Indexed OCR Text

Pages 481-500

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
X
العربِ ، ويتوالدُ في أيديهِمُ المغصوبُ - فلا تنقطعُ بقولِهِ : ( إنَّهُ مِنْ شاتي )
ولا بقولِهِ : (إنَّ الشاةَ ولدتْها شاتي)، فإنْ أسندَهُ إلى الوراثةِ مِنْ أبيهِ وحالٌ
أبيهِ مجهولةٌ .. انقطعَ السؤالُ، وإنْ كانَ يعلمُ أنَّ جميعَ مالِ أبيهِ حرامٌ . . فقدْ
ظهرَ التحريمُ ، وإنْ كانَ يعلمُ أنَّ أكثرَهُ حرامٌ . . فكثرةُ التوالدِ وطولُ الزمانِ
وتطرُّقُ الإرثِ إليهِ لا يغيِّرُ حكمَهُ ، فلينظرْ في هذِهِ المعاني.
مَثَالَّةٌ
[فيمَنْ أوقفَ على خانَقاءِ الصوفيةِ وغيرِهِمْ، فهلْ يجوزُ للقائم خلطُ
الوقفينِ وتقديمُهُ لهؤلاءِ وهؤلاءِ ؟ وما حكمُ أكلِ طعامِهِمْ ؟!
سُئلتُ عنْ جماعةٍ مِنْ سكانٍ خانَقَاهِ الصوفيّةِ(١) ، وفي يدِ خادمِهِمُ الذي
يقدِّمُ إليهِمُ الطعامَ وقْفٌ على ذلكَ المسكنِ ووقفٌ آخرُ على جهةٍ أخرى غيرِ
هؤلاءِ ، وهوَ يخلطَ الكلَّ وينفقُ على هؤلاءِ وهؤلاءِ ، فأكلُ طعامِهِمْ حلالٌ أوْ
حرامٌ أوْ شبهةٌ ؟
فقلتُ : إنَّ هذا يلتفتُ إلى سبعةِ أصولٍ :
(١) الخانقاه : بقعة يسكنها أهل الصلاة والخير والصوفية ، والنون مفتوحة ، فارسي معرب
من ( خانكاه ) ومعناه: زاوية الصوفية، وحكى المقريزي فى ((المواعظ والاعتبار»
(٤١٤/٢) أنها حدثت في حدود الأربع مئة من سني الهجرة ، وجعلت لتخلي الصوفية
فيها لعبادة الله تعالى ، والمصنف واحد ممن اتخذ خانقاه في آخر حياته .
٤٨١
حن
- -

كتاب الحلال والحرام
بوه ه
ربع العادات
الأصلُ الأوَّلُ : أنَّ الطعامَ الذي يُقدَّمُ إليهِمْ في الغالبِ يشتريهِ
بالمعاطاةِ ، والذي اخترناهُ صحَّةُ المعاطاةِ ، لا سيما في الأطعمةِ
والمستحقراتِ ، فليسَ في هذا إلا شبهةُ الخلافِ .
الأصلُ الثاني : أنْ ينظرَ أنَّ الخادمَ هلْ يشتريهِ بعينِ المالِ الحرامِ أَوْ في
الذمةِ ؟ فإنِ اشتراهُ بعينِ المالِ الحرامِ فهوَ حرامٌ ، وإنْ لمْ يُعرفْ .. فالغالبُ
أنّهُ يشتري في الذمَّةِ ، ويجوزُ الأخذُ بالغالبِ ، ولا ينشأُ مِنْ هذا تحريمٌ ،
بلْ شبهةُ احتمالٍ بعيدٍ ، وهوَ شراؤُهُ بعينِ مالٍ حرامٍ .
الأصلُ الثالثُ : أَنَّهُ مِنْ أينَ يشتريهِ ؟ فإنِ اشترى ممَّنْ أكثرُ مالِهِ حرامٌ ..
لمْ يجزْ، وإنْ كانَ ممَّنْ أقلُّ مالِهِ حرامٌ .. ففيهِ نظرٌ قَدْ سبقَ ، وإذا لمْ
يعرفْ .. جازَ لهُ الأخذُ بأنَّهُ يشتريهِ ممَّنْ مالُهُ حلالٌ ، أَوْ مِمَّنْ لا يدري
المشتري حالَهُ بيقينِ ؛ كالمجهولِ ، وقدْ سبقَ جوازُ الشراءِ مِنَ المجهولِ ؛
لأنَّ ذلكَ هوَ الغالِبُ ، فلا ينشأُ مِنْ هذا تحريمٌ ، بلْ شبهةُ احتمالٍ .
الأصلُ الرابعُ : أَنْ يشتريَهُ لنفسِهِ أوْ للقومِ ؛ فإنَّ المتولِّيَ والخادمَ
كالنائبٍ ، ولهُ أنْ يشتريَ لهُمْ ولنفسِهِ ، ولكنْ يكونُ ذلكَ بالنيّةِ أوْ
صريح اللفظِ ، وإذا كانَ يجري بالمعاطاةِ .. فلا يجزئُ اللفظُ، والغالبُ
أنَّهُ لا ينوي عندَ المعاطاةِ، والقصَّابُ والخبَّارُ ومَنْ يعاملُهُ يعوِّلُ عليهِ ،
ويقصدُ البيعَ منهُ ، لا ممَّنْ لا يحضرونَ، فيقعُ عنْ جهتِهِ ، ويدخلُ في
ملکهِ .
٢
٢
إن ون من ضي جن حن أن ئن
٤٨٢
عري

