Indexed OCR Text

Pages 161-180

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
ومنها : أنْ يكونَ معَ كافةِ الخلْقِ مستبشراً طلْقَ الوجهِ رفيقاً : قالَ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( أتدرونَ علىُ منْ حُرمَتِ النارُ؟)) قالوا: اللهُ
ورسولُهُ أعلمُ، قالَ: ((على الليِّنِ الهَيِِّ السهلِ القريبِ))(١) .
وقالَ أبو هريرةَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ يحبُّ
السهلَ الطلْقَ ))(٢) .
وقالَ بَعضُهُمْ : يا رسولَ اللهِ ؛ دلَّني على عملٍ يدخلُني الجنَّةَ، فقالَ :
((إنَّ مِنْ موجباتِ المغفرةِ بذلَ السلام، وحسنَ الكلام))(٣).
وقالَ عبدُ اللهِ بنُّ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما : ( البرُّ شيءٌّ هيِّنٌ؛ وجهٌ طليقٌ
وكلامٌ لِيِّنٌ )(٤) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( اتقوا النارَ ولوْ بشقِّ تمرةٍ ، فإنْ لمْ
تجدوا .. فبكلمةٍ طيِّةٍ))(٥).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ في الجنَّةِ لغرفاً يُرى ظهورُها مِنْ
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٤١٥/١)، والطبراني في « الكبير)) (٣٥٢/٢٠)، وهو
عند الترمذي ( ٢٤٨٨) من غير كلمة ( اللين ) .
(٢) رواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) ( ١٠٨٣)، والبيهقي في ((الشعب)) (٧٦٩٨).
(٣) رواه الطبراني في «الكبير)) (١٨٠/٢٢)، والقضاعي في ((مسند الشهاب))
( ١١٤٠ ) .
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((مداراة الناس)) (١٠٩)، والبيهقي في ((الشعب))
( ٧٧٠٢ ) .
(٥) رواه البخاري ( ١٤١٣)، ومسلم ( ١٠١٦).
١٦١

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
بطونها ، وبطونُها منْ ظهورِها)»، فقالَ أعرابيٌّ: لمَنْ هيَ يا رسولَ اللهِ ؟
قالَ: ((لِمَنْ أطابَ الكلامَ، وأطعمَ الطعامَ، وصلّى بالليلِ والناسُ
نيامٌ))(١) .
وقالَ معاذُ بنُ جبلٍ : قالَ لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
(«أوصيكَ بتقوى اللهِ ، وصدقِ الحديثِ ، ووفاء بالعهدِ ، وأداءِ الأمانةِ ،
وتركِ الخيانةِ ، وحفظِ الجارِ ، ورحمةِ اليتيمٍ ، ولينِ الكلامِ ، وبذلِ
السلامِ، وخفضٍ الجناحِ)) (٢).
*G
وقالَ أنسٌ رضيَ اللهُ عنهُ عرضَتْ لنبيِّ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ امرأةٌ
وقالَتْ: لي معكَ حاجةٌ، وكان معهُ ناسٌ مِنْ أصحابِهِ ، فقالَ: ((اجلسي
في أيِّ نواحي السككِ شئتِ .. أجلِسْ إليكِ))، ففعلَتْ، فجلسَ إليها حتَّى
قضَتْ حاجتها(٣).
وقالَ وهبُّ بنُ منيهٍ : إنَّ رجلاً مِنْ بني إسرائيلَ صامَ سبعينَ سنةً ، يفطرُ
في كلِّ سبعة أيامٍ ، فسألَ اللهَ تعالىُ أنْ يريَهُ كيفَ يغوي الشيطانُ الناسَ ، فلمَّا
طالَ عليهِ ذلكَ ولمْ يُجَبْ .. قالَ : لوِ اطلعتُ على خطيئتي وذنبي بيني وبينَ
ربِّي .. لكانَ خيراً لي مِنْ هذا الأمرِ الذي طلبتُهُ ، فأرسلَ اللهُ إليهِ ملكاً فقالَ
٩٠
(١) رواه الترمذي (١٩٨٤).
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٤٠/١)، والبيهقي في ((الزهد الكبير)) (٩٥٦)،
والخطيب في ((تاريخ بغداد)) ( ٨ /٤٣٤).
(٣) رواه مسلم (٢٣٢٦) .
١٦٢

ربع العادات
٣٦٠٠
كتاب آداب الصحبة
لهُ: إنَّ اللهَ أرسلَني إليكَ وهوَ يقولُ لكَ: إنَّ كلامَكَ هذا الذي تكلَّمْتَ بهِ
أحبُّ إليَّ ممَّا مضى مِنْ عبادتِكَ، وقدْ فتحَ اللهُ بصرَكَ فانظرْ ، فنظرَ ، فإذا
جنودُ إبليسَ قدْ أحاطَتْ بالأرضِ ، وإذا ليسَ أحدٌ مِنَ الناسِ إلا والشياطينُ
حولَهُ كالذبابِ، فقالَ: أَيْ رِّ؛ مَنْ ينجو مِنْ هذا؟ فقالَ: الوادعُ اللّيِّنُ(١).
ـون
ومنها : ألا يعدَ مسلماً بوعدٍ إلا ويفي بهِ : قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((الْعِدَةُ عطيَّةٌ))(٢).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : ((العِدَةُ دينٌ))(٣).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( ثلاثٌ في المنافقِ: إذا حدثَ ..
كذبَ، وإذا وعدَ .. أخلفَ، وإذا اؤتمنَ .. خانَ))(٤).
من
-ئن
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( ثلاثٌ مَنْ كنَّ فيهِ .. فهوَ منافقٌ وإنْ صامَ
وصلَّى )) وذكرَ ذلكَ(٥).
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٢/٤)، وفيها وفي (ق): (الورع) بدل (الوادع).
(٢) رواه الطبراني في ((الأوسط)) ( ١٧٧٣) عن قباث بن أشيم رضي الله عنه، وأبو نعيم
في ((الحلية)) (٢٥٩/٨) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه ، ورواه عبد الرزاق في
((المصنف)) (٩٥/١١)، وأبو داوود في (( المراسيل)) (٥١٨) عن الحسن مرسلاً.
(٣) رواه الطبرانى فى ((الأوسط)) (٣٥٣٨)، و((الصغير)) (١٤٩/١) عن علي
وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما .
(٤) رواه البخاري (٣٣)، ومسلم (٥٩).
(٥) رواه مسلم (٥٩) بهذا اللفظ، وأصله في (( الصحيحين)) كما تقدم.
١٦٣

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
ومنها : أنْ ينصفَ الناسَ مِنْ نفسِهِ ، ولا يأتيَ إليهِمْ إلا بما يحبُّ أنْ يُؤتى
إليهِ : قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا يستكملُ العبدُ الإيمانَ حتَّى يكونَ فيهِ
ثلاثُ خصالٍ : الإنفاقُ مِنَ الإقتارِ ، والإنصافُ منْ نفسِهِ ، وبذلُ
السلام))(١) .
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : (( منْ سرَّهُ أنْ يُزحزحَ عنِ النارِ ويدخلَ
الجنَّةَ .. فلتأتِهِ منيتُهُ وهوَ يشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ محمداً رسولُ اللهِ ،
وليأتِ إلى الناسِ ما يحبُّ أنْ يُؤتى إليهِ))(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( يا أبا الدرداءِ؛ أحسنْ مجاورةَ مَنْ
جاورَكَ .. تكنْ مؤمناً، وأحبّ للناسِ ما تحبُّ لنفسِكَ .. تكنْ مسلماً))(٣).
وقالَ الحسنُ : ( أوحى اللهُ تعالى إلى آدمَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بأربع
خصالٍ ، وقالَ : فيهنَّ جماعُ الأمرِ لكَ ولولدِكَ : واحدةٌ لي ، وواحدةٌ
لكَ ، وواحدةٌ بيني وبينَكَ ، وواحدةٌ بينكَ وبينَ الخلقِ ؛ فأما التي لي ..
فتعبدُني ولا تشركُ بي شيئاً ، وأمَّا التي لكَ .. فعملُكَ أجزيكَ بهِ أفقرَ
ـحن
(١) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٣٦٠)، وأبو نعيم في ((الحلية))
(١٤١/١)، وأوقفه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٣٨٦/١٠) على راويه عمار بن
ياسر رضي الله عنهما .
(٢) رواه مسلم (١٨٤٤)، والطبراني في «الأوسط)) ( ٤٧٣٨).
(٣) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٢٥٢)، وسبق أنه قاله صلى الله عليه وسلم
لأبي هريرة رضي الله عنه .
١٦٤

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
ما تكونُ إليهِ ، وأمَّا التي بيني وبينَكَ .. فعليكَ الدعاءُ وعليَّ الإجابةُ، وأمَّا
التي بينَكَ وبينَ الناسِ .. فتصحبُهُمْ بالذي تحبُّ أنْ يصحبوكَ بهِ)(١).
وسألَ موسى عليهِ السلامُ ربَّهُ تعالى فقالَ : أَيْ ربِّ ؛ أيُّ عبادِكَ أعدلُ ؟
قالَ: مَنْ أنصفَ مِنْ نفسِهِ (٢).
يـ
ومنها : أن يزيدَ في توقيرٍ مَنْ تدلُّ هيئتُهُ وثيابُهُ على علوٍّ منزلتِهِ : فينزلُ
الناس منازلَهُمْ، رُوِيَ أنَّ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها كانَتْ في سفرٍ ، فنزلَتْ
منزلاً، فوضعَتْ طعامَها ، فجاءَ سائلٌ ، فقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها :
ناولوا هذا المسكينَ قرصاً ، ثمَّ مزَّ رجلٌ على دابَةٍ ، فقالَتْ : ادعوهُ إلى
الطعام ، فقيلَ لها : تعطينَ السائلَ وتدعينَ هذا الغنيَّ؟! فقالَتْ: إنَّ اللهَ
تعالى قدْ أنزلَ الناسَ منازلَ ، لا بدَّ لنا أنْ ننزلَهُمْ تلكَ المنازلَ ، هذا
المسكينُ يرضى بقرصٍ ، وقبيحٌ بنا أن نعطيَ هذا الغنيَّ على هذهِ الهيئةِ
قرصاً(٣) .
(١) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٢٧٥٧)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٧٣/٦) من طريق
الحسن عن أنس مرفوعاً .
(٢) رواه هناد في ((الزهد)) (٤٨٩)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٣٩/٦١) عن
أبي عمرو الشيباني بلاغاً .
(٣) رواه أبو داوود (٤٨٤٢)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٧٩/٤) بنحوه ، وفيه قولها
رضي الله عنها : ( وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن ننزل الناس منازلهم ) .
١٦٥

