Indexed OCR Text

Pages 1-20

طبْعٌ خَاصَّة
بمناسَبَة مُرُورِ قَسْعِ مِئةِ سَنَةٍ على وفاة حَجّةَ الإِسْلام الغَزَالِيّ
١١١١ - ٢٠١١ م
رمـ

وتد
حل
البيع
02

◌ِحَامُعَلُومُ الدِّين
٢ ٤ ٧
تأليف
الإِمَامِ المُجُدّدِ، مُجَّةِالإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ
زَيْنِ الدّيْنِ، أَنْ حَامِدِ
مُحَدِ بْنٍ مُخَدِ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ أَحْمَدَ الغَزَالِيّ
الطُّوْسِيّ الطَّابَرَانِي الشََّافِيّ
رَضِىَ اللهُعَنْهُ
(٤٥٠ - ٥٠٥ هـ) - (١٠٥٨ - ١١١١ م )
رُبُعُ العَادَاتِ / القِسْمُ الثَّانِيِ
كِتَابُ
آدَابِ الصُّحْبَةِ وَالأُخُوَّةِ وَالمُغَاشَرَةِ مَعَ أَصْنَافِ الْخَلّقِ
آدَابِ الْعُزْلَةِ - آدَابِ السَّفَرِ - آدَابِ السَّمَاعِ وَالْوَجْدِ
الْأَمْرِالْمَغْرُوفِ وَالنَّهِيِ عَنِ الْمُنْكَرِ - آدَابِ الْمَعِيشَةِ وَأَخْلَاقِ النُّبُوَّةِ
المُجَلّدُ الرَّبِعُ
دَارُ المُنْفَّارِ

الطّبْعَة الأولى
١٤٣٢ هـ - ٢٠١١م
جميع الحقوق محفوظة للناشر
دَارُ المُشَارَةِ لِلنشْرِ وَالتَّوَي
المملكة العربية السعودية - جدة
حي الكندرة - شارع أبها تقاطع شارع ابن زيدون
هاتف رئيسي 6326666 - الإدارة 6300655
المكتبة 6322471 - فاكس 6320392
ص. ب 22943 - جدة 21416
www.alminhaj.com
E-mail: info@alminhaj.com
ISBN: 978 - 9953 - 541 - 50 - 1

ـِللهِ الرّمنِ الرَّحَيَّةِ
أَمَّنْ هُوَ قَنْتُ ءَانَآءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَا بِمَا يَخْذَرُالْآخِرَةَ وَيَرَّجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ
د
إِنََّا يَتَذَّكَُّ أَوْلُوا الْأَ لْبِ

ڪَڪِتَابُ
الدَّار الضُّحْيَة وَالأعْوَة وَالْمُعَاشِرَة
مَعَ أصْنَافِ الخَلْق
وهو الكتاب الخامس من ربع العادات
من كتب إحياء علوم الدين
بتد
ماء
٧

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
كتابآداب الصحية والأخوة والمعاشرة مع أصناف الخلق
بِسِْ لهِ الرَّحْمِ الرَّحَيَّةِ
الحمدُ للهِ الذي غمرَ صفوةَ عبادِهِ بلطائفِ التخصيصِ طَوْلاً وامتناناً ،
وألَّفَ بينَ قلوبِهِمْ فأصبحوا بنعمتِهِ إخواناً ، ونزعَ الغِلَّ مِنْ صدورِهِمْ فظلّوا
في الدنيا أصدقاءَ وأخداناً ، وفي الآخرةِ رفقاءَ وخلاَّناً ، والصلاةُ على محمدٍ
المصطفى ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ الذينَ اتبعوهُ واقتدَوا بهِ قولاً وفعلاً وعدلاً
وإحساناً .
أ، بعشَّد:
فإنَّ التحابَّ في اللهِ تعالى، والأخوّةَ في دينِهِ .. مِنْ أفضلِ القرباتِ،
وألطفِ ما يُستفادُ مِنَ الطاعاتِ في مجاري العاداتِ ، ولها شروطٌ بها يلتحقُ
المتصاحبونَ بالمتحابِّينَ في اللهِ تعالى ، وفيها حقوقٌ بمراعاتِها تصفو الأخوّةُ
عن شوائبِ الكدوراتِ ونزغاتِ الشيطانِ ، فبالقيام بحقوقِها يُتقرَّبُ إلى اللهِ
تعالىُ زُلفى، وبالمحافظةِ عليها تُنالُ الدرجاتُ العُلى، ونحنُ نبيِّنُ مقاصدَ
هذا الكتابِ في ثلاثةِ أبوابٍ :
البابُ الأوَّلُ : في فضيلةِ الأُلفةِ والأخوَّةِ في اللهِ تعالى ، وشروطِها ،
ودرجاتِها ، وفوائدِها .
٩

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
البابُ الثاني : في حقوقِ الصحبةِ ، وآدابِها ولوازمِها .
البابُ الثالثُ: في حقِّ المسلمِ والرَّحِمِ والجوارِ والملكِ ، وكيفيةٍ
المعاشرةِ معَ مَنْ قَدْ يدلي بهذهِ الأسبابِ .

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
البَابُ الأَوَّلُ
في فضيلة الألفة والأخوّة وشروطها ودرجاتها وفوائدها
فضيلة الألفة والأخوّة
اعلمْ : أنَّ الأُلفة ثمرةُ حسْنِ الخلقِ ، والتفرّقَ ثمرةُ سوءِ الخلقِ ، فحسْنُ
الخلقِ يوجبُ التحاَّ والتآلفَ والتوافقَ، وسوءُ الخلقِ يثمرُ التباغضَ
والتحاسدَ والتدابرَ ، ومهما كانَ المثمَرُ محموداً .. كانتِ الثمرةُ محمودةً ،
وحسْنُ الخلقِ لا تخفى في الدينِ فضيلتُهُ ، وهوَ الذي مدحَ اللهُ سبحانَهُ بهِ نبيَّه
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إِذْ قالَ : ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .
بون
وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أكثرُ ما يُدخلُ الناسَ الجنَّةَ تقوى اللهِ
وحسْنُ الخلقِ))(١) .
وقالَ أسامةُ بنُ شريكٍ : قلنا : يا رسولَ اللهِ ؛ ما خيرُ ما أُعطيَ
الإنسانُ؟ فقالَ: (( خلقٌ حسنٌ))(٢) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((بعثتُ لأتمِّمَ مكارم الأخلاقِ))(٣).
(١) هو جزء من حديث رواه الترمذي (٢٠٠٤)، والحاكم في ((المستدرك)) (٣٢٤/٤).
(٢) رواه ابن ماجه (٣٤٣٦).
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٨١/٢)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٢٧٣)،
والبيهقي في (( السنن الكبرى)) (١٩١/١٠) واللفظ له .
١١

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أثقلُ ما يُوضعُ في الميزانِ خلقٌ حسنٌ)) (١).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما حسَّنَ اللهُ خَلْقَ امْرىءٍ وخُلُقَهُ فتَطعمَهُ
النَّارُ))(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( يا أبا هريرةَ؛ عليكَ بحسْنِ الخلقِ))،
قالَ أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ: وما حسْنُ الخلقِ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: « تصلُ
مَنْ قطعَكَ، وتعفو عمَّنْ ظلمَكَ، وتعطي مَنْ حرمَكَ))(٣).
ولا يخفى أنَّ ثمرةَ الخلُقِ الحسنِ الأُلفةُ وانقطاعُ الوَحشةِ ، ومهما طابَ
المثمَرُ .. طابتِ الثمرةُ، كيفَ وقدْ وردَ في الثناءِ على نفْسِ الألفةِ - سيما إذا
كانتِ الرابطةُ هيَ التقوى والدينَ وحبَّ اللهِ تعالى - مِنَ الآياتِ والأخبارِ
والآثارِ ما فيهِ كفايةٌ ومقنعٌ ؟!
قالَ اللهُ سبحانَهُ مظهراً عظيمَ منَّتِهِ على الخلْقِ بنعمةِ الأُلفةِ: ﴿ لَوْ أَنفَقْتَ مَا
فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾.
وقال تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ أيْ: بالألفةِ (٤).
(١) رواه أبو داوود (٤٧٩٩)، والترمذي (٢٠٠٢).
(٢) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٦٧٧٦)، وابن عدي في ((الكامل)) (٨٢/٣)،
والبيهقي في ((الشعب)) ( ٧٦٧٨).
(٣) رواه البيهقي في ((الشعب)) ( ٧٧٢٥)، وللحديث روايات متعددة عن غير أبي هريرة
رضي الله عنه .
(٤) انظر ((تفسير الطبري" (٣ /٤٦/٤).
ـحن
ـن
١٢