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
وهذا الأصلُ ليسَ فيهِ تحريمٌ ولا شبهةٌ ، ولكنْ يثبتُ أنَّهُمْ يأكلونَ مِنْ
ملكِ الخادمِ .
ـدر
الأصلُ الخامسُ : أنَّ الخادمَ يقدِّمُ الطعامَ إليهِمْ، ولا يمكنُ أنْ يجعلَ
ضيافةً وهديةً بغيرِ عوضٍ ؛ فإنَّهُ لا يرضى بذلكَ، وإنَّما يقدِّمُ اعتماداً على
عوضِهِ مِنَ الوقفِ ، فهوَ معاوضةٌ ، ولكنْ ليسَ ببيع ولا إقراضٍ ؛ لأنَّهُ لوٍ
انتهضَ لمطالبتِهِمْ بالثمنِ .. لاستبعدَ ذلكَ ، وقرينةُ الحالِ لا تدلُّ عليهِ ،
فأشبهُ أصلِ تنزَّلُ عليهِ هذهِ الحالةُ الهبةُ بشرطِ الثوابِ ؛ أعني : هديةٌ لا لفظَ
فيها ، مِنْ شخصٍ تقتضي قرينةُ حالِهِ أنَّهُ يطمعُ في ثوابٍ ، وذلكَ صحيحٌ ،
والثوابُ لازمٌ ، وههنا ما طمعَ الخادمُ في أنْ يأخذَ ثواباً عمَّا قدَّمَهُ إلا حقَّهُمْ
مِنَ الوقفِ ؛ ليقضيَ بهِ دينَهُ مِنَ الخبَّازِ والقصَّابِ والبقَّالِ وغيرِهِ ، فهذا ليسَ
فيهِ شبهةٌ؛ إذْ لا يُشترطُ لفظُ في الهديَّةِ ولا في تقديمِ الطعام ، وإنْ كانَ معَ
انتظارِ الثوابِ ، ولا مبالاةَ بقولِ مَنْ لا يصحِّحُ هديَّةً في انتظارِ ثوابٍ .
جن جن
كير
P
الأصلُ السادسُ : أَنَّ الثوابَ الذي يلزمُ فيهِ خلافٌ: فقيلَ: إنَّهُ أقلُّ
متموَّلٍ، وقيلَ : قَدْرُ القيمةِ ، وقيلَ : ما يرضى بهِ الواهبُ، حتَّى إنَّ لهُ ألا
يرضى بأضعافِ القيمةِ .
والصحيحُ : أنَّهُ يتبعُ رضاهُ ، فإذا لمْ يرضَ .. يردُّ عليهِ ، وههنا الخادمُ
قدْ رضيَ بما يأخذُ مِنْ حقِّ السّكَّانِ على الوقفِ ، فإنْ كانَ لهُمْ مِنَ الحقِّ بقدْرِ
ما أكلوهُ .. فقدْ تمَّ الأمرُ، وإنْ كانَ ناقصاً ورضيَ بهِ الخادمُ .. صحَّ أيضاً ،
٤٨٣
مطرح

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
وإنْ علمَ أنَّ الخادمَ لا يرضى لولا أنَّ في يدِهِ الوقفَ الآخرَ الذي يأخذُهُ بقوّةٍ
هؤلاءِ السكّانِ .. فكأنَّهُ رضيَ في الثوابِ بمقدار بعضُهُ حلالٌ وبعضُهُ حرامٌ ،
والحرامُ لمْ يدخلْ في أيدي السكّانِ ، فهذا كالخللِ المتطرِّقِ إلى الثمنِ ،
وقدْ ذكرنا حكمَهُ مِنْ قبلُ وأنَّهُ متى يقتضي التحريمَ ومتى يقتضي الشبهةَ .
فته
وهذا لا يقتضي تحريماً على ما فصلناهُ ، فلا تنقلبُ الهديَّةُ حراماً
بتوصُّلِ المُهدي بسببِ الهديَّةِ إلى حرامٍ(١).
الأصلُ السابعُ : أنَّهُ يقضي دينَ الخبَّازِ والقصَّابِ والبقَّالِ مِنِ ارتفاع
الوقفينِ(٢)، فإنْ وفَّى ما أخذَ مِنْ حقِّهِمْ بقيمةِ ما أطعمَهُمْ .. فقدْ صحَّ
الأمرُ ، وإنْ قصَّرَ عنهُ ورضيَ القصَّابُ والخبّازُ بأيِّ ثمنٍ كانَ حراماً أوْ
حلالاً .. فهذا خللٌ تطرّقَ إلى ثمنِ الطعامِ أيضاً ، فليلتفتْ إلى ما قدمناهُ مِنَ
الشراءِ في الذمَّةِ ، ثمَّ قضاءِ الثمنِ مِنْ حرامٍ ، هذا إذا علمَ أنَّهُ قضاهُ مِنْ
حرام .
فإنِ احتملَ ذلكَ واحتملَ غيرُهُ .. فالشبهةُ أبعدُ .
وقدْ خرجَ مِنْ هذا : أنَّ أكلَ هذا ليسَ بحرام ، ولكنَّهُ أكلُ شبهةٍ ، وهوَ
بعيدٌ مِنْ الورع ؛ لأنَّ هذهِ الأصولَ إذا كثرتْ ، وتطرّقَ إلى كلِّ واحدٍ
(١) وبه يتميّز عن الرشوة؛ إذ الرشوة ما يتوصل به إلى حرام، وبينهما فرق. («إتحاف))
(٦ / ٩٤ ) .
(٢) أي : مما يتحصل من جهتهما، ويسمى ذلك ارتفاعاً لكونه يفيض عنه فيرتفع .
((إتحاف)) (٦ /٩٤ ) .
جن حن حن ثن
ق
٤٨٤
من
كن مكن

ربع العادات
حجز
كتاب الحلال والحرام
احتمالٌ .. صارَ احتمالُ الحرام بكثرتِهِ أقوى في النفسِ ، كما أنَّ الخبرَ إذا
طالَ إسنادُهُ .. صارَ احتمالُ الكذبِ والغلطِ فيهِ أقوىُ ممَّا إذا قربَ إسنادُهُ .
فهذا حكْمُ هذهِ الواقعةِ ، وهيَ منَ الفتاوى ، وإنَّما أوردناها ليُعرِفَ
كيفيةُ تخريج الوقائع الملتقَّةِ الملتبسةِ ، وأنَّها كيفَ تُردُّ إلى الأصولِ ، فإنَّ
ذلكَ ممَّا يعجِزُ عنهُ أكثرُ المفتينَ .
الميد
٤٨٥
ت:

