Indexed OCR Text

Pages 241-260

ربع العادات
كتاب الكتب والمعاش
يستغني بها عنِ الناسِ، ويبغضُ العبدَ يتعلَّمُ العلمَ يتخذُّهُ مهنةٌ))(١).
وفي الخبرِ: ((إنَّ اللهَ تعالى يحبُّ المؤمنَ المحترفَ))(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((أحلُّ ما أكلَ الرجلُ مِنْ كسبِهِ ، وكلُّ بيعِ
مبرورٍ))(٣) .
وفي خبرٍ آخرَ: ((أحلُّ ما أكلَ العبدُ كسبُ يدِ الصانع إذا نصحَ))(٤).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((عليكُمْ بالتجارةِ ؛ فإنَّ فيها تسعة أعشار
الرزقِ ))(٥) .
ورُوِيّ أنَّ عيسى عليهِ السلامُ رأى رجلاً فقالَ : ما تصنعُ ؟ فقالَ :
أتعبَّدُ ، قالَ : مَنْ يعولُكَ ؟ قالَ : أخي، قالَ : أخوكَ أعبدُ منكَ(٦).
وقالَ نبيّنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنِّي لا أعلمُ شيئاً يقرِّبُّكُمْ مِنَ الجنَّةِ
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((إصلاح المال)) (٣١٦) من قول عيسى ابن مريم عليهما
السلام .
(٢) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٨٩٢٩)، وابن عدي في ((الكامل)) (٣٧٨/١).
(٣) كذا في ((القوت)) (١٥/٢)، ورواه أحمد في « المسند» (١٤١/٤)، والحاكم في
((المستدرك)) (١٠/٢)، والبيع المبرور: الذي لا غشَّ فيه ولا خيانة.
(٤) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٣٤/٢)، والنصح هنا: بأن يعمل عمل إتقان وإحسان ،
متجنباً للغش ، وافياً بحق الصنعة ، غير ملتفت إلى مقدار الأجر ، وبذلك يحصل الخير
والبركة . ((إتحاف)) (٤١٥/٥) .
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((إصلاح المال)) (٢١٣).
(٦) رواه الدينوري في (( المجالسة وجواهر العلم)) (ص٧٥٣)، وابن عساكر في (( تاريخ
دمشق)» ( ٤٧ /٤٦٨) عن إبراهيم التيمي يرسله .
قْ
٢٤١
حن حنةجن جن ::

كتاب الكسب والمعاش
ربع العادات
ويبعدُكُمْ مِنَ النارِ إلا أمرتُكُمْ بهِ ، ولا أعلمُ شيئاً يبعدُكُمْ مِنَ الجنَّةِ ويقرِّبُّكُمْ
مِنَ النارِ إلا نهيتُكُمْ عنهُ، وإنَّ الروحَ الأمينَ نفثَ في روعي أنَّ نفساً لنْ تموتَ
حتَّى تستوفيَ رزقَها ، وإنْ أبطأَ عنها ، فاتقوا الله وأجملوا في الطلبِ)) ، أمرَ
عليهِ الصلاةُ والسلامُ بالإجمالِ في الطلبِ ، ولمْ يقلِ : اتركوا الطلبَ ، ثمَّ
قالَ في آخرِهِ: (( ولا يحملنَّكُمُ استبطاءُ شيءٍ مِنَ الرزقِ على أنْ تطلبوهُ
بمعصيةِ اللهِ تعالى؛ فإنَّ اللهَ لا يُنالُ ما عندَهُ بمعصيتِهِ))(١).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((الأسواقُ موائدُ اللهِ تعالى، فمَنْ أتاها ..
أصابَ منها)) (٢).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((لأنْ يأخذَ أحدُكُمْ حبلَهُ فيحتطبَ على ظهرِهِ
خيرٌ لهُ مِنْ أنْ يأتيَ رجلاً أعطاهُ اللهُ مِنْ فضلِهِ فيسألَهُ، أعطاهُ أَوْ منعَهُ)) (٣).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( مَنْ فتحَ على نفسِهِ بابَ المسألةِ ..
فتحَ اللهُ عليهِ سبعينَ باباً مِنَ الفقرِ))(٤) .
چن
(١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٤/٢)، وهو عند ابن ماجه (٢١٤٤) مختصراً.
(٢) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص٤٣١)، وابن الطيوري في
((الطيوريات)) (٨٢٥) عن الحسن البصري، قال الحافظ العراقي: (لم أجده
مرفوعاً). ((إتحاف)) ( ٤١٧/٥).
(٣) رواه البخاري (١٤٧٠)، ومسلم (١٠٤٢).
(٤) رواه أحمد في (( المسند)) (٤١٨/٢)، والترمذي (٢٣٢٥) ولفظه: ((ولا فتح
عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر)) أو كلمة نحوها .
٢٤٢