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
ثمَّ ذمَّ التفرقةَ وزجرَ عنها، فقالَ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا
وَلَا تَّفَرَّقُوا﴾ إلى قولِهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ﴾(١).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ أقرَبَكُمْ منِّي مجلساً أحاسنُكُمْ أخلاقاً ،
الموطَّؤونَ أكنافاً ، الّذين يألفونَ ويُؤلفونَ))(٢) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((المؤمنُ إِلِفٌ مألوفٌ، ولا خيرَ فيمَنْ
لا يأَلَفُ ولا يُؤْلَفْ))(٣).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في الثناءِ على الأخوَّةِ في الدينِ : (( مَنْ
أرادَ اللهُ بِهِ خيراً .. رزقَهُ خليلاً صالحاً، إنْ نسيَ .. ذكَّرَهُ، وإنْ ذكرَ ..
أعانَهُ))(٤).
(١) وهي: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَأَذْ كُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنُمْ أَعْدَاهُ فَأَلَّفَ بَيْنَ
قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ: إِخْوَنًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ،
لَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ﴾ .
(٢) رواه الطبراني في ((مكارم الأخلاق)) (٦)، وهو بنحوه عند ابن أبي الدنيا في «مداراة
الناس)) (١٤٦)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣٠٠/٣٨).
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٠٠/٢)، والطبراني في ((الكبير)) (١٣١/٦)،
والحاكم في المستدرك)) (٢٣/١).
(٤) كذا في ((القوت)) (٢١٤/٢)، وقد ورد هذا في الوزير الناصح الصادق لولي الأمر ؛
فقد روى أبو داوود (٢٩٣٢)، والنسائي (١٥٩/٧): ((من ولي منكم أمراً ،
فأراد الله به خيراً .. جعل له وزيراً صالحاً، إن نسي .. ذكَّرَه، وإن ذكر .. أعانه))،
وروى السلمي في ((آداب الصحبة)) (٢٨) مرفوعاً: (( من سعادة المرء أن يكون إخوانه
صالحين )) .
١٣