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
ورُويَ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ دخلَ بعضَ بيوتِهِ ، فدخلَ عليهِ أصحابُهُ
حتَّى غصنَّ المجلسُ وامتلأَ ، فجاءَ جريرُ بنُ عبدِ اللهِ البجليُّ ، فلمْ يجدْ
مكاناً، فقعدَ على البابِ، فلفَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رداءَهُ ،
فألقاهُ إليهِ وقالَ لهُ: ((اجلسْ على هذا))، فأخذَهُ جريرٌ ووضعَهُ على
وجهِهِ ، وجعلَ يقبِّلُهُ ويبكي، ثمَّ لفَّهُ ورمى بهِ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
وقالَ : ما كنتُ لأجلسَ على ثوبِكَ ، أكرمَكَ اللهُ كما أكرمتَي ، فنظرَ النبيُّ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يميناً وشمالاً ثمّ قال: (( إذا أتاكُمْ كريمُ قوم ..
فأكرموهُ))(١) .
وكذلكَ كلُّ مَنْ لهُ عليهِ حقٌّ قديمٌ فليكرمْهُ ، رُوِيَ أنَّ ظئرَ رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ التي أرضعَتْهُ جاءَتْ إليهِ، فبسطَ لها رداءَهُ ، ثمّ قالَ
لها : ((مرحباً بأمِّي))، ثمَّ أجلسَها على الرداءِ، ثمَّ قالَ لها: ((اشفعي ..
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((مكارم الأخلاق)) (٧١)، والطبراني في ((الأوسط ))
(٥٢٥٧)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٢٠٦/٦).
٢
ثمن
قال الحافظ المناوي في (( فيض القدير)) (٢٤١/١): ( ليس المراد بكريم القوم
عالمهم أو صالحهم كما وهم البعض ، ألا ترى أنه لم ينسبه في الحديث إلى علم
ولا إلى دين ومن هذا السياق انكشف أن استثناء الكافر والفاسق كما وقع لبعضهم
منشؤه الغفلة عما تقرّر من أن الإکرام منوط بخوف محذور ديني أو دنيوي أو لحوق ضرر
للفاعل أو للمفعول معه ، فمتى خيف شيء من ذلك .. شرع إكرامه ، بل قد يجب ،
فمن قدم عليه بعض الولاة الظلمة الفسقة ، فأقصى مجلسه ، وعامله معاملة الرعية ..
فقد عرَّض نفسه وماله للبلاء ، فإن أوذي ولم يصبر .. فقد خسر الدنيا والآخرة ) .
١٦٦

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
تشفَّعِي، وسَلِي .. تعطَي))، فقالَتْ: قَومي، فقالَ: ((أمَّا حقُّ وحُّ بني
هاشمٍ .. فهوَ لكِ))، فقامَ الناسُ مِنْ كلِّ ناحيةٍ وقالوا: وحقُّنا
یا رسولَ اللهِ .
ـحة
ثمَّ وصلَها بعدُ، وأخدمَها ، ووهبَ لها سُهْمانَهُ بخيبرَ ، فبيعَ ذلكَ مِنْ
عثمانَ بنِ عفانَ رضيَ اللهُ عنهُ بمئةِ ألفِ درهم(١) .
-قر
(١) روى أبو داوود (٥١٤٤) عن أبي الطفيل رضي الله عنه قال : رأيت النبي صلى الله عليه
وسلم يقسم لحماً بالجعرانة ، قال أبو الطفيل : وأنا يومئذ غلام أحمل عظم جزور ، إذ
أقبلت امرأة حتى دنت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فبسط لها رداءه ، فجلست
عليه ، فقلت : من هي ؟ قالوا : أمه التي أرضعته .
وروى ابن أبي الدنيا في ((مكارم الأخلاق)) (٢١٤) عن عبد الرحمن بن
أبي الحسين : أن النبي صلى الله عليه وسلم أتت خالته من الرضاعة - يعني : سلمى
بنت أبي ذويب ــ فنزع رداءه عن ظهره، فبسطه لها وقال: (( مرحباً بأمي)).
وروى ابن سعد في ((الطبقات)) (٩٣/١) عن عمر بن سعد قال: جاءت ظئر النبي إلى
النبي صلى الله عليه وسلم ، فبسط لها رداءه ، وأدخل يده في ثيابها ووضعها على
صدرها ، وقضى حاجتها ، قال : فجاءت إلى أبي بكر ، فبسط لها رداءه وقال لها :
دعيني أضع يدي خارجاً من الثياب ، قال : ففعل وقضى لها حاجتها ، ثم جاءت إلى
عمر ، ففعل مثل ذلك .
ثم حكى ابن سعد منَّهُ صلى الله عليه وسلم على عشيرة حليمة رضي الله عنها ، وقوله
عليه الصلاة والسلام لهم: ((أما ما لي ولبني عبد المطلب .. فهو لكم ، وأسأل لكم
الناس ، فإذا صليت بالناس الظهر .. فقولوا : نستشفع برسول الله إلى المسلمين ،
وبالمسلمين إلى رسول الله ، فإني سأقول لكم: ما كان لي ... )) الحديث ، وهو عند
النسائي كذلك (٣٦٢/٦)، وأصله في ((الصحيحين)).
ووقع في ( ب، ق): ( ووهب لها أحدَ سهمانه بحنين ) .
١٦٧

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
ولربَّما أتاهُ مَنْ يأتيهِ وهو على وسادةٍ جالسٌ ، فلا يكونُ فيها سعةٌ يجلسُ
معَهُ ، فينتزعُها ويضعُها تحتَ الذي يجلسُ إليهِ ، فإنْ أبى .. عزمَ عليهِ حتى
يفعلَ(١) .
ومنها : أنْ يصلحَ ذاتَ البينِ بينَ المسلمينَ مهما وجدَ إليهِ سبيلاً : قالَ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((ألا أخبرُكُمْ بأفضلَ مِنْ درجةِ الصلاةِ والصيامِ
والصدقةِ؟)) قالوا: بلى، قالَ: (( إصلاحُ ذاتِ البينِ ، وفسادُ ذاتِ البينِ
هيَ الحالقةُ))(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أفضلُ الصدقةِ إصلاحُ ذاتِ البينِ))(٣).
وعنْ أنسٍ قالَ : بينما رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ جالسٌ إذْ ضحكَ
حتَّى بِدَتْ ثناياهُ ، فقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : يا رسولَ اللهِ ؛ بأبي أنتَ
ـون
(١) روى الحاكم في ((المستدرك)) (٥٩٩/٣) عن أنس رضي الله عنه قال : دخل سلمان
الفارسي على عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وهو متكىء على وسادة ، فألقاها له ،
فقال سلمان : صدق الله ورسوله - ثم قال - : دخلت على رسول الله صلى الله عليه
وسلم وهو متكىء على وسادة ، فألقاها إلي ثم قال : (( يا سلمان ؛ ما من مسلم يدخل
على أخيه ، فيلقي له وسادة إكراماً له إلا غفر الله له)).
حن
(٢) رواه مالك في ((الموطأ)) (٩٠٤/٢)، وأبو داوود (٤٩١٩)، والترمذي
(٢٥٠٩)، والحالقة : الخصلة التي شأنها أن تحلق ؛ أي : تهلك وتستأصل الدين
كما يستأصل المزينون الشعر، أو المراد: المزيلة لمن وقع فيها. ((إتحاف ))
(٢٦٧/٦ ) .
(٣) رواه عبد بن حميد في ((مسنده)) (٣٣٥)، والقضاعي في «مسند الشهاب)) (١٢٨٠).
١٦٨

