Indexed OCR Text

Pages 541-560

ربع العادات
حز
كتاب الحلال والحرام
البَابُ السَّادِسُ
في يحلّ من مخالطة السَّلاطين الظَّلَمة ويحرم
وحكم غشيان مجالسهم والدخول عليهم والإكرام لهم
مدن
مازج
اعلمْ : أنَّ لكَ مِعَ الأمراءِ والعمَّالِ الظلمةِ ثلاثةَ أحوالٍ :
الحالةُ الأولى - وهيَ شرُّها - : أنْ تدخلَ عليهِمْ.
والثانيةُ - وهي دونَها - : أنْ يدخلوا عليكَ .
والثالثةُ - وهيَ الأسلمُ - : أنْ تعتزلَ عنهُمْ، فلا تراهم ولا يرونَكَ .
أمَّا الحالةُ الأولىُ - وهيَ الدخولُ عليهِمْ -:
فهوَ مذمومٌ جدّاً في الشرع ، وفيهِ تغليظاتٌ وتشديداتٌ تواردَتْ بها
الأخبارُ والآثارُ، فنتقلُها لتعرفَ ذَّ الشرعِ لهُ، ثمَّ نتعرَّضُ لما يحرمُ منهُ
وما يُباحُ وما يُكرهُ ، على ما تقتضيهِ الفتوىُ في ظاهرِ العلمِ .
أمَّا الأخبارُ :
فلمَّا وصفَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الأمراءَ الظلمةَ .. قالَ :
٥٤١
-حن
دن
حزم

كتاب الحلال والحرام
١٦+
ربع العادات
((فمَنْ نابِذَهُمْ .. نجا، ومَنْ اعتزَلَهُمْ .. سلمَ أوْ كادَ يسلمُ، ومَنْ وقعَ معَهُمْ
في دنياهُمْ .. فهوَ منهُمْ))(١) ، وذلكَ لأنَّ مَنِ اعتزلَهُمْ .. سلمَ مِنْ إثمِهِمْ ،
ولكنْ لمْ يسلَمْ مِنْ عذابٍ يعمُّهُ معَهِمْ إِنْ نزلَ بِهِمْ؛ لتركِهِ المنابذةَ
والمنازعةَ .
١٠٪
به
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( سيكونُ مِنْ بعدي أمراءُ يظلمونَ
ويكذبونَ ، فمَنْ صدَّقهُمْ بكذِبِهِمْ ، وأعانَهُمْ على ظلمِهِمْ .. فليسَ منِّي
ولستُ منهُ، ولمْ يردْ عليَّ الحوضَ)»(٢).
وروى أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: ((أبغضُ
القرَّاءِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ الذين يزورونَ الأمراءَ))(٣).
وفي الخبرِ : ( خيرُ الأمراءِ الذينَ يأتونَ العلماءَ ، وشرُ العلماءِ الذينَ
يأتونَ الأمراءَ)(٤).
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٨٨٩٨)، والطبراني في ((الكبير))
(٣٩/١١) .
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٤٣/٤)، والترمذي (٢٢٥٩)، والنسائي
( ١٦٠/٧ ) .
(٣) رواه ابن ماجه (٢٥٦).
(٤) روى الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٥٦٦) من حديث عمر رضي الله عنه: ((إن الله
عز وجل يحب الأمراء إذا خالطوا العلماء ، وإن الله يمقت العلماء إذا خالطوا الأمراء ؛
لأن العلماء إذا خالطوا الأمراء .. رغبوا في الدنيا، وإن الأمراء إذا خالطوا العلماء ..
رغبوا في الآخرة )» .
٥٤٢
٨٠×٦٠ م

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
وفي الخبرِ : (( العلماءُ أمناءُ الرسلِ على عبادِ اللهِ ما لَمْ يخالطوا
السلطانَ، فإذا فعلوا ذلكَ .. فقدْ خانُوا الرسلَ، فاحذروهُمْ واعتزلوهُمْ))،
رواهُ أنسُ رضيَ اللهُ عنهُ(١) .
وأمَّا الآثارُ :
فقدْ قالَ حذيفةُ : إِيَّاكُمْ ومواقفَ الفتنِ ، قيلَ : وما مواقفُ الفتنِ ؟
قالَ : أبوابُ الأمراءِ ، يدخلُ أحدُكُمْ على الأميرِ فيصدّقُهُ بالكذبِ ، ويقولُ
ما ليسَ فيهِ (٢) .
وقالَ أبو ذرٍّ لسلمةً : ( يا سلمةُ؛ لا تغشَ أبوابَ السلاطينِ ؛ فإنَّكَ
لا تصيبُ مِنْ دنياهُمْ شيئاً إلا أصابوا مِنْ دينكَ أفضلَ منهُ)(٣).
وقالَ سفيانُ : ( في جهنَّمَ وادٍ لا يسكنُهُ إلا القرَّاءُ الزوّارونَ
للملوك ) (٤).
(١) رواه العقيلي كما في ((جامع بيان العلم وفضله)) (١١١٣)، والديلمي في (( مسند
الفردوس)) (٤٢١٠)، وقال الحافظ المناوي نقلاً عن السيوطي : ( قوله - أي ابن
الجوزي : (( موضوع)) ممنوع، وله شواهد فوق الأربعين ، فنحكم له على مقتضى
صناعة الحديث بالحسن ) .
فت
(٢) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٣١٦/١١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٧٧/١).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٨٨٨٧) ، وسلمة هو ابن قيس .
(٤) رواه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) ( ١٠٩٧).
زنا
٥٤٣

كتاب الحلال والحرام
بھید
ربع العادات
وقالَ الأوزاعيُّ: ( ما مِنْ شيءٍ أبغضَ عندَ اللهِ مِنْ عالمٍ يزورُ عاملاً)(١).
وقالَ سُمنونٌ : ( ما أسمجَ بالعالمِ أَنْ يؤتى إلى مجلسهِ ، فلا يُوجدُ ،
فيُسألُ عنهُ، فيُقالُ: إنَّهُ عندَ الأميرِ، وكنتُ أسمعُ أنَّهُ يُقالُ: ((إذا رأيتمُ
العالمَ يحبُّ الدنيا .. فاتهموهُ على دينِكُمْ)) حتَّى جرَّبْتُ ذلكَ؛ إذْ ما دخلتُ
قطُّ على هذا السلطانِ إلا وحاسبتُ نفسي بعدَ الخروج ، فأرى عليها
الدركَ، معَ ما أواجهُهُمْ بهِ مِنَ الغلظةِ والمخالفةِ لهواهُمْ )(٢).
وقالَ عبادةُ بنُ الصامتِ : ( حبُّ القارىءِ الناسكِ للأمراءِ نفاقٌ، وحُبُّهُ
للأغنياءِ رياءٌ ) .
٠٤٧
٤ ٠٥٠٥٠
وقالَ أبو ذرٍّ: ( مَنْ كثَّرَ سوادَ قوم .. فهوَ منهُمْ)(٣) أيْ: مَنْ كَثَّرَ سوادَ
الظلمةِ .
وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ : إنَّ الرجلَ ليدخلُ على السلطانِ ومعَهُ
دينُهُ، فيخرجُ ولا دينَ لهُ! قيلَ لهُ: ولِمَ؟ قالَ: لأنَّهُ يرضيهِ بسخطِ اللهِ(٤).
(١) رواه مرفوعاً ابن عدي في ((الكامل)) (٣٥/٢).
(٢) ترتيب المدارك (٣٥٧/١) .
(٣) قال الحافظ الزبيدي في «الإتحاف)) (١٢٨/٦): (هكذا رواه ابن المبارك في
(الزهد)) عنه موقوفاً)، وقد رواه مرفوعاً ابن أبي عاصم في «السنة)) (١٥٠٥) عن
أنس رضي الله عنه، والديلمي في (( مسند الفردوس)) ( ٥٦٢١) من حديث ابن مسعود
رضي الله عنه .
حن
(٤) رواه ابن سعد في ((الطبقات)) (٣٢٧/٨) بتمامه ، ونحوه عند ابن المبارك في
((الزهد)» (٣٨٢) .
ن
٥٤٤
جم حن
-حن حن

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
واستعملَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ رجلاً ، فقيلَ : كانَ عاملاً للحجَّاج ،
فعزلَهُ ، فقالَ الرجلُ : إنَّما عملتُ لهُ على شيءٍ يسيرِ ، فقالَ لهُ عمرُ :
حسبُكَ بصحبتِهِ يوماً أوْ بعضَ يومٍ شؤماً وشرّاً(١) .
ـكن
وقالَ الفضيلُ : ( ما ازدادَ رجلٌ مِنْ ذي سلطانٍ قرباً .. إلا ازدادَ مِنَ اللهِ
بعداً )(٢).
وكانَ سعيدُ بنُّ المسيَّبِ يتَّجرُ في الزيتِ ويقولُ : إنَّ في هذا لغنى عن
هؤلاءِ السلاطينِ (٣).
وقالَ وهيبٌ : ( هؤلاءِ الذينَ يدخلونَ على الملوكِ لهُمْ أضرُّ على الأمَّةِ
مِنَ المقامرينَ ) (٤).
٠٠
وقالَ محمدُ بنُ سلمةَ : ( الذبابُ على العذرةِ أحسنُ مِنْ قارىءٍ على
باب هؤلاءِ )(٥).
بو
(١) رواه الفسوي في ((المعرفة والتاريخ)) (٦٠٨/١)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق))
(٦٨ /١٩٧ ) .
(٢) رواه هناد في ((الزهد)) (٥٩٧) عن عبيد بن عمير مرسلاً، وعند أحمد في « المسند »
(٣٧١/٢) مرفوعاً: ((من بدأ .. جفا، ومن اتبع الصيد .. غفَل، ومن أتى أبواب
السلطان .. افتتن ، وما ازداد عبد من السلطان قرباً .. إلا ازداد من الله بعداً)).
(٣) كونه يتاجر بالزيت عند الترمذي (١٢٦٧) إشارة لذلك.
(٤) رواه أحمد في ((الورع)) (ص ٨٢) .
(٥) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٤٤٦/٢) عن محمد بن السماك .
٥٤٥

كتاب الحلال والحرام
؟
ربع العادات
ولمَّا خالطَ الزهريُّ السلطانَ(١) .. كتبَ أخٌ لهُ في الدينِ إليهِ :
( عافانا اللهُ وإِيَّاكَ أبا بكرٍ مِنَ الفتنِ ، فقدْ أصبحتَ بحالٍ ينبغي لمَنْ عرفَكَ أنْ
يدعوَ لكَ اللهَ ويرحمَكَ، أصبحتَ شيخاً كبيراً ، وقدْ أثقلتْكَ نعَمُ اللهِ ؛ لما
فَهَّمَكَ مِنْ كِتابِهِ ، وعلَّمَكَ مِنْ سنَّةِ نبيِّهِ محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وليسَ
كذلكَ أخذَ اللهُ الميثاقَ على العلماءِ ، قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا
تَكْتُمُونَهُ﴾ .
واعلمْ: أنَّ أيسرَ ما ارتكبتَ وأخفَّ ما احتملتَ أنَّكَ آنستَ وحشةَ الظالمِ،
وسهَّلْتَ سبيلَ الغيِّ بدنوِّكَ ممَّنْ لمْ يؤدِّ حقّاً ولمْ يتركُ باطلاً، حينَ أدناكَ
اتخذوكَ قطباً تدورُ عليكَ رحى ظلمِهِمْ ، وجسراً يعبُرُونَ عليكَ إلى بلائِهِمْ ،
وسُلَّماً يصعدونَ فيهِ إلى ضلالتِهِمْ، ويُدخلونَ بكَ الشكَّ على العلماءِ،
ويقتادونَ بكَ قلوبَ الجهلاءِ ، فما أيسرَ ما عَمَروا لكَ في جنْبٍ ما خرَّبوا
عليكَ ، وما أكثرَ ما أخذوا منكَ في جنبٍ ما أفسدوا عليكَ مِنْ دينِكَ ، فما
يؤمنُكَ أنْ تكونَ ممَّنْ قالَ اللهُ تعالى فيهِمْ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُ أَضَاعُواْ
الصَّلَوَةَ ... ﴾ الآيةَ، وإنَّكَ تعاملُ مَنْ لا يجهلُ، ويحفظُ عليكَ مَنْ لا يغفُلُ ،
فداوِ دِينَكَ ؛ فقدْ دخلَهُ سقمٌ، وهيِّىءْ زادَكَ ؛ فقدْ حضرَ سفرٌ بعيدٌ،
وما يخفى على اللهِ مِنْ شيءٍ في الأرضِ ولا في السماءِ، والسلامُ)(٢).
كن
ذن
مفن
(١) يعني به عبد الملك بن مروان ، فإنه كان قد خالطه وقدم عليه دمشق مراراً ، وكذا ولده
هشام. ((إتحاف)) (١٢٨/٦ ).
(٢) هذا الكتاب أرسله أبو حازم سلمة بن دينار إلى الزهري رحمهما الله تعالى ، رواه =
٥٤٦
ش شي