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مثلُ الأخوينِ إذا التقيا مثلُ اليدينِ تغسلُ
إحداهما الأخرى ، وما التقى مؤمنانِ قطُّ إلَّ أفادَ اللهُ أحدَهُما مِنْ صاحبهِ
خيراً ))(١) .
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ في الترغيبِ في الأخوَّةِ في اللهِ : (( مَنْ آخى
أَخَاً في اللهِ .. رفعَهُ اللهُ درجةً في الجنَّةِ لا ينالُها بشيءٍ مِنْ عمِلِهِ))(٢).
وقالَ أبو إدريسَ الخولانيُّ لمعاذٍ : إنِّي أحبُّكَ في اللهِ ، فقالَ لهُ : أبشرْ
ثمَّ أبشرْ ؛ فإنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: (( يُنصبُ
الطائفةٍ مِنَ النَّاسِ كراسيُّ حولَ العرشِ يومَ القيامةِ، وجوهُهُمْ كالقمرِ ليلةَ
البدرِ ، يفزعُ النَّاسُ وهمْ لا يفزعونَ، ويخافُ النَّاسُ وهمْ لا يَخافونَ، وهُمْ
أولياءُ اللهِ الَّذِينَ لا خوفٌ عليهِمْ ولا هُمْ يحزنونَ))، فقيلَ: مَنْ هؤلاءِ
يا رسولَ اللهِ؟ فقالَ: ((هُمُ المتحابُونَ في اللهِ تعالى))(٣).
(١) كذا في ((القوت)) (٢١٤/٢)، وقد رواه السلمي في (( آداب الصحبة)) (١٢٨)،
وابن شاهين في (( الترغيب في فضائل الأعمال)) (٤٣٣)، والديلمي في (( مسند
الفردوس)) (٦٤١١)، ورواه الحربي في ((الحربيات)) عن سلمان رضي الله عنه
موقوفاً، وحكى سنده الحافظ الزبيدي في ((الإتحاف)) (٦/ ١٧٤).
(٢) كذا في ((القوت)) (٢١٤/٢)، وقد رواه ابن أبي الدنيا في (( الإخوان)) (٢٦) بلفظ :
(( ما أحدث رجل أخاً في الله عز وجل إلا بنى الله له بيتاً في الجنة )) ، وعند أبي نعيم في
((الحلية)) (٧/٥) عن محمد بن سوقة: ( ما استفاد رجل أخاً في الله إلا رفعه الله
بذلك درجة ) .
(٣) كذا في ((القوت)) (٢١٧/٢)، وسياق المصنف عنده، ولقاء أبي إدريس مع معاذ
رضي الله عنه رواه مالك في ((الموطأ)) (٩٥٣/٢)، وأحمد في (( المسند))
١٤

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
ورواهُ أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ وقالَ فيهِ: ((إنَّ حولَ العرشِ منابرَ مِنْ
نورٍ ، عليها قومٌ لباسُهُمْ نورٌ ، ووجوهُهُمْ نورٌ، ليسوا بأنبياءَ ولا شهداءَ ،
يغبطُهُمُ النبيُّونَ والشهداءُ))، فقالوا: يا رسولَ اللهِ؛ حلُّهِمْ لنا (١) ، فقالَ:
(( هُمُ المتحابُّونَ في اللهِ، والمتجالسونَ في اللهِ، والمتزاورونَ في اللهِ»(٢) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما تحابَ اثنانِ في اللهِ إلَّ كانَ أحبُّهُما
إلى اللهِ أشدَّهُما حبّاً لصاحبهٍ)) (٣).
ويقالُ : إنَّ الأخوينِ في اللهِ إذا كانَ أحدُهُما أعلى مقاماً مِنَ الآخرِ ..
رُفِعَ الآخرُ معَهُ إلى مقامِهِ ، وإنَّهُ يُلحَقُ بهِ كما تُلُحَقُ الذريَّةُ بالأبوينِ والأهلُ
بعضُهُمْ ببعضٍ؛ لأنَّ الأخوَّةَ إذا اكتُسبَتْ في اللهِ تعالى .. لمْ تكنْ دونَ أخوَّةٍ
الولادةِ ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿أَحَقْنَا بِهِمْ ذُرِيََّهُمْ وَهَا أَلَنَّتَهُم مِّنْ عَمَلِهِم ◌ِنْ شَىْءٍ﴾.
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ: حقَّتْ محبَّتي
لِلَّذِينَ يتزاورونَ مِنْ أجلي، وحقَّتْ محبّي للَّذِينَ يتحابُونَ مِنْ أجلِي ،
(٢٢٩/٥) ولفظ المرفوع عندهما: ((وجبت محبتي ... )) وسيأتي، وعند أحمد في
((المسند)) (٣٤٣/٥) قريب مما نقله المصنف عن صاحب ((القوت)) ولكن عن
أبي مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه .
(١) أي : اذكر لنا حليتهم ؛ أي: وصفهم .
(٢) كذا في ((القوت)) (٢١٧/٢)، وهو عن أبي هريرة رضي الله عنه رواه النسائي في
((السنن الكبرى)) (١١١٧٢) بنحوه ، وهو من حديث أبي مالك الأشعري المشار إليه
في التعليق السابق .
(٣) رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٥٤٤)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٥٦٦).
١٥