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
وأمِّي ، ما الذي أضحكَكَ؟ قالَ: (( رجلانٍ مِنْ أمَّتي جَئيا بينَ يدي ربٍّ
العزَّةِ ، فقالَ أحدُهُما : يا ربِّ ؛ خذْ لي مظلمتي مِنْ هذا، فقالَ اللهُ
تعالى : ردَّ على أخيكَ مظلمتَهُ ، فقالَ : يا ربِّ ؛ لمْ يبقَ لي مِنْ حسناتي
شيءٌ، فقالَ اللهُ تعالى للطالبِ : كيفَ تصنعُ بأخيكَ، ولمْ يبقَ لهُ مِنْ
حسناتِهِ شيءٌ؟ فقالَ: يا ربِّ؛ فليحملْ عنِّي مِنْ أوزاري))، ثمَّ فاضَتْ
عينُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بالبكاءِ ، فقالَ: ((إنَّ ذلكَ ليومٌ عظيمٌ ،
يومٌّ يحتاجُ الناسُ فيهِ إلى أنْ يُحملَ عنْهُمْ مِنْ أوزارِهِمْ))، قالَ: ((فيقولُ اللهُ
تعالى للمتظلُّمِ : ارفعْ بصرَكَ فانظرْ في الجنانِ ، فقالَ : يا ربِّ ؛ أرى مدائنَ
مِنْ فضةٍ وقصوراً مِنْ ذهبٍ مكللةً باللؤلؤِ ، لأَيِّ نبيِّ هذا ، أوْ لأيِّ صدِّيقٍ أوْ
لأيّ شهيدٍ هذا؟ قالَ اللهُ تعالى: هذا لمَنْ أعطى الثمنَ ، قالَ : يا ربِّ؛
ومَنْ يملكُ ذلكَ ، قالَ : أنتَ تملكُهُ ، قالَ : بماذا يَا ربِّ ؟ قالَ : بعفوكَ
عنْ أخيكَ ، قالَ : يا ربِّ؛ قدْ عفوتُ عنهُ، قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ : خذْ بيدٍ
أخيكَ فأدخلْهُ الجنَّةَ))، ثمَّ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( اتقوا اللهَ وأصلحوا
ذاتَ بِينِكُمْ، فإنَّ اللهَ تعالى يصلحُ بينَ المؤمنينَ يومَ القيامةِ)) (١) .
وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ليسَ بكذَّابٍ مَنْ أصلحَ بينَ اثنينٍ فقالَ
خيراً))(٢) .
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((حسن الظن)) (١١٨)، والحاكم في ((المستدرك))
( ٥٧٦/٤ ) .
(٢) رواه البخاري (٢٦٩٢)، ومسلم (٢٦٠٥) .
١٦٩
ـن

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
وهذا يدلُّ على وجوبِ الإصلاحِ بينَ الناسِ ؛ لأنَّ تركَ الكذبِ واجبٌ ،
ولا يسقطُ الواجبُ إلا بواجبٍ آكدَ منهُ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( كلُّ
الكذبِ مكتوبٌ إلا أنْ يكذبَ الرجلُ في الحرْبِ ، فإنَّ الحربَ خَدعةٌ ، أوْ
يكذبَ بينَ اثنينٍ فيصلحَ بينَهُما، أوْ يكذبَ لامرأتِهِ ليرضيَها))(١).
ومنها : أنْ يسترَ عوراتِ المسلمينَ كلُّهِمْ : قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
(( مَنْ سترَ على مسلمٍ .. سترَهُ اللهُ تعالى في الدنيا والآخرةِ))(٢).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((لا يسترُ عبدٌ عبداً إلا سترَهُ اللهُ يومَ القيامةِ))(٣).
وقالَ أبو سعيد الخدريُّ: قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا يرى امرؤٌ مِنْ
أخيهِ عورةً فيسترُها عليهِ إلا دخلَ الجنَّةَ)) (٤).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لماعزِ لما أخبرَهُ: ((لوْ سترتَهُ بثوبِكَ .. كانَ
خيراً لكَ))(٥) .
05-
(١) رواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (١٨٧)، والبيهقي في ((الشعب)) (٤٤٦٠).
(٢) رواه مسلم (٢٦٩٩)، وعند البخاري (٢٤٤٢): ((ومن ستر مسلماً .. ستره الله يوم
القيامة )) .
(٣) رواه مسلم ( ٢٥٩٠).
(٤) رواه عبد بن حميد في ((مسنده)) (٨٨٥)، والطبراني في («الأوسط)) (١٥٠٣) من
حديث أبي سعيد رضي الله عنه، ورواه في (( الكبير)) (٢٨٨/١٧) من حديث عقبة
رضي الله عنه
(٥) رواه أبو داوود ( ٤٣٧٧)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٧٢٣٤).
١٧٠