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
البَابُ الرَّابِعُ
في كيفية خروج النائب عن المظالم الماليّة
اعلمْ : أَنَّ مَنْ تابَ وفي يدهِ مالٌ مختلطٌ .. فعليهِ وظيفةٌ في تمييزِ الحرامِ
وإخراجِهِ ، ووظيفةٌ أخرى في مصرِفِ المخرج ، فلينظرْ فيهما .
النّظر الأوّل: في كيفيّة الّيز والإخراج
اعلمْ : أنَّ كلَّ مَنْ تابَ وفي يدِهِ ما هوَ حرامٌ معلومُ العينِ ؛ مِنْ غصبٍ ،
أوْ وديعةٍ ، أوْ غيرِهِ .. فأمرُهُ سهْلٌ ، فعليهِ تمييزُ الحرامِ .
وإنْ كانَ ملتبساً مختلطاً . . فلا يخلو : إمّا أنْ يكونَ في مالٍ هوَ مِنْ ذواتِ
الأمثالِ ؛ كالحبوبِ والنقودِ والأدهانِ ، وإمَّا أنْ يكونَ في أعيانٍ متمايزةٍ ؛
كالعبيدِ والدورِ والثيابِ .
٢٠٠
فإنْ كانَ في المتماثلاتِ ، أَوْ كانَ شائعاً في المالِ كلِّهِ ؛ كمَنِ اكتسبَ
المالَ بتجارةٍ يعلمُ أنَّهُ قدْ كذبَ في بعضِها في المرابحةِ وصدقَ في بعضِها ،
أَوْ مَنْ غصبَ دهناً وخلطَهُ بدهنِ نفسِهِ ، أوْ فعلَ ذلكَ في الحبوبِ أوِ الدراهمِ
والدنانيرِ .. فلا يخلو ذلك: إمَّا أنْ يكونَ معلومَ القدْرِ أوْ مجهولَهُ.
فإِنْ كانَ معلومَ القدْرِ ؛ مثلَ أنْ يعلمَ أنَّ قدْرَ النصفِ مِنْ جملةِ مالِهِ
١١٠٠٠
٢٥
٤٨٦

۔۔۔
ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
حرامٌ .. فعليهِ تمييزُ النصْفِ ، وإِنْ أشكلَ .. فلهُ طريقانِ :
أحدُهما : الأخذُ باليقينِ .
والآخرُ : الأخذُ بغالبِ الظنِّ .
ـه
وكلاهما قدْ قالَ بهِ العلماءُ في اشتباهِ ركعاتِ الصلاةِ ، ونحنُ لا نجوِّزُ في
الصلاةِ إلا الأخذَ باليقينِ ؛ لأنَّ الأصلَ اشتغالُ الذمَّةِ ، فيُستصحبُ ،
ولا يُغيَّرُ إلا بعلامةٍ قويّةٍ ، وليسَ في أعدادِ الركعاتِ علاماتٌ يُوثقُ بها، وأمَّا
هلهنا .. فلا يمكنُ أنْ يُقالَ: الأصلُ أنَّ ما في يدِهِ حرامٌ، بلْ هوَ مشكلٌ ،
فيجوزُ لهُ الأخذُ بغالبِ الظنِّ اجتهاداً ، ولكنِ الورعُ في الأخذِ باليقينِ .
فإنْ أرادَ الورِعَ . . فطريقُ التحرِّي والاجتهادِ ألا يستبقيَ إلا القدْرَ الذي
يتيقَّنُ أنَّهُ حلالٌ .
وإنْ أرادَ الأخذَ بالظنِّ .. فطريقُهُ مثلاً أنْ يكونَ في يدِهِ مالُ تجارةٍ فسدَ
بعضُها ، فيتيقَّنُ أنَّ النصْفَ حلالٌ، وأنَّ الثلثَ مثلاً حرامٌ ، ويبقىُ سدسٌ
يشكُّ فيهِ ، فيحكمُ فيهِ بغالبِ الظنِّ .
ن
:0
فت
وهكذا طريقُ التحرِّي في كلِّ مالٍ ، وهوَ أنْ يقتطعَ القدْرَ المتيقَّنَ مِنَ
الجانبينِ في الحلِّ والحرمةِ ، والقدرُ المتردّدُ فيهِ إنْ غلبَ على ظنُّهِ
التحريمُ .. أخرجَهُ، وإنْ غلبَ الحلُّ .. جازَ لهُ الإمساكُ ، والورعُ
إخراجُهُ ، وإنْ شكَّ فيهِ .. جازَ الإمساكُ ، والورعُ إخراجُهُ ، وهذا الورِعُ
آكدُ؛ لأنَّهُ صارَ مشكوكاً فيهِ ، وجازَ إمساكُهُ اعتماداً على أنَّهُ في يدِهِ ،
دہہ
٤٨٧

كتاب الحلال والحرام
(هم
ربع العادات
حن
فيكونُ الحلُّ أغلبَ عليهِ ، وقدْ صارَ ضعيفاً بعدَ يقينِ اختلاطِ الحرامِ ،
ويُحتملُ أنْ يُقالَ : الأصلُ التحريمُ ، فلا يأخذُ إلا ما يغلبُ على ظنِّهِ أَنَّهُ
حلالٌ ، وليسَ أحدُ الجانبينِ بأولىُ مِنَ الآخرِ ، وليسَ يتبيَّنُ لي في الحالِ
ترجيحٌ ، وهوَ مِنَ المشكلاتِ .
فإِنْ قيلَ : هبْ أنَّهُ أخذَ باليقينِ ، لكنْ الذي يخرجُهُ ليسَ يدري أنَّهُ عينُ
الحرام ، فلعلَّ الحرامَ ما بقيَ في يدِهِ ، فكيفَ يُقْدمُ عليهِ ؟ ولو جازَ هذا ..
لجازَ أنْ يُقالَ : إذا اختلطَتْ مينةٌ بتسعٍ ذكيَّاتٍ فهيَ العشرُ .. فلَهُ أَنْ يطرحَ
واحدةً أيَّ واحدةٍ كانَتْ ويأخذَ الباقيَ ويستحلُّهُ ولكنْ يُقالُ : لعلَّ الميتةَ فيما
استبقاهُ ، بلْ لو طرحَ التسعَ واستبقى واحدةً .. لمْ تحلَّ؛ لاحتمالِ أنَّها هيَ
الحرامُ .
فنقولُ : هذهِ الموازنةُ كانَتْ تصحُّ لولا أنَّ المالَ يحلُّ بإخراج البدلِ ؛
لتطُّقِ المعاوضةِ إليهِ، وأمَّا الميتةُ .. فلا تتطرّقُ المعاوضةُ إليها.
٩٠
فليُكشفِ الغطاءُ عنْ هذا الإشكالِ بالفرضِ في درهمٍ معيَّنِ اشتبَهَ بدرهمٍ
آخرَ فيمَنْ لهُ درهمانِ ؛ أحدُهما حرامٌ وقدِ اشتبهَ عينُهُ ، وقدْ سئلَ أحمدُ ابنُ
حنبلٍ رضيَ اللهُ عنهُ عنْ مثلِ هذا فقالَ : يدعُ الكلَّ حتَّى يتبيَّنَ ، وكانَ قدْ
رهنَ آنيةً ، قيلَ: إنَّهُ سطلٌ ، فلما قضى الدينَ .. حملَ إليهِ المرتهنُ آنيتينِ ،
وقالَ : لا أدري أيتُهما آنيتُك، فتركَهُما كلتيهما ، فقالَ المرتهنُ : هذا هوّ
٤٨٨
دن
عشن

