Indexed OCR Text

Pages 161-180

ربع العادات
40.
كتاب آداب النكاح
وما نقلناهُ مِنَ الحثِّ على الدينِ، وأنَّ المرأةَ لا تُنْكحُ لجمالِها .. ليسَ
زجراً عنْ رعايةِ الجمالِ ، بلْ هوَ زجرٌ عنِ النكاحِ لأجلِ الجمالِ المحضٍ معَ
الفسادِ في الدينِ ، فإنَّ الجمالَ وحدَهُ في غالبِ الأمرِ يُرغَبُ في النكاحِ ،
ويُهوَّنُ أمرَ الدينِ ، ويدلُّ على الالتفاتِ إلى معنى الجمالِ أنَّ الأُلفةَ والمودَّةَ
تحصلُ بهِ غالباً ، وقدْ ندبَ الشرعُ إلى مراعاةِ أسبابِ الأُلفةِ ، ولذلكَ
استحبَّ النظرَ فقالَ: ((إِذا أوقعَ اللهُ في نفسِ أحدِكُمْ مِنِ امرأةٍ شيئاً . . فلينظرْ
إليها ؛ فإنَّهُ أحرى أنْ يُؤْدَمَ بينَهُما )) (١) ؛ أَيْ: يؤلَّفَ بينَهُما ؛ مِنْ وقوع
الأدَمَةِ على الأدَمَةِ ، وهيَ الجلدةُ الباطنةُ، والبشرةُ : الجلدةُ الظاهرةُ ،
وإنما ذكرَ ذلكَ للمبالغةِ في الائتلافِ .
؟
2
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : ((إنَّ في أعينِ الأنصارِ شيئاً ، فإذا أرادَ
أحدُكُمْ أنْ يتزوَّجَ منهنَّ .. فلينظرْ إليهِنَّ)) (٢)، قيلَ: كانَ في أعينِهِنَّ
عَمَشٌ ، وقيلَ : صغرٌ .
(١) كذا في ((القوت)) (٢٥٠/٢) في رواية له، وقد رواه الطبراني في (( الأوسط))
(٣٤٦٩)، و((مسند الشاميين)) (٩٠٥) عن المطعم بن المقدام قال: رأيت
محمد بن مسلمة واقفاً على ظهر إجَّارٍ - وهو السطح - ينظر إلى أخت الضحاك بن قيس ،
فقلت : تفعل هذا وأنت صاحب رسول الله ؟! فقال : إني سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول : ((إذا أوقع الله في قلب امرىءٍ خطبة امرأة .. فلا بأس أن يتأمل
خَلْقها )).
وروى الترمذي ( ١٠٨٧)، والنسائي (٦٩/٦)، وابن ماجه (١٨٦٥) في حديث
المغيرة بن شعبة : (( فانظر إليها؛ فإنه أحرى أن يؤدم بينكما)).
(٢) رواه مسلم ( ١٤٢٤) .
١٦١
حن حن ون
ن

كتاب آداب النكاح
ربع العادات
وكانَ بعضُ الورعينَ لا يُنكحونَ كرائمَهُمْ إلا بعدَ النظرِ ؛ احترازاً مِنَ
الغرورِ .
وقالَ الأعمشُ : ( كلُّ تزويج يقعُ على غيرِ نظرٍ .. فآخرُهُ همٍّ وغمٌّ)(١).
ومعلومٌ أنَّ النظرَ لا يعرفُ الخُلُقَ والدينَ والمالَ، وإنَّما يعرفُ الجمالَ
والقبحَ .
نعـ
ورُوِيَ أنَّ رجلاً تزوَّجَ على عهدٍ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ وكانَ قدْ خضبَ ،
فنصلَ خضابُهُ ، فاستعدى عليهِ أهلُ المرأةِ إلى عمرَ وقالوا : حسبناهُ شابّاً ،
فأوجعَهُ عمرُ ضرباً وقالَ : غررتَ القومَ(٢).
ورُوِيَ أَنَّ بلالاً وصهيباً أتيا أهلَ بيتٍ مِنَ العربِ ، فخطبا إليهِمْ ، فقيلَ
لهما : مَنْ أنتُما؟ فقالَ بلالٌ: أنا بلالٌ ، وهذا أخي صهيبٌ ، كنَّا ضالينٍ
فهدانا اللهُ، وكنّا مملوكينِ فأعتقَنا اللهُ، وكنَّا عائلين فأغنانا اللهُ، فإنْ
تزوِّجونا .. فالحمدُ للهِ، وإنْ تردُّونا .. فسبحانَ اللهِ، فقالوا : بل تُزُوَّجانٍ
والحمدُ للهِ ، فقالَ صهيبٌ لبلالٍ : لوْ ذكرتَ مشاهدَنا وسوابقَنا معَ رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ! فقالَ : اسكتْ، فقدْ صدقتُ فأنكحَكَ الصدقُ (٣).
حن خن
والغرورُ يقعُ في الجمالِ والخُلُقِ جميعاً ، فيُستحبُّ إزالةُ الغرورِ في
(١) قوت القلوب (٢٥٠/٢) .
(٢) قوت القلوب (٢٤٨/٢) .
(٣) بنحوه رواه ابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٤٥٨/٢).
١٦٢

