Indexed OCR Text
Pages 301-320
ربع العادات كتاب الكسب والمعاش ـدن الثالثُ : ألاَّ يكتمَ في المقدارِ شيئاً : وذلكَ بتعديلِ الميزانِ والاحتياطِ فيهِ ، وفي الكيلِ فينبغي أنْ يكيلَ كما يكتالُ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴿﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ قَّزَنُوُهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ . ولا يخلصُ مِنْ هذا إلا بأنْ يرجحَ إذا أعطى ، وينقصَ إذا أخذَ ؛ إذِ العدلُ الحقيقيُّ قلَّما يُتصوَّرُ ، فليستظهرْ بظهورِ الزيادةِ والنقصانِ ؛ فإنَّ مَنِ استقصى حقَّهُ بكمالِهِ يوشكُ أنْ يتعدَّاهُ . وكانَ بعضُهمْ يقولُ : لا أشتري الويلَ مِنَ اللهِ بحيَّةٍ ، فكانَ إذا أخذَ .. نقصَ حبَّةً، وإذا أعطى .. زادَ حبَّةٌ، وكانَ يقولُ: ويلٌ لمَنْ باعَ بحبةٍ جنةٌ عرضُها السماواتُ والأرضُ، وما أخسرَ مَنْ باعَ طوبى بويلٍ (١) . وإنَّما بالغوا في الاحترازِ منْ هذا وشبهِهِ لأنَّها مظالمُ لا يمكنُ التوبةٌ منها ؛ إذْ لا يعرفُ أصحابَ الحبَّاتِ حتَّى يجتمعوا ويؤدِّيَ حقوقَهُمْ، ولذلكَ لمَّا اشترىُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ شيئاً .. قالَ للوزَّانِ لمَّا كانَ يزنُ ثمنَهُ: ((زنْ وأرجحْ))(٢) . ونظرَ فضيلٌ إلى ابنِهِ وهوَ يغسلُ ديناراً يريدُ أنْ يصرفَهُ ، ويزيلُ تكحيلَهُ (١) قوت القلوب (٢٦٨/٢) . (٢) رواه أبو داوود (٣٣٣٦)، والترمذي (١٣٠٥)، والنسائي (٧/ ٢٨٤) ، وابن ماجه ( ٢٢٢٠ ) . 03 ٣٠١ عن ـاز حن دن كتاب الكسب والمعاش ربع العادات وينقِّيهِ حتَّى لا يزيدَ وزنُهُ بسببِ ذلكَ ، فقالَ : يا بنيَّ ؛ فعلُكَ هذا أفضلُ مِنْ حجَّتينٍ وعشرينَ عمرةٌ(١) . وقالَ بعضُ السلفِ : ( عجبتُ للتاجرِ والبائع كيفَ ينجو ، يزنُ ويحلفُ بالنهارِ وينامُ بالليلِ ! )(٢). وقالَ سليمانُ على نبيِّنا وعليهِ السلامُ لابنِهِ : ( يا بنيَّ؛ كما تدخلُ الحيَّةُ بينَ الحجرينِ .. كذلكَ تدخلُ الخطيئةُ بينَ المتبايعينِ ) (٣). وصلَّى بعضُ الصالحينَ على مخنَّثٍ ، فقيلَ لهُ : إنَّهُ كانَ فاسقاً ، فسكتَ ، فأُعيدَ عليهِ ، فقالَ : كأنَّكَ قلتَ لي : كانَ صاحبَ ميزانينِ ، يعطي بأحدِهما ويأخذُ بالآخرِ (٤) . أشارَ بهِ إلى أنَّ فسقَهُ مظلمةٌ بينَهُ وبينَ اللهِ تعالى وهذا مِنْ مظالمِ العبادِ ، والمسامحةُ والعفوُ فيهِ أبعدُ . والتشديدُ في أمرِ الميزانِ عظيمٌ ، والخلاصُ منهُ يحصلُ بحبَّةٍ ونصفٍ حبَّةٍ . وفي قراءةِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: ﴿ولا تطغَوا في المِيزانِ وأقيمُوا الوزنَ باللسانِ ولا تُخسِرُوا المِيزانَ﴾ أيْ : لسانِ الميزانِ ؛ C (١) قوت القلوب (٢٦٨/٢) وعبارته: (أفضل من عشرين حجة ) . (٢) رواه أحمد في ((الزهد)) (٢١٨) عن قتادة عن سيدنا سليمان عليه السلام. (٣) قوت القلوب (٢٦٨/٢) . ىدز (٤) قوت القلوب (٢٦٨/٢). ٣٠٢ ربع العادات كتاب الكسب والمعاش فإنَّ النقصانَ والرجحانَ يظهرُ بميلِهِ (١). وبالجملةِ : كلُّ مَنْ ينتصفُ لنفسِهِ مِنْ غيرِهِ ولوْ في كلمةٍ ، ولا ينصفُ بمثل ما ينتصفُ .. فهوَ داخلٌ تحتَ قولِهِ تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ:(} الَّذِينَ إِذَا اُكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ... ﴾ الآياتِ؛ فإنَّ تحريمَ ذلكَ في المكيلِ ليسَ لكونهِ مكيلاً، بلْ لكونِهِ أمراً مقصوداً ، لتركِ العدْلِ والنَّصَفَةِ فيهِ ، فهوَ جارٍ في جميع الأعمالِ . فصاحبُ الميزانِ في خطرِ الويلِ ، وكلُّ مكلَّفٍ فهوَ صاحبُ موازينَ في أفعالِهِ وأقوالِهِ وخطراتِهِ ، فالويلُ لهُ إِنْ عدَلَ عنِ العدْلِ ومالَ عنِ الاستقامةِ ، ولولا تعذُّرُ هذا واستحالتُّهُ .. لما