ربع العادات
كتاب الكسب والمعاش
سون
وأمَّا الآثارُ :
فقدْ قالَ لقمانُ الحكيمُ لابنِهِ : ( يا بنيَّ ؛ استغنِ بالكسبِ الحلالِ عنِ
الفقرِ ؛ فإنَّهُ ما افتقرَ أحدٌ قطُّ إلا أصابَهُ ثلاثُ خصالٍ : رقَّةٌ في دينِهِ ،
وضعفٌ في عقلِهِ ، وذهابُ مروءتِهِ ، وأعظمُ مِنْ هذهِ الثلاثِ استخفافُ
الناسِ بهِ )(١) .
وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( لا يقعدُ أحدُكُمْ عنْ طلبِ الرزقِ ويقولُ :
اللهمَّ ؛ ارزقْني ، فقدْ علمتُمْ أَنَّ السماءَ لا تمطرُ ذهباً ولا فضةٌ)(٢).
وكانَ زيدُ بنُ مسلمةَ يغرسُ في أرضِهِ ، فقالَ لهُ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ :
أصبتَ ، استغنِ عنِ الناسِ .. يكنْ أصونَ لدينِكَ، وأكرمَ لكَ عليهِمْ ، كما
قالَ صاحبُكُمْ أحيحةُ(٣) :
[من البسيط]
فَلَنْ أَزْالَ عَلَى الزَّوْراءِ أَعْمُرُها
إِنَّ الْكَرِيْمَ عَلَى الإِخْوَانِ ذُو الْمالِ
وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ : ( إنِّي لأكرهُ أنْ أرى الرجلَ فارغاً ،
لا في أمرِ دِينِهِ، ولا في أمرِ دنياهُ) (٤).
وسئلَ إبراهيمُ عنِ التاجرِ الصدوقِ : أهوَ أحبُّ إليكَ أم المتفرِّغُ للعبادةِ ؟
(١) نقله صاحب ((القوت)) كما في ((الإتحاف)) (٤١٧/٥).
(٢) نقله صاحب ((القوت)) كما في ((الإتحاف)) (٤١٧/٥).
(٣) ديوانه ( ص ٧٩ ) .
(٤) رواه ابن المبارك في «الزهد)) (٧٤١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٣٠/١).
٢٤٣
در).
تان
مدن
حن
٠ ٠٠٠ -.

كتاب الكسب والمعاش
250
ربع العادات
قالَ : التاجرُ الصدوقُ أحبُّ إليَّ ؛ لأنَّهُ في جهادٍ ، يأتيهِ الشيطانُ مِنْ طريقِ
المكيالِ والميزانِ ، ومنْ قِبَلِ الأخذِ والعطاءِ فيجاهدُهُ . وخالفَهُ الحسنُ
البصريُّ في هذا(١) .
وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( ما مِنْ موضع يأتيني الموتُ فيهِ أحبّ إليَّ مِنْ
موطنٍ أنسوَّقُ فيهِ لأهلي أبيعُ وأشتري )(٢).
وقالَ الهيثمُ : ( ربما يبلغني عنِ الرجلِ يقعُ فيَّ ، فأذكرُ استغنائي عنهُ ،
فيهونُ ذلكَ عليّ)(٣) .
وقالَ أيوبُ : ( كسبٌ فيهِ شيءٌ أحبُّ إليَّ مِنْ سؤالِ الناسِ )(٤)
وجاءتْ ريحٌ عاصفةٌ في البحرِ ، فقالَ أهلُ السفينةِ لإبراهيمَ بنِ أدهمَ
رحمهُ اللهُ وكان معَهُمْ فيها : أما ترى هذهِ الشدّةَ ؟ فقالَ : ليسَ هذهِ شدَّةٌ ،
إنَّما الشدَّةُ الحاجةُ إلى الناسِ (٥) .
(١) قوت القلوب (٢٦٢/٢)، وإبراهيم هو النخعي ، وتفضيل الحسن للمتفرغ للعبادة لأنه
أيضاً في جهاد أبداً ، يأتيه الشيطان بوساوسه في سائر نواحيه فيجاهده ، وكان يقول :
فلا يسلم الدين في أعمال التجارات. انظر ((الإتحاف)) (٤١٨/٥).
(٢) قوت القلوب (٢٦٢/٢) .
ـدة
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((إصلاح المال)) (٥٠٣)، والبيهقي في (( الشعب))
(٨١٣٤)، والهيثم هو ابن جميل البغدادي .
(٤) قوت القلوب (٢٧٤/٢) ، وأيوب هو السختياني.
(٥) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣٢٣/٦).
٢٤٤
ن

ربع العادات
جب
كتاب الكسب والمعاش
وقالَ أيوبُ : قالَ لي أبو قلابةَ : الزم السوقَ ؛ فإنَّ الغنى مِنَ العافيةِ(١)
يعني : الغنى عنِ الناسِ .
وقيلَ لأحمدَ : ما تقولُ فيمَنْ جلسَ في بيتِهِ أوْ مسجدِهِ وقالَ : لا أعملُ
شيئاً حتَّى يأتيَني رزقي؟ فقالَ أحمدُ : هذا رجلٌ جهلَ العلمَ ، أما سمعَ
قولَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ جعلَ رزقي تحتَ ظلٌ
رمحي))(٢)، وقولَهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ حينَ ذكرَ الطيرَ فقالَ: (( تغدو
خِماصاً وتروحُ بِطاناً))(٣)، فذكرَ أنَّها تغدو في طلبِ الرزقِ ؟! وكانَ
أصحابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يتَّجرونَ في البرِّ والبحرِ ، ويعملونَ
في نخيلِهِمْ ، والقدوةُ بِهِمْ (٤) .
وقالَ أبو قلابةَ لرجلٍ : ( لأنْ أراكَ تطلبُ معاشَكَ أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أراكَ
في زاويةِ المسجدِ ) .
ورُوِيَ أنَّ الأوزاعيَّ لقيَ إبراهيمَ بنَ أدهمَ رحمهُما اللهُ وعلى عنقِهِ حزمةٌ
حطبٍ ، فقالَ لهُ : يا أبا إسحاقَ ؛ إلى متى هذا؟! إخوانُكَ يكفونَكَ ،
(١) رواه ابن حبان في ((روضة العقلاء)) (ص٢٢٦)، وأبو نعيم في (( الحلية))
( ١٠/٣) .
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٢/ ٥٠).
(٣) رواه الترمذي (٢٣٤٤)، وابن ماجه (٤١٦٤).
(٤) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص١٣٠).
٢٤٥
-حن:

