوانُ ذلكَ الزمانِ ، فلقدْ كانَ هذا بأعصارِ قبلَ هذا العصرِ، ولأجلِهِ قالَ سفيانُ الثوريُّ: (واللهِ؛ لقدْ حلَّتِ العزلةُ)(٢). وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ : ذكرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الفتنةَ وأيامَ الهرج، قلتُ: وما الهرجُ؟ قالَ: (( حينَ لا يأمنُ الرجلُ جليسَهُ))، قلتُ: فبمَ تأمرُني إنْ أدركتُ ذلكَ الزمانَ؟ قالَ: ((كفَّ نفسَكَ ويدَكَ وادخلْ دَارَكَ )) ، قالَ : قلتُ: يا رسولَ اللهِ ؛ أرأيتَ إنْ دخلَ عليّ داري ؟ قالَ: (( فادخلْ بيتَكَ))، قلتُ: فإنْ دخلَ عليَّ بيتي ؟ قالَ : (( فادخلْ مسجدَكَ واصنعْ هكذا - وقبضَ على الكوع - وقلْ: ربيَّ اللهُ حتَّى تموتَ))(٣) . وقالَ سعدٌ لمَّا دُعِيَ إلى الخروج أيامَ معاويةَ .. قالَ: ( لا ، إلا أنْ تعطوني سيفاً لهُ عينانِ بصيرتانِ ولسانٌ ينطقُ بالكافرِ فأقتلَهُ ، وبالمؤمنِ فأكفّ عنهُ) ، وقالَ : ( مثلُنا ومثلُكُمْ كمثلٍ قومٍ كانوا على محجَّةٍ بيضاءَ ، فبينا همْ (١) رواه البيهقي في ((الزهد الكبير)) (٤٣٩)، والديلمي في (( مسند الفردوس)) (٨٦٩٧)، ولفظه هنا عند الخطابي في ((العزلة)) (٩). (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٨٨/٦). (٣) رواه أبو داوود (٤٢٥٨) مختصراً، ورواه بتمامه الخطابي في ((العزلة)) (١١). ٢٨٧ کتاب آداب العزلة ربع العادات كذلكَ يسيرونَ .. إذْ هاجَتْ ريحٌ عجاجةٌ ، فضلُّوا الطريقَ والتبسَ عليهمْ ، فقالَ بعضُهُمْ : الطريقُ ذاتَ اليمينِ ، فأخذوا فيها ، فتاهوا وضلُّوا ، وقالَ بعضُهُمْ : ذاتَ الشمالِ ، فأخذوا فيها ، فتاهوا وضلُّوا ، وأناخَ آخرونَ ، وتوقَّفوا حتَّى ذهبَتِ الريحُ ، وتبيّنتِ الطريقُ )، فسعدٌ وجماعةٌ فارقوا الفتنَ ، ولمْ يخالطوا إلا بعدَ زوالِ الفتنِ (١). وعنِ ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما : أنَّهُ لمَّا بلغَهُ أنَّ الحسينَ رضيَ اللهُ عنهُ توجَّهَ إلى العراقِ .. تبعَهُ، فلحقَهُ على مسيرةِ ثلاثةِ أيام ، فقالَ لهُ : أينَ تريدُ؟ فقالَ : العراقَ، فإذا معهُ طواميرُ وكتبٌ(٢) ، فقالَ: هذهِ كتَبُهُمْ وبيعتُهُمْ ، فقالَ : لا تنظرُ إلى كتبِهِمْ ولا تأتِهِمْ، فأبى ، فقالَ : إنِّي محُدِّثُكَ حديثاً ، إنَّ جبريل أتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فخيَّرَهُ بينَ الدنيا والآخرةِ ، فاختارَ الآخرةَ على الدنيا ، وإنَّكَ بضعةٌ مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، واللهِ ؛ لا يليها أحدٌ منكُمْ أبداً ، وما صرفَها عنكُمْ إلا للذي هوَ خيرٌ لكُمْ، فأبىُ أنْ يرجعَ ، فاعتنقَهُ ابنُ عمرَ وبكىْ ، وقالَ : أستودعُكَ اللهَ مِنْ قتيلٍ أو أسيرٍ(٣) . (١) رواه الخطابي في ((العزلة)) (١٧). (٢) الطوامير: جمع طُومار، وهي الصحيفة ، أو لفظة فارسية معناها : الكتاب الطويل أو الخطاب الطويل . (٣) رواه الآجري في ((الشريعة)) (١٦٦٨)، والخطابي في ((العزلة)) (٢٥) بلفظ المصنف . ٢٨٨ ربع العادات كتاب آداب العزلة وكانَ في الصحابةِ عشرةُ آلافٍ ، فما خفَّ أيامَ الفتنةِ أكثرُ مِنْ أربعينَ رجلاً(١). وجلسَ طاووسٌ في بيتِهِ ، فقيلَ لهُ في ذلكَ ، فقالَ : فسادُ الزمانِ ، وحيفُ الأئمةِ(٢). ولمَّا بنى عروةُ قصرَهُ بالعقيقِ ولزمَهُ .. قيلَ لهُ : لزمتَ القصرَ وتركتَ مسجدَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؟! فقالَ : رأيتُ مساجدَكُمْ لاهيةً ، وأسواقَكُمْ لاغيةً ، والفاحشةَ في فجاجِكُمْ عاليةً، وفيما هناكَ عمَّا أنتُمْ فيهِ عافيةٌ(٣) . فإذاً ؛ الحذرُ مِنَ الخصوماتِ ومثاراتِ الفتنِ إحدى فوائدِ العزلةِ . # الفائدةُ الرابعةُ : الخلاصُ مِنْ شرِّ الناسِ : فإنَّهُمْ يؤذونَكَ مرَّةً بالغيبةِ ، ومرَّةً بسوءِ الظنِّ والتهمةِ ، ومرَّةً بالاقتراحاتِ والأطماع الكاذبةِ التي يعسرُ الوفاءُ بها ، وتارةً بالنميمةِ أوٍ الكذبِ ، فربَّما يرونَ منكَ مِنَ الأعمالِ أوِ الأقوالِ ما لا تبلغُ عقولُهُمْ كنهَهُ ، فيتخذونَ ذلكَ ذخيرةً عندَهُمْ يدخرونَها لوقتٍ تظهرُ فيهِ فرصةٌ للشرِّ ، فإذا (١) رواه الخطابي في ((العزلة)) (١٩) من قول ابن سيرين رحمه الله تعالى. (٢) رواه الخطابي في (( العزلة)) (٢٦). (٣) رواه الخطابي في ((العزلة)) (٢٨)، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (٢٤٠٣ ) . ٢٨٩ كتاب آداب العزلة ربع العادات اعتزلتَهُمُ .. استغنيتَ عنِ التحقُّظِ عنْ جميع ذلكَ، ولذلكَ قالَ بعضُ الحكماءِ لغيرِهِ : أعلِّمُكَ بيتينِ خيرٌ مِنْ عشرةِ آلافٍ درهم ؟ فقالَ : ما هما ؟ قالَ(١): [من الخفيف] وَأَلْتَفِتْ بِالنَّهارِ قَبْلَ الْمَقَالِ إِخْفِضِ الصَّوْتَ إِنْ نَطَقْتَ بِلَيْلِ بِقَبِيح يَكُونُ أَوْ بِجَمالٍ لَيْسَ لِلْقَوْلِ رَجْعَةٌ حِينَ يَبْدُو ولا شكَّ أنَّ مَنِ اختلطَ بالناسِ ، وشاركَهُمْ في أعمالِهِمْ .. لمْ ينفكَّ مِنْ حاسدٍ وعدوٍّ يسيُ الظنَّ بهِ ، ويتوهَّمُ أنَّهُ يستعدُّ لمعاداتِهِ ، ولنصبِ المكيدةِ عليهِ ، ولتدسيسٍ غائلةٍ وراءَهُ، فالناسُ مهما اشتدَّ حرصُهُمْ على أمرٍ .. يحسبونَ كلَّ صيحةٍ عليهِمْ ، هُمُ العدوُّ فاحذرْهُمْ . وقدِ اشتدَّ حرصُهُمْ على الدنيا ، فلا يظنُّونَ بغيرِهِمْ إلا الحرصَ عليها ، قالَ المتنبِّي(٢) : [من الطويل] وَصَدَّقَ مَا يَعْتادُهُ مِنْ تَوَهُّمِ إِذا ساءَ فِعْلُ أَلْمَرْءِ ساءَتْ ظُنُونُهُ وَعَادَى مُحِبِّهِ بِقَوْلٍ عِدَاتِهِ فَأَصْبَحَ فِي لَيْلٍ مِنَ الشَّكِّ مُظْلِمٍ وقدْ قيلَ : ( معاشرةُ الأشرارِ تورثُ سوء الظنِّ بالأبرارِ)(٣). (١) رواه الخطابي في ((العزلة)) (٦٥)، وانظر ((شرح نهج البلاغة)) (٤٨/١٠). (٢) ديوانه بشرح العكبري (١٣٥/٤)، وسياق المصنف عند الخطابي في (( العزلة)) ( ص٤٠ ) . (٣) حكاه الخطابي في ((العزلة)) (ص ٤٠). ٢٩٠ ربع العادات كتاب آداب العزلة وأنواعُ الشرِّ الذي يلقاهُ الإنسانُ مِنْ معارفِهِ ومَنْ يختلطُ بهِ كثيرةٌ ، ولسنا نطوِّلُ بتفصيلِها ، ففيما ذكرناهُ إشارةٌ إلى مجامعِها ، وفي العزلةِ خلاصٌ عنْ جميعِها ، وإلى هذا أشار أكثرُ مَنِ اختارَ العزلةَ، فقالَ أبو الدرداءِ : ( اخْبُرْ تَقْلَةٍ)(١). وقالَ الشاعرُ(٢): [من السريع] ثُمَّ بَلاهُمْ ذَّ مَنْ يَحْمَدُ مَنْ حَمِدَ النَّاسَ وَلَمْ يَبْلُهُمْ وَصارَ بِالْوَحْدَةِ مُسْتَأْنِساً يُوحِشُهُ الأَقْرَبُ وَالأَبْعَدُ وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( في العزلةِ راحةٌ مِنَ الخليطِ السوءِ)(٣). وقيلَ لعبدِ اللهِ ابنِ الزبيرِ : ألا تأتي المدينةَ ؟ فقالَ : ما بقيَ فيها إلا حاسدُ نعمةٍ، أَوْ فَرِحٌ بنقمةٍ(٤) . وقال ابنُ السمَّاكِ : ( كتبَ صاحبٌ لنا : أمَّا بعد : فإنَّ الناسَ كانوا دواءً يُتداوىُ بهِ ، فصاروا داءً لا دواءَ لهُ، ففرَّ منهُمْ فرارَكَ مِنَ الأسدِ )(٥). (١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٨٥)، ورواه الخطابي في ((العزلة)) (٨٦) عنه يرفعه ، ومعناه : من خَبَر الناس وعرفهم .. أبغضهم وتركهم، والهاء في ( تقلّه ) للسكت . (٢) انظر ((الموشى)) (ص ٢٢). (٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥٦١٨)، والخطابي في (( العزلة)) (١٣). (٤) القول لعبد الله بن عروة بن الزبير، رواه عنه الخطابي في (( العزلة)) (٢٩)، وأبو نعيم في (( الحلية)) (٢٩٩/٧). (٥) رواه الخطابي في ((العزلة)) (٣٥) وتمامه : ( واتخذ الله تعالى مؤنساً والسلام). ٢٩١ كتاب آداب العزلة ربع العادات وكانَ بعضُ الأعرابِ يلازمُ شجراً ويقولُ : هوَ نديمٌ فيهِ ثلاثُ خصالٍ : إِنْ سمعَ مِنِّي .. لمْ ينمَّ عليَّ، وإنْ تفلتُ في وجهِهِ .. احتملَ مِنِّي ، وإنْ عربدتُ عليهِ .. لمْ يغضبْ، فسمعَ الرشيدُ ذلكَ فقالَ : زهَّدَني في الندماءِ(١). وكانَ بعضُهُمْ قد لزمَ الدفاترَ والمقابرَ ، فقيلَ لهُ في ذلكَ، فقالَ: لمْ أَرَ أسلمَ مِنْ وحدةٍ ، ولا أوعظَ مِنْ قبرٍ ، ولا جليساً أمتعَ مِنْ دفترٍ (٢). وقالَ الحسنُ رضيَ اللهُ عنهُ : أردتُ الحجَّ ، فسمعَ ثابتٌ البنانيُّ ذلكَ ، وكانَ أيضاً مِنْ أولياءِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، فقالَ : بلغَني أنَّكَ تريدُ الحجَّ ، فأحببتُ أنْ نصطحبَ ، فقالَ لهُ الحسنُ : ويحَكَ ، دعْنا نتعاشرُ بسترِ اللهِ علينا ، إنِّي أخافُ أنْ نصطحبَ فيرى بعضُنا مِنْ بعضٍ ما نتماقتُ عليهِ (٣). وهذهِ إشارةٌ إلى فائدةٍ أخرى في العزلةِ ، وهيَ بقاءُ السترِ على الدينِ والمروءةِ والأخلاقِ ، والفقرِ وسائرِ العوراتِ، وقدْ مدحَ اللهُ سبحانَهُ المتستِّرِينَ فقالَ: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾. وقالَ الشاعر (٤): [من الطويل] وَلا عَارَ إِنْ زالَتْ عَنِ الْحُرِّ نِعْمَةٌ وَلَكِنَّ عاراً أَنْ يَزُولَ التَّجَمُّلُ (١) رواه الخطابي في ((العزلة)) (٤٤). (٢) حكاه الخطابي في ((العزلة)) ( ص ٢٧). (٣) رواه الدينوري في (( المجالسة وجواهر العلم)) ( ص٢٠١) . (٤) البيت لعلي بن الجهم في ((ديوانه)) ( ص١٧٣ ). ٢٩٢ ربع العادات كتاب آداب العزلة حر ولا يخلو الإنسانُ في دينِهِ ودنياهُ وأخلاقِهِ وأَفعالِهِ عنْ عوراتٍ ، الأَولىُ لهُ في الدينِ والدنيا سترُها ، ولا تبقى السلامةُ معَ انكشافِها . وقالَ أبو الدرداءِ : ( كانَ الناسُ ورقاً لا شوكَ فيهِ ، فالناسُ اليومَ شوكٌ لا ورقَ فيهِ)(١)، وإذا كانَ هذا حكْمَ زمانِهِ وهوَ في أواخرِ القرنِ الأوَّلِ .. فلا ينبغي أنْ يُشكّ في أنَّ الأخيرَ شرٍ . وقالَ سفيانُ بنُ عيينةَ : قالَ لي سفيانُ الثوريُّ في اليقظةِ في حياتِهِ ، وفي المنامِ بعدَ وفاتِهِ : ( أقلِلْ مِن معرفةِ الناسِ ؛ فإنَّ التخلُّصَ منهُمْ شديدٌ ، ولا أحسبُ أنِّي رأيتُ ما أكرهُ إلا ممَّنْ عرفتُ)(٢). وقالَ بعضُهُمْ : جئتُ إلى مالكِ بنِ دينارٍ وهوَ قاعدٌ وحدَهُ ، وإذا كلبٌ قدْ وضعَ حنكَهُ على ركبتِهِ ، فذهبتُ أطردُهُ، فقالَ: دعْهُ يا هذا؛ هذا لا يضرُّ ولا يؤذي ، وهوَ خيرٌ مِنَ الجليسِ السوءِ(٣). وقيلَ لبعضِهِمْ : ما حملَكَ على أنْ تعتزلَ الناسَ ؟ قالَ : خشيتُ أنْ أسلبَ ديني ولا أشعرُ(٤). (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((مداراة الناس)) ( ١٣). (٢) قول الثوري في اليقظة رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٨٩/٦) عن خلف بن تميم ، وفي المنام (٣٨٣/٦) بنحوه . (٣) رواه أبو نعيم في (( الحلية)) (٣٨٤/٢). (٤) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٦) من زوائد نعيم بن حماد ، والقول لشرحبيل بن السمط . ٢٩٣ ٠٠ - كتاب آداب العزلة ربع العادات وهذهِ إشارةٌ إلى مسارقةِ الطبع مِنْ أخلاقِ القرينِ السوءِ . وقالَ أبو الدرداءِ : ( اتقوا اللهَ واحذروا الناسَ ؛ فإنَّهُمْ ما ركبوا ظهرَ بعيرٍ إلا أدبروهُ، ولا ظهرَ جوادٍ إلا عقروهُ، ولا قلبَ مؤمنٍ إلا خرَّبوهُ)(١). وقالَ بعضُهُمْ : ( أقللْ مِنَ المعارفِ ؛ فإنَّهُ أسلمُ لدينِكَ وقلبكَ ، وأخفُّ لسقوطِ الحقوقِ عنكَ)(٢)؛ لأنَّهُ كلَّما كثرَتِ المعارفُ .. كثرَتِ الحقوقُ وعسرَ القيامُ بالجميعِ . وقالَ بعضُهُمْ: ( أنكرْ مَنْ تعرفُ، ولا تتعرَّفْ إلى مَنْ لا تعرِفُ)(٣). الفائدةُ الخامسةُ : أنْ ينقطعَ طمعُ الناسِ عنكَ ، وينقطعَ طمعُكَ عنِ الناسِ : ٠٧ فأمَّا انقطاعُ طمع الناسِ .. ففيهِ كلُّ الجدوى ؛ فإِنَّ رضا الناس غايةٌ لا تدركُ، فاشتغالُ المرءِ بإصلاحِ نفسِهِ أولى . ومِنْ أهونِ الحقوقِ وأيسرِها حضورُ الجنائزِ ، وعيادةُ المريضِ ، وحضورُ الولائم والإملاكاتِ ، وفيها تضييعُ الأوقاتِ ، والتعرُّضُ للآفاتِ . ثمَّ قَدْ تعوَّقُ عنْ بعضِها العوائقُ ، وتُستقبلُ فيها المعاذيرُ ، ولا يمكنُ (١) أدبروه : أحفوه أو نقبوه . (٢) قوت القلوب (٢١٣/٢) . (٣) قوت القلوب (٢١٤/٢). ٢٩٤ ربع العادات كتاب آداب العزلة ون إظهارُ كلِّ الأعذارِ ، فيقولونَ لهُ : قمتَ بحقِّ فلانٍ وقصَّرْتَ في حقُّنا ، ويصيرُ ذلكَ سببَ عداوةٍ ، فقدْ قيلَ : مَنْ لمْ يعدْ مريضاً في وقتِ العيادةِ .. اشتهى موتَه خيفةً مِنْ تخجيلِهِ - إذا صحَّ - على تقصيرِهِ . ومَنْ عمَّمَ الناسَ كلَّهُمْ بالحرمانِ .. رضُوا عنهُ كلُّهُمْ، ولوْ خصَّصَ .. استوحشوا، وتعميمُهُمْ بجميع الحقوقِ لا يقدرُ عليهِ المتجرِّدُ لهُ طولَ الليل والنهارِ ، فكيفَ مَنْ لهُ مهمٌّ يشغلُهُ في دينٍ أوْ دنيا ؟! قالَ عمرُو بنُ العاصِ : ( كثرةُ الأصدقاءِ كثرةُ الغرماءِ ) . وقالَ ابنُ الروميّ (١): [من الوافر ] عَدُؤُكَ مِنْ صَدِيقِكَ مُسْتَفَادٌ فَلا تَسْتَكْثِرَنَّ مِنَ الصِّحابِ فَإِنَّ الدَّاءَ أَكْثَرُ ما تَراهُ يَكُونُ مِنَ الطَّعامِ أَوِ الشَّرابِ وقالَ الشافعيُّ رضيَ اللهُ عنهُ : ( أصلُ كلِّ عداوةٍ اصطناعُ المعروفِ إلى اللئامِ)(٢). وأمَّا انقطاعُ طمعِكَ عنهُمْ .. فهوَ أيضاً فائدةٌ جزيلةٌ ، فإنَّ مَنْ نظرَ إلى زهرةِ الدنيا وزينتِها .. تحرَّكَ حرصُهُ، وانبعثَ بقوَّةِ الحرصِ طمعُهُ ، ولا يرى إلا الخيبةَ في أكثرِ الأطماع، فيتأذَّى بهِ ، ومهما اعتزلَ .. لمْ (١) ديوانه (١/ ٢٣١). (٢) رواه الخطابي في (( العزلة)) (ص٩٤) بنحوه، وبلفظه رواه أبو نعيم في (( الحلية)) (٦/ ٣٩٠) ولكن عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى . ٢٩٥ كتاب آداب العزلة ربع العادات يشاهدْ، وإذا لمْ يشاهدْ .. لمْ يشتهِ ولمْ يطمعْ، ولذلكَ قالَ اللهُ تعالى : ﴿ وَلَا تَمُدَّنَ عَيِّنَيَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ: أَزْوَجًا مِنْهُمْ﴾. وقال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((انظروا إلى مَنْ هوَ دونَكُمْ، ولا تنظروا إلىْ مَنْ هوَ فوقَكُمْ؛ فإنَّهُ أجدرُ ألا تزدروا نعمةَ اللهِ عليكُمْ))(١) . وقالَ عونُ بنُ عبدِ اللهِ : ( كنتُ أجالسُ الأغنياءَ ، فلمْ أزلْ مغموماً ، كنتُ أرى ثوباً أحسنَ مِنْ ثوبي ، ودابَّةً أَفرَهَ مِنْ دائَّتِي ، فجالستُ الفقراءَ فاسترحتُ )(٢) . وحُكِيَ أنَّ المزنيَّ رحمَهُ اللهُ خرِجَ مِنْ بابِ جامع الفسطاطِ وقدْ أقبلَ ابنُ عبدِ الحكمِ في موكبِهِ ، فبهرَهُ ما رأى مِنْ حالِهِ وحسنٍ هيئتِهِ ، فتلا قولَهُ تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾، ثمَّ قالَ: بلى أصبرُ وأرضى ، وكانَ فقيراً مقلّاً (٣) . فالذي هوَ في بيتِهِ لا يُبتلى بمثلِ هذهِ الفتنِ ؛ فإنَّ مَنْ شاهدَ زينةَ الدنيا .. فإمّا أنْ يقوى دينُهُ ويقينُهُ فيصبرَ ، فيحتاجَ إلى أنْ يتجرَّعَ مرارةَ الصبرِ ، وهُوَ أمرُّ مِنَ الصَّبرِ ، أوْ تنبعثَ رغبتُهُ ، فيحتالَ في طلبِ الدنيا ، فيهِلِكَ هلاكاً مؤَّداً ، أمَّا في الدنيا .. فبالطمع الذي يخيبُ في أكثرِ الأوقاتِ ، فليسَ كلُّ (١) رواه مسلم ( ٢٩٦٣). (٢) رواه الخطابي في ((العزلة)) (ص٣٥)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٤٣/٤). (٣) رواه الخطابي في ((العزلة)) (ص٣٥) . ٢٩٦ ربع العادات كتاب آداب العزلة مَنْ يطلبُ الدنيا تتيسَّرُ لهُ، وأمَّا في الآخرةِ .. فبإيثارِهِ متاعَ الدنيا على ذكرِ اللهِ تعالى والتقرُّبِ إليهِ . ولذلكَ قالَ ابنُ الأعرابيّ(١): [من الطويل] سَمَوْتُ إِلَى الْعَلْيَاءِ مِنْ جَانِبِ اٌلْفَقْرِ إِذا كانَ بابُ الذُّلِّ مِنْ جَانِبِ الْغِنَى أشارَ إلى أنَّ الطمعَ يوجبُ في الحالِ ذلاً . الفائدةُ السادسةُ : الخلاصُ مِنْ مشاهدةِ الثقلاءِ والحمقى ومقاساةٍ حمقِهِمْ وأخلاقِهِمْ : فإنَّ رؤيةَ الثقيلِ هيَ العمى الأصغرُ . قيلَ للأعمشِ : ممَّ عمشتْ عيناكَ ؟ قالَ : مِنَ النظرِ إلى الثقلاءِ (٢). ويُحكى أنَّهُ دخلَ عليهِ أبو حنيفةَ ، فقالَ لهُ : في الخبرِ أنَّ مَنْ سلبَ اللهُ كريمتيهِ .. عَوَّضَهُ اللهُ عنهما ما هوَ خيرٌ منهما (٣) ، فما الذي عوَّضكَ؟ فقالَ في معرضِ المطابيةِ : عوَّضَني عنهما أنَّهُ كفاني رؤيةَ الثقلاءِ وأنتَ منهُمْ (٤). (١) رواه له الخطابي في ((العزلة)) (ص٣٦)، وانظر ((شرح نهج البلاغة)) (٥١/١٠). (٢) رواه الخطابي في (( العزلة)) ( ص ٤٢ ) . (٣) فقد روى البخاري (٥٦٥٣) مرفوعاً: ((إن الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر .. عوضته منهما الجنة )) ، يريد عينيه . (٤) رواه ابن عدي في ((الكامل)) (٣٢٥/٦)، وابن عبد البر في (( جامع بيان العلم وفضله)) (٢١٦٤) بنحوه، وانظر ((الإتحاف)) (٣٦١/٦). ٢٩٧ كتاب آداب العزلة ربع العادات وقالَ ابنُ سيرينَ : سمعتُ رجلاً يقولُ : ( نظرتُ إلى ثقيلِ مرَّةً فغشيَ عليَّ)(١) . وقالَ جالينوسُ : ( لكلِّ شيءٍ حمىٌ، وحمى الروحِ النظرُ إلى الثقلاءِ)(٢). وقالَ الشافعيُّ رضيَ اللهُ عنهُ : ( ما جالستُ ثقيلاً إلا وجدتُ الجانبَ الذي يليهِ مِنْ بدني كأنَّهُ أنقلُ عليَّ مِنَ الجانبِ الآخرِ ) . وهذهِ الفوائدُ ما سوى الأوليينِ متعلقةٌ بالمقاصدِ الدنيويةِ الحاضرةِ ، ولكنَّها أيضاً تتعلَّقُ بالدين ، فإنَّ الإنسانَ مهما تأذَّى برؤيةِ ثقيلٍ .. لمْ يأمنْ أنْ يغتابَهُ، ويستنكرَ ما هوَ صِنْعُ اللهِ ، فإذا تأذَّى مِنْ غيرِهِ بغيبةٍ أوْ سوءِ ظنٍّ أوْ محاسدةٍ أوْ نميمةٍ أوْ غيرِ ذلكَ .. لمْ يصبرْ عنْ مكافأتِهِ ، وكلُّ ذلكَ يجُّ إلى فسادِ الدينِ ، وفي العزلةِ سلامةٌ عنْ جميعِ ذلكَ ، فليفهمْ . (١) رواه الخطابي في (( العزلة)) ( ص٤٣). (٢) حكاه الخطابي في (( العزلة)) ( ص٤٣) عن الأعمش عن جالينوس. ٢٩٨ ربع العادات كتاب آداب العزلة آفات العزلة اعلمْ : أنَّ مِنَ المقاصدِ الدينيةِ والدنيويةِ ما يُستفادُ مِن الاستعانةِ بالغيرِ ، ولا يحصلُ ذلكَ إلا بالمخالطةِ ، فكلُّ ما يُستفادُ مِنَ المخالطةِ يفوتُ بالعزلةِ ، وفواتُهُ مِنْ آفاتِ العزلةِ . فانظرْ إلى فوائدِ المخالطةِ ، والدواعي إليها ما هيَ ؟ وهيَ التعليمُ والتعلُّمُ ، والنفعُ والانتفاعُ ، والتأديبُ والتأذُّبُ ، والاستئناسُ والإيناسُ ، ونيلُ الثوابِ وإنالتُهُ في القيامِ بالحقوقِ ، واعتيادُ التواضع ، واستفادةُ التجاربِ مِنْ مشاهدةِ الأحوالِ والاعتبارِ بها . فلنفصِّلْ ذلكَ ؛ فإنَّها مِنْ فوائدِ المخالطةِ ، وهيَ سبعٌ : الفائدةُ الأولى : التعليمُ والتعلُّمُ : وقدْ ذكرنا فضلَهُما في كتابِ العلمِ ، وهما أعظمُ العباداتِ في الدنيا ، ولا يتصوَّرُ ذلك إِلا بالمخالطةِ ، إلا أنَّ العلومَ كثيرةٌ ، وعنْ بعضِها مندوحةٌ ، وبعضُها ضروريٍّ في الدنيا . فالمحتاجُ إلى التعلُّمِ لما هوَ فرضٌ عليهِ عاصٍ بالعزلةِ ، وإنْ تعلَّمَ الفرضَ وكانَ لا يتأتَّى منهُ الخوضُ في العلوم ، ورأى الاشتغالَ بالعبادةِ .. فليعتزلْ . وإنْ كانَ يقدرُ على التبرُّزِ في علومِ الشرعِ والعقلِ .. فالعزلةُ في حقِّهِ قبلَ ٢٩٩ كتاب آداب العزلة ربع العادات التعلُّمِ غايةُ الخسرانِ ، ولهذا قال النخعيُّ وغيرُهُ: ( تفقَّه ثمَّ اعتزلٍ)(١). ومنِ اعتزلَ قبلَ التعلُّمِ .. فهوَ في الأكثرِ مضيِّعٌ أوقاتَهُ بنومٍ أوْ فكرٍ في هوسٍ ، وغايتُهُ أنْ يستغرقَ الأوقاتَ بأورادٍ يستوعبُها ، ولا ينفكُّ في أعمالِهِ بالبدنِ والقلبِ عنْ أنواعٍ مِنَ الغرورِ ، فيخيبُ سعيُهُ، ويبطلُ عملُهُ بحيثُ لا يدري ، ولا ينفكُّ في اعتقادِهِ في اللهِ وصفاتِهِ عنْ أوهام يتوهّمُها ويأنسُ بها ، وعنْ خواطرَ فاسدةٍ تعتريهِ فيها ، فيكونُ في أكثرِ أحوالِهِ ضُحْكةً ے للشيطانِ ، وهوَ یریُ نفسَهُ مِنَ العبَّادِ ! فالعلمُ هوَ أَصلُ الدينِ ، فلا خيرَ في عزلةِ العوامِّ والجهَّالِ ؛ أعني : مَنْ لا يحسنُ العبادةَ في الخلوةِ ، ولا يعرفُ جميعَ ما يلزمُهُ فيها . فمثالُ النفسِ مثالُ مريضٍ يفتقرُّ إلى طبيبٍ متلطّفٍ يعالجُهُ ، فالمريضُ الجاهلُ إذا خلا بنفسِهِ عنِ الطبيبِ قبلَ أنْ يتعلَّم الطبَّ .. تضاعفَ - لا محالةً - مرضُهُ ، فلا تليقُ العزلةُ إلا بالعالمِ . وأمَّا التعليمُ .. ففيهِ ثوابٌ عظيمٌ مهما صحَّتْ نيَّةُ المعلِّم والمتعلِّم ، ومهما كانَ القصدُ إقامةَ الجاهِ والاستكثارَ بالأصحابِ والأتباع .. فهوَ هلاكُ الدينِ ، وقدْ ذكرنا وجهَ ذلكَ في كتابِ العلمِ . وحكْمُ العالمِ في هذا الزمانِ ، أنْ يعتزلَ إنْ أرادَ سلامةَ دينهِ ؛ فإنَّهُ لا يرى مستفيداً يطلبُ فائدةً لدينِهِ ، بلْ لا طالبَ إلا لكلام مزخرفٍ يُستمالُ (١) رواه الخطابي في ((العزلة)) (٤٢). ٣٠٠