وردَ قولُهُ تعالى: ﴿وَإِنِ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ج كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ فلا ينفكُّ عبدٌ ليسَ معصوماً عنِ الميلِ عنِ الاستقامةِ ، إلا أنَّ درجاتِ الميلِ تتفاوتُ تفاوتاً عظيماً، فلذلكَ تتفاوتُ مدَّةٌ مقامِهِمْ في النارِ إلى أوانِ الخلاصِ ، حتَّى لا يبقى بعضُهُمْ إلا بقدْرِ تَحِلَّةِ القسمِ ، ويبقى بعضُهُمْ ألفاً وألوفَ سنينَ . فنسألُ اللهَ تعالى أنْ يقرِّبَنا مِنَ الاستقامةِ والعدْلِ ؛ فإن الاستدادَ على متنِ الصراطِ المستقيمٍ مِنْ غيرِ ميلٍ عنهُ غيرُ مطموع فيهِ ؛ فإنَّهُ أدقُّ مِنَ الشعرةِ وأحدُّ مِنَ السيفِ ، ولولاهُ .. لكانَ المستقيمُ عليهِ لا يقدرُ على جوازٍ الصراطِ الممدودِ على متنِ النارِ الذي مِنْ صفتِهِ أنَّهُ أدقُّ مِنَ الشعرةِ وأحدٌّ مِنَ (١) قوت القلوب (٢٦٨/٢). ٣٠٣ تن حن كتاب الكسب والمعاش ربع العادات السيفِ ، وبقدْرِ الاستقامةِ على الصراط المستقيم في الدنيا .. يخفُّ العبدُ يومَ القيامةِ على الصراطِ . وكلُّ مَنْ خلطَ بالطعام أو غيرِهِ تراباً ثمَّ كالَهُ .. فهوَ مِنَ المطففينَ في الكيلِ ، وكلُّ قصَّابٍ وزنَ معَ اللحمِ عظماً لمْ تجرِ العادةُ بمثلِهِ .. فهوَ مِنَ المطففينَ في الوزنِ ، وقسْ على هذا سائرَ التقديراتِ ، حتَّى في الذرْعِ الذي يتعاطاه البزَّارُ؛ فإنَّهُ إذا اشترىُ .. أرسلَ الثوبَ في وقتِ الذرْعِ ولمْ يمدُّهُ مدّاً، وإذا باعَهُ .. مدَّهُ في الذرْع ؛ ليظهرَ تفاوتٌ في القدْرِ ، فكلُّ ذلكَ مِنَ التطفيفِ المعرِّضِ صاحبَهُ للويلِ . الرابعُ : أنْ يصدقَ في سعْرِ الوقتِ ولا يُخفيَّ منهُ شيئاً : فقدْ نهى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنْ تلقي الركبانِ ، ونهىُ عنِ النَّجَّشِ . أمَّا تلقي الركبانِ : فهوَ أنْ يستقبلَ الرفقةَ ويتلقَّى المتاعَ ، ويكذبَ في سعرِ البلدِ ، فقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا تتلقَّوا الركبانَ، ومَنْ تلقَّاها .. فصاحبُ السلعةِ بالخيارِ بعدَ أنْ يقدمَ السوقَ))(١). (١) رواه البخاري (٢١٥٠)، ومسلم ( ١٥١٥) دون زيادة: (ومن تلقاها ... )، والزيادة رواها البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٤٨/٥) عن الشافعي رحمه الله تعالى ، وبنحوها رواها مسلم (١٥١٩). ـثن حن حن حم ين حن حن خن حن جن حة ٣٠٤ حن حة حن ربع العادات كتاب الكسب والمعاش وهذا الشراءُ منعقدٌ، ولكنَّهُ إنْ ظهرَ كذبُهُ .. ثبتَ للبائع الخيارُ ، وإنْ كانَ صادقاً .. ففي الخيارِ خلافٌ؛ لتعارضِ عمومِ الخبرِ معَ زوالِ التلبيسِ. ونهى أيضاً أنْ يبيعَ حاضرٌ لبادٍ(١)؛ وهوَ أن يقدمَ البدويُّ البلدَ ومعهُ قوتٌ يريدُ أنْ يسارعَ إلى بيعِهِ ، فيقولُ لهُ الحضريُّ : اتركْهُ عندي حتَّى أغاليَ في ثمنِهِ وأنتظرَ ارتفاعَ سعرِهِ ، وهذا في القوتِ محرَّمٌ ، وفي سائرِ السلعِ خلافٌ، والأظهرُ تحريمُهُ ؛ لعموم النهي ، ولأنَّهُ تأخيرٌ للتضييقِ على الناسِ على الجملةِ مِنْ غيرِ فائدةٍ للفضولي المضيِّقِ . 2ے. حن ونهى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنِ النَّجَشِ(٢)؛ وهوَ أنْ يتقدَّمَ إلى البائعِ بينَ يدي الراغبِ المشتري ، ويطلبَ السلعةَ بزيادةٍ وهوَ لا يريدُها ، وإنَّما يريدُ تحريكَ رغبةِ المشتري فيها ، فهذا إنْ لمْ تجرِ مواطأةٌ معَ البائع .. فهوَ فعلٌ حرامٌ مِنْ صاحبهِ ، والبيعُ منعقدٌ ، وإنْ جرىُ مواطأةٌ .. ففي ثبوتٍ الخيارِ خلافٌ، والأولى إثباتُ الخيارِ ؛ لأنَّهُ تغريرٌ بفعلٍ يضاهي التغريرَ في المصرَّاةِ وتلقِّي الركبانِ(٣). فهذه المناهي تدلُّ على أنَّهُ لا يجوزُ أنْ يلبسَ على البائع والمشتري في سعرِ الوقتِ ، ويكتمَ منهُ أمراً لوْ علمَهُ .. لما أقدمَ على العقدِ ، ففعلُ هذا (١) كما في ((البخاري)) (٢١٤٠)، و((مسلم)) (١٤١٣). (٢) رواه البخاري (٢١٤٢)، ومسلم (١٥١٦). والنجّش بسكون الجيم وفتحها كما في ((إرشاد الساري)) (٤ / ٦٢ ) . (٣) المصراة : الحلوب يُحبس لبنها فيها فلا تحلب أياماً ليوهم صاحبُها أنها ذات لبن . ٣٠٥ محٹن كتاب الكسب والمعاش ربع العادات مِنَ الغشِّ الحرامِ المضادِّ للنصحِ الواجبِ . فقدْ حُكِيَ عنْ رجلٍ مِنَ التابعينَ أنَّهُ كانَ بالبصرةِ ولهُ غلامٌ بالسوسِ يجهِّزُ إليهِ السّكَّرَ ، فكتبَ إليهِ غلامُّهُ أنَّ قصبَ السّكَّرِ قدْ أصابتْهُ آفةٌ في هذهِ السنةِ، فاشترِ السكَّرَ، قالَ: فاشترى سكراً كثيراً، فلمَّا جاءَ وقتُهُ .. ربحَ فيهِ ثلاثينَ ألفاً ، فانصرفَ إلى منزِلِهِ فأفكرَ ليلتَهُ ، فقالَ : ربحتُ ثلاثينَ ألفاً وخسرتُ نصحَ رجلٍ منَ المسلمينَ ، فلمَّا أصبحَ .. غدا إلى بائع السكّرِ ، فدفعَ إليهِ ثلاثينَ ألفاً وقالَ : باركَ اللهُ لكَ فيها ، فقالَ : ومِنْ أينَ صارَتْ لي ؟ فقالَ : إنِّي كتمتكَ حقيقةً الحالِ ، وكانَ السّكَّرُ قدْ غلا في ذلكَ الوقتِ، فقالَ: رحمَكَ اللهُ، قَدْ أعلمتَني الآنَ، وقدْ طِيَّبْتُها لكَ، قالَ : فرجعَ بها إلى منزِلِهِ ، وتفكَّرَ وباتَ ساهراً، وقالَ : ما نصحتُهُ ، فلعلَّهُ استحيا منِّ فتركَها لي، فبَكَّرَ إليهِ مِنَ الغدِ، وقالَ: عافاكَ اللهُ ، خذْ مالَكَ إليكَ ، فهوَ أطيبُ لقلبي ، فأخذَ منهُ ثلاثينَ ألفاً(١) . فهذهِ الأخبارُ في المناهي والحكاياتُ تدلُّ على أنَّهُ ليسَ لهُ أنْ يغتنمَ فرصةً، وينتهزَ غفلةَ صاحبِ المتاعِ ، ويخفيَ مِنَ البائعِ غلاءَ السعرِ ، أَوْ مِنَ المشتري تراجعَ الأسعارِ . فإنْ فعلَ ذلكَ .. كانَ ظالماً ، تاركاً للعدلِ والنصح للمسلمينَ . (١) رواها ابن أبي الدنيا في ((الورع)) (١٦٩)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١١٨/٣). متـ ٣٠٦ تر جـ 1 ربع العادات كتاب الكسب والمعاش ومهما باعَ مرابحةً(١) ؛ بأنْ يقولَ: بعتُ بما قامَ عليَّ، أَوْ بما اشتريتُهُ .. فعليهِ أنْ يصدقَ بهِ ، ثُمَّ يجبُ أنْ يخبرَ بما حدثَ بعدَ العقدِ مِنْ عِيبٍ أوْ نقصانٍ . ولوِ اشترى إلى أجلٍ .. وجبَ ذكرُهُ ، ولوِ اشترىُ مسامحةٌ مِنْ صديقِهِ أوْ ولدِهِ .. يجبُ ذكرُهُ؛ لأنَّ المعاملَ يعوِّلُ على عادتِهِ في الاستقصاءِ أنَّهُ لا يتركُ النظرَ لنفسِهِ، فإذا تركَهُ بسببٍ مِنَ الأسبابِ .. فيجبُ إخبارُهُ؛ إذ الاعتمادُ فيهِ على أمانتِهِ . 1 (١) وذلك إذا سمَّى لكل قدْر من الثمن ربحاً. ((إتحاف)) (٤٩٤/٥). ٣٠٧ مش ٠دن كتاب الكسب والمعاش 03 ربع العادات البَابُ الرَّبِعُ في الإحسان في المعاملة وقدْ أمرَ اللهُ تعالى بالعدلِ والإحسانِ جميعاً ، والعدلُ سببُ النجاةِ فقطْ ، وهوَ يجري مِنَ التجارةِ مَجرىُ رأسِ المالِ ، والإحسانُ سببُ الفوزِ ونيلِ السعادةِ ، وهوَ يجري مِنَ التجارةِ مَجرى الربح ، ولا يُعدُّ مِنَ العقلاءِ مَنْ قنعَ في معاملاتِ الدنيا برأس مالِهِ ، فكذا في معاملاتِ الآخرةِ ، فلا ينبغي للمتديِّنِ أنْ يقتصرَ على العدْلِ واجتنابِ الظلمِ ويدعَ أبوابَ الإحسانِ وقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَأَحْسِن كَمَّا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسَنِ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. ونعني بالإحسانِ : فعلَ ما ينتفعُ بهِ المعاملُ وهوَ غيرُ واجبِ عليهِ ، ولكنَّهُ تفضّلٌ منهُ ؛ فإنَّ الواجبَ يدخلُ في بابِ العدلِ وتَرْكِ الظلمِ ، وقدْ ذكرناهُ . مدن وتُنالُ رتبةُ الإحسانِ بواحدٍ مِنْ ستةِ أمورٍ : الأوّلُ : في المغابنةِ : دں فينبغي ألاَّ يغبنَ صاحبَهُ بما لا يُتغابنُ بهِ في العادةِ ، فأمَّا أصلُ المغابنةِ .. فمأذونٌ فيهِ ؛ لأنَّ البيعَ للربح ، ولا يمكنُ ذلكَ إلاّ بغبنٍ ما ، ولكنْ يراعي نه ٣٠٨ طار» ـدن ربع العادات كتاب الكسب والمعاش فيهِ التقريبَ ، فإنْ بذلَ المشتري زيادةً على الربح المعتادِ ؛ إمَّا لشدةِ رغبتِهِ ، أوْ لشدَّةِ حاجتِهِ إليهِ في الحالِ .. فينبغي أنْ يمتنعَ عنْ قبولِهِ ، فذلكَ مِنَ الإحسانِ . ومهما لمْ يكنْ تلبيسٌ .. لمْ يكنْ أخذُ الزيادةِ ظلماً ، وقدْ ذهبَ بعضُ العلماءِ إلى أنَّ الغبنَ بما يزيدُ على الثلثِ يوجبُ الخيارَ ، ولسنا نرى ذلكَ ، ولكنْ مِنَ الإحسانِ أنْ يحطَّ ذلكَ الغبنَ . يُروى أنَّهُ كانَ عندَ يونسَ بنِ عبيدٍ حُلَلٌ مختلفةُ الأثمانِ ، ضربٌ قيمةُ كلِّ حلَّةٍ منها أربعُ مئةٍ ، وضربٌ كلُّ حلَّةٍ قيمتُها مئتانِ ، فمضى إلى الصلاةِ وخلَّفَ ابنَ أخيهِ في الدكَّانِ ، فجاءَ أعرابيٍّ وطلبَ حلَّةٌ بأربع مئةٍ ، فعرضَ عليهِ مِنْ حُلَلِ المئتين ، فاستحسنَها ورضيَها ، فاشتراها منهُ، فمشى بها وهيَ على يدِهِ ، فاستقبلَهُ يونسُ، فعرفَ حلَّتَهُ ، فقالَ بكم اشتريتَ هذهِ ؟ فقالَ : بأربع مئةٍ ، فقالَ : لا تَسْوىُ أكثرَ مِنْ مئتينِ ، فارجعْ حتَّى تردَّها ، فقالَ : هذهِ تَسْوىُ في بلدِنا خمسَ مئةٍ ، وأنا أرتضيها ، فقالَ لهُ يونسُ : انصرفْ ؛ فإنَّ النصحَ في الدينِ خيرٌ مِنَ الدنيا بما فيها ، ثمَّ ردَّهُ إلى الدكَّانِ، وردَّ عليهِ مئتي درهمٍ، وخاصمَ ابنَ أخيهِ وقاتلَهُ ، وقالَ : أما استحييتَ ، أما اتقيتَ اللهَ ؟! تربحُ مثلَ الثمنِ وتتركُ النصْحَ للمسلمينِ ؟! فقالَ: واللهِ ؛ ما أخذَها إلا وهو راضٍ بها ! قالَ : أفلا رضيتَ لهُ بما ترضاهُ لنفسِكَ؟!(١). حن حن (١) كذا في ((القوت)) (٢٦٧/٢)، وقد رواها أبو نعيم في ((الحلية)) (١٥/٣) وفيها : = ٣٠٩ دن حن طرة كتاب الكسب والمعاش ربع العادات وهذا إنْ كانَ فيهِ إخفاءُ سعرٍ وتلبيسٌ .. فهوَ مِنْ بابِ الظلمِ ، وقدْ سبقَ . وفي الحديثِ: ((غبنُ المسترسلِ حرامٌ ))(١). وكانَ الزبيرُ بنُ عديٌّ يقولُ : ( أدركتُ ثمانيةَ عشرَ مِنَ الصحابةِ ما منهُمْ أحدٌ يحسنُ يشتري لحماً بدرهمٍ )(٢) . فغبْنُ مثلِ هؤلاء المسترسلينَ ظلمٌ، وإنْ كانَ مِنْ غيرِ تلبيسٍ .. فهوَ مِنْ تركِ الإحسانِ، وقلَّما يتمُّ هذا إلا بنوع تلبيسٍ وإخفاءِ سعرِ الوقتِ . وإنَّما الإحسانُ المخضُ ما نقلَ عنِ السريِّ السقطيِّ رحمهُ اللهُ: أنَّهُ اشترىْ كُرَّ لوزٍ بستينَ ديناراً، وكتبَ في رُوْزْنامَجِه(٣): ثلاثةُ دنانيرَ ربحُهُ ، وكأنَّهُ رأى أنْ يربحَ على العشرةِ نصفَ دينارِ ، فصارَ اللوزُ بتسعينَ ديناراً ، أن الأعرابي قال : ( أسألك بالله ، من أنت وما اسمك ؟ قال : يونس بن عبيد ، قال : = فوالله إنا لنكون في نحر العدو، فإذا اشتد علينا .. قلنا : اللهم، ربّ يونس بن عبيد؛ فرج عنا - أو شبيه هذا - فقال يونس : سبحان الله ، سبحان الله ! )، وقوله : ( تسوى) : لغة على قول في (تساوي) ، وعامة أهل اللغة على أنها ليست بفصيحة . (١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٢٦/٨)، وأبو نعيم في « الحلية)) (١٨٧/٥)، والبيهقي في (( السنن الكبرى)) (٣٤٩/٥)، والمسترسل : من استأنس لمعامله واطمأن إليه ، وكأنه قد سلَّم أمره إليه . مارة (٢) رواه البخاري في (( التاريخ الكبير)) (٣٤١/٣)، وأبو نعيم في « تاريخ أصبهان» (٢٨٠/١ ) . (٣) روزنامجه : لفظة فارسية ، وهو سجل الوقائع كالروزنامه ، وقال الحافظ الزبيدي : (هو الدفتر الذي يكتب فيه حساب الداخل والخارج). («إتحاف)) (٤٩٦/٥). ٣١٠ حن ربع العادات كتاب الكسب والمعاش فأتاهُ الدلاَلُ وطلبَ اللوزَ، فقالَ : خُذْهُ ، فقالَ : بكمْ ؟ فقالَ : بثلاثةٍ وستينَ ديناراً ، فقالَ الدلاَّلُ - وكانَ منَ الصالحينَ - : قدْ صارَ اللوزُ بتسعينَ ! فقالَ السريُّ : قدْ عقدتُ عقداً لا أحلُّهُ، لستُ أبيعُهُ إلا بثلاثةٍ وستينَ ، فقالَ الدلاَّلُ : وأنا عقدتُ بيني وبينَ اللهِ تعالى ألاَّ أغشَّ مسلماً ، لستُ آخذُ منكَ إِلا بتسعينَ ، قالَ: فلا الدلاَّلُ اشترى منهُ، ولا السريُّ باعَهُ !(١). فهذا محضُ الإحسانِ مِنَ الجانبينِ ؛ فإنَّهُ معَ العلمِ بحقيقةِ الحالِ . ويُروىُ عنْ محمدِ بنِ المنكدرِ أنَّهُ كانَ لهُ شقاقٌ (٢)؛ بعضُها بخمسةٍ، وبعضُها بعشرةٍ ، فباعَ في غيبتِهِ غلامُهُ شُقَّةً مِنَ الخمسيَّاتِ بعشرةٍ ، فلمَّا عرفَ .. لمْ يزلْ يطلبُ ذلكَ الأعرابيَّ المشتريَ طولَ النهارِ حتَّى وجدَهُ، فقالَ لهُ : إنَّ الغلامَ قدْ غلطَ فباعَكَ ما يَسوى خمسةً بعشرةٍ ، فقالَ : يا هذا؛ قدْ رضيتُ، فقالَ: وإنْ رضيتَ .. فإنَّ لا نرضى لكَ إلا ما نرضاهُ لأنفسِنا ، فاختَرَ إحدى ثلاثٍ خصالٍ : إمّا أنْ تأخذَ شُقَّةً مِنَ العشريَّاتِ بدراهمِكَ ، وإمَّا أنْ نردَّ عليكَ خمسةً ، وإما أنْ تردَّ شُقَّتَنَا وتأخذَ دراهمَكَ ، (١) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٨٨/٩)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٢٠ / ١٨٣ ). (٢) الشِّقاق: جمع شُقَّة؛ كقِباب وقُبَّة، نوع من الثياب، وتجمع على شُقَق قياساً مطرداً، وضبطها الحافظ الزبيدي في « إتحافه)) (٤٩٦/٥) بضم الشين في الجمع ، ولم يذكره في ((التاج)) كذلك . س ٣١١ متع مدن حن الجر ٤ كتاب الكسب والمعاش ربع العادات فقالَ : أعطني خمسةً ، فردَّ عليهِ خمسةً ، وانصرفَ الأعرابيُّ يسألُ ويقولُ : مَنْ هذا الشيخُ؟ فقيلَ لهُ : هذا محمدُ بنُ المنكدرِ ، فقالَ : لا إلهَ إلا اللهُ ، هذا الذي نستسقي بهِ في البوادي إذا قحطْنا . فهذا إحسانٌ في ألاَّ يُربَحَ على العشرةِ إلا نصفٌ أوْ واحدٌ على ما جرَتْ بهِ العادةُ في مثلِ ذلكَ المتاع في ذلكَ المكانِ . ومَنْ قَنعَ بربح قليلٍ .. كثرَتْ معاملاتُهُ، واستفادَ مِنْ تكُّرِها ربحاً كثيراً ، وبهِ تظهرُ البركةُ ، كانَ عليّ رضيَ اللهُ عنهُ يدورُ في سوقِ الكوفةِ بالدِّرَّةِ ويقولُ: ( معاشرَ التجَّارِ ؛ خذوا الحقَّ وأعطوا الحقَّ .. تسلموا ، لا تردُّوا قليلَ الربح فتُحرموا كثيرَهُ)(١) . وقيلَ لعبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ رضيَ اللهُ عنهُ : ما سببُ يساركَ ؟ قالَ : ثلاثٌ : ما رددتُ ربحاً قطُّ، ولا طُلِبَ منِّي حيوانٌ فأخَّرتُ بيعَهُ ، ولا بعتُ بنسيئةٍ(٢). بجن ث ويُقالُ : إنَّهُ باعَ ألفَ ناقةٍ ، فما ربحَ إلا عُقُلَها ، باعَ كلَّ عقالٍ بدرهمٍ ، فربحَ فيها ألفاً ، وربحَ مِنَ النفقةِ عليها ليومِهِ ألفاً(٣). ـحة حن (١) رواه وكيع في ((أخبار القضاة)) ( ١٩٦/٢). (٢) قوت القلوب (٢٧٣/٢). (٣) قوت القلوب (٢٧٣/٢) . جن حة. ٣١٢ حن ثن حں ربع العادات كتاب الكسب والمعاش الثاني : في احتمالِ الغبْنِ : فالمشتري إنِ اشترى طعاماً مِنْ ضعيفٍ ، أوْ شيئاً مِنْ فقيرٍ .. فلا بأسَ أنْ يحتملَ الغبْنَ ويتساهلَ ، ويكونَ بهِ محسناً ، وداخلاً في قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( رحمَ اللهُ أمرأً سهلَ البيعِ ، سهلَ الشراءِ))(١). فأمَّا إذا اشترىُ مِنْ غنيٍّ تاجرٍ يطلبُ الربحَ زيادةٌ على حاجتِهِ .. فاحتمالُ الغبْنِ منهُ ليسَ محموداً ، بلْ هوَ تضييعُ مالٍ مِنْ غيرِ أجرٍ ولا حمدٍ ، فقدْ وردَ في حديثٍ منْ طريقِ أهلِ البيتِ: (( المغبونُ لا محمودٌ ولا مأجورٌ))(٢). هههه هه وكانَ إِياسُ بنُ معاويةَ قاضي البصرةِ - وكانَ مِنْ عقلاءِ التابعينَ - يقولُ : ( لستُ بِخبٍّ ، والخبُّ لا يغينُني ، ولا يغبنُ ابنَ سيرينَ ، ولكنْ يغبنُ الحسنَ ويغبنُ أبي )(٣) يعني: معاويةَ بنَ قرَّةً . والكمالُ في ألاَّ يغبنَ ولا يُغبنَ ؛ كما وصفَ بعضُهُمْ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ فقالَ : ( كانَ أكرمَ مِنْ أَنْ يَخدعَ ، وأعقلَ مِنْ أن يُخدعَ)(٤) . وكانَ الحسنُ والحسينُ وغيرُهما مِنْ خيارِ السلفِ يستقصونَ في الشراءِ ، (١) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٦٨٣٠). (٢) رواه البخاري في (( التاريخ الكبير)) (٤١/٧)، وأبو يعلى في ((مسنده)) ( ٦٧٨٣)، والطبراني في ((الكبير)) ( ٨٣/٣). (٣) رواه وكيع في ((أخبار القضاة)) (٣٤٨/١) وفيه: ( يخدعني ) بدل (يغبنني) وكذا سياقه. (٤) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) ( ص٧٦) من قول المغيرة بن شعبة في حق الفاروق رضي الله عنهما . ٣١٣ جن " جن جن حنحن حن بجن: كتاب الكسب والمعاش ربع العادات ثُمَّ يهبونَ معَ ذلكَ الجزيلَ مِنَ المالِ ، فقيلَ لبعضِهِمْ : تستقصي في شرائِكَ على اليسيرِ ثمَّ تهبُ الكثيرَ ولا تبالي ؟! فقالَ: ( إنَّ الواهبَ يعطي فضلَهُ ، وإنَّ المغبونَ يغبنُ عقلَهُ)(١) . وقالَ بعضُهُمْ: (إنَّما أغبنُ عقلي وبصيرتي ، فلا أمكِّنُ الغابنَ منهُ ، وإذا وهبتُ .. أعطي للهِ ولا أستكثرُ لهُ شيئاً)(٢). الثالثُ : في استيفاءِ الثمنِ وسائرِ الديونِ : والإحسانُ فيهِ : مرَّةٌ بالمسامحةِ وحطُّ البعضِ ، ومرَّةٌ بالإمهالِ والتأخيرِ ، ومرَّةً بالمساهلةِ في طلبِ جودةِ النقدِ . وكلُّ ذلكَ مندوبٌ إليهِ ، ومحثوثٌ عليهِ ، قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((رحمَ اللهُ أمراً سهلَ البيع، سهلَ الشراءِ ، سهلَ القضاءِ ، سهلَ الاقتضاءِ))(٣)، فليغتنمْ دعاءَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((اسمحْ .. يُسمَحْ لكَ))(٤). وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( مَنْ أنظرَ معسراً أوْ تركَ لهُ .. حاسبَهُ اللهُ ـدن قوت القلوب ( ٢ / ٢٧٠ ). (١) بى (٢) قوت القلوب (٢٧٠/٢). (٣) تقدم قريباً . (٤) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٤٨/١)، والطبراني في ((الأوسط)) (٥١٠٨). ٣١٤ ظم من 1 ربع العادات كتاب الكسب والمعاش حساباً يسيراً))، وفي لفظٍ آخرَ: ((أظلَّهُ اللهُ تحتَ ظلِّ عرشِهِ يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّهُ))(١) . وذكرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رجلاً كانَ مسرفاً على نفسِهِ ، حُوسِبَ فلمْ يُوجدْ لهُ حسنةٌ ، فقيلَ لهُ : هلْ عملتَ خيراً قطَّ ؟ فقالَ : لا ، إلا أنِّي كنتُ رجلاً أداينُ الناسَ فأقولُ لفتياني : سامحوا الموسرَ وأنظروا المعسرَ - وفي لفظٍ آخرَ : وتجاوزوا عنِ المعسرِ - فقالَ اللهُ تعالى : نحنُ أحقُّ بذلكَ منكَ، فتجاوزَ اللهُ عنهُ وغفرَ لهُ))(٢). ٢٦ جـ حن وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ أقرضَ ديناً إلى أجلٍ .. فلهُ بكلِّ يومٍ صدقةٌ إلى أجلِهِ ، فإذا حلَّ الأجلُ فأنظرَهُ بعدَهُ .. فلَهُ بكلِّ يومٍ مثلُ ذلكَ الدينِ صدقةً))(٣) . وقدْ كانَ مِنَ السلفِ مَنْ لا يحبُّ أنْ يقضيَ غريمُهُ الدينَ لأجلِ هذا الخبرِ حتَّى يكونَ كالمتصدِّقِ بجميعِهِ كلَّ يومٍ(٤) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( رأيتُ على بابِ الجنَّةِ مكتوباً : الصدقةُ (١) رواه مسلم (٣٠١٤)، واللفظ الأول في ((القوت)) (٢٧٠/٢). (٢) رواه البخاري ( ٢٠٧٧)، ومسلم (١٥٦٠) واللفظ له . (٣) كذا في ((القوت)) (٢٧٠/٢)، وقد رواه ابن ماجه (٢٤١٨) بلفظ: (( من أنظر معسراً .. كان له بكل يوم صدقة ، ومن أنظره بعد حله .. كان له مثله في كل يوم صدقة))، وفي (و): ( مَنْ أقرض ديناراً ... ). (٤) قوت القلوب (٢٧٠/٢). G ٢ ٣١٥ حں كتاب الكسب والمعاش ربع العادات 4 2 Db. 950 بعشرٍ أمثالِها، والقرضُ بثمانِ عشرةَ))(١) ، فقيلَ في معناهُ : إنَّ الصدقةَ تقعُ في يدِ المحتاجِ وغيرِ المحتاج، ولا يتحمَّلُ ذلَّ الاستقراضٍ إلا محتاجٌ (٢). ونظرَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى رجلٍ يلازمُ رجلاً بدينٍ ، فَأوماً إلى صاحبِ الدينِ بيدِهِ : أنْ ضَع الشطرَ، ففعلَ، فقالَ للمديونِ: (( قمْ فأعطِهِ))(٣) . وكلُّ مَنْ باعَ شيئاً وتركَ ثمنَهُ في الحالِ ، ولمْ يرهقْ إلى طلبِهِ .. فهوَ في معنى المقرِضٍ ، ورُوِيَ أنَّ الحسنَ البصريَّ باعَ بغلةً لهُ بأربع مئةِ درهمٍ ، فلمَّا استوجبَ المالَ .. قالَ لهُ المشتري : اسمحْ يا أبا سعيدٍ ؛ قالَ : قَدْ أسقطتُ عنكَ مئةً ، قالَ لهُ : فأحسنْ يا أبا سعيدٍ ؛ فقالَ : قد وهبتُ لكَ مئةً أخرى ، فقبضَ مِنْ حقِّهِ مئتي درهم ، فقيلَ لهُ : يا أبا سعيدٍ ؛ هذا نصفُ الثمنِ ! فقالَ : هكذا يكونُ الإحسانُ ، وإلاَّ .. فلا(٤) . (١) رواه ابن ماجه ( ٢٤٣١). (٢) وهو تتمة الحديث، ولفظه: ((فقلت: يا جبريل؛ ما بال القرض أفضل من الصدقة ؟ قال: لأن السائل يسأل وعنده ، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة))، وقال الحكيم الترمذي في (( نوادر الأصول)) (ص٢١٩): ( المتصدق حسبَ له الدرهم بعشرة ، فدرهم صدقته وتسعة زائدة ، فصارت له عشرة ، والقرض على ضعف الصدقة ، فدرهم قرضه يرجع إليه ، فلا يحسب ، بقي تسعة ، فتضاعف ، فيكون ثمانية عشر ، والله أعلم وأحكم ) . ٢٠ (٣) رواه البخاري (٤٧١)، ومسلم (١٥٥٨)، وصاحب الدين هو كعب بن مالك رضي الله عنه . (٤) قوت القلوب ( ٢ /٢٧٠) . ٣١٦ كن ان إن كن تن ربع العادات كتاب الكسب والمعاش وفي الخبرِ: ((خذْ حقَّكَ في عفافٍ، وافٍ أَوْ غيرَ وافٍ .. يحاسبْكَ اللهُ حساباً يسيراً))(١). لحن حن الرابعُ : في توفيةِ الدينِ : ومنَ الإحسانِ فيهِ حسنُ القضاءِ ؛ وذلكَ بأنْ يمشيَ إلى صاحبِ الحقِّ ولا يكلِّفَهُ أنْ يمشيَ إليهِ يتقاضاهُ، فقدْ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( خيرُكُمْ أحسنُكُمْ قضاءً))(٢). ومهما قدرَ على قضاءِ الدينِ .. فليبادرْ إليهِ ولوْ قبلَ وقتِهِ ، وليسلُّمْ أجودَ مما شرطَ عليهِ وأحسنَ . وإنْ عجزَ .. فلينوِ قضاءَهُ مهما قدرَ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنِ ادَّانَ ديناً وهوَ ينوي قضاءَهُ .. وكلَ اللهُ بهِ ملائكةً يحفظونَهُ ويدعونَ لهُ حتَّى يقضيَهُ))(٣). وكانَ جماعةٌ مِنَ السلفِ يستقرضونَ منْ غيرِ حاجةٍ لهذا الخبرِ (٤). (١) رواه ابن ماجه (٢٤٢٢) دون قوله: (يحاسبك ... )، وهي في «القوت)) (٢/ ٢٧٠). (٢) رواه البخاري (٢٣٠٥)، ومسلم ( ١٦٠١). (٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٦/ ٢٥٠) ولفظه: (( من داين الناس بدين يعلم الله منه أنه حريص على أدائه .. كان معه من الله عون وحافظ)»، وعند ابن ماجه ( ٢٤٠٨): « ما من مسلم يدَّان ديناً يعلم الله منه أنه يريد أداءه .. إلا أداه الله عنه في الدنيا)). (٤) كالسيدة عائشة رضي الله عنها؛ روى أحمد في ((المسند)) (٦/ ٧٢) : كانت عائشة تداين ، فقيل لها : ما لك وللدين؟ قالت: « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم = بقن دة ٣١٧ خفف ٥ ٥ كتاب الكب والمعاش ٢٠٠٠ ربع العادات ومهما كلَّمَهُ صاحبُ الحقِّ بكلام خشنٍ .. فليحتملْهُ ، وليقابلْهُ باللطفِ ؛ اقتداءً برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، إذْ جاءَهُ صاحبُ الدينِ عندَ حلولِ الأجلِ ولمْ يكنْ قدِ اتفقَ قضاؤُهُ ، فجعلَ الرجلُ يشدِّدُ الكلامَ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فهمَّ بهِ أصحابُهُ ، فقالَ عليهِ الصلاة والسلامُ: ((دعوهُ؛ فإنَّ لصاحبِ الحقِّ مقالاً))(١) . ومهما دارَ الكلامُ بينَ المستقرضِ والمقرضِ .. فالإحسانُ أنْ يكونَ الميلُ الأكثرُ من المتوسِّطِ إلى مَنْ عليهِ الدينُ ؛ فإنَّ المقرضَ يقرضُ عن غنىٌ ، والمستقرضُ يستقرضُ عنْ حاجةٍ ، وكذلكَ ينبغي أنْ تكونَ الإعانةُ للمشتري أكثرَ ؛ فإنَّ البائعَ راغبٌ عنِ السلعةِ ، يبغي ترويجَها ، والمشتري محتاجٌ إليها . هذا هوَ الأحسنُ ، إلا أنْ يتعدّى مَنْ عليهِ الدينُ حدَّهُ، فعندَ ذلكَ نصرتُهُ في منعِهِ مِنْ تعدِّيهِ وإعانةِ صاحبهٍ ؛ إذْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( انصرْ أخاكَ ظالماً أوْ مظلوماً))، فقيلَ: كيفَ ننصرُهُ ظالماً؟ فقالَ: ((منعُكَ إِيَّاهُ مِنَ الظلمِ نصرةٌ لَهُ))(٢). محمرة يقول : (( ما من عبد كانت له نية في أداء دينه .. إلا كان له من الله عز وجل عون))، فأنا = ألتمس ذلك العون . (١) رواه البخاري (٢٣٠٦)، ومسلم (١٦٠١)، وهو قطعة من الحديث المتقدم قريباً عندهما . (٢) رواه البخاري (٢٤٤٤)، ومسلم (٢٥٨٤). ثر ٣١٨ في شن دن ربع العادات كتاب الكتب والمعاش الخامسُ : أنْ يُقيلَ مَنْ يستقيلُهُ : فإنَّهُ لا يستقيلُ إلا متندِّمٌ مستضرٍّ بالبيع ، ولا ينبغي أنْ يرضى لنفسِهِ أنْ يكونَ سببَ استضرارِ أخيهِ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((مَنْ أقالَ نادماً صفقتَهُ .. أقالَهُ اللهُ عثرتَهُ يومَ القيامةِ))(١) أَوْ كما قالَ. ـكن ش ن نن جز) السادسُ : أنْ يقصدَ في معاملتِهِ جماعةٌ مِنَ الفقراءِ بالنسيئةِ : وهوَ في الحالِ عازمٌ على ألاَّ يطالبَهُمْ إنْ لمْ تظهرْ لهمْ ميسرةٌ ، فقدْ كانَ في صالحي السلفِ مَنْ لهُ دفترانِ للحسابِ ، أحدُهُما : ترجمتُهُ مجهولةٌ، فيهِ أسماءُ مَنْ لا يعرفُهُ مِنَ الضعفاءِ والفقراءِ ، وذلكَ أنَّ الفقيرَ كانَ يرى الطعامَ أوِ الفاكهةَ فيشتهيهِ ، فيقولُ : أحتاجُ إلى خمسةِ أرطالٍ مِنْ هـذا مثلاً وليسَ معي ثمنُهُ ، فكانَ يقولُ : خذْهُ واقضٍ ثمنَهُ عندَ الميسرةِ ، ولمْ يكنْ يُعدُّ هذا مِنَ الخيارِ ، بلْ عُدَّ مِنَ الخيارِ مَنْ لمْ يكنْ يثبتُ اسمَهُ في الدفترِ أصلاً، ولا يجعلُهُ ديناً ، ولكنْ يقولُ : خذْ ما تريدُ ، فإنْ يسرَ لكَ .. فاقضٍ، وإلا .. فأنتَ في حلِّ منهُ وسعةٍ (٢). (١) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٥٠٢٩)، وفي (هـ) : ( بيعته ). (٢) قوت القلوب (٢٧٢/٢). ٣١٩ كتاب الكسب والمعاش ربع العادات فهذهِ طرقُ تجاراتِ السلفِ وقدِ اندرسَتْ، والقائمُ بهِ محي لهذهِ السنَّةِ . وبالجملةِ : التجارةُ محكّ الرجالِ ، وبها يُمتحنُ دينُ الرجلِ وورعُهُ ، ولذلكَ قيلَ(١): [من مجزوء الرمل] لا يَغُرَّنْكَ مِنَ الْمَرْ ءِ قَمِيصٌ رَقَعَهُ ـسَّاقِ مِنْهُ رَفَعَةْ أَوْ إِزارٌ فَوْقَ كَعْبِ ألـ أَثَرُ قَدْ قَلَعَةْ أَوْ جَبِينٌ لاحَ فِيهِ وَلَدَى الدِّرْهَمِ فَأَنْظُرْ غِيَّهُ أَوْ وَرَعَهْ ولذلكَ قيلَ : ( إذا أثنى على الرجلِ جيرانُهُ في الحضرِ ، وأصحابُهُ في السفرِ ، ومعاملوهُ في الأسواقِ .. فلا تشكُّوا في صلاحِهِ)(٣). ـكن وشهدَ عندَ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ شاهدٌ ، فقالَ : ائتني بمَنْ يعرفُكَ ، فأتاهُ برجلٍ ، فأثنى عليهِ خيراً ، فقالَ لهُ عمرُ : أنتَ جارُهُ الأدنى الذي يعرفُ حن (١) الأبيات في ((المدهش)) (٢١١/١) من غير نسبة. حن (٢) أثر قد قلعه: تشبيه كثرة السجود وأثرها على الجبين بركبة العنز كيف فيها أثر القلع ، وقد يكون هذا مصطنعاً بمعالجة. انظر ((الإتحاف)) (٥٠٥/٥) . (٣) كذا في ((القوت)) (٢٧٢/٢)، ورواه بنحوه عن عمر رضي الله عنه هناد في ((الزهد )) ( ١٠٤١ ) . ـحة ٣٢٠