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
فإذاً ؛ على المسلم أنْ يسترَ عورةَ نفسِهِ ، فحقُّ إسلامِهِ واجبٌ عليهِ كحقِّ
إسلامِ غيرِهِ ، قالَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ : ( لوْ أخذتُ شارباً .. لأحببتُ أنْ
يسترَهُ اللهُ، ولوْ أخذتُ سارقاً .. لأحببتُ أنْ يسترَهُ اللهُ)(١) .
مج مد
ورُوِيَ أنَّ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ كانَ يعسُّ بالمدينةِ ذاتَ ليلةٍ ، فرأى رجلاً
وامرأةً على فاحشةٍ ، فلمَّا أصبحَ .. قالَ للناسِ : أرأيتُمْ لوْ أنَّ إماماً رأى
رجلاً وامرأةً على فاحشةٍ ، فأقامَ عليهِما الحدَّ .. ما كنتُمْ فاعلينَ ؟ قالوا :
إنَّما أنتَ إمامٌ ، فقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: ليسَ ذلكَ لكَ ، إذاً يقامُ عليكَ
الحدُّ؛ إنَّ اللهَ لمْ يأمنْ على هذا الأمرِ أقلَّ مِنْ أربعةِ شهداءَ ، ثمَّ تركَهُمْ
ما شاءَ اللهُ أنْ يتركَهُمْ، ثمّ سألَهُمْ ، فقالَ القومُ مثلَ مقالتِهِمُ الأولىُ ، فقالَ
عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ مثلَ مقالتِهِ (٢).
وهذا يشيرُ إلى أنَّ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ كانَ متردِّداً في أنَّ الواليَ هْ لهُ أنْ
يقضيَ بعلمِهِ في حدودِ اللهِ تعالى ، فلذلكَ راجعَهُمْ في معرضٍ الفتوىُ ،
لا في معرضِ الإخبارِ ، خيفةٌ مِنْ ألا يكونَ لهُ ذلكَ ، فيكونَ قاذفاً بإخبارِهِ ،
ومالَ رأيُ عليٍّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ إلى أنَّهُ ليسَ لهُ ذلكَ .
فته
وهذا مِنْ أعظمِ الأدلَّةِ على طلبِ الشرع لسترِ الفواحشِ ، فإنَّ أفحشَها
الزنا ، وقدْ نيطَ بأربعةٍ مِنَ العدولِ يشاهدونَ ذلكَ منهُ في ذلكَ منها کالمرْوَدِ
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٨٦٦٤).
(٢) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٤٢٤) .
١٧١

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
في المُكْحُلَةِ ، وهذا قطُّ لا يتفقُ، وإنْ علمَهُ القاضي تحقيقاً .. لمْ يكنْ لهُ
أنْ يكشفَ عنهُ .
فانظرْ إلى الحكمةِ في حسْمٍ بابِ الفاحشةِ بإيجابِ الرجمِ الذي هوَ أعظمُ
العقوباتِ ، ثمَّ انظرْ إلى كثيفِ سترِ اللهِ كيفَ أسبلَهُ على العصاةِ مِنْ خلقِهِ
بتضييقِ الطريقِ في كشفِهِ .
فنرجو ألا نُحرمَ هذا الكرمَ يومَ تُبُلى السرائرُ، ففي الحديثِ: ((إنَّ اللهَ
تعالى إذا سترَ على عبدٍ عورتهُ في الدنيا .. فهوَ أكرمُ مِنْ أنْ يكشفَها في
الآخرةِ، وإنْ كشفَها في الدنيا .. فهوَ أكرمُ مِنْ أنْ يكشفَها مرةً أخرى)) (١).
وعنْ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ : حرستُ معَ عمرَ
رضيَ اللهُ عنهُ ليلةً في المدينةِ، فبينما نحنُ نمشي .. إذْ ظهرَ لنا
سراجٌ ، فانطلقنا نؤمُّهُ، فلمَّا دنونا منهُ .. إذا بابٌ مغلقٌ على قومٍ لهمْ
أصواتٌ ولغطٌ، فأخذَ عمرُ بيدي ، وقال لي : أتدري بيتَ مَنْ هذا؟
قلتُ : لا ، قالَ : هذا بيتُ ربيعةَ بنِ أميَّةَ بنِ خلفٍ، وهُمُ الآنَ شَرْبٌ(٢)،
فما ترى؟ قلتُ : أرى أنَّا قدْ أتينا ما نهانا اللهُ عنهُ، قالَ اللهُ تعالى:
c
(١) رواه الترمذي (٢٦٢٦)، وابن ماجه (٢٦٠٤) عن عليٍّ رضي الله عنه مرفوعاً ،
ولفظه: (( من أصاب حدّاً فعُجِّل في عقوبته في الدنيا .. فالله أعدل من أن يثنِّي على
عبده العقوبة في الآخرة ، ومن أصاب حداً فستره الله عليه وعفا عنه .. فالله أكرم من أن
يعود إلى شيء قد عفا عنه))، وعند مسلم (٢٥٩٠) مرفوعاً: (( لا يستر الله على
عبد في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة )) .
(٢) أي : يشربون الخمر .
١٧٢