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
فهذهِ الأخبارُ والآثارُ تدلُّ على ما في مخالطةِ السلاطينِ مِنَ الفتنِ وأنواعٍ
الفسادِ ، ولكنْ نفضِّلُ ذلكَ تفصيلاً فقهياً ، نميِّزُ فيهِ المحظورَ عنِ المكروهِ
والمباح ، فنقولُ :
ـح
خوخ
الداخلُ على السلطانِ معرَّضٌ لأنْ يعصيَ اللهَ تعالى ؛ إمَّا بفعلِهِ ، أَوْ
بسكوتِهِ ، وإمَّا بقولِهِ، وإمَّا باعتقادِهِ ، ولا ينفكُّ عنْ أحدِ هذهِ الأمورِ(١).
جــ
م+.
أمَّا الفعلُ : فالدخولُ عليهِمْ في غالبِ الأحوالِ يكونُ إلى دورِ مغصوبةٍ ،
وتخطِّيها والدخولُ فيها بغيرِ إذنِ الملَكِ حرامٌ ، ولا يغرنَّكَ قولُ القائل :
( إنَّ ذلكَ ممَّا يتسامحُ بهِ الناسُ ؛ كتمرةٍ أوْ فتاتِ خبزٍ ) ؛ فإنَّ ذلكَ صحيحٌ
في غيرِ المغصوبِ ، أمَّا المغصوبُ .. فلا؛ لأنَّهُ إِنْ قيلَ: إِنَّ كلَّ جلسةٍ
خفيفةٍ لا تنقصُ الملكَ فهيَ في محلِّ التسامح ، وكذلكَ الاجتيازُ .. فيجري
هذا في كلِّ واحدٍ ، فيجري أيضاً في المجموع ، والغصبُ إنَّما تمَّ بفعلِ
الجميع، وإنَّما يُتسامحُ بهِ إذا انفردَ، إذْ لوْ علمَ المالكُ بهِ .. ربَّما لمْ
يكرهْهُ ، فأمَّا إذا كانَ ذلكَ طريقاً إلى الاستغراقِ بالاشتراكِ .. فحكمُ التحريم
ينسحبُ على الكلِّ ، فلا يجوزُ أن يُتخذَ ملكُ الرجلِ طريقاً اعتماداً على أنَّ
أبو نعيم في «الحلية)) (٢٤٦/٣)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ( ٤١/٢٢)
=
ضمن خبر طويل .
C.
(١) ووجه الاستقراء : أن الداخل لا يخلو عند دخوله أن يفعل شيئاً، أو يسكت على شيء،
أو يقول شيئاً، أو يعتقد فى نفسه شيئاً، والقول ما كان باللسان ، والفعل ما كان
بالجوارح. ((إتحاف)) (٦ /١٣١ ).
%0
٥٤٧
در

زات
كتاب الحلال والحرام
ـوه
ربع العادات
كلَّ واحدٍ مِنَ المارِّينَ إنَّما يخطو خطوةٌ لا تنقصُ الملكَ ؛ لأنَّ المجموعَ
مفوِّتٌ للملكِ ، وهو كضربةٍ خفيفةٍ في التعليمِ تَبَاحُ ولكنْ بشرطِ الانفرادِ ،
فلو اجتمعَ جماعةٌ بضرباتٍ توجبُ القتلَ .. وجبَ القصاصُ على الجميعِ معَ
أنَّ كلَّ واحدةٍ مِنَ الضرباتِ لوِ انفردَتْ .. لكانَتْ لا توجبُ قصاصاً .
5ـ
فإِنْ فُرِضَ كونُ الظالمِ في موضعٍ غيرِ مغصوبٍ ؛ كالمواتِ مثلاً ؛ فإنْ
كانَ تحتَ خيمةٍ أَوْ مِظلَّةٍ مِنْ مالِهِ .. فهوَ حرامٌ(١) ، والدخولُ إليهِ غيرُ
جائزِ ؛ لأنَّهُ انتفاعٌ بالحرامِ واستظلالٌ بهِ .
فإِنْ فُرضَ كلُّ ذلكَ حلالاً .. فلا يعصي بالدخولِ مِنْ حيثُ إنَّهُ دخولٌ ،
ولا بقولِهِ : ( السلامُ عليكَ ) ، ولكنْ إنْ سجدَ، أوْ ركعَ ، أَوْ مثلَ قائماً في
سلامِهِ وخدمتِهِ .. كانَ مكرِّماً للظالمِ بسببٍ ولايتِهِ التي هيَ آلةُ ظلمِهِ ،
والتواضعُ للظالمِ معصيةٌ ، بلْ مَنْ تواضعَ لغنيٍّ ليسَ بظالمٍ لأجلِ غناهُ لا لمعنىّ
آخرَ يقتضي التواضعَ .. ذهبَ ثلثا دينهِ(٢) ، فكيفَ إذا تواضعَ لظالمٍ؟!
فلا يُباحُ إلا مجرَّدُ السلام، فأمَّا تقبيلُ اليدِ ، والانحناءُ في الخدمةِ ..
فهوَ معصيةٌ، إلا عندَ الخوفِ (٣)، أوْ لإمام عادلٍ، أَوْ لعالمٍ، أَوْ لمَنْ
(١) لكون أغلب أموال السلاطين كذلك. ((إتحاف)) (١٣١/٦).
(٢) كما روى ذلك الديلمي في ((مسند الفردوس)» (٥٤٤٩ ) من حديث أبي ذر ، وقد رواه
أبو نعيم في « الحلية)) ( ٤٥/٣) عن فرقد السبخي يعزوه للتوراة .
(٣) منه على نفسه وعياله أو ضيعته ، فإن قبّل اليد .. فلا بأس بذلك، وأما ما عداه مما
ذكر .. فغير جائز؛ فإنه ليس من شعار المسلمين. ((إتحاف)) (١٣٢/٦).
٥٤٨
تن