ربع العادات
كتاب آداب النكاح
الجمالِ بالنظرِ ، وفي الخُلُقِ بالوصفِ والاستيصافِ ، فينبغي أنْ يقدِّمَ ذلكَ
على النكاحِ ، ولا يستوصفُ في أخلاقِها وجمالِها إلا مَنْ هوَ بصيرٌ صادقٌ ،
خبيرٌ بالظاهرِ والباطنِ ، ولا يميلُ إليها فيفرطَ في الثناءِ ، ولا يحسدُها
فيقصِّرَ ؛ فالطباعُ مائلةٌ في مبادي النكاحِ ووصف المنكوحاتِ إلى الإفراطِ
والتفريطِ ، وقَلَّ مَنْ يصدقُ فيهِ ويقتصدُ ، بلِ الخداعُ والإغراءُ أغلبُ ،
والاحتياطُ فيهِ مهمٌّ لمَنْ يخشى على نفسِهِ التشوُّفَ إلى غيرِ زوجتِهِ .
٢٠
فأمَّا مَنْ أرادَ مِنَ الزوجيّةِ مجرَّدَ السنَّةِ ، أوِ الولدِ ، أَوْ تدبيرِ المنزلِ ..
فلو رغبَ عنِ الجمالِ فهوَ إلى الزهدِ أقربُ ؛ لأنَّهُ على الجملةِ بابٌ مِنَ الدنيا
وإنْ كانَ قدْ يعينُ على الدينِ في حقِّ بعضِ الأشخاصِ .
قالَ أبو سليمانَ الدارانيُّ : ( الزهدُ في كلِّ شيءٍ حتَّى في المرأةِ ، يتزوَّجُ
الرجلُ العجوزَ ؛ إيثاراً للزهدِ في الدنيا )(١) .
وقدْ كانَ مالكُ بنُ دينارِ رحمَهُ اللهُ يقولُ : ( يتركُ أحدُكُمْ أنْ يتزوَّجَ يتيمةً
فقيرةً فيؤجرَ فيها ؛ إنْ أطعمَها وكساها .. تكونُ خفيفةَ المؤنةِ ، ترضى
باليسيرِ ، ويتزوَّجُ بنتَ فلانٍ وفلانٍ - يعني : أبناءَ الدنيا - فتشتهي عليهِ
الشهواتِ ، وتقولُ : اكسُني كذا وكذا !! )(٢).
واختارَ أحمدُ ابنُ حنبلِ عوراءَ على أختِها ، وكانتْ أختُها جميلةٌ ،
(١) قوت القلوب (٢٤٩/٢).
(٢) قوت القلوب (٢٥٠/٢)، وبنحوه رواه أحمد في ((الزهد)) (١٨٧٥).
١٦٣
ان
تن