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
﴿وَلَا تَّسُواْ﴾، فرجعَ عمرُ وتركَهُمْ(١).
وهذا يدلُّ على وجوبِ الستْرِ وتركِ التُّع، وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
لمعاويةَ: ((إنَّكَ إن اتبعتَ عوراتِ الناسِ .. أفسدتَهُمْ أوْ كدتَ تفسدُهُمْ))(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( يا معشرَ مَنْ آمَنَ بلسانِهِ ولمْ يدخلِ الإيمانُ
في قلبِهِ ؛ لا تغتابوا المسلمينَ ولا تتَّعُوا عوراتِهِمْ ؛ فإنَّهُ مَنْ يَعْ عورةَ أخيهِ
المسلمِ .. يتَّعِ اللهُ عورتهُ، ومَنْ يَبع اللهُ عورتَهُ .. يفضحْهُ ولوْ كانَ في
جوفٍ بيتِهِ))(٣).
وقالَ أبو بكرٍ الصدِّيقُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( لوْ رأيتُ أحداً على حدٍّ مِنْ
حدودِ اللهِ تعالى .. ما أخذتُهُ، ولا دعوتُ لهُ أحداً حتَّى يكونَ معيَ
غيري )(٤) .
وقالَ بعضُهُمْ : كنتُ قاعداً معَ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ ؛ إذْ
جاءَهُ رجلٌ بآخرَ ، فقالَ : هذا نشوانُ ، فقالَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ :
استنكهوهُ ، فاستنكهوهُ فإذا هوَ نشوانُ ، فحبسَهُ حتَّى ذهبَ سکرُهُ ، ثمَّ دعا
(١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢٣١/١٠)، والحاكم في ((المستدرك))
(٣٧٧/٤)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٣٣/٨).
(٢) رواه أبو داوود ( ٤٨٨٨) وبعده : فقال أبو الدرداء : كلمة سمعها معاوية من رسول الله
صلى الله عليه وسلم نفعه الله تعالى بها .
(٣) رواه أبو داوود ( ٤٨٨٠).
(٤) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٤٣١)، والبيهقي في (( السنن الكبرى))
( ١٠ /١٤٤ ) .
١٧٣

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
بسوطٍ، فكسرَ ثمرَهُ، ثمَّ قالَ للجلَّدِ: اجلدْ وارفعْ يدَكَ، وأعطِ كلَّ عضوٍ
ءُ
حقَّهُ ، فجلدَهُ وعليهِ قَبَاءٌ أَوْ قُرْطَقٌ، فلمَّا فرغَ . . قالَ للذي جاءَ بهِ : ما أنتَ
منهُ؟ قالَ : عقُّهُ، قالَ عبدُ اللهِ : ما أدبتَ فأحسنتَ الأدبَ، ولا سترتَ
الخَرْبَةَ، إنَّهُ ينبغي للإمام إذا انتهى إليهِ حدٍّ أنْ يقيمَهُ، وإنَّ اللهَ عفوٌ يحبُّ
العفوَ، ثُمَّ قرأَ: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ ... ﴾ الآيةَ، ثمّ قالَ: إِنِّي لأذكُرُ أَوَّلَ
رجلٍ قطعَهُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، أُتِيَ بسارقٍ فقطعَهُ، فكأنَّمَا أُسِفَّ
وجهُهُ، فقالوا : يا رسولَ اللهِ ؛ كأنَّكَ كرهتَ قطعَهُ، قالَ: (( وما يمنعُني ،
لا تكونوا عوناً للشياطين على أخيكُمْ، فقالُوا: ألا عفوتَ عنهُ؟! فقالَ: إنَّهُ
ينبغي للسلطانِ إذا انتهى إليهِ حدٍّ أنْ يقيمَهُ، إنَّ اللهَ عفوٌ يحبُّ العفوَ ، وقرأَ:
﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوَاْ أَلَا تُحِبُونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾))، وفي روايةٍ :
( فكأنَّما سُفِيَ في وجهِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رمادٌ لشدَّةِ تغيُّرِهِ)(١).
ورُوِيَ أنَّ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ كانَ يعسُّ بالمدينةِ مِنَ الليلِ ، فسمعَ صوتَ
رجلٍ في بيتٍ يتغنَّى، فتسوَّرَ عليهِ، فوجدَ عندَهُ امرأةً وعندَهُ خمرٌ ، فقالَ :
يا عدوّ اللهِ ؛ أظننْتَ أنَّ اللهَ يسترُكَ وأنتَ على معصيتِهِ ؟! فقالَ: وأنتَ
(١) الخبر بتمامه رواه عبد الرزاق في ((المصنف » (٣٧٠/٧)، والخرائطي في ( مكارم
الأخلاق)) (٤٤٤)، والطبراني في ((الكبير)) (١٠٩/٩)، والحديث المرفوع فيه
رواه أحمد فى ((المسند)) (٤١٩/١، ٤٣٨)، والحاكم فى ((المستدرك))
(٤/ ٣٨٢)، والقرطق: ثوب كالقَباء، وأصله لفظة فارسية (كُرْتِه) معناها: السربال
والقميص ، والخَربة : العورة ، والذلة والهوان والفضيحة ، أو الفساد في الدين ،
وأُسِفَّ وسُفِيَ : هو من الإسفاف ، والمراد منه التغيُّر والتقبُّض.
ـون
١٧٤

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
يا أميرَ المؤمنينِ ؛ فلا تعجلْ ، فإنْ كنتُ قدْ عصيتُ اللهَ واحدةً .. فقدْ
عصيتَ اللهَ في ثلاثٍ، قَالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَجَسُواْ﴾ وقدْ تجسسْتَ،
وقالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَيْسَ أَلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواْ اَلْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا﴾ وقدْ تسوَّرْتَ
عليَّ، وقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُواْ بُنَّا غَيّرَ بُوتِكُمْ ... ) الآيةَ،
وقدْ دخلتَ بيتي بغيرِ إذنٍ ولا سلام! فقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : هلْ عندَكَ
مِنْ خيرِ إنْ عفوتُ عنكَ ؟ قالَ : نعمْ واللهِ يا أميرَ المؤمنينَ ؛ لئنْ عفوتَ
عنِّي .. لا أعودُ لمثلِها أبداً، فعفا عنهُ وخرجَ وتركَهُ(١) .
وقالَ رجلٌ لعبدِ اللهِ بنِ عمرَ : يا أبا عبد الرحمنِ ؛ كيفَ سمعتَ
رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ في النجوىُ يومَ القيامةِ؟ قالَ : سمعتُهُ
يقولُ: ((إنَّ اللهَ تعالى ليُدني منهُ المؤمنَ، فيضعُ عليهِ كنفَهُ ويسترُهُ مِنَ
الناس ، فيقولُ : أتعرفُ ذنبَ كذا؟ أتعرفُ ذنبَ كذا ؟ فيقولُ : نعمْ
يا ربِّ ؛ حتَّى إذا قرَّرَهُ بذنوبِهِ، ورأى في نفسِهِ أنَّهُ قدْ هلَكَ .. قالَ لهُ :
يا عبدي ؛ إنِّي لمْ أسترْها عليكَ في الدنيا إلا وأنا أريدُ أنْ أغفرَها لكَ اليومَ ،
فيُعْطَى كتابَ حسناتِهِ ، وأمَّا الكافرونَ والمنافقونَ .. فيقولُ الأشهادُ :
﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوْ عَلَى رَبِّهِمَّ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾)) (٢).
وقد قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((كلُّ أمَّتي معافى إلا المجاهرينَ ، وإنَّ
(١) رواه الخرائطي في (( مكارم الأخلاق)) ( ٤٤٨).
(٢) رواه البخاري (٢٤٤١)، ومسلم ( ٢٧٦٨)، والأشهاد : هم الحفظة من الملائكة
الذين شهدوا ما فعلوا .
جنيه
حرة
١٧٥