ربع العادات
محـ
كتاب الحلال والحرام
الذي لكَ، وإنَّما كنتُ أختبرُكَ، فقضى دينَهُ ولمْ يأخذِ الرهنَ(١)، وهذا
ورعٌ ، ولكنَّا نقولُ: إنَّهُ غيرُ واجبٍ .
فلنفرضِ المسألةَ في درهمٍ لهُ مالكٌ معيَّنٌ حاضرٌ ، فنقولُ : إذا ردَّ أحدَ
الدرهمينِ عليهِ ، ورضيَ بهِ معَ العلمِ بحقيقةِ الحالِ .. حلَّ لهُ الدرهمُ
الآخرُ ؛ لأنَّهُ لا يخلو : إمَّا أنْ يكونَ المردودُ في علمِ اللهِ هوَ المأخوذَ ؛ فقدْ
حصلَ المقصودُ ، وإنْ كانَ غيرَ ذلكَ .. فقدْ حصلَ لكلِّ واحدٍ درهمٌ في يدِ
صاحبهِ ، فالاحتياطُ أنْ يتبايعا باللفظِ ، فإنْ لمْ يفعلا .. وقع التقاصُّ
والتبادلُ بمجرَّدِ المعاطاةِ وإنْ كانَ المغصوبُ منهُ قدْ فاتَ لهُ درهمٌ في يدِ
الغاصبِ، وعسرَ الوصولُ إلى عينِهِ، واستحقَّ ضمانَهُ، فلمّا أخذَهُ .. وقعَ
عنِ الضمانِ بمجرَّدِ القبضٍ، وهذا في جانبهِ واضحٌ ؛ فإنَّ المضمونَ لهُ
يملكُ الضمانَ بمجرَّدِ القبضِ مِنْ غيرِ لفظٍ ، والإشكالُ في الجانبِ الآخرِ أنَّهُ
لمْ يدخلْ في ملكِهِ ، فنقولُ: لأنَّهُ أيضاً إنْ كانَ قدْ سلَّمَ درهمَ نفسِهِ .. فقدْ
فاتَ لهُ أيضاً درهمٌ هوَ في يدِ الآخرِ ، وليسَ يمكنُ الوصولُ إليهِ ، فهوَ
كالغائبِ ، فيقعُ هذا بدلاً عنهُ في علمِ اللهِ سبحانَهُ وتعالى إنْ كانَ الأمرُ
كذلكَ ، ويقعُ هذا التبادلُ في علمِ اللهِ سبحانَهُ كما يقعُ التقاصُّ لوْ أتلفَ
رجلانِ كلُّ واحدٍ منهما درهماً على صاحبهِ ، بلْ في عينٍ مسألتِنا لوْ ألقى كلُّ
(١) رواه بنحوه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٦٩/٩)، وهو في (( الرسالة القشيرية))
(ص٢١٤)، والآنية : جمع إناء ، وقد يستعمله الفقهاء - كما يفيده السياق هنا -
مفرداً، وليس بمفرد. انظر ((الإتحاف)) (٦ /٨٨، ٩٦).
ـنء
٤٨٩
ش

كتاب الحلال والحرام
حز
ربع العادات
واحدٍ ما في يدِهِ في البحرِ أوْ أحرقَهُ .. كانَ قدْ أتلفَهُ ، ولمْ يكنْ عليهِ عهدٌ
للآخرِ بطريقِ التقاصِّ، فكذا إذا لمْ يتلفْ ؛ فإنَّ القولَ بهذا أولىْ مِنَ
المصيرِ إلى أنَّ مَنْ يأخذُ درهماً حراماً ويطرحُهُ في ألفِ ألفِ درهمٍ لرجلٍ
آخرَ .. يصيرُ كلُّ المالِ محجوراً عليهِ لا يجوزُ التصرُّفُ فيهِ ، وهذا المذهبُ
يؤدي إليه .
فانظرْ ما في هذا مِنَ البعدِ ، وليسَ فيما ذكرناهُ إلا ترْكُ اللفظِ ،
والمعاطاءُ بيعٌ ، ومَنْ لا يجعلُها بيعاً يتطرّقُ إليهِ احتمالُهُ؛ إذِ الفعلُ تضعفُ
دلالتُ حيثُ يمكنُ التلفُّظُ ، وهلهنا هذا التسليمُ والتسلَّمُ للمبادلةِ قطعاً ،
والبيعُ غيرُ ممكنٍ ؛ لأنَّ المبيعَ غيرُ مشارِ إليهِ ولا معلومٌ في عينِهِ ، وقدْ يكونُ
ممَّا لا يقبلُ البيعَ ؛ كما لوْ خُلطَ رطلُ دقيقٍ بألفِ رطلٍ دقيقٍ لغيرِهِ ، وكذا
الدُّبْسُ والرُّطَبُ وكلُّ ما لا يباعُ البعضُ منهُ بالبعضِ .
فإنْ قيلَ : فأنتمْ جوزْتُمْ تسليمَ قدْرٍ حقَّهِ في مثلِ هذهِ الصورةِ وجعلتموهُ
بيعاً .
قلنا : لا نجعلُهُ بيعاً ، بلْ نقولُ : هوَ بدلٌ عمَّا فاتَ في يدهِ ، فيملكُهُ كما
يملكُ المتلفُ عليهِ مِنَ الرطبِ إذا أخذَ مثلَهُ ، هذا إذا ساعدهُ صاحبُ
المالِ ، فإنْ لمْ يساعدْهُ وأصرَّ وقالَ : ( لا آخذُ درهماً أصلاً إلا عينَ ملكي ،
فإنِ استبهَمَ .. فأتركُهُ ولا أهبُهُ، وأعطّلُ عليكَ مالكَ ) .
---- ---- MI ST-
٤٩٠
جن در
مدرب
حرب