كتاب آداب النكاح
ربع العادات
فسألَ: مَنْ أعقلُهُما؟ فقيلَ: العوراءُ، فقالَ: زوِّجوني إِيَّاها(١). فهذا
دأبُ مَنْ لمْ يقصدِ التمتُّعَ .
فأمَّا مَنْ لا يأمنُ على دينِهِ ما لمْ يكنْ لهُ مستمتعٌ . . فليطلبِ الجمالَ ،
فالتلذَّذُ بالمباح حصنٌ للدينِ ، وقدْ قيلَ : إذا كانتِ المرأةُ حسناءَ ، خيرةً
الأخلاقِ ، سوداءَ الحدقةِ والشعرِ ، كبيرةَ العينِ ، بيضاءَ اللونِ ، محبَّةً
لزوجها ، قاصرةَ الطرفِ عليهِ .. فهيَ على صورةِ الحورِ العينِ ؛ فإنَّ اللهَ
تعالى وصفَ نساءَ أهلِ الجنةِ بهذهِ الصفةِ في قولِهِ: ﴿ خَيْرَتُّ حِسَانٌ﴾ أرادَ
بالخيراتِ : حسناتِ الأخلاقِ ، وفي قولهِ : ﴿قَصِرَّتُ الطَّرْفِ﴾، وفي
قولِهِ: ﴿عُرْبًا أَتْرَابًا﴾ فالعروبُ: هيَ العاشقةُ لزوجِها المشتهيةُ للوقاع ، وبهِ
تتمُّ اللذةُ، والحورُ: البيضُ، والحوراءُ : شديدةُ بياضِ العينِ شديدةٌ
مُ
سوادِها في سوادِ الشعرِ ، والعيناءُ : الواسعةُ العينِ(٢).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( خيرُ نسائِكُمُ التي إذا نظرَ إليها زوجُها ..
سرَّتْهُ، وإذا أمرَها .. أطاعتْهُ، وإذا غابَ عنها .. حفظتْهُ في نفسِها
ومالِهِ))(٣)، وإنَّما يسرُّ بالنظرِ إليها إذا كانتْ محبَّةً للزوجِ .
حن حج حن حن
(١) كذا في ((القوت)) (٢٥٠/٢)، وقد روى الخبر ابن الجوزي في ((مناقب أحمد)»
(ص٣٧٤)، وكانت هذه المرأة التي تزوجها - وهي ريحانة أم عبد الله - بعين واحدة،
وروى بعده خبراً فيه : ( مكثنا عشرين سنة ما اختلفنا في كلمة ) .
(٢) قوت القلوب (٢٤٤/٢) .
(٣) رواه أبو داوود (١٦٦٤)، والنسائي (٦٨/٦)، وابن ماجه (١٨٥٧) بنحوه .
ق
١٦٤
ـحن
بون

ربع العادات
كتاب آداب النكاح
الرابعةُ : أنْ تكونَ خفيفةَ المهرِ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((خيرُ النساءِ أحسنُهُنَّ وجوهاً وأرخصُهُنَّ مهوراً))(١) .
تن.
وقد نُهِيَ عنِ المغالاةِ في المهرِ (٢)، تزوَّجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
بعضَ نسائِهِ على عشرةِ دراهمَ وأثاثٍ بيتٍ ، وكانَ رحى يدٍ وجرَّةٌ ووسادةٌ
مِنْ أَدَم حشوُها ليفٌ(٣)، وأولمَ على بعض نسائِهِ بمُدَّينِ مِنْ شعيرٍ (٤)،
(١) رواه ابن عدي في ((الكامل)) (٣٦٤/٢)، والشهاب في ((مسنده)) (١١٤٦) بلفظ :
((خير نساء أمتي أصبحهن وجوهاً وأقلهن مهوراً))، وروى النسائي في (( الكبرى))
(٩٢٢٩) من حديث عائشة رضي الله عنها: ((أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة))،
ولأحمد في ((المسند)) (٧٧/٦): (( من يُمْن المرأة تيسير خطبتها ، وتيسير صداقها ،
وتيسير رحمها )) أي : الولادة .
(٢) روى أبو داوود (٢١٠٦)، والترمذي (١١١٤)، وابن ماجه (١٨٨٧) عن عمر
رضي الله عنه قال : ( لا تغالوا صدقة النساء ؛ فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى
عند الله .. لكان أولاكم بها نبي الله صلى الله عليه وسلم ، ما علمت رسول الله صلى الله
عليه وسلم نكح شيئاً من نسائه ، ولا أنكح شيئاً من بناته على أكثر من ثنتي عشرة
أوقية ) .
(٣) كذا في ((القوت)) (٢٥٠/٢)، وروى الطيالسي في ((مسنده)) (٢٠٢٢)، والطبراني
في ((الأوسط)) (٤٦٧) واللفظ له ، عن أبي سعيد الخدري: ( أن النبي صلى الله عليه
وسلم تزوج أم سلمة على متاع بيت قيمته عشرة دراهم )، وروى أحمد في (( المسند))
(٣١٣/٦) قوله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة: (( أما إني لا أنقصك شيئاً مما أعطيت
أختك فلانة ؛ رحيين، وجرتين ، ووسادة من أدم حشوها ليف ))، وفيه أنه صلى الله
عليه وسلم تزوج أم سلمة وإحدى نسائه على ذلك .
(٤) رواه البخاري ( ٥١٧٢)، قال الحافظ ابن حجر : ( أقرب ما يفسر به أم سلمة ) .
((فتح الباري)) (٢٣٩/٩) .
١٦٥
حن