كتاب الكسب والمعاش
ربع العادات
كن
فقالَ : دعْني عنْ هذا يا أبا عمرٍو ؛ فإنَّهُ بلغَني أنَّهُ مَنْ وقفَ موقفَ مذلَّةٍ في
طلبِ الحلالِ .. وجَبَتْ لهُ الجنَّةُ(١).
وقالَ أبو سليمانَ الدارانيُّ : ( ليسَ العبادةُ عندَنا أنْ تصفَّ قدميكَ وغيرُكَ
يقوتُ لكَ، ولكنِ ابدأْ برغيفيكَ فأحرزْهُما ثمَّ تعبَّدْ)(٢).
وقالَ معاذُ بنُ جبلٍ رضيَ اللهُ عنهُ : ( يُنادي منادٍ يومَ القيامةِ : أينَ
بُغَضاءُ اللهِ في أرضِهِ؟ فيقومُ سُؤَالُ المساجدِ )(٣).
فهذهِ مذمَّةُ الشرع للسؤالِ والاتكالِ على كفايةِ الأغيارِ ، ومَنْ ليسَ لهُ
مالٌ موروثٌ . . فلا ينجيهِ عنْ ذلكَ إلا الكسبُ والتجارةُ .
فإِنْ قلتَ: فقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما أوحيَ إليَّ أنِ اجمعِ
المالَ وكنْ مِنَ التاجرينَ ، ولكنْ أُوحِيَ إليَّ أنْ سبِّحْ بحمدِ ربِّكَ وكنْ مِنَ
الساجدينَ، واعبدْ ربَّكَ حتَّى يأتيَكَ اليقينُ))(٤)، وقيلَ لسلمانَ الفارسيِّ
(١) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص٢٢)، وابن عساكر في (( تاريخ
دمشق)) (٣١٦/٦).
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٦٤/٩).
(٣) هذا عن ابن عمر مرفوعاً وهو تالف، انظر ((المجروحين)) (٢٥٦/١)، وروى
أبو نعيم في « الحلية)) (١٣/٨) عن إبراهيم بن أدهم قال: ( المسألة مسألتان: مسألة
على أبواب الناس ، ومسألة يقول الرجل : ألزم المسجد وأصلي وأصوم وأعبد الله ،
فمن جاءني بشيء .. قبلته ، فهذه شر المسألتين ، وهذا قد ألحف في المسألة ) .
(٤) رواه أبو الشيخ في ((أخلاق النبي)) ( ٨٠٧).
عن جن جن حن حن جن جن جن مئن
٢٤٦
حيثن من
دن

ربع العادات
كتاب الكسب والمعاش
رضيَ اللهُ عنهُ : أوصِنا ؛ فقالَ : ( مَنِ استطاعَ منكُمْ أنْ يموتَ حاجّاً ، أوْ
غازياً ، أوْ عامراً لمسجدِ ربِّهِ .. فليفعلُ، ولا يموتنَّ تاجراً ولا جابياً)؟(١).
فالجوابُ : أنَّ وجهَ الجمع بينَ هذهِ الأخبارِ تفصيلُ الأحوالِ ، فنقولُ :
لسنا نقولُ : التجارةُ أفضلُ مطلقاً مِنْ كلِّ وجْهٍ ، ولكنَّ التجارةَ إمَّا أنْ تُطلبَ
بها الكفايةُ ، أوِ الثروةُ والزيادةُ على الكفايةِ ، فإنْ طُلبَ منها الزيادةُ على
الكفايةِ لاستكثارِ المالِ وادخارِهِ لا للصرفِ إلى الخيراتِ والصدقاتِ .. فهيَ
مذمومةٌ ؛ لأنَّهُ إقبالٌ على الدنيا التي حبُّها رأسُ كلِّ خطيئةٍ ، فإنْ كانَ معَ ذلكَ
خائناً .. فهوَ ظلمٌّ وفسقٌ، وهذا ما أرادَهُ سلمانُ بقولِهِ : ( لا يموتَنَّ تاجراً
ولا جابياً ) ، وأرادَ بالتاجرِ طالبَ الزيادةِ .
فأمَّا إذا طلبَ بها الكفايةَ لنفسِهِ وأولادِهِ ، وكانَ يقدرُ على كفايتِهِمْ
بالسؤالِ .. فالتجارةُ تعففاً عنِ السؤال أفضلُ ، وإنْ كانَ لا يحتاجُ إلى
السؤالِ، وكان يُعطِى مِنْ غيرِ سؤالٍ .. فالكسبُ أفضلُ؛ لأنَّهُ إنَّما يُعطى لأنَّهُ
سائلٌ بلسانِ حالِهِ ، ومنادٍ بينَ الناسِ بفقرِهِ (٢) ، فالتعقَّفُ والتستُّرُ أولىُ مِنَ
البطالةِ ، بلْ مِنَ الاشتغالِ بالعباداتِ البدنيةِ .
د
. 95
(١) رواه ابن المبارك في ((الجهاد)) (٢١٥)، وابن سعد في (( الطبقات الكبرى))
(٨٥/٤) وفي (ب، هـ، و): (خائناً) بدل (جابياً).
(٢) وهو شر المسألتين كما تقدم في التعليق المنصرم قريباً .
٢٤٧
حن عن حن
ـدن
در

كتاب الكسب والمعاش
ربع العادات
وتركُ الكسبِ أفضلُ لأربعةٍ :
عابدٌ بالعباداتِ البدنيةِ .
أوْ رجلٌ لهُ سيرٌ بالباطنِ وعملٌ بالقلبِ في علومِ الأحوالِ والمكاشفاتِ .
أوْ عالمٌ يشتغلُ بتربيةِ علمٍ الظاهرِ ممَّا ينتفعُ الناسُ بهِ في دينِهِمْ ؛ كالمفتي
والمفسّرِ والمحدِّثِ وأمثالِهِمْ .
أوْ رجلٌ مشتغلٌ بمصالح المسلمينَ وقد تكفَّلَ بأمورِهِمْ ؛ كالسلطانِ
والقاضي والشاهدِ .
فهؤلاءِ إذا كانوا يُكَفَوْنَ مِنَ الأموالِ المرصدةِ للمصالح أوِ الأوقافِ
المسبَّلَةِ على العلماءِ والفقراءِ .. فإقبالُهُمْ على ما هُمْ فيهِ أفضلُ مِنَ الاشتغالِ
بالكسبِ ، ولهذا أُوحِيَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أَنْ سبِّحْ بحمدٍ
ربِّكَ وكنْ مِنَ الساجدينَ ، ولمْ يُوحَ إليهِ أَنِ اجمع المالَ وكنْ مِنَ التاجرينَ ؛
لأنَّهُ كانَ جامعاً لههذهِ المعاني الأربعةِ إلى زياداتٍ لا يحيطُ بها الوصفُ ،
ولهذا أشارَ الصحابةُ على أبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ بتركِ التجارةِ لمَّا وليَ
الخلافةَ؛ إذْ كانَ ذلكَ يشغلُهُ عنِ المصالح ، وكانَ يأخذُ كفايتَهُ مِنْ مالٍ
المصالحِ ، ورأى ذلكَ أولى .
نعمْ ، لمَّا توفِّيَ .. أوصىُ بردِّهِ إلى بيتِ المالِ، ولكنَّهُ رآهُ في الابتداءِ
أولى .
ـح3
٢٤٨