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
وحقَّتْ محبّي للذينَ يتبادلونَ مِنْ أجلي ، وحقَّتْ محبَّي للذينَ يتناصرونَ
مِنْ أجلي))(١).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ يومَ القيامةِ : أينَ
المتحابُونَ بجلالي؟ اليومَ أظلَّهُمْ في ظلِّي يومَ لا ظلَّ إلاَّ ظلِّي))(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( سبعةٌ يظلُّهُمُ اللهُ في ظلِّهِ يومَ لا ظلَّ إلاَّ
ظلُّهُ : إمامٌ عادلٌ ، وشائٌ نشأ في عبادةِ اللهِ ، ورجلٌ قلبُهُ معلَّقٌ بالمسجدِ ؛
إذا خرجَ منهُ حتَّى يعودَ إليهِ ، ورجلانِ تحابًّا في اللهِ ؛ اجتمعا على ذلكَ
وتفرَّقا عليهِ، ورجلٌ ذكرَ اللهَ خالياً ففاضَتْ عيناهُ ، ورجلٌ دعَتْهُ امرأةٌ ذاتُ
حسبٍ وجمالٍ فقالَ : إِنِّي أخافُ اللهَ تعالى ، ورجلٌ تصدَّقَ بصدَقةٍ فأخفاها
حتَّى لا تعلمَ شمالُهُ ما تنفقُ يمينُهُ »(٣).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما زارَ رجلٌ رجلاً في اللهِ شوقاً إليهِ ،
ورغبةً في لقائهِ .. إلَّ ناداهُ ملكٌ مِنْ خلفِهِ: طبتَ وطابَتْ لكَ الجنَّةُ)) (٤).
(١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٧١٦)، وأحمد في ((المسند)) (٣٨٦/٤).
(٢) رواه مسلم (٢٥٦٦) .
(٣) رواه البخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١)، وقوله: ( حسب وجمال) هي عند
الترمذي ( ٢٣٩١) .
(٤) رواه بلفظه ابنُ المبارك في ((الزهد)) (٧٠٩) عن سعد الطائي ، ورواه مرفوعاً
عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢٠٣/١١)، والبزار كما فى ((مختصر زوائده))
(١٨١٣)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (٤١٤٠) دون قوله: (شوقاً إليه ورغبة في
لقائه ) .
١٦
0%

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ رجلاً زارَ أخاً لهُ في اللهِ ، فأرصدَ اللهُ
لهُ ملكاً ، فقالَ : أينَ تريدُ ؟ قالَ : أريدُ أنْ أزورَ أخي فلاناً ، فقالَ : لحاجةٍ
لكَ عندَهُ ؟ قالَ : لا ، قالَ : لقرابةٍ بينَكَ وبينَهُ ؟ قالَ : لا ، قالَ: فبنعمةٍ لهُ
عندَكَ ؟ قالَ : لا ، قالَ : فبمَهْ ؟ قالَ : أحبُّهُ في اللهِ ، قالَ : فإنَّ اللهَ تعالى
أرسلني إليكَ يخبرُكَ بأنَّهُ يحبُّكَ بحبِّكَ إِيَّاهُ، وقد أوجبَ لكَ الجنَّةَ))(١).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( أوثقُ عُرى الإيمانِ الحبُّ في اللهِ والبغضُ
في اللّهِ))(٢) .
فبهذا يجبُ أنْ يكونَ للرجلِ أعداءٌ يبغضُهُمْ في اللهِ ، كما يكونُ لهُ
أصدقاءُ وإخوانٌ يحبُّهُمْ في اللهِ .
ويُروى أنَّ الله تعالى أوحى إلى نبيٍّ مِنَ الأنبياءِ : ( أمَّا زهدُكَ في
الدنيا .. فقدْ تعجلتَ الراحةَ، وأمَّا انقطاعُكَ إليَّ .. فقدْ تعززتَ بي،
ولكنْ : هلْ عاديتَ فيَّ عدوّاً ، أوْ هلْ واليتَ فيَّ وليّاً )(٣).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( اللَّهِمَّ؛ لا تجعلْ لفاجرٍ عليَّ منَّةً،
فترزقَهُ مِنِّي محبَّةً )» (٤) .
(١) رواه مسلم (٢٥٦٧)، ونحوه عند أحمد في ((المسند)) (٢٩٢/٢).
(٢) رواه الطيالسي في ((مسنده)) (٧٤٧)، وأحمد في ((مسنده)) (٢٨٦/٤).
(٣) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص١٦٦)، وأبو نعيم في (( الحلية))
(٣١٧/١٠ ) .
(٤) قال الحافظ العراقي: (رواه ابن مردويه في (( التفسير)) من رواية كثير بن عطية عن =
١٧
حر