كتاب آداب النكاح
ربع العادات
وعلى أخرى بمُدَّينِ مِنْ تمرٍ ومُدَّينِ مِنْ سويقٍ(١).
وكانَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ ينهى عنِ المغالاةِ ويقولُ : ( ما تزوَّجَ رسولُ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ولا زوَّجَ بناتِهِ بأكثرَ مِنْ أربع مئةِ درهم ، ولوْ كانتٍ
المغالاةُ بمهور النساءِ مكرمةً .. لسبقَ إليها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ )(٢) .
وقدْ تزوَّجَ بعضُ أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على نواةٍ مِنْ
ذهبٍ ، يُقالُ : قيمتُها خمسةُ دراهم(٣) .
وزوَّجَ سعيدُ بنُ المسيَّبِ ابنتَهُ مِنْ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُما على
درهمينِ ، ثمَّ حملَها هوَ إليهِ ليلاً، فأدخلَها هوَ مِنَ البابِ، ثمَّ انصرفَ ، ثمَّ
جاءَها بعدَ سبعة أيامٍ يسلِّمُ عليها(٤)
(١) رواه أبو داوود (٣٧٤٤)، والترمذي (١٠٩٥)، والنسائي في ((الكبرى))
(٦٥٦٦)، وابن ماجه ( ١٩٠٩)، وهي السيدة صفية رضي الله عنها ، وليس في
الحديث التقيد بالمدين فيهما .
٤
(٢) تقدم قريباً في النهي عن المغالاة في المهور .
(٣) وهو عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ، رواه البخاري ( ٢٠٤٨)، ومسلم
(١٤٢٧)، وقال له صلى الله عليه وسلم: ((أولم ولو بشاة)) كما سيأتي قريباً.
(٤) حلية الأولياء (٢/ ١٦٧) ، والخبر فيه هو تزويج سعيد ابنته لابن أبي وداعة ، وسعيد
كان صهراً لأبي هريرة رضي الله عنه ، وكان قد خطب ابنةَ سعيد عبدُ الملك لولده
الوليد ، فأبى وزوجها ابن أبي وداعة .
ـن ؟
١٦٦
٥
٨

ربع العادات
كتاب آداب النكاح
ولوْ تزوَّجَ على عشرةِ دراهمَ للخروج عنْ خلافِ العلماءِ .. فلا بأسَ
بهِ (١) .
وفي الخبرِ : (( مِنْ بركةِ المرأةِ سرعةُ تزويجها ، وسرعةُ رحِمِها - أي :
الولادة - ويسْرُ مهرِها))(٢).
3
وقالَ أيضاً عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((أبركُهُنَّ أقلُّهُنَّ مهراً )).
وكما تكرهُ المغالاةُ في المهرِ مِنْ جهةِ المرأةِ فيُكرَهُ السؤالُ عنْ مالِها مِنْ
جهةِ الرجلِ ، فلا ينبغي أنْ ينكحَ طمعاً في المالِ ، قالَ الثوريُّ: ( إذا تزوَّجَ
وقالَ : أيُّ شيءٍ للمرأةِ .. فاعلمْ أنَّهُ لصٌّ)(٣).
وإذا أهدى إليهِمْ شيئاً .. فلا ينبغي أنْ يهديَ ليضطرَّهُمْ إلى المقابلةِ بأكثرَ
منهُ ، وكذلكَ إذا أهدَوا إليهِ ، فنيَّةُ طلبِ الزيادةِ نيَّةٌ فاسدةٌ ، فأمَّا التهادي ..
فمستحبٌّ، وهوَ سببُ المودّةِ ، قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((تهادوا
تحاثُّوا))(٤)، وأمَّا طلبُ الزيادةِ .. فداخلٌ في قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ
تَسْتَكْثِرُ﴾ أيْ: تعطي لتطلبَ أكثرَ، وتحتَ قولِهِ تعالى: ﴿ وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن
رِّبًّا لِّيَرَبُواْ فِىّ أَمْوَلِ النَّاسِ فَلَ يَرْبُواْ عِندَ اللَّهِ﴾، فإنَّ الربا هوَ الزيادةُ، وهذا طلبُ
زت
(١) قوت القلوب (٢٥٠/٢).
(٢) كذا في ((القوت)) (٢٥٠/٢)، ورواه أحمد في ((المسند)) (٧٧/٦).
(٣) قوت القلوب (٢٥٠/٢) .
(٤) رواه البخاري في (( الأدب المفرد)) (٥٩٤).
١٦٧
ER