ربع العادات
كتاب الكسب والمعاش
ولهؤلاءِ الأربعةِ حالتانِ أخريانِ :
مدن
إحداهما : أنْ تكونَ كفايتُهُمْ عندَ تركِ الكسبِ مِنْ أيدي الناسِ
وما يُتصدَّقُ بهِ عليهِمْ مِنْ زكاةٍ أوْ صدقةٍ مِنْ غيرِ حاجةٍ إلى سؤالٍ ، فتركُ
الكسبِ والاشتغالُ بما هُمْ فيهِ أولى ؛ إذْ فيهِ إعانةٌ للناسِ على الخيراتِ ،
وقبولٌ منهُمْ لما هُوَ حقٌّ عليهِمْ أَوْ فضلٌ لهمْ .
حن بون
الحالةُ الثانيةُ : الحاجةُ إلى السؤالِ ، وهذا في محلِّ النظرِ ،
والتشديداتُ التي رويناها في السؤالِ وذمِّهِ تدلُّ ظاهراً على أنَّ التعفُّفَ عن
السؤالِ أولىُ ، وإطلاقُ القولِ فيهِ مِنْ غيرِ ملاحظةِ الأحوالِ والأشخاصِ
عسيرٌ، بلْ هوَ موكولٌ إلى اجتهادِ العبدِ ونظرِهِ لنفسِهِ ؛ بأنْ يقابلَ ما يلقى في
السؤالِ مِنَ المذمَّةِ وهتكِ المروءةِ والحاجةِ إلى التثقيلِ والإلحاحِ بما يحصلُ
مِنِ اشتغالِهِ بالعلمِ والعملِ مِنَ الفائدةِ لهُ ولغيرِهِ ، فرَّ شخصٍ تكثرُ فائدةُ
الخلقِ وفائدتهُ في اشتغالِهِ بالعلمِ والعملِ ويهونُ عليهِ بأدنى تعريضٍ في
السؤالِ تحصيلُ الكفايةِ ، وربما يكونُ بالعكسِ ، وربما يتقابلُ المطلوبُ
والمحذورُ ، فينبغي أنْ يستفتيَ المريدُ فيهِ قلبَهُ وإنْ أفتاهُ المفتونَ ؛ فإنَّ
الفتاوى لا تحيطَ بتفاصيلِ الصورِ ودقائقِ الأحوالِ .
ولقدْ كانَ في السلفِ مَنْ لهُ ثلاثُ مئةٍ وستونَ صديقاً ، ينزلُ على كلٌّ
واحدٍ منهُمْ ليلةٌ، ومَنْ لهُ ثلاثونَ، وكانوا يشتغلونَ بالعبادةِ ؛ لعلمِهِمْ
بأنَّ المتكفِّلِينَ بِهِمْ يتقلّدونَ منَّةً مِنْ قبولِهِمْ لمبرَّاتِهِمْ، فكانَ قبولُهُمْ
حن
٢٤٩
حں
حن

كتاب الكسب والمعاش
ربع العادات
لمبرَّاتِهِمْ خيراً مضافاً لهُمْ إلى عبادتِهِمْ .
فينبغي أنْ يُدفَّقَ النظرُ في هذهِ الأمورِ ؛ فإنَّ أجرَ الآخذِ كأجرِ المعطي
مهما كانَ الآخذُ يستعينُ بهِ على الدينِ ، والمعطي يعطيهِ عنْ طيبةِ قلبٍ ،
ومَنِ اطلعَ على هذهِ المعاني .. أمكنَهُ أنْ يتعرَّفَ حالَ نفسِهِ ويستوضحَ منْ
قلبهِ ما هوَ الأفضلُ لهُ بالإضافةِ إلى حالِهِ ووقتِهِ ، واللهُ أعلمُ .
فهذهِ فضيلةُ الكسبِ ، وليكنِ العقدُ الذي بهِ الاكتسابُ جامعاً لأربعةٍ
أمور : الصحّةُ ، والعدلُ ، والإحسانُ ، والشفقةُ على الدينِ ، ونحنُ نعقدُ
في كلِّ واحدٍ باباً ، ونبتدىءُ بذكرٍ أسبابِ الصَّةِ في البابِ الثاني .
ح
٢٥٠
ن