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
فأقولُ : على القاضي أنْ ينوبَ عنهُ في القبضِ حتَّى يطيب للرجل مالُهُ ؛
فإنَّ هذا محضُ التعنُّتِ والتضييقِ ، والشرعُ لمْ يردْ بهِ ، فإنْ عجزَ عنِ
القاضي ولمْ يجدْهُ .. فليحكِّمْ رجلاً متديّناً ليقبضَ عنهُ، فإنْ عجزَ .. فيتولَّى
هوَ بنفسِهِ ، ويفرزُهُ على نيّةِ الصرفِ إليهِ درهماً، ويتعيَّنُ ذلكَ لهُ، ويطيبُ لهُ
الباقي ، وهذا في خلْطِ المائعاتِ أظهرُ وألزمُ .
فإنْ قيلَ : فينبغي أنْ يحلَّ لهُ الأخذُ ، وينتقلَ الحقُّ إلى ذمَّتِهِ ، فأيُّ حاجةٍ
إلى الإخراج أولاً ثمّ التصرُّفِ في الباقي ؟
تن حن
قلنا : قالَ قائلونَ : يحلُّ لهُ أنْ يأخذَ ما دامَ يبقى قدْرُ الحرام ، ولا يجوزُ
لهُ أنْ يأخذَ الكلَّ ، فأحدٌ لم يجوِّزْ ذلكَ .
وقالَ آخرونَ: ليسَ لهُ أَنْ يأخذَ ما لمْ يُخرجْ قدْرَ الحرام بالتوبةِ وقصدٍ
الإبدالِ .
وقالَ آخرونَ: يجوزُ للآخذِ في التصرُّفِ أنْ يأخذَ منهُ، وأمَّا هوَ .. فلا
يعطي، فإنْ أعطى .. عصى هوَ دونَ الآخذِ منه وما جوَّزَ أحدٌ أخذَ الكلِّ ؛
وذلكَ لأَنَّ المالكَ لوْ ظهرَ .. فلهُ أنْ يطلبَ حقَّهُ مِنْ هذهِ الجملةِ ، إذْ
يقولُ : لعلَّ المصروفَ إليَّ يقعُ عينَ حقِّي ، وبالتعيينِ وإخراجٍ حقِّ الغيرِ
وتمييزِهِ يندفعُ هذا الاحتمالُ ، فهذا المالُ يترجَّحُ بههذا الاحتمالِ على
وأشـ
٤٩١
٥

كتاب الحلال والحرام
.. وعي
ربع العادات
تتـ
غيرِهِ ، وما هوَ أقربُ إلى الحقِّ مقدَّمٌ؛ كما يُقدَّمُ المثلُ على القيمةِ ،
والعينُ على المثلِ ، فكذلكَ ما يُحتملُ فيهِ رجوعُ المثلِ مقدَّمٌ على ما يُحتملُ
فيهِ رجوعُ القيمةِ، وما يُحتملُ فيهِ رجوعُ العينِ مقدَّمٌ على ما يُحتملُ فيهِ
رجوعُ المثلِ، ولوْ جازَ لهذا أنْ يقولَ ذلكَ .. لجازَ لصاحبِ الدرهمِ الآخرِ
أنْ يأخذَ الدرهمينِ ويتصرَّفَ فيهما ، ويقولَ : ( عليَّ قضاءُ حقَّكَ مِنْ موضع
آخرَ ) إذِ الاختلاطُ مِنَ الجانبينِ ، وليسَ ملكُ أحدهما بأَنْ يقدَّرَ فائناً بأولی
مِنَ الآخرِ (١)، إلا أنْ ينظرَ إلى الأقلِّ، فيقدِّرَ أَنَّهُ فائتٌ، أوْ ينظر إلى الذي
خلطَ ، فيُجعلَ بفعلِهِ متلفاً لحقِّ غيرِهِ ، وكلاهما بعيدانٍ جداً . وهذا واضحٌ
في ذواتِ الأمثالِ ؛ فإنَّها تقعُ عوضاً في الإتلافاتِ مِنْ غيرِ عقدٍ .
أمَّا إذا اشتبهَ دارٌ بدورٍ ، أوْ عبدٌ بعبيدٍ .. فلا سبيلَ إلا المصالحةُ
والتراضي ، فإنْ أبى أنْ يأخذَ إلا عينَ حقُّهِ ولمْ يقدرْ عليهِ، وأرادَ الآخرُ أنْ
يعوِّقَ عليهِ جميعَ ملِكِهِ ؛ فإنْ كانَتْ متماثلةَ القيمِ .. فالطريقُ أنْ يبيعَ القاضي
جميعَ الدورِ ويوزِّعَ الثمنَ عليهِمْ بقدْرِ النسبةِ ، وإنْ كانَتْ متفاوتةً .. أخذَ مِنْ
طالبِ البيع قيمةَ أنفسِ الدورِ وصرفَ إلى الممتنع منهُ مقدارَ قيمةِ الأقلِّ ،
وتوقَّفَ في قدْرِ التفاوتِ إلى البيانِ أوِ الاصطلاح ؛ لأنَّهُ مشكلٌ ، وإنْ لمْ
يوجدِ القاضي .. فالذي يريدُ الخلاصَ وفي يدِهِ الكلُّ أنْ يتولَّىُ ذلكَ بنفسِهِ ،
؟
؟
(١) في النسخ: (وليس ملك أحدنا ... )، والمثبت من (ق)، ولعله الأَولى،
والله أعلم .
نء
٤٩٢