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
ويُروىُ أنَّ اللهَ تعالى أوحى إلى عيسىُ عليهِ السلامُ: ( لوْ أنَّكَ عبدتَني
بعبادةِ أهلِ السماواتِ والأرضِ ، وحبّ في اللهِ ليسَ وبغضٌ في اللهِ ليسَ ..
ما أغنى عنكَ ذلكَ شيئاً )(١) .
وقالَ عيسىُ عليهِ السلامُ : تحبَُّوا إلى اللهِ ببغْضِ أهلِ المعاصي ،
وتقرَّبوا إلى اللهِ بالتباعدِ منهُمْ ، والتمسوا رضا اللهِ بسخطِهِمْ، قالوا :
يا روحَ اللهِ؛ فمَنْ نجالسُ؟ قالَ: جالسوا مَنْ تذكِّرُكُمْ باللهِ رؤيتُهُ ، ومَنْ
يزيدُ في علمِكُمْ منطقُهُ، ومَنْ يرغُّكُمْ في الآخرةِ عملُهُ(٢) .
ورُوِيَ في الأخبارِ السالفةِ أنَّ اللهَ تعالى أوحى إلى موسى عليهِ السلامُ :
( يا بنَ عمرانَ؛ كُنْ يقظاناً ، وارتدْ لنفسِكَ إخواناً ، وكلُّ خذْنٍ وصاحبٍ
لا يُؤازرُكَ على مسرَّتي فهوَ لكَ عدوٌ)(٣).
م
وأوحى اللهُ تعالى إلى داوودَ عليهِ السلامُ فقالَ: يا داوودُ ؛ ما لي أراكَ
منتبذاً وحيداً ؟ قالَ : إللهي ؛ قليتُ الخلْقَ مِنْ أجلِكَ ، فقالَ : يا داوودُ ؛
كنْ يقظاناً ، وارتدْ لنفسِكَ أخداناً ، فكلُّ خذْنٍ لا يوافقُكَ على مسرَّتي .. فلا
مازن
رجل لم يسمَّ، ورواه الديلمي في ((مسند الفردوس)) [٢٠١١] من حديث معاذ،
وأبو موسى المديني في كتاب (( تضييع العمر والأيام )) من طريق أهل البيت مرسلاً ،
وأسانيده ضعيفة). («إتحاف)) (١٤٨/٦).
بون
(١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٤٥/٤٧) عن مالك بن دينار عنه عليه السلام .
(٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٣٥٥) عن مالك بن مغول بلاغاً عنه عليه السلام .
(٣) رواه أحمد في ((الزهد)) (٤٣٧)، والقشيري في ((الرسالة)) (ص٤٩٠) عن
محمد بن النضر الحارثي عنه عليه السلام بنحوه .
١٨