ربع العادات
كتاب الكسب والمعاش
البَابُ الثَّاني
في علم الكسب بطريق البيع والتربا والتّم والإجادة والقراض والشركة
وبيان شروط الشّرع في صحة هذه التصرفات التي في مدار المكاسب في الشّرع
اعلمْ : أنَّ تحصيلَ علمِ هذا البابِ واجبٌ على كلِّ مسلمٍ مكتسبٍ ؛
لأنَّ طلبَ العلم فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ ، وإنَّما هوَ طلبُ العلمِ المحتاجِ
إليهِ ، والمكتسِبُ يحتاجُ إلى علمِ الكسبِ .
ومهما حصَّلَ علمَ هذا البابِ .. وقفَ على مفسداتِ المعاملةِ،
فيتقيها ، وما شذَّ عنهُ مِنَ الفروع المشكلةِ فيقعُ على سببِ إشكالِها ،
فيتوقفُ فيها إلى أنْ يسألَ ؛ فإنَّهُ إذا لمْ يعلمْ أسبابَ الفسادِ بعلمٍ جُمليٍّ ..
فلا يدري متى يجبُ عليهِ التوقُّفُ والسؤالُ .
ولوْ قالَ : لا أقدِّمُ العلمَ ، ولكنِّي أصبرُ إلى أنْ تقعَ ليَ الواقعةُ ،
فعندَها أتعلَّمُ وأستفتي .. فيقالُ لهُ: وبمَ تعلمُ وقوعَ الواقعةِ مهما لمْ تعلَمْ
جملَ مفسداتِ العقودِ ؟ فإنَّهُ يستمُّ في التصرُّفاتِ ويظنُّها صحيحةً
مباحةً ، فلا بدَّ لهُ مِنْ هذا القدْرِ مِنْ علمٍ التجارةِ ؛ ليتميَّزَ لهُ المباحُ عنٍ
المحظورِ ، وموضعُ الإشكالِ عنْ موضعِ الوضوحِ .
ولذلكَ رُوِيَ عنْ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ يطوفُ في السوقِ
٢٥١

كتاب الكسب والمعاش
ـان
ربع العادات
ويضربُ بعضَ التجارِ بالدِّرةِ ويقولُ : ( لا يبعْ في سوقِنا إلا مَنْ تفقَّهَ ،
وإلا .. أكلَ الربا شاءَ أمْ أبى)(١).
وعلمُ العقودِ كثيرٌ ، ولكنَّ هذهِ العقودَ السََّ لا تنفكُّ المكاسبُ عنها ،
وهيَ : البيعُ، والربا، والسَّلَمُ، والإجارةُ، والشِّرْكَةُ، والقراضُ .
فلنشرحْ شروطَها .
/٠٢
حن فق
(١) رواه الترمذي (٤٨٧) دون زيادة: (وإلا .. أكل الربا ... )، وهي في ((القوت))
( ٢٦٢/٢) .
من حن حة
٢٥٢
حن حن ئن من حن حن كن

ربع العادات
کتاب الکسب والمعاش
العقد الأوّل: البيع
وقدْ أحلَّهُ اللهُ تعالى ، ولهُ ثلاثةُ أركانِ : العاقدُ ، والمعقودُ عليهِ ،
واللفظُ .
٠٠ســ
جيم
الركنُ الأوّلُ : العاقدُ :
ينبغي للتاجرِ ألاَّ يعاملَ بالبيع أربعةً : الصبيُّ، والمجنونُ ، والعبدُ ،
والأعمى ؛ لأنَّ الصبيَّ غيرُ مكلَّفٍ ، وكذا المجنونُ، وبيعُهُما باطلٌ ، فلا
يصحُّ بيع الصبيِّ وإنْ أذنَ لهُ فيهِ الوليُّ عندَ الشافعيِّ رضيَ اللهُ عنهُ، وما أُخِذَ
منهما مضمونٌ عليهِ لهما ، وما سلَّمَهُ في المعاملةِ إليهما ، فضاعَ في
أيديهما .. فهوَ المضيِّعُ لهُ .
اكسسـ
عامے
وأمَّا العبدُ العاقلُ .. فلا يصحُّ بيعُهُ وشراؤُهُ إلا بإِذْنِ سَيِّدِهِ ، فعلى البقَّالِ
والخبَّازِ والقصَّابِ وغيرِهِمْ ألَّ يعاملوا العبيدَ ما لمْ يأذن لهمُّ السادةُ في
معاملتِهِمْ ، وذلكَ بأنْ يسمعَهُ صريحاً ، أوْ ينتشرَ في البلدِ أنَّهُ مأذونٌ لهُ في
الشراءِ لسيِّدِهِ والبيع لهُ، فيعوَّلُ على الاستفاضةِ ، أوْ على قولِ عدلٍ يخبرُهُ
بذلكَ، فإنْ عاملَهُ بغيرِ إذْنِ السيِّدِ . . فعقدُهُ باطلٌ ، وما أخذَهُ منهُ مضمونٌ
عليهِ لسيِّدِهِ ، وما سلَّمَهُ إنْ ضاعَ في يدِ العبدِ .. لا يتعلَّقُ برقبتِهِ ولا يضمنُهُ
سيِّدُهُ، بلْ ليسَ لهُ إلا المطالبةُ بِهِ إذا عتقَ .
حن حن حن عن
حن
٢٥٣
۔

كتاب الكب والمعاش
ربع العادات
وأمَّا الأعمى .. فإنَّهُ يبيعُ ويشتري ما لا يرى ، فلا يصحُّ ذلكَ ، فليأمرْهُ
بأنْ يوكِّلَ وكيلاً بصيراً ليشتريَ لهُ أَوْ يبيعَ ، فيصحُّ توكيلُهُ، ويصحُّ بِيعُ
وكيلِهِ ، فإنْ عاملَهُ بنفسِهِ .. فالمعاملةُ فاسدةٌ ، وما أخذَهُ منهُ مضمونٌ عليهِ
بقيمتِهِ ، وما سلَّمَهُ إليهِ أيضاً مضمونٌ لهُ بقيمتِهِ .
وأمَّا الكافرُ .. فتجوزُ معاملتُهُ، لكنْ لا يُباعُ منهُ المصحفُ ولا العبدُ
المسلمُ ، ولا يُباعُ منهُ السلاحُ إنْ كانَ مِنْ أهلِ الحربِ ، فإنْ فعلَ .. فهيَ
معاملاتٌ مردودةٌ ، وهوَ عاصٍ بها ربَّهُ .
وأمَّا الجنديةُ مِنَ الأتراكِ، والتُّرْكمانيَّةُ، والعربُ، والأكرادُ (١)،
والسُّرَّاقُ، والخونةُ، وأكلةُ الربا ، والظلمةُ، وكلُّ مَنْ أكثرُ مالِهِ حرامٌ ..
فلا ينبغي أنْ يتملَّكَ ممَّا في أيديهِمْ شيئاً ؛ لأجلِ أنَّها حرامٌ ، إلا إذا عُرِفَ
شيءٌ بعينِهِ أنَّهُ حلالٌ ، وسيأتي تفصيلُ ذلكَ في كتابِ الحلالِ والحرام إنْ
شاءَ اللهُ تعالى .
٩٠
الركنُ الثاني : في المعقودِ عليهِ :
وهوَ المالُ المقصودُ نقلُهُ مِنْ أحدِ العاقدينِ إلى الآخرِ ، ثمناً كانَ أوْ
مثمناً ، فيُعتبرُ فيهِ ستَّةُ شروطٍ :
الأوَّلُ : ألَّ يكون نجساً في عينِهِ : فلا يصحُّ بيعُ كلبٍ وخنزيرٍ ، ولا بيعُ
(١) والمراد : الشذاذ وأهل الجهالة من هذه الأجيال .
٢٥٤
دن