.-
كتاب آداب النكاح
بہہ
ربع العادات
زيادةٍ على الجملةِ وإنْ لمْ يكنْ في الأموالِ الربويَّةِ ، فكلُّ ذلكَ مكروهٌ وبدعةٌ
في النكاح ، يشبهُ التجارةَ والقمارَ ، ويفسدُ مقاصدَ النكاحِ .
الخامسةُ : أنْ تكونَ المرأةُ ولوداً: فإنْ عُرفتْ بالعُقْرِ .. فليمتنعْ مِنْ
تزوُّجها، قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((عليكُمْ بالولودِ الودودِ))(١)، وإنْ لمْ
يكنْ لها زوجٌ ولمْ يعرفْ حالُها .. فيراعي صحَّتَها وشبابَها ؛ فإنَّها تكونُ
ولوداً في الغالبِ معَ هذينِ الوصفينِ .
السادسةُ : أنْ تكونَ بكراً : قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ لجابرٍ وقدْ نكحَ
ثيباً : ((هلأَّ بكراً تلاعبُها وتلاعبُكَ))(٢).
وفي البكارةِ ثلاثُ فوائدَ :
أحدُها : أنْ تحبّ الزوجَ وتألفَهُ، فيؤثِّرُ في معنى الوُدِّ ، وقدْ قالَ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((عليكُمْ بالودودِ ))، والطباعُ مجبولةٌ على الأنسِ
بأوَّلِ مألوفٍ ، وأمَّا التي اختبرتِ الرجالَ ومارستِ الأحوالَ .. فربَّما
لا ترضى بعضَ الأوصافِ التي تخالفُ ما ألفَتْهُ ، فَتَقْلِي الزوجَ .
؟
(١) رواه أبو داوود (٢٠٥٠)، والنسائي (٦٥/٦)، قال الحافظ العراقي في ((طرح
التثريب)) (١١/٧): ( ليس المراد بالولود كثرة الأولاد، وإنما المراد مَن هي في
مظنّة الولادة ، وهي الشابة دون العجوز التي انقطع حبلها ) .
(٢) رواه البخاري (٢٠٩٧)، ومسلم ( ٧١٥ ) .
١٦٨

تعـ
ربع العادات
كتاب آداب النكاح
الثانيةُ: أنَّ ذلكَ أكملُ في موذَّتِهِ لها ؛ فإنَّ الطبعَ ينفرُ عنِ التي مسَّها غيرُ
الزوج نفرةً ما ، وذلكَ يثقلُ على الطبع مهما تذكَّرَهُ ، وبعضُ الطباع في هذا
أشدُّ نفوراً .
ـتن
الثالثةُ : أنَّها لا تحنُّ إلى الزوج الأوَّلِ ، وآكدُ الحبِّ ما يقعُ معَ الحبيبِ
الأوَّلِ غالباً .
السابعةُ : أنْ تكونَ نسيبةً : أعني: أنْ تكونَ مِنْ أَهلِ بيتِ الدينِ والصلاحِ؛
فإنَّها ستربِّي بناتِها وبنيها ، فإذا لمْ تكنْ مؤدبةً .. لمْ تحسنِ التأديبَ والتربيةَ ؛
ولذلكَ قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( إيّاكُمْ وخضراءَ الدِّمَنِ))، فقيلَ :
ما خضراءُ الدمنِ ؟ قالَ: (( المرأةُ الحسناءُ في المنبتِ السوءِ)) (١).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((تخيَّروا لنطفِكُمْ؛ فإنَّ العرْقَ نزَّاعٌ )) (٢)
٠٠جا
.27
(١) رواه الرامهرمزي في ((أمثال الحديث)) (٨٤)، والشهاب في ((مسنده)) ( ٩٥٧)،
والديلمي في (( مسند الفردوس)) ( ١٥٣٧).
(٢) رواه ابن ماجه (١٩٦٨) بلفظ: ((تخيروا لنطفكم، وأنكحوا الأكفاء، وأنكحوا
إليهم))، والجملة الثانية من لفظ المصنف رواها الشهاب في ((مسنده)) ( ٦٣٨)،
والديلمي في (( مسند الفردوس)) (١٧٧٤) ولفظه: (( وانظر في أي نصاب تضع
ولدك؛ فإن العرق دساس))، ومعناه في ((البخاري)) (٥٣٠٥)، ومسلم ( ١٥٠٠ ) :
((لعل ابنك هذا نزعَهُ عرق)»، في الرجل الذي ولدت له امرأته ولداً أسود .
١٦٩
ـن.
دں