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
تصحبْهُ ؛ فإنَّهُ لكَ عدوٌ يقسِّي قلبَكَ ويباعدُكَ منِّي(١).
منسنـ
وفي أخبارِ داوودَ عليهِ السلامُ أنَّهُ قالَ : يا ربِّ ؛ كيفَ لي أنْ يحبَّني
الناسُ كلُّهُمْ، وأسلمُّ فيما بيني وبينَكَ ؟ قالَ : خالقِ الناسَ بأخلاقِهِمْ ،
وأحسنْ فيما بيني وبينَكَ (٢).
وفي بعضِها : خالقُ أهلَ الدنيا بأخلاقِ الدنيا ، وخالقْ أهلَ الآخرةِ
بأخلاقِ الآخرةِ(٣) .
وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ أحبَّكُمْ إِلى اللهِ الَّذينَ يألفونَ
ويُؤلفونَ، وإنَّ أَبْغضَكُمْ إلى اللهِ المشَّاؤونَ بالنَّميمةِ المفرِّقونَ بينَ
الإخوانِ)) (٤) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ للهِ ملكاً نصفُهُ مِنَ النارِ، ونصفُهُ مِنَ
الثلج ، يقولُ : اللَّهمَّ؛ كما ألَّفْتَ بينَ الثلجِ والنارِ كذلكَ أَلَّفْ بينَ قلوبٍ
عبادِكَ الصَّالحينَ))(٥) .
(١) كذا في ((القوت)) (٢١٤/٢).
(٢) كذا في ((القوت)) (٢١٤/٢)، ورواه ابن أبي الدنيا في ((مداراة الناس)) (٤٣)
بنحوه .
(٣) قوت القلوب (٢/ ٢١٤).
(٤) رواه الطبراني في «الأوسط)) (٧٦٩٣)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٣٩٩/١).
(٥) رواه أبو الشيخ في (( العظمة)) (٣٣٣) مرفوعاً من حديث معاذ بن جبل والعرباض بن
سارية رضي الله عنهما، و( ٤٨٥، ٤٨٦) عن خالد بن معدان وزياد بن أبي حبيب ،
وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢١٤/٥) عن ابن معدان وأشار إلى روايته عن العرباض =
١٩

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
وقالَ أيضاً عليهِ الصلاةُ والسلامُ : (( ما أحدثَ عبدٌ أخاً في اللهِ إلاَّ
أحدثَ اللهُ له درجةً في الجنَّةِ ))(١).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( المتحابُونَ في اللهِ على عمودٍ مِنْ ياقوتةٍ
حمراءَ في رأسِ العمودِ سبعونَ ألفَ غرفةٍ ، يشرفونَ على أهلِ الجنَّةِ يضيءُ
حسنُهُمْ لأَهْلِ الجنَّةِ كما تضيءُ الشَّمسُ لأهلِ الدُّنيا ، فيقولُ أهلُ الجنَّةِ :
انطلقوا بنا ننظرْ إلى المتحابِينَ في اللهِ ، فيضيُ حسنُهُمْ لأهلِ الجنَّةِ كما
تضيءُ الشَّمسُ ، عليهِمْ ثيابُ سندسِ خضرٌ، مكتوبٌ على جباهِهِمُ :
المتُحَابُونَ في اللهِ))(٢) .
.. G
الآثارُ :
قالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: عليكُمْ بالإخوانِ ؛ فإنَّهُمْ عُدَّةٌ في الدنيا
والآخرةِ ، ألا تسمعُ إلى قولِ أهلِ النارِ: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ ﴾، وَلَا صَدِيِقٍ
؟!
وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما : ( واللهِ ؛ لوْ صمتُ النهارَ
جن
رضي الله عنه، ورواه الديلمي مرفوعاً في (( مسند الفردوس)» كما حكى سنده الحافظ
=
الزبيدي في «إتحافه)) (١٧٨/٦) .
٥
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الإخوان)) (٢٦).
بقة
دن.
ـكن
(٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥٢٣٦)، وأبو بكر الشافعي في ((الغيلانيات))
(١٠٩٦)، وهو عند الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) (ص ١٤٠).
٢٠