ربع العادات
كتاب الكسب والمعاش
زِيْلٍ وعَذِرَةٍ ، ولا بيعُ العاج والأواني المتخذةِ منهُ ؛ فإنَّ العظْمَ ينجسُ
بالموتِ ، ولا يطهرُ الفيلُ بالذبح ، ولا يطهرُ عظمُهُ بالتنقيةِ ، ولا يجوزُ بيعُ
الخمرِ ، ولا بيعُ الوَدَكِ النجسِ المستخرجِ منَ الحيواناتِ التي لا تؤكلُ وإِنْ
كانَ يصلحُ للاستصباحِ أَوْ طلاءِ السفنِ .
ولا بأسَ ببيع الدهنِ الطاهرِ في عينِهِ الذي نجسَ بوقوع نجاسةٍ أَوْ موتٍ
فأرةٍ فيهِ ؛ فإنَّهُ يجوزُ الانتفاعُ بهِ في غيرِ الأكلِ وهو في عينِهِ ليسَ بنجسٍ .
مدن
حن
وكذلكَ لا أرى بأساً ببيع بزرِ القزِّ ؛ فإنَّهُ أصلُ حيوانٍ يُنتفعُ بهِ ، وتشبيهُهُ
بالبيض - وهوَ أصلُ حيوانٍ - أولى مِنْ تشبيهِهِ بالروثِ .
بان
ويجوزُ بيعُ فارةِ المسْكِ ، ويُقضى بطهارتِها إذا انفصلَتْ مِنَ الظبيةِ في
حالةِ الحياةِ .
الثاني : أنْ يكونَ منتفعاً بهِ : فلا يجوزُ بيعُ الحشراتِ ، ولا الفأرةِ ،
ولا الحيّةِ ، ولا التفاتَ إلى انتفاع المشعوذِ بالحيَّةِ ، وكذلكَ لا إلتفاتَ إلى
انتفاع أربابِ الحلقِ بإخراجِها مِنَ السَّةِ وعرضِها على الناسِ .
ويجوزُ بيعُ الهرَّةِ والنخْلِ ، وبيعُ الفهدِ والأسدِ ، وما يصلحُ لصيدٍ ، أوْ
ينتفعُ بجلدِهِ ، ويجوزُ بيعُ الفيلِ لأجلِ الحملِ، ويجوزُ بيعُ الطوطيّ(١) وهيَ
البَّغَاءُ ، والطاووسِ ، والطيورِ المليحةِ الصورِ وإنْ كانتْ لا تؤكلُ ؛ فإنَّ
التفرُّجَ بأصواتِها والنظرِ إليها غرضٌ مقصودٌ مباحٌ ، وإنَّما الكلبُ هوَ الذي
قتّ
(١) وهي لفظة فارسية في الأصل ، معناها ما ذكره المصنف .
هوت
فى منـ
٢٥٥

كتاب الكسب والمعاش
.07:
ربع العادات
لا يجوزُ أنْ يقتنى إعجاباً بصورتِهِ ؛ لنهي رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
عنهُ(١).
ولا يجوزُ بيعُ العُودِ والصَّنْجِ(٢) والمزاميرِ والملاهي؛ فإنَّهُ لا منفعةً لها
شرعاً ، وكذا بيعُ الصورِ المصنوعةِ مِنَ الطينِ كالحيواناتِ التي تُباعُ في
الأعيادِ للعبِ الصبيانِ ، فإنَّ كسرَها واجبٌ شرعاً .
وصورُ الأشجارِ يُتسامحُ بها .
وأمَّا الثيابُ والأطباقُ وعليها صورُ الحيواناتِ .. فيصحُّ بيعُها ، وكذا
الستورُ ، وقدْ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لعائشةَ رضيَ اللهُ عنها :
(( اتخذي منها نمارقَ))(٣)، ولا يجوزُ استعمالُها منصوبةً، ويجوزُ
موضوعةٌ، وإذا جازَ الانتفاعُ مِنْ وجهٍ .. صحَّ البيعُ لذلكَ الوجهِ .
الثالثُ : أنْ يكونَ المتصرَّفُ فيهِ مملوكاً للعاقدِ أوْ مأذوناً مِنْ جهةٍ
المالكِ : فلا يجوزُ أنْ يشتريَ مِنْ غيرِ المالكِ انتظاراً لإذنِ المالكِ ، بلْ لَوْ
رضيَ بعدَ ذلكَ .. وجبّ استئنافُ العقدِ .
(١) روى البخاري (٥٤٨٠)، ومسلم (١٥٧٤) مرفوعاً: (( من اقتنى كلباً ليس بكلب
ماشية أو ضاريةٍ .. نقص كل يوم من عمله قيراطان)).
حن
(٢) الصَّنْج عند العرب: ما يتخذ مدوراً من نحاس ونحوه يضرب أحدهما بالآخر ، ويجعل
كذلك في أطراف الدفوف ، ولكنه في الفارسية : آلة وترية ، وهي آلة الرباب ، وسيأتي
كلام لسماع الآلات في كتاب السماع .
(٣) رواه البخاري (٥٩٥٤)، ومسلم ( ٢١٠٧)، حيث قالت: ( فأخَّرته فجعلته
وسائد ) ، والنُمْرُقة : الوسادة .
حن
جن جن خن من
٢٥٦