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
هذهِ هيَ المصلحةُ ، وما عداها مِنَ الاحتمالاتِ ضعيفةٌ لا نختارُها ، وفيما
سبقَ تنبيهٌ على العلَّةِ .
؟
وهذا في الخلطِ ظاهرٌ(١) ، وفي النقودِ دونَهُ ، وفي العروضِ أغمضُ ؛
إذْ لا يقعُ البعضُ بدلاً عنِ البعضِ ، فلذلكَ احتيجَ إلى البيعِ .
سسـ
ولنرسمْ مسائلَ بها يتمُّ بيانُ هذا الأصلِ :
جن جن ش جن حن حن
مَثَالَّةٌ
[فيمَنْ ورثَ مغصوباً وردَ عليهِ الغاصبُ نصيباً معيناً، فهوَ لجميعِ الورثةِ]
إذا ورثَ معَ جماعةٍ وكانَ السلطانُ قدْ غصبَ ضيعةً لمورِّثِهِمْ ، فردَّ علیهِ
قطعةٌ معيَّنةً .. فهيَ لجميع الورثةِ .
ـه
ولوْ ردَّ منَ الضيعةِ نصفاً وهوَ قدْرُ حقِّهِ .. ساهمَهُ الورثةُ (٢)؛ فإنَّ
النصفَ الذي لهُ لا يتميَّزُ حتَّى يُقالَ: هوَ المردودُ ، والباقي هوَ
المغصوبُ ، ولا يصيرُ مميزاً بنيّةِ السلطانِ وقصدِهِ لحصرِ الغصبِ في نصيبٍ
الآخرينَ .
(١) في (أ، ب): ( الحنطة ) بدل ( الخلط ) .
(٢) أي: شاركوه في سُهْمَته، وهي النصيب. ((إتحاف)) (٩٨/٦).
٤٩٣
ش ش

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
مَشْتَّالَّةٌ
[في الزيادةِ على المغصوبِ وحكمِها]
إذا وقعَ في يدِهِ مالٌ أخذَهُ مِنْ سلطانٍ ظالمٍ ثمَّ تابَ ، والمالُ عقارٌ ،
وكانَ قدْ حصلَ منهُ ارتفاعٌ ، فينبغي أنْ يحسبَ أجرةَ مثلِهِ لطولٍ تلكَ المدَّةِ ،
وكذلكَ كلُّ مغصوبٍ لهُ منفعةُ أوْ حصلَ منهُ زيادةٌ ، فلا تصحُّ توبتُهُ ما لمْ
يخرجْ أجرةَ المغصوبِ وكذلكَ كلُّ زيادةٍ حصلتْ منهُ .
وتقديرُ أجرةِ العبيدِ والثيابِ والأواني وأمثالِ ذلكَ ممَّا لا يُعتادُ إجارتُها
ممَّا يعسرُ ولا يُدركُ ذلكَ إلا باجتهادٍ وتخمينٍ ، وهكذا كلُّ التقويماتِ تقعُ
بالاجتهادِ ، وطريقُ الورع الأخذُ بالأقصىُ ، وما ربحَهُ على المالِ المغصوبِ
في عقودٍ عقدَها على الذمَّةِ وقضى الثمنَ منهُ .. فهوَ ملكٌ لهُ ، ولكنْ فيهِ
شبهةٌ؛ إذْ كانَ ثمنُهُ حراماً كما سبقَ حكمُهُ ، وإنْ كانَ بأعيانِ تلكَ الأموالِ ..
فالعقودُ كانَتْ فاسدةٌ ، وقدْ قيلَ : تنفذُ بإجازةِ المغصوبِ منهُ للمصلحةِ ،
فيكونُ المغصوبُ منهُ أولی بهِ .
ـون
والقياسُ أنَّ تلكَ العقودَ تُفْسخُ ويُستردُّ الثمنُ، وتُردُّ الأعواضُ ، وإنْ
عجزَ عنهُ لكثرتِهِ .. فهيَ أموالٌ حرامٌ حصلَتْ في يدِهِ ، فللمغصوبِ منهُ قدْرُ
رأسِ مالِهِ ، والفضلُ حرامٌ يجبُ إخراجُهُ ليتصدَّقَ بهِ ، فلا يحلُّ للغاصبِ
ولا للمغصوبِ منهُ ، بلْ حكمُهُ حكمُ كلِّ حرامٍ یقعُ في يدِهِ .
٤٩٤
1

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
مَنْالَّةٌ
[في جهالةِ حالِ المورِّثِ وجهةِ اكتسابِهِ]
مَنْ ورثَ مالاً ولمْ يَدْرِ أنَّ مورِّثَهُ مِنْ أينَ اكتسبَهُ ؛ أمِنْ حلالٍ أُمْ مِنْ
حرامٍ ، ولمْ يكنْ ثَمَّ علامةٌ .. فهوَ حلالٌ باتفاقِ العلماءِ .
وإنْ علمَ أنَّ فيهِ حراماً وشكَّ في قدْرِهِ .. أخرجَ مقدارَ الحرام
بالتحرِّي .
وإنْ لمْ يعلمْ ذلكَ ولكنْ علمَ أنَّ مورَّثَهُ كانَ يتولَّى أعمالاً للسلاطينِ ،
واحتملَ أنَّهُ لمْ يكنْ يأخذُ في عملِهِ شيئاً ، أوْ كانَ قَدْ أَخذَ ولمْ يبقَ في يدِهِ منهُ
شيءٌ لطولِ المدَّةِ .. فهذهِ شبهةٌ يحسنُ التورُّعُ عنها ولا يجبُ .
وإنْ علمَ أنَّ بعضَ مالِهِ كانَ مِنَ الظلمِ .. فيلزمُهُ إخراجُ ذلكَ القَدْرِ
بالاجتهاد .
وقالَ بعضُ العلماءِ : لا يلزمُهُ، بلِ الإثمُ على المورِّثِ (١).
واستدلَّ بما رُوِيَ أنَّ رجلاً ممَّنْ وليَ عملَ السلطانِ ماتَ ، فقالَ
صحابيُّ : ( الآنَ طابَ مالُهُ) أيْ : لوارثِهِ، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّهُ لمْ يذكرِ
اسمَ الصحابيِّ، ولعلَّهُ صدرَ مِنْ متساهلِ ، فقدْ كانَ في الصحابةِ مَنْ
(١) حكاه المحاسبي عن طائفة من المتفقهة في ((المكاسب)) (ص ٨٤ ).
٤٩٥
حن