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
مِنَ المجاهرةِ أنْ يعملَ الرجلُ السوءَ سرّاً ثمَّ يخبرَ بهِ)) (١).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((مَنِ استمعَ خبرَ قومٍ وهمْ لهُ كارهونَ ..
صُبَّ في أذنيهِ الآنُكُ يومَ القيامةِ))(٢).
ومنها : أنْ يتقيَ مواضعَ التهم : صيانةً لقلوبِ الناسِ عنْ سوءِ الظنِّ ،
ولألسنتِهِمْ عنِ الغيبةِ، فإنَّهُمْ إذا عصَوا اللهَ بذكرِهِ ، وكانَ هوَ السببَ فيهِ ..
كانَ شريكاً ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ
عَدْوَاْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
%G
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((كيفَ ترونَ مَنْ يسبُّ أبويهِ؟)) فقالوا :
وهلْ مِنْ أحدٍ يسبُّ أبويهِ؟ فقالَ: (( نعمْ، يسبُّ أبوي غيرِهِ فيسبُّونَ
أبويهِ))(٣) .
وقدْ روى أنسُ بنُ مالكٍ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
حر
(١) رواه البخاري (٦٠٦٩)، ومسلم ( ٢٩٩٠).
ـحن
(٢) رواه البخاري (٧٠٤٢)، والآنكُ: الرصاص المذاب ، أو خالصه ، وحدَّه بعضهم
بالقصدير ، وهذا فيمن يستمع بمفسدة ؛ كنميمة ، أما مستمع حديث قوم بقصد منعهم
من الفساد أو ليتحرَّز من شرّهم .. فلا يدخل تحته ، بل قد يندب ، بل يجب ، بحسب
المواطن، وللوسائل حكم المقاصد. ((إتحاف)) (٢٧٢/٦).
ـحز
(٣) رواه البخاري ( ٥٩٧٣)، ومسلم (٩٠) ولفظه عندهما : (( من الكبائر شتم الرجل
والديه))، قالوا : يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: (( نعم ، يسبُّ أبا
الرجل ، فيسبُّ أباه، ويسبُّ أمَّهُ ، فيسبُّ أَّه)).
حن:
١٧٦

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
كلَّمَ إحدى نسائِهِ ، فمزَّ بهِ رجلٌ ، فدعاهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
وقالَ : (( يا فلانُ ؛ هذهِ زوجتي صفيَّةُ))، فقالَ: يا رسولَ اللهِ ، مَنْ كنتُ
أظنُّ فيهِ .. فإنِّي لمْ أكن أظنُّ فيكَ! فقالَ: ((إنَّ الشيطانَ يجري مِنِ ابنِ آدمَ
مَجرى الدم )) ، وزادَ في روايةٍ (( إنِّي خشيتُ أنْ يقذفَ في قلوبِكُما شيئاً »
وكانا رجلينِ، فقالَ: ((على رسلِكُما، إنَّها صفيةُ)) الحديثَ، وكانَتْ قدْ
زارتُهُ في العشرِ الأواخرِ مِنْ رمضانَ (١) .
وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( مَنْ أقامَ نفسَهُ مقامَ التهم .. فلا يلومَنَّ مَنْ
أساءَ بهِ الظنَّ)(٢).
ومرَّ برجلٍ يكلِّمُ امرأةً على ظهرِ الطريقِ ، فعلاهُ بالدِّرةِ ، فقالَ : يا أميرَ
المؤمنينَ ؛ إنَّها امرأتي ! فقالَ: فهلا حيثُ لا يراكَ الناسُ(٣).
ومنها : أنْ يشفعَ لكلٌّ مَنْ لهُ حاجةٌ مِنَ المسلمينَ إلى مَنْ لهُ عندَهُ منزلةٌ ،
ويسعى في قضاءِ حاجتِهِ بما يقدرُ عليهِ : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ : ((إنِّي أُوتى وأُسألُ ، وتُطْلبُ إليَّ الحاجةُ وأنتمْ عندي ، فاشفعوا ..
تؤجروا ، ويقضي اللهُ على يدي نبيِّهِ ما أحبَّ))(٤) .
(١) رواه البخاري (٢٠٣٥، ٣٢٨١)، ومسلم (٢١٧٥) .
(٢) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) ( ٤٧٧ ).
(٣) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) ( ٤٧٩).
(٤) رواه البخاري (١٤٣٢)، ومسلم (٢٥٨٥).
١٧٧