ربع العادات
كتاب الكسب والمعاش
ولا ينبغي أنْ يشتريَ مِنَ الزوجةِ مالَ الزوجِ ، ولا مِنَ الزوجِ مالَ
الزوجةِ، ولاَ منَ الوالِدِ مالَ الولدِ ، ولا مِنَ الولدِ مالَ الوالدِ اعتماداً على أنَّهُ
لوْ عرفَ .. لرضيَ بهِ ؛ فإنَّهُ إذا لمْ يكنِ الرضا متقدماً .. لمْ يصحَّ البيعُ،
وأمثالُ ذلكَ ممَّا يكثرُ في الأسواقِ ، فواجبٌّ على العبدِ المتديِّنِ أنْ يحترزَ
.
منه
الرابعُ : أنْ يكونَ المعقودُ عليهِ مقدوراً على تسليمِهِ شرعاً وحسّاً : فما
لا يقدرُ على تسليمِهِ حسّاً .. لا يصحُّ بيعُهُ ؛ كالآبقِ ، والسمكِ في الماءِ ،
والجنينِ في البطنِ ، وعسْبِ الفحلِ ، وكذلكَ بيعُ الصوفِ على ظهرِ الحيوانِ
واللبنِ في الضرع لا يجوزُ ؛ فإنَّهُ يتعذَّرُ تسليمُهُ ؛ لاختلاطِ غيرِ المبيعِ
بالمبيعِ .
والمعجوزُ عنْ تسليمِهِ شرعاً كالمرهونِ والموقوفِ والمستولدةِ .. فلا
يصحُّ بيعُها أيضاً ، وكذا بيعُ الأَمِّ دونَ الولدِ إذا كان الولدُ صغيراً ، وكذا بيعُ
الولدِ دونَ الأَمِّ ؛ لأنَّ تسليمَهُ تفريقٌ بينَهُما ، وهوَ حرامٌ ، فلا يصحُّ التفريقُ
بِينَهُما بالبيعِ .
الخامسُ : أنْ يكونَ المبيعُ معلومَ العينِ والقذْرِ والوصفِ : أمَّا العلمُ
بالعينِ : فبأنْ يشيرَ إليهِ بعينِهِ ، فلو قالَ : بعتُكَ شاةً مِنْ هذا القطيع أيَّ شاةٍ
أردتَ ، أَوْ ثوباً مِنْ هذهِ الثيابِ التي بينَ يديكَ ، أَوْ ذراعاً مِنْ هذا الكرباسِ
وخذْهُ مِنْ أيِّ جانبٍ شئتَ ، أوْ عشرةَ أذرع مِنْ هذهِ الأرضِ وخذْهُ مِنْ أيٍّ
46
٢٥٧
ت
ـحن

كتاب الكسب والمعاش
ربع العادات
حر
طرفٍ شئتَ .. فالبيعُ باطلٌ ، وكلُّ ذلكَ ممَّا يعتادُهُ المتساهلونَ في الدينِ إلا
أنْ يبيعَ شائعاً ؛ مثلَ أنْ يبيعَ نصفَ الشيءٍ أوْ عشرَهُ ، فإنَّ ذلكَ جائزٌ .
ے
وأمَّا العلمُ بالقدرِ : فإنَّما يحصلُ بالكيلِ أوِ الوزنِ أوِ النظرِ إليهِ ، فلوْ
قالَ : بعتُكَ هذا الثوبَ بما باعَ بهِ فلانٌ ثوبَهُ وهما لا يدريانِ ذلكَ .. فهوَ
باطلٌ ، ولوْ قالَ : بعتُك بزنةِ هذهِ الصنجةِ .. فهوَ باطلٌ إذا لمْ تكنِ الصنجةُ
معلومةً ، ولوْ قالَ : بعتُكَ هذه الصُّبْرةَ مِنَ الحنطةِ .. فهو باطلٌ ، أوْ قالَ :
بعتُكَ بهذهِ الصُّبْرَةِ مِنَ الدراهمِ أوْ بهذِهِ القطعةِ مِنَ الذهبِ وهوَ يراها ..
صحَّ البيعُ وكانَ تخمينُهُ بالنظرِ كافياً في معرفةِ المقدارِ .
وأمَّا العلمُ بالوصفِ : فيحصلُ بالرؤيةِ في الأعيانِ ، فلا يصحُّ بيعُ
الغائبِ إلا إذا سبقَتْ رؤيتُهُ منذُ مدَّةٍ لا يغلبُ التغيرُ فيها ، والوصفُ لا يقومُ
مقامَ العيانِ ، هذا أسدُّ المذهبينِ .
ولا يجوزُ بيعُ التَّوَّزِيِّ في المُسُوحِ(١) اعتماداً على الرقومِ ، ولا بيعُ
الحنطةِ في سنبلِها ، ويجوزُ بيعُ الأرزِّ في قشرتِهِ التي يُدَّخرُ فيها ، وكذا بيعُ
الجوزِ واللوزِ في القشرةِ السفلى ولا يجوزُ في القشرتينِ ، ويجوزُ بِيعُ الباقلاءِ
الرطبِ في قشرِهِ للحاجةِ ، ويُتسامحُ ببيعِ الفُقَّاعِ(٢)؛ لجريانِ عادةِ الأوَّلينَ
خن حن حن حن حن +خ
(١) المسوح : جمع مسح ، كساء أسود من صوف ، والتَّوَّزية منها : ما نسب إلى توَّز ، بلدة
بفارس اشتهرت بصناعة الثياب الجيدة .
(٢) الفقَّاع : شراب يتخذ من الشعير ، سمي بذلك للزبد الذي يعلوه ، ونعته الزبيدي في
(( إتحافه)»: بشراب الزبيب .
٢٥٨
مدن