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
يستحقُّ ذلكَ بأمرٍ دينيٌّ(١) ؛ قبَّلَ أبو عبيدةَ بنُ الجرَّاح يدَ عمرَ رضيَ اللهُ
عنهُما لمَّا أَنْ لقيَهُ بالشامِ ، فلمْ ينكرْ عليهِ (٢) .
وقدْ بالغَ بعضُ السلفِ حتَّى امتنعَ عنْ رَدِّ جوابِهِمْ في السلام ،
والإعراضُ عنهُمُ استحقاراً لهُمْ مِنْ محاسنِ القرباتِ(٣)، فأمَّا السكوتُ عنْ
ردِّ الجوابِ .. ففيهِ نظرٌ ؛ لأنَّ ذلكَ واجبٌ ، فلا ينبغي أنْ يسقطَ بالظلم .
فإنْ تركَ الداخلُ جميعَ ذلكَ، واقتصرَ على السلام .. فلا يخلو مِنَ
الجلوسِ على بساطِهِمْ، وإذا كانَ أغلبُ أموالِهِمْ حراماً .. فلا يجوزُ
الجلوسُ على فرشِهِمْ ، هذا مِنْ حيثُ الفعلُ .
فأمَّا السكوتُ : فهوَ أنَّهُ سيرى في مجالسِهِمْ مِنَ الفُرُشِ الحريرِ وأواني
الفضَّةِ والحريرِ الملبوسِ عليهِمْ وعلى غلمانِهِمْ ما هوَ حرامٌ ، وكلُّ مَنْ رأى
منكراً وسكتَ عنهُ .. فهوَ شريكٌ في ذلكَ المنكرِ ، بلْ يسمعُ مِنْ كلامِهِمْ
(١) كشيخ مسنٌّ صالح شابَ في الإسلام ، أو شيخه في العلم ولو كان شاباً ، أو والده ، أو
والدته، والعم بمنزلة الأب. ((إتحاف)) (١٣٢/٦).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٦٧٣٢)، وأبو سعيد البصري في (( القُبَل
والمعانقة والمصافحة)) ( ص٩).
(٣) والعبارة عند الحافظ الزبيدي: ( والإعراض عنهم استحقاراً لهم ، وجعلوه من محاسن
القربات). ((إتحاف)) (١٣٢/٦)، وأما الامتناع من رد السلام عليهم .. فقد أورده
السيوطي عن ابن باكويه مسنداً في ((أخبار الصوفية)) حيث قال: ( تعززوا على أبناء
الدنيا بترك السلام عليهم). انظر (( ما رواه الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين))
( ص ٢٣ ) .
٥٤٩
حن

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
٥٥ ٠٥٥
ما هوَ فحشٌ وكذبٌ وشتمٌ وإيذاءٌ ، والسكوتُ على جميع ذلكَ حرامٌ ، بلْ
يراهُمْ لابسينَ الثيابَ الحرامَ وآكلينَ الطعامَ الحرامَ وجميعُ ما في أيديِهِمْ
حرامٌ ، والسكوتُ على ذلكَ غيرُ جائزٍ ، فيجبُ عليهِ الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ
عنِ المنكرِ بلسانِهِ إنْ لمْ يقدِرْ بفعلِهِ .
خ
فإنْ قيلَ: إنَّهُ يخافُ على نفسِهِ ، فهوَ معذورٌ في السكوتِ .. فههذا
حقٌّ، ولكنَّهُ مستغنٍ عنْ أنْ يعرِّضَ نفسَهُ لارتكابٍ ما لا يُباحُ إلا بعذرِ ؛ فإنَّهُ
لوْ لمْ يدخلْ ولمْ يشاهدْ .. لمْ يتوجَّهْ عليهِ الخطابُ بالحِسبةِ، حتَّى يسقطَ
عنهُ بالعذْرِ ، وعندَ هذا أقولُ : مَنْ علمَ فساداً في موضع، وعلمَ أنَّهُ لا يقدرُ
على إزالتِهِ .. فلا يجوزُ لهُ أنْ يحضرَ ليجريَ ذلكَ بينَ يديهِ وهوَ يشاهدُهُ
ويسكتُ ، بلْ ينبغي أنْ يحترزَ عنْ مشاهدتِهِ .
وأمَّا القولُ : فهوَ أنْ يدعوَ للظالمِ ، أَوْ يثنيَ عليهِ ، أوْ يصدِّقَهُ فيما يقولُ
مِنْ باطلٍ ؛ بصريحِ قولِهِ ، أوْ بتحريكِ رأسِهِ ، أوْ باستبشارٍ في وجهِهِ ، أوْ
يظهرَ لهُ الحبَّ والموالاةَ والاشتياقَ إلى لقائِهِ ، والحرصَ على طولِ عمرِهِ
وبقائِهِ ؛ فإنَّهُ في الغالبِ لا يقتصرُ على السلام ، بلْ يتكلّمُ ولا يعدو كلامُهُ
هذهِ الأقسامَ .
٢٠
من
٢
أمَّا الدعاءُ لهُ .. فلا يحلُّ، إلا أنْ يقولَ: أصلحكَ اللهُ، أوْ وفَّقَكَ اللهُ
للخيراتِ ، أَوْ طوَّلَ اللهُ عمرَكَ في طاعتِهِ ، أو ما يجري هذا المجرى .
٥٥٠