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
وقالَ معاويةُ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((اشفعوا إليَّ ..
تُؤْجرُوا، وإنِّي أريدُ الأمرَ فأؤْخِّرُهُ كيْ تشفعوا إليَّ فتُؤجروا))(١).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَا مِنْ صدقةٍ أفضلَ مِنْ صدقةِ اللسانِ )) ،
قيلَ: وكيفَ ذلكَ؟ قالَ: (( الشفاعةُ يُحقَنُ بها الدمُ، وتُجَرُّ بها المنفعةُ إلى
آخرَ(٢)، ويُدفَعُ بها المكروهُ عنْ آخرَ))(٣).
وروى عكرمةُ عنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما : أنَّ زوجَ بريرةَ كانَ عبداً
يُقالُ لهُ : مغيثٌ ، كأنِّي أنظرُ إليهِ خلفَها وهوَ يبكي ودموعُهُ تسيلُ على
لحيتِهِ ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ للعباسِ: ((ألا تعجبُ مِنْ شدَّةٍ حبِّ
مغيثٍ لبريرةَ ، وشدَّةِ بغضٍ بريرةَ مغيئاً؟! ))، فقالَ لها النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ : ((لَوْ راجعتِيهِ ؛ فإنَّهُ أبو ولدِكِ))، قالَتْ: يا رسولَ اللهِ ، أتأمرني
فأفعلَ؟ فقالَ: ((لا، إنَّما أنا شافعٌ))(٤).
ومنها : أنْ يبدأَ كلَّ مسلم بالسلام قبلَ الكلام ، ويصافحَهُ عندَ السلام :
(١) رواه أبو داوود (٥١٣٢)، والنسائي (٧٨/٥).
(٢)
في (ج) : ( وتجري ).
(٣) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٦٦٩)، والطبراني في ((الكبير))
(٢٣٠/٧ ) .
(٤) رواه البخاري ( ٥٢٨٣ ) .
١٧٨

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ بدأَ بالكلامِ قبلَ السلامِ .. فلا تجبْهُ حتَّى
يبدأَ بالسلام)»(١) .
وقالَ بعضُهُمْ : دخلتُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ولمْ أسلِّمْ
ولمْ أستأذنْ، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ارجعْ فقلِ : السلامُ
عليكُمْ، أدخلُ؟))(٢) .
وروى جابرٌ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((إذا دخلتُمْ بيوتَكُمْ .. فسلِّموا على أهلِها؛ فإنَّ الشيطانَ إذا سلَّمَ أحدُكُمْ ..
لمْ يدخلْ بيتَهُ))(٣).
وقالَ أنسٌ رضيَ اللهُ عنهُ: (( خدمتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ثمانيَ
حججٍ، فقالَ لي : (( يا أنسُ ؛ أسبغ الوضوءَ .. يُزَدْ في عمرٍكَ ، وسلِّمْ على
مَنْ لقيتَهُ مِنْ أمَّتي .. تكثرْ حسناتُكَ، وإذا دخلتَ منزلَكَ .. فسلُّمْ علىُ أهلِ
بيتِكَ .. يكثرْ خيرٌ بيتِكَ)) (٤).
3
(١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٤٣٠)، وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٢١٤).
(٢) رواه أبو داوود (٥١٧٦)، والترمذي ( ٢٧١٠)، وصاحب القصة هو كَلَدَةٌ بن حنبلٍ
رضي الله عنه ، وفي غير ( ب ): ( وادخل ) بدل ( أدخلُ ) ، والمثبت هو الصواب كما
في ((الإتحاف)) (٦/ ٢٧٤)، والله أعلم .
(٣) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) ( ٨٤٣).
(٤) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٨٤٤)، والطبراني في (( الأوسط))
(٥٤٤٩)، وعند الترمذي (٢٦٩٨) مرفوعاً: (( يا بنيَّ؛ إذا دخلت على أهلك ..
فسلِّم يكون بركة عليك وعلى أهل بيتك )).
١٧٩

كتاب آداب الصحبة
5
ربع العادات
وقالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَإِذَا حُبِّيْتُم بِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ .
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( والذي نفسي بيدِهِ ؛ لا تدخلونَ الجنَّةَ
حتَّى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتَّى تحابُوا، أفلا أدلُّكُمْ على عملٍ إذا عملتموهُ ..
تحابيْتُمْ؟)) قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ، قالَ: ((أفشوا السلامَ بينَكُمْ)) (١).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : (( إذا سلَّمَ المسلمُ على المسلمِ فردَّ عليهِ ..
صلَّتْ عليهِ الملائكةُ سبعينَ مرَّةٌ ))(٢) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ الملائكةَ تعجبُ مِنَ المسلمِ يمرُّ على
المسلمٍ فلا يسلّمُ عليهِ))(٣).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : (( يسلِّمُ الراكبُ على الماشي، وإذا سلَّمَ
مِنَ القوم واحدٌ .. أجزاً عنهُمْ))(٤) .
وقالَ قتادةُ: ( كانَتْ تحيَّةُ مَنْ كانَ قبلَكُمُ السجودَ، فأعطى اللهُ عزَّ وجلَّ
(١) رواه مسلم (٥٤)، قال الإمام النووي : ( هكذا هو في جميع الأصول والروايات
بحذف النون من آخره ، وهي لغة معروفة صحيحة ) ، وفي (أ) : ( تؤمنون ) ، وهي
عند أحمد في ((المسند)) (٣٩١/٢).
(٢) قال الحافظ العراقي: ( ذكره صاحب ((الفردوس)) من حديث أبي هريرة ، ولم يسنده
ولده ). («إتحاف)) (٢٧٥/٦)، وهو قطعة من الوصية المشهورة ، وتقدم ذكرها .
حن
(٣) هو قطعة من الوصية المتقدم ذكرها كذلك.
(٤) رواه مالك في ((الموطأ)) (٩٥٩/٢)، وعبد الرزاق في «المصنف)) (٣٨٧/١٠) عن
زيد بن أسلم مرسلاً، وعند البخاري (٦٢٣٢)، ومسلم (٢١٦٠) مرفوعاً بلفظ: (( يسلم
الراكب على الماشي ... )) وسيأتي، وعند أبي داوود ( ٥٢١٠) مرفوعاً: (( يجزىء عن
الجماعة إذا مرُّوا أن يُسلِّم أحدهم ، ويجزىء عن الجلوس أن يردّ أحدهم )).
G
١٨٠