ربع العادات
9 0 حمدي
كتاب الكب والمعاش
بهِ(١) ، ولكنْ نجعلُهُ إباحةً بعوضٍ، فلوِ اشتراهُ ليبيعَهُ .. فالقياسُ بطلانُهُ ؛
لأَنَّهُ ليسَ مستتراً خلقةً ، ولا يبعدُ أنْ يُتسامحَ بهِ ؛ إذْ في إخراجِهِ إفسادُهُ ،
كالرمانِ وما يستترُ خلقةً .
السادسُ : أنْ يكونَ المبيعُ مقبوضاً إنْ كانَ قدِ استفادَ ملكَهُ بمعاوضةٍ :
وهذا شرطٌ خاصٌّ، فقدْ نهى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عن بيعِ ما لمْ
يُقبضْ(٢) ، ويستوي فيهِ العقارُ والمنقولُ، فكلُّ ما اشتراهُ أوْ باعَهُ قبلَ
القبضِ .. فبيعُهُ باطلٌ ، وقبضُ المنقولِ بالنقلِ ، وقبضُ العقارِ بالتخليةِ ،
وقبضُ ما ابتاعَهُ بشرطِ الكيلِ لا يتمُّ إلا بأنْ يكتالَهُ.
حن عن حق
وأمَّا بيعُ الميراثِ والوصيةِ والوديعةِ وما لمْ يكنِ الملكُ حاصلاً فيهِ
بمعاوضةٍ .. فهوَ جائزٌ قبلَ القبضِ .
الركنُ الثالثُ : لفظُ العقدِ :
فلا بدَّ مِن جريانِ إيجابٍ وقبولٍ متَّصلٍ بهِ ، بلفظٍ دالٌّ على المقصودِ
مفهمٍ ، إمَّا صريح أوْ كنايةٍ ، فلوْ قالَ : ( أعطيتُكَ هذا بذاكَ ) بدلَ قولِهِ :
( بعتُكَ ) فقالَ : ( قبلْتُ ) .. جازَ مهما قصدَ بهِ البيعَ؛ فإنَّهُ قدْ يحتملُ
الإعارةَ إذا كانَ في ثوبينٍ أوْ دابتَينِ ، والنيةُ تدفعُ الاحتمالَ ، والصريحُ أقطعُ
(١) أي: ببيعه من غير رؤية جميعه. ((إتحاف)) (٤٣٨/٥).
(٢) رواه البخاري ( ٢١٣٢)، ومسلم ( ١٥٢٥).
٢٥٩
.حن

كتاب الكسب والمعاش
ربع العادات
للخصومةِ ، ولكنَّ الكنايةَ تفيدُ الملكَ والحلَّ أيضاً فيما يختارُهُ .
ولا ينبغي أنْ يقرنَ بالبيعِ شرطاً على خلافِ مقتضى العقدِ ، فلوْ شرطَ أنْ
يزيدَهُ شيئاً آخرَ ، أَوْ أنْ يحملَ المبيعَ إلى دارِهِ ، أوِ اشترى الحطبَ بشرطِ
النقلِ إلى بيتِهِ .. فكلُّ ذلكَ فاسدٌ ، إلا إذا أفردَ استئجارَهُ على النقلِ بأجرةٍ
معلومةٍ منفردةٍ عنِ الشراءِ للمنقولِ .
ومهما لمْ يجرِ بينَهُما إلا المعاطاةُ بالفعلِ دونَ التلفظِ باللسانِ .. لمْ
ينعقدْ بيعٌ عندَ الشافعيِّ أصلاً، وانعقدَ عندَ أبي حنيفةَ إنْ كانَ في
المحقَّراتِ ، ثمَّ ضبطُ المحقَّراتِ عسيرٌ، فإنْ ردَّ الأمرَ إلى العاداتِ .. فقدْ
جاوزَ الناسُ المحقَّراتِ في المعاطاةِ ، إذْ يتقدَّمُ الدلاَّلُ إلى البزَّازِ يأخذُ منهُ
ثوبَ ديباجٍ قيمتُهُ عشرةُ دنانيرَ مثلاً، ويحملُهُ إلى المشتري ، ويعودُ إليهِ بأنَّهُ
ارتضاهُ ، فيقولُ لهُ: خذْ عشرةٌ ، فيأخذُ مِنْ صاحبهِ العشرةَ ويحملُها
ويسلِّمُها إلى البزَّازِ ، فيأخذُها ويتصرَّفُ فيها ، ومشتري الثوبِ يقطعُهُ ولمْ
يجرِ بينَهُما إيجابٌ وقبولٌ أصلاً !
عن عن حق حن
وكذلكَ يجتمعُ المجهِّزونَ على حانوتِ البَّاعِ ، فيعرضُ متاعاً قيمتُهُ مثلاً
مئةُ دينارٍ فيمَنْ يزيدُ، فيقولُ هذا: عليَّ بتسعينَ ، ويقولُ الآخرُ : عليَّ
ے
بخمسةٍ وتسعينَ ، ويقولُ الآخرُ : بمئةٍ ، فيقالُ لهُ : زِنْ ، فيزنُ ويسلِّمُ
ويأخذُ المتاعَ مِنْ غيرِ إيجابٍ وقبولٍ ، وقدِ استمرّتْ بهِ العاداتُ !
٢٠
مدن
وهذهِ مِنَ المعضلاتِ التي ليستْ تقبلُ العلاجَ ؛ إذِ الاحتمالاتُ ثلاثةٌ :
قت
٢٦٠
دن
ـحن