ديسط
ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
فأمَّا الدعاءُ بالحراسةِ ، وطولِ البقاءِ ، وإسباغِ النعمةِ ، معَ الخطابِ
بالمولى وما في معناهُ .. فغيرُ جائزٍ؛ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ دعا
لظالمٍ بالبقاءِ .. فقدْ أحبَّ أنْ يُعصى اللهُ في أرضِهِ))(١).
فإِنْ جاوزَ الدعاءَ إلى الثناءِ .. فسيذكرُ ما ليسَ فيهِ ، فيكونُ بهِ كاذباً
ومنافقاً ومكرماً لظالم ، وهذهِ ثلاثُ معاصٍ ، وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ ليغضبُ إذا مُدحَ الفاسقُ)) (٢)، وفي خبرٍ آخرَ: (( مَنْ أكرمَ
فاسقاً .. فقدْ أعانَ على هدم الإسلام))(٣).
فإنْ جاوزَ ذلكَ إلى التصديقِ لهُ فيما يقولُ ، والتزكيةِ والثناءِ على
ما يعملُ .. كانَ عاصياً بالتصديقِ وبالإعانةِ ؛ فإنَّ التزكيةَ والثناءَ إعانةٌ على
المعصيةِ ، وتحريكٌ للرغبةِ فيهِ ، كما أنَّ التكذيبَ والمذمَّةَ والتقبيحَ زجرٌ
عنهُ ، وتضعيفٌ لدواعيهِ ، والإعانةُ على المعصيةِ معصيةٌ ، ولوْ بشطرٍ
كلمةٍ .
۵۵.
٨٥٠٠٠٠
ولقدْ سئل سفيانُ رضيَ اللهُ عنهُ عنْ ظالمِ أشرفَ على الهلاكِ في برِيَّةٍ ؛
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت)) (٦٠٤) عن الحسن، ورواه أبو نعيم في (( الحلية))
(٤٦/٧) من قول سفيان .
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت)) (٢٣٠)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ٤٥٤٣).
(٣) روى الطبراني في ((الكبير)) (٩٦/٢٠)، وأبو نعيم في « الحلية)) (٢١٨/٥)
مرفوعاً: ((من وقَّر صاحب بدعة .. فقد أعان على هدم الإسلام)»، والقصة بتمامها
عند صاحب ((القوت)) (٢٦٤/٢).
٥٥١

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
هلْ يُسقى شربةَ ماءٍ ؟ فقالَ : لا ، فقيلَ لهُ : يموتُ ! فقالَ: دعْهُ حتى
يموتَ ؛ فإنَّ ذلكَ إعانةٌ لهُ على ظلمِهِ .
وقالَ غيرُهُ: يُسقى إلى أنْ تثوبَ إليهِ نفسُهُ، ثمَّ يُعرضُ عنهُ.
ے
فإنْ جاوزَ ذلكَ إلى إظهارِ الحبِّ والشوقِ إلى لقائِهِ وطولٍ بقائِهِ ؛ فإنْ
كانَ كاذباً .. عصى بمعصيةِ الكذبِ والنفاقِ، وإنْ كانَ صادقاً .. عصی بحبِّهِ
بقاءَ ظالم، وحقُّهُ أنْ يبغضَهُ في اللهِ ويمقتَهُ ، فالبغضُ في اللهِ واجبٌ ،
ومحبُّ المعصيةِ والراضي بها عاصٍ ، ومَنْ أحبَّ ظالماً ؛ فإنْ أحبَّهُ
لظلمِهِ .. فهوَ عاصٍ بمحبَّتِهِ ، وإنْ أحبَّهُ لسببٍ آخرَ .. فهوَ عاصٍ مِنْ حيثُ
إِنَّهُ لمْ يبغضْهُ، وكانَ الواجبُ عليهِ أنْ يبغضَهُ ، وإنِ اجتمعَ في شخصٍ واحدٍ
خيرٌ وشرّ .. وجبَ أنْ يُحبَّ لأجلِ ذلكَ الخيرِ، ويُبغضَ لأجلِ ذلكَ الشرِّ ،
وسيأتي في كتابِ الأخوةِ والمتحابينَ في اللهِ وجهُ الجمع بينَ البغضِ
والحبِّ .
حن
فإنْ سلِمَ مِنْ ذلكَ كلِّهِ وهيهاتَ . . فلا يسلمُ مِنْ فسادٍ يتطرَّقُ إلى قلبهِ ؛
فإنَّهُ ينظرُ إلى توسّعِهِ في النعمةِ فيزدري نعمَ اللهِ عليهِ ، ويكونُ مقتحماً نهيَ
رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حيثُ قالَ: (( يا معشرَ المهاجرينَ ؛
لا تدخلوا على أهل الدنيا، فإنَّها مسخطةٌ للرّرقِ))(١).
(١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٧٦٠) موقوفاً على سيدنا عمر رضي الله عنه ، وروى
الحاكم في (( المستدرك)) (٣١٢/٤) مرفوعاً: (( أقلوا الدخول على الأغنياء، فإنه
قمنٌ ألا تزدروا نعم الله عز وجل )) .
ت>
٥٥٢
ڈں
مدن
جر
حن

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
وهذا معَ ما فيهِ مِنِ اقتداءِ غيرِهِ بِهِ في الدخولِ ، ومِنْ تكثيرِهِ سوادَ الظلمةِ
بنفسِهِ، وتجميلِهِ إِيَّاهُمْ إنْ كانَ ممَّنْ يتجمَّلُ بهِ ، وكلُّ ذلكَ إمَّا مكروهاتٌ
وإمَّا محظوراتٌ .
دُعِيَ سعيدُ بنُ المسيَّبِ إلى البيعةِ للوليدِ وسليمانَ ابنَي عبدِ الملكِ بنِ
مروانَ(١)، فقالَ: لا أبايعُ اثنينِ ما اختلفَ الليلُ والنهارُ؛ فإنَّ النبيَّ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ نهى عنْ بيعتينٍ (٢)، فقالَ: فقيلَ : ادخلْ مِنَ البابِ
واخرجْ مِنَ البابِ الآخرِ ، قالَ : لا واللهِ ؛ لا يقتدي بي أحدٌ مِنَ الناسِ ،
قالَ : فجلدَهُ مئةً وألبسَهُ المسوحَ(٣).
فلا يجوزُ الدخولُ عليهِمْ إلا بعذرینِ :
أحدُهما : أنْ يكونَ مِنْ جهتِهِمْ أمرُ إلزامٍ لا أمرُ إكرامٍ ، وعلمَ أنَّهُ لوٍ
امتنعَ .. أُوْذِيَ أَوْ فسدَ عليهِمْ طاعةُ الرعيةِ واضطربَ أمرُ السياسةِ ، فيجبُ
عليهِ حينئذٍ الإجابةُ ، طاعةً لهُمْ، ومراعاةً لمصلحةِ الخلقِ ؛ حتَّى
لا تضطربَ الولايةُ (٤).
سعيد
(١) وكان الداعي له هو والدهما عبد الملك. ((إتحاف)) (١٣٤/٦).
(٢) رواه الترمذي (١٣٣١)، والنسائي (٢٩٥/٧).
(٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٧٠/٢)، والمسوح: جمع مِسح ، وهو الكساء
الأسود .
(٤) في نسخة الحافظ الزبيدي: ( لا طاعة لهم، بل مراعاة المصلحة ... ). ((إتحاف))
(١٣٥/٦)، والعبارتان موجهتان .
1
-.
ـنت
٥٥٣
ثين
عن
%
ء سسم