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
يتساهلُ ، ولكنْ لا يُذكرُ بهِ لحرمةِ الصحبةِ ، وكيفَ يكونُ موتُ الرجلِ مبيحاً
للحرامِ المتيقّنِ المختلطِ ؟ ومِنْ أينَ يؤخذُ هذا؟
زمن
نعمْ ، إذا لمْ يتيقَّنْ .. يجوزُ أنْ يُقالَ: هوَ غيرُ مأخوذٍ بما لا يدري ،
فيطيبُ لوارثٍ لا يدري أنَّ فيهِ حراماً يقيناً(١) .
ـتں
(١) نظَّر الحافظ الزبيدي في هذه المسألة في أمور : منها تضعيفُ الخبر لجهالة الصحابي مع
اتفاقهم أن جهالة الصحابي لا تضر ، ونعتُ بعض الصحابة بالتساهل مع العلم أن هذا
إنما يكون اجتهاداً وليس تساهلاً ، هذا إن صح الخبر فيه ، ولم يتعرض لتخريجه ،
وتركُ الكشفِ عمن أدرج هذه الزيادة ؛ فإن كان ثقة ... قبلت منه ، وإلا .. فلا ، ثم
ارتضى أخيراً ما أوَّله المصنف من عدم التيقُّن ؛ حيث قال : ( وهو أولى من المصير إلى
نسبة بعض الصحابة إلى التساهل). ((إتحاف)) (٩٩/٦).
٤٩٦
شن
حن

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
ـكن
النّظر الثَّاني: في المصرف
ٹن
فإذا أخرجَ الحرامَ .. فلهُ ثلاثةُ أحوالٍ :
إمَّا أنْ يكونَ لهُ مالكٌ معيَّنٌ : فيجبُ الصرفُ إليهِ ، أَوْ إلى وارثِهِ ، وإنْ
كانَ غائباً .. فينتظرُ حضورُهُ أوِ الإيصالُ إليهِ، وإنْ كانَتْ لهُ زيادةٌ ومنفعةٌ ..
فلتُجمعْ فوائدُهُ إلى وقتِ حضورِهِ .
وإمَّا أنْ يكونَ لمالكِ غيرِ معيَّنٍ ، وقعَ اليأسُ منَ الوقوفِ علىَ عِينِهِ ،
ولا يدري أنَّهُ ماتَ عنْ وارثٍ أمْ لا : فهذا لا يمكنُ الرَدُّ فيهِ للمالكِ ،
ويوقفُ حتَّى يتضحَ الأمرُ فيهِ ، وربَّما لا يمكنُ الرَدُّ لكثرةِ المُلَّكِ ؛ كغلولِ
الغنيمةِ ؛ فإنَّها بعدَ تفرّقِ الغزاةِ كيفَ يقدرُ على جمعِهِمْ؟ وإنْ قدرَ .. فكيفَ
يُفرَّقُ دينارٌ واحدٌ مثلاً على ألفٍ وألفينِ ؟ فهذا ينبغي أنْ يتصدَّقَ بهِ .
وإمَّا أنْ يكونَ مِنْ مالِ الفيءِ والأموالِ المرصدةِ لمصالحِ المسلمينَ
كافَّةً : فيصرفُ ذلكَ إلى القناطرِ ، والمساجدِ ، والرباطاتِ ، ومصانع
طريقٍ مَكَّةً(١) ، وأمثالِ هذهِ الأمورِ التي يشتركُ في الانتفاع بها كلُّ مَنْ يمرُّ
بها منَ المسلمينَ ؛ ليكونَ عامًاً للمسلمينَ .
حز
وحكمُ القسمِ الأوَّلِ لا شبهةَ فيهِ ، أمَّا التصدُّقُ وبناءُ القناطرِ .. فينبغي أنْ
(١) أي: مخازن المياه. ((إتحاف)) (١٠٠/٦).
ن:
فى :*
٤٩٧
من فن حر
ے

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
يتولَهُ القاضي ، فيسلِّمُ إليهِ المالَ إِنْ وجدَ قاضياً متديّناً ، وإنْ كانَ القاضي
مستحلاً .. فهوَ بالتسليمِ إليهِ ضامنٌ لوٍ ابتدأَ بهِ فيما لا يضمنُهُ ، فكيفَ يسقطُ
عنهُ بهِ ضمانٌ قدِ استقرَّ عليهِ ؟ بلْ يحكُّمُ مِنْ أهلِ البلدِ عالماً متديّناً ؛ فإنَّ
التحكيمَ أولىُ مِنَ الانفرادِ .
فإنْ عجزَ عنْ ذلكَ .. فليتولَّ ذلكَ بنفسِهِ ؛ فإنَّ المقصودَ الصرفُ، وأمَّا
عينُ الصارفِ فإنَّما نطلبُهُ لمصارفاتٍ دقيقةٍ في المصالح ، فلا يُتركُ أصلُ
الصرْفِ بسببِ العجزِ عنْ صارفٍ هوَ أولىُ عندَ القدرةِ عليهِ .
فىيته
وست
فإِنْ قيلَ : ما دليلُ جوازِ التصدُّقِ بما هوَ حرامٌ؟ وكيفَ يتصدَّقُ بما
لا يملكُ وقدْ ذهبَ جماعةٌ إلى أنَّ ذلكَ غيرُ جائزٍ؛ لأنَّهُ حرامٌ؟ وحُكِيَ عنِ
الفضيلِ أنَّهُ وقعَ في يدِهِ درهمانِ ، فلمَّا علمَ أنَّهُما مِن غيرِ وجهِهِ .. رماهُما
بينَ الحجارةِ وقالَ : ( لا أتصدَّقُ إلا بالطيِّبِ ، ولا أرضى لغيري ما لا
أرضاهُ لنفسي) ؟(١).
فنقولُ : نعمْ ، ذلكَ لهُ وجهٌ واحتمالٌ ، ولكنَّا اخترنا خلافَهُ للخبرِ والأثرِ
والقياسِ .
٢٠
٢٠
نټزم
أمّا الخبرُ : فأمْرُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بالتصدُّقِ بالشاةِ المصليّةِ
(١) وأصله قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِشَاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾،
ويدل له أيضاً حديث عائشة المتقدم في كراهة أكل الضب. ((إتحاف)) (١٠٠/٦).
ئن
ـت
٤٩٨
رخ
شر