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
من
والثاني : أنْ يدخلَ عليهِمْ في دفع ظلمٍ عنْ مسلمٍ سواءُ ، أَوْ عنْ نفسِهِ ؛
إمَّا بطريقِ الحِسبةِ ، أَوْ بطريقِ التظلُّم ، فذلكَ رخصةٌ ، بشرطِ ألا يكذبَ ،
ولا يثنيَ ، ولا يدعَ نصيحةً يتوقَّعُ لها قبولاً ، فهذا حكمُ الدخولِ .
الحالةُ الثانيةُ : أنْ يدخلَ عليكَ السلطانُ الظالمُ زائراً :
فجوابُ السلام لا بدَّ منهُ، وأمَّا القيامُ والإكرامُ لهُ .. فلا يحرمُ مقابلةً لهُ
على إكرامِهِ، فإنَّهُ بإكرام العلمِ والدينِ مستحقٌّ للإحمادِ ، كما أنَّهُ بالظلم
مستحقٌّ للإبعادِ ، فالإكرامُ بالإكرامِ ، والجوابُ بالسلام ، ولكنَّ الأولىُ ألا
يقومَ إنْ كانَ معهُ في خلوةٍ ؛ ليظهرَ لهُ بذلكَ عزَّ الدينِ وحقارةَ الظلْمِ ، ويظهرَ
لهُ غضبَهُ للدينِ، وإعراضَهُ عمَّنْ أعرضَ عنِ اللهِ تعالى، فأعرضَ اللهُ تعالى
عنْهُ .
ـكن
وإنْ كانَ الداخلُ عليهِ في جمع . . فمراعاةُ حشمةِ أربابِ الولاياتِ فيما بينَ
الرعايا مهمٌّ، فلا بأسَ بالقيام على هذهِ النِيَّةِ ، وإنْ علمَ أنَّ ذلكَ لا يورثُ
فساداً في الرعيّةِ ، ولا ينالُهُ أذىّ مِنْ غضبهِ .. فتركُ الإكرام بالقيام أولى .
ثُمَّ يجبُ عليهِ بعدَ أنْ وقعَ اللقاءُ أنْ ينصحَهُ ، فإنْ كانَ يقارِفُ ما لا يعرفُ
تحريمَهُ ، وهوَ يتوقَّعُ أنْ يتركَهُ إذا عرفَ .. فليعرِّفْهُ ، فذلكَ واجبٌ .
وأمَّا ذكرُ تحريمٍ ما يعلمُ تحريمَهُ ؛ مِنَ الشربِ والظلمِ .. فلا فائدةَ فيهِ ،
بلْ عليهِ أنْ يخوِّفَهُ فيما يرتكبُهُ مِنَ المعاصي مهما ظنَّ أنَّ التخويفَ يؤثِّرُ فيهِ ،
٩٠
تن
٥٥٤

ربع العادات
٥٫٫٥٠ دون
حن
كتاب الحلال والحرام
وعليهِ أنْ يرشدَهُ إلى طريقِ المصلحةِ إنْ كانَ يعرفُ طريقاً على وَفْقِ الشرع ؛
بحيثُ يحصلُ بهِ غرضُ الظالمِ مِنْ غيرِ معصيةٍ ، فيصدَّهُ بذلكَ عنِ الوصولِ
إلىْ غرضِهِ بالظلمِ .
حن
فإذاً ؛ يجبُ عليهِ التعريفُ في محلِّ جهلِهِ ، والتخويفُ فيما هوَ
مستجرىءٌ عليهِ، والإرشادُ إلى ما هوَ غافلٌ عنهُ ممَّا يغنيهِ عنِ الظّلمِ .
فهذهِ ثلاثةُ أمورٍ تلزمُهُ إذا توقَّعَ للكلام فيها أثراً ، وذلكَ أيضاً لازمٌّ على
كلِّ مَنِ اتفقَ لهُ دخولٌ على السلطانِ بعذرٍ أوْ بغيرِ عذرٍ .
روىُ مقاتلُ بنُ صالح قالَ : كنتُ عندَ حمَّادِ بنِ سلمةَ ، وإذا ليسَ في
البيتِ إلا حصيرٌ وهوَ جالسٌ عليهِ ، ومصحفٌ يقرأُ فيهِ ، وجِرابٌ فيهِ علمُهُ ،
ومِطهرةٌ يتوضَّأُ منها ، فبينا أنا عندَهُ . . إذْ دَقَّ داقٌّ البابَ ، فإذا هوَ محمدُ بنُ
سليمانَ ، فأذنَ لهُ، فدخلَ وجلسَ بينَ يديهِ ، ثمَّ قالَ : ما لي إذا رأيتُكَ ..
امتلأتُ منكَ رُعباً ؟ قالَ حمادٌ: لأنَّهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ قالَ لهُ: ((إنَّ
العالمَ إذا أرادَ بعلمِهِ وجهَ اللهِ .. هابَهُ كلُّ شيءٍ، وإنْ أرادَ أنْ يكنزَ بهِ
الكنوزَ .. هابَ مِنْ كلِّ شيءٍ))(١)، ثمَّ عرضَ عليهِ أربعينَ ألفَ درهم وقالَ :
تأخذُها وتستعينُ بها ، قالَ : ارددْها على مَنْ ظلمتَهُ بها ، قالَ : واللهِ
ما أعطيتُكَ إلا ممَّا ورثتُهُ، قالَ : لا حاجةً لي فيها ، قالَ : فتأخذُها
فتقسمُها ، قالَ : لعلِّ إنْ عدلتُ في قسمتِها أخافُ أنْ يقولَ بعضُ مَنْ لمْ
(١) هذا الحديث المرفوع رواه حماد كما سيأتي في تخريج الخبر.
٥٥٥