۔۔۔۔۔
ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
التي قُدِّمتْ إليهِ فكلمتْهُ بأنَّها حرامٌ، إذْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((أطعموها الأسارى))(١).
ولمَّا نزلَ قولُهُ تعالى: ﴿الَّّ ◌ِ﴾: غُلِبَتِ الرُّومُّ : ﴿ فِيِّ أَدْنَ اَلْأَرْضِ وَهُم مِّنَ
بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ .. كذبَهُ المشركونَ وقالوا للصحابةِ : ألا ترونَ
ما يقولُ صاحبُكُمْ؟ يزعمُ أنَّ الرومَ ستغلبُ ، فخاطرَهُمْ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ
عنهُ بإذنِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ (٢)، فلمَّا حقَّقَ اللهُ صدقَهُ .. جاءَ
أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ بما قمرَهُمْ به فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: «هذا سحتٌ،
فتصدَّقْ بهِ )) ، وفرحَ المؤمنونَ بنصرِ اللهِ ، وكانَ قَدْ نزلَ تحريمُ القمارِ بعدَ إذنِ
رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لهُ في المخاطرةِ معَ الكفَّارِ(٣).
وأمَّا الأثرُ : فإنَّ ابنَ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ اشترى جاريةً ولمْ يظفرْ
بمالكِها لينقدَهُ الثمنَ ، فطلبَهُ كثيراً فلمْ يجدْهُ ، فتصدَّقَ بالثمنِ ، وقالَ :
اللهمَّ ؛ هذا عنهُ إنْ رضيَ ، وإلا .. فالأجرُ لي(٤).
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٩٣/٥)، وأبو داوود ( ٣٣٣٢).
(٢) خاطرهم : راهنهم على مال .
(٣) أصل الخبر عند الترمذي (٣١٩٤)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)» (٣٣٣/٢)، ولفظ
المرفوع عزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) (٤٧٩/٦) إلى أبي يعلى وابن أبي حاتم
وابن مردويه وابن عساكر .
(٤) علَّقه البخاري في ((صحيحه)) قبل الحديث (٥٠٩٢) ( باب حكم المفقود في أهله
وماله)، ورواه الطبراني في ((الكبير)) (٣٤٦/٩)، وانظر ((تغليق التعليق))
( ٤ / ٤٦٩ ) .
٢٠٠٠
٤٩٩

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
ص
وسُئِلَ الحسنُ رضيَ اللهُ عنهُ عنْ توبةِ الغالِّ بعدَ تفرُّقِ الجيشِ قالَ :
يتصدَّقُ بهِ (١).
ورُوِيَ أنَّ رجلاً سؤَّلَتْ لهُ نفسُهُ فغلَّ مئةَ دينارٍ مِنَ الغنيمةِ ، ثمَّ أتى أميرَهُ
ليرذَها عليهِ ، فأبى أنْ يقبضَها ، وقالَ لهُ : تفرَّقَ الناسُ ، فأتى معاويةً ،
فأبى أنْ يقبضَ ، فأتىُ بعضَ النسَّاكِ ، فقالَ : ادفعْ خُمُسَها إلى معاويةً ،
وتصدَّقْ بما بقيَ ، فبلغَ معاويةَ قولُهُ ، فتلهَّفَ إذْ لمْ يخطرْ لهُ ذلكَ(٢).
وقدْ ذهبَ أحمدُ ابنُ حنبلِ والحارثُ المحاسبيُّ وجماعةٌ مِنَ الورعينَ إلى
ذلكَ(٣).
وأمَّا القياسُ : فهوَ أنْ يقالَ: إنَّ هذا المالَ مردّدٌ بينَ أنْ يضيعَ وبينَ أنْ
يُصرفَ إلى خيرٍ ، إذ قدْ وقعَ اليأسُ عنْ مالِكِهِ ، وبالضرورةِ يعلمُ أَنَّ صَرْفَهُ
إلى خيرٍ أولىْ مِنْ إلقائِهِ في البحرِ ؛ فإنَّا إنْ رميناهُ في البحرِ .. فقدْ فوتناهُ
على أنفسِنا وعلى المالكِ ، ولمْ تحصلْ منهُ فائدةٌ ، وإذا رميناهُ في يدٍ فقيرٍ
يدعو لمالكِهِ .. حصلَ للمالكِ بركةُ دعائِهِ ، وحصلَ للفقيرِ سدُّ حاجتِهِ ،
وحصولُ الأجرِ للمالكِ بغيرِ اختيارِهِ في التصدُّقِ لا ينبغي أنْ ينكرَ ؛ فإنَّ في
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٤٢٢٤).
(٢) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٣٨/٢٩).
(٣) كذا في ((الورع)) (ص١٠٣)، وممن أفتى بذلك من الورعين الزهري وعطاء بن أبي رباح
ومجاهد ، فقد روى ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ( ٢٣٥٩٢، ٢٣٥٩٣، ٢٣٥٩٤)
عنهم ذلك ، منها : قال رجل لعطاء بن أبي رباح : رجل أصاب مالاً من حرام ؟ قال :
ليردَّه إلى أهله، فإن لم يعرف أهله .. فليتصدق به ، ولا أدري ينجيه ذلك من إثمه ؟!
٠
وج".
ـار