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
يُرزقْ منها: إنَّهُ لمْ يعدِلْ في قسمتِها ، فيأثمُ ، فازوها عنِّي(١) .
الحالةُ الثالثةُ : أَنْ يعتزلَهُمْ فلا يراهُمْ ولا يرونَهُ :
وهوَ الواجبُ ؛ إذْ لا سلامةَ إلا فيهِ ، فعليهِ أنْ يعتقدَ بغضَهُمْ على
ظلمِهِمْ، ولا يحبّ بقاءَهُمْ، ولا يثنيَ عليهِمْ ، ولا يستخبرَ عنْ أحوالِهِمْ ،
ولا يتقرَّبَ إلى المتصلينَ بِهِمْ ، ولا يتأسَّفَ على ما يفوتُ بسببِ مفارقتِهِمْ ،
وذلكَ إذا خطرَ ببالِهِ أمرُهُمْ ، وإِنْ غفَلَ عنْهُمْ . . فهوَ الأحسنُ .
وإذا خطرَ ببالِهِ تنقُّمُهُمْ .. فليذكرْ ما قالَهُ حاتِمٌ الأصمُّ : ( إنَّما بيني وبينَ
الملوكِ يومٌ واحدٌ ، أمَّا أمسٍ .. فلا يجدونَ لذَّتَهُ، وإنِّي وإيّاهُمْ مِن غدٍ لعلى
وجل، وإنَّما هوَ اليومُ ، وما عسى أنْ يكونَ في اليوم؟! )(٢) .
وما قالَهُ أبو الدرداءِ إذْ قالَ : ( أهلُ الأموالِ يأكلونَ ونأكلُ ، ويشربونَ
ونشربُ، ويلبسونَ ونلبسُ ، ولهُمْ فضولُ أموالٍ ينظرونَ إليهَا وننظرُ معَهُمْ
إليها، وعليهِمْ حسابُها ونحنُ منها برآءُ)(٣) .
(١) رواه الخطيب في ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)) (١ / ٥٦٧)، وابن عساكر
في (( تاريخ دمشق)) (١٣٢/٥٣)، والحديث المرفوع في الخبر ساقه بسنده متصلاً
حماد إذ قال : سمعت ثابتاً البناني يقول : سمعت أنس بن مالك يقول : سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، وذكره ، فهو من روايتهما .
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في (( الزهد)) (٤٦٩) عن أبي حازم سلمة بن دينار .
(٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) ( ٥٩٢) .
٥٥٦

٢٥
ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
وكلُّ مَنْ أحاطَ علمُهُ بظلمٍ ظالمٍ ومعصيةِ عاصٍ .. فينبغي أنْ يحطَّ ذلكَ
مِنْ درجتِهِ في قلبهِ ، فهذا واجبٌ عليهِ ؛ لأنَّ مَنْ صدرَ منهُ ما يكرهُ .. نقصَ
ذلكَ مِنْ رتبتِهِ في القلبِ لا محالةَ ، والمعصيةُ ينبغي أنْ تُكرهَ ، فإنَّهُ إمَّا أنْ
يغَفُلَ عنها ، أوْ يرضى بها ، أوْ يكرهَ ، ولا غفلةَ معَ العلمِ ، ولا وجهَ
للرضا ، فلا بدَّ مِنَ الكراهةِ ، فليكنْ جنايةُ كلِّ أحدٍ على حقِّ اللهِ تعالى
كجنایتِهِ على حقِّكَ .
فإنْ قلتَ : الكراهةُ لا تدخلُ تحتَ الاختيارِ ، فكيفَ تجبُ ؟
٨٤٠٨٠٠٠
قلنا : ليسَ كذلكَ ؛ فإنَّ المحبَّ يكرهُ بضرورةِ الطبع ما هوَ مكروهٌ عندَ
محبوبِهِ ومخالفٌ لهُ، فإنَّما لا يكرهُ معصيةَ اللهِ مَنْ لا يحبُّ اللهَ تعالى ،
وإنَّما لا يحبُّ اللهَ تعالىُ مَنْ لا يعرفُهُ، والمعرفةُ واجبةٌ ، والمحبةُ للهِ
واجبةٌ، وإذا أحبَّهُ .. كرهَ ما كرهَهُ، وأحبَّ ما أحبَّهُ ، وسيأتي تحقيقُ ذلكَ
في كتابِ المحبَّةِ والرضا .
١٦٠٠٠
فإنْ قلتَ : فقدْ كانَ علماءُ السلفِ يدخلونَ على السلاطينِ .
فأقولُ : نعمْ ، تعلَّم الدخولَ منهُمْ ثمَّ ادخلْ ؛ كما حُكِي أنَّ هشامَ بنَ
عبدِ الملكِ قدمَ حاجّاً إلى مكَّةَ ، فلمَّا دخلَها .. قالَ : ائتوني برجلٍ مِنَ
٨
الصحابةِ ، فقيلَ : يا أميرَ المؤمنينَ ؛ قدْ فَنَوا ، فقالَ : فمنَ التابعينَ ، فَأَتِيَ
۔۔۔
.2
٥٥٧
m- P.

كتاب الحلال والحرام
جيدـ
ربع العادات
بطاووسِ اليمانيِّ ، فلمَّا دخلَ عليهِ .. خلعَ نعليهِ بحاشيةِ بساطِهِ ، ولمْ يسلِّمْ
عليهِ بإمرةِ المؤمنينَ ، ولكنْ قالَ : السلامُ عليكَ يا هشامُ ، ولمْ يكنِّهِ ،
وجلسَ بإزائِهِ ، وقالَ : كيفَ أنتَ يا هشامُ؟ فغضبَ هشامٌ غضباً شديداً حتَّى
همَّ بقتلِهِ ، فقيلَ لهُ : أنتَ في حرمِ اللهِ وحرمِ رسولِهِ ، فلا يمكنُ ذلكَ ،
فقالَ لهُ : يا طاووسُ ؛ ما الذي حملَكَ على ما صنعتَ ؟ قالَ : وما الذي
صنعتُ ؟ فازدادَ غضباً وغيظاً ، قالَ : خلعتَ نعليكَ بحاشيةِ بساطي ، ولمْ
تقبّلْ يدي ، ولمْ تسلِّم عليَّ بإمرةِ المؤمنينَ ، ولمْ تكنِّني ، وجلستَ بإزائي
بغيرِ إذني ، وقلتَ : كيفَ أنتَ يا هشامُ .
فقالَ : أَمَّا ما فعلتُ مِنْ خلْع نعلي بحاشيةِ بساطِكَ .. فإنِّي أخلعُهُما بينَ
يدي ربِّ العزَّةِ كلَّ يومٍ خمسَ مرَّاتٍ ولا يعاقبُني، ولا يغضبُ عليَّ، وأمَّا
قولُكَ : لمْ تقبّلْ يدي .. فإِنِّي سمعتُ أميرَ المؤمنينَ عليَّ بن أبي طالبٍ
رضيَ اللهُ عنهُ يقولُ: ( لا يحلُّ لرجلٍ أنْ يقبّلَ يدَ أحدٍ ؛ إلا يدَ امرأتِهِ مِنْ
شهوةٍ ، أَوْ ولدِهِ مِنْ رحمةٍ ) ، وأمَّا قولُكَ: لمْ تسلَّمْ عليَّ بإمرةِ المؤمنينَ ..
فليسَ كلُّ الناسِ راضينَ بإمرتِكَ ، فكرهتُ أنْ أكذبَ ، وأمَّا قولك : لمْ
تكنِّني .. فإنَّ اللهَ تعالى سمَّى أنبياءَهُ وأولياءَهُ فقالَ: يا داوودُ ، يا يحيى،
يا عيسىُ، وكنَّى أعداءَهُ فقالَ: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ وَتَبَّ﴾، وأمَّا قولُكَ :
جلستَ بإزائي .. فإنِّي سمعتُ أميرَ المؤمنينَ عليّاً رضيَ اللهُ عنهُ يقولُ: (إذا
أردتَ أنْ تنظرَ إلى رجلٍ مِنْ أهلِ النارِ .. فانظرْ إلى رجلٍ جالسٍ وحولَهُ قومٌ
قيامٌ ) .
ـدن
حن ون
حن حن
٥٥٨

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
فقالَ لهُ هشامٌ : عظْني ، فقالَ : سمعتُ مِنْ أميرِ المؤمنينَ عليٍّ
رضيَ اللهُ عنهُ يقولُ : ( إنَّ في جهنّمَ حيَّاتٍ كالقلالِ ، وعقاربَ كالبغالِ ،
تلدغُ كلَّ أميرٍ لا يعدلُ في رعيتِهِ ) ، ثمَّ قامَ وخرجَ .
حن
وعنْ سفيانَ الثوريِّ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ : أُدخلتُ على أبي جعفر المنصورِ
بمنىٌّ ، فقالَ لي: ارفعْ إلينا حاجتَكَ، فقلتُ لهُ : اتقِ اللهَ فقدْ ملأتَ الأرضَ
ظلماً وجوراً ، قالَ : فطأطأَ رأسَهُ ثمَّ رفعَهُ فقالَ : ارفعْ إلينا حاجتَكَ ،
قالَ : فقلتُ: إنَّما أُنزِلتَ هذهِ المنزلةَ بسيوفِ المهاجرينَ والأنصارِ
وأبناؤُهُمْ يموتونَ جوعاً ، فاتقِ اللهَ وأوصل إليهِمْ حقوقَهُمْ، فطأطأَ رأسَهُ ثمَّ
رفعَ فقالَ : ارفعْ إلينا حاجتَكَ ، فقلتُ : حجَّ عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ
عنهُ ، فقالَ لخازنِهِ : كمْ أنفقتَ ؟ قالَ : بضعةَ عشرَ درهماً ، وأرى ههنا
أموالاً لا تطيقُ الجمالُ حملَها ، وخرج(١) .
فهكذا كانوا يدخلونَ على السلاطينِ إذا أُكرهوا ، فكانوا يغررونَ
بأرواحِهِمْ في الانتقام للهِ مِمَّنْ ظلمَ .
ودخلَ ابنُ أبي شميلةَ على عبدِ الملكِ بنِ مروانَ ، فقالَ لهُ : تكلَّمْ ،
فقالَ : إنَّ الناسَ لا ينجونَ في القيامةِ مِنْ غُصصِها ومراراتِها ومعاينةِ الردى
فيها إلا مَنْ أرضى اللهَ بسخطِ نفسِهِ ، فبكىُ عبدُ الملكِ وقالَ : لأجعلنَّ هذهِ
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٤٤/٧)، وفيها وفي النسخ: ( ... أموراً لا تطيقها
الجبال) ، والمثبت من (ق) .
فاه.
٥٥٩
صن
فات
.. "

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
الكلمةَ مثالاً نصْبَ عينيَّ ما عشتُ(١) .
ولمَّا استعملَ عثمانُ بنُ عفَّنَ رضيَ اللهُ عنهُ عبدَ اللهِ بنَ عامر (٢) .. أتاهُ
أصحابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وأبطأَ عنهُ أبو ذرٍّ وكانَ لهُ
صديقاً ، فعاتبَهُ ، فقالَ أبو ذرٍّ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
يقولُ: ((إنَّ الرجلَ إذا وليَ ولايةً .. تباعدَ اللهُ عنهُ))(٣).
ودخلَ مالكُ بنُ دينارٍ على أميرِ البصرةِ ، فقالَ : أَيُّها الأميرُ ؛ قرأتُ في
بعضٍ الكتبِ أنَّ اللهَ تعالى يقولُ : مَنْ أحمقُ مِنَ السلطانِ ، ومَنْ أجهلُ ممَّنْ
عصاني ، ومَنْ أعزُّ ممَّنِ اعتزَّ بي؟! أيُّها الراعي السوءُ ؛ دفعتُ إليكَ غنماً
سماناً صحاحً(٤)، فأكلتَ اللحمَ، ولبستَ الصوفَ، وتركتَها عظاماً
تتقعقعُ ، فقالَ لهُ والي البصرةِ : أتدري ما الذي يجرِّتُكَ علينا ويجنبُنا
عنكَ ؟ قالَ : لا ، قالَ : قلَّةُ الطمع إلينا، وتركُ الإمساكِ لما في
أيدينا(٥) .
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)) (١٠٥).
(٢) في (أ، ج، د): (العباس)، وفي (ب): (ابن عباس)، وفي (هـ) :
( استُعمِل عثمانُ ) .
(٣) قال الحافظ العراقي: ( لم أقف له على أصل). («إتحاف)) (١٣٩/٦)، وروى هناد
في ((الزهد)) (٥٩٧) عن عبيد بن عمير مرسلاً، وأحمد في ((المسند)) (٢/ ٣٧١)
مرفوعاً ما يفيد معناه، وفيه: (( وما ازداد عبد من السلطان دنوّاً .. إلا ازداد من الله
بعداً)) .
(٤) شبه السلطان براعي الغنم، والرعية بالغنم. انظر ((الإتحاف)) (١٣٩/٦).
(٥) رواه ابن قتيبة في ((عيون الأخبار)) (١/ ٥٤)، والأمير هو بلال بن أبي بردة = !
٥٦٠