كتاب آداب النكاح
ربع العادات
ـدى
الثامنةُ: ألاَّ تكونَ مِنَ القرابةِ القريبةِ: فإنَّ ذلكَ يقلِّلُ الشهوةَ، قالَ
رسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( لا تنكحوا القرابةَ القريبةَ ؛ فإنَّ الولدَ
يُخلقُ ضاوياً))(١) أيْ : نحيفاً، وذلكَ لتأثيرِهِ في تضعيفِ الشهوةِ ، فإنَّ
الشهوةَ إنَّما تنبعثُ بقوّةِ الإحساسِ بالنظرِ واللمسِ ، وإنَّما يقوى الإحساسُ
بالأمرِ الغريبِ الجديدِ ، فأمَّا المعهودُ الذي دامَ النظرُ إليهِ مدَّةً . . فإنَّهُ يضعفُ
الحسَّ عنْ تمامٍ إدراكِهِ والتأثُّرِ بهِ ، فلا تنبعثُ بهِ الشهوةُ .
فهذهِ هيَ الخصالُ المرغِّبَةُ في النساءِ .
ويجبُ على الوليِّ أيضاً أنْ يراعيّ خصالَ الزوج ، وينظرَ لكريمتِهِ ، فلا
يزوِّجُها ممَّنْ ساءَ خُلُقُهُ أَوْ خَلْقُهُ، أوْ ضعفَ دينُهُ، أوْ قصَّرَ عنِ القيامِ
بحقّها، أوْ كانَ لا يكافئُها في نسبها ، قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((النكاحُ رقٌّ، فلينظرْ أحدُكُمْ أينَ يضعُ كريمتَهُ))(٢) .
والاحتياطُ في حقُّها أهمُّ ؛ لأنَّها رقيقةٌ بالنكاح لا مخلصَ لها ، والزوجُ
(١) روى الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص٢٤٩) عن عمر رضي الله عنه
قال : ( يا بني السائب ؛ قد أضويتم ، فانكحوا في النزائع ) ، والنزائع : الغرائب ،
وانظر (( البدر المنير)) (٤٩٩/٧).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((العيال)) (١١٨)، والبيهقي في (( السنن الكبرى)) (٨٢/٧)
موقوفاً على أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما ، وقال البيهقي عقبه : ( وروي ذلك
مرفوعاً ، والموقوف أصح ) .
ـن؟
١٧٠

ربع العادات
كتاب آداب النكاح
قادرٌ على الطلاقِ بكلِّ حالٍ ، ومهما زوَّجَ ابنتَهُ ظالماً ، أوْ فاسقاً ، أوْ
مبتدعاً ، أوْ شاربَ خمرٍ .. فقدْ جنى على دينِهِ، وتعرَّضَ لسخطِ اللهِ ؛ لما
قطعَ مِنْ حقِّ الرحمِ وسوءِ الاختيارِ .
وقالَ رجلٌ للحسنِ : قدْ خطبَ ابنتي جماعةٌ ، فممَّنْ أزوَّجُها ؟ قالَ :
ممَّنْ يتقي اللهَ، فإنْ أحبَّها .. أكرمَها، وإنْ أبغضَها .. لمْ يظلمْها(١).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : ((مَنْ زوَّجَ كريمتَهُ مِنْ فاسقٍ .. فقدْ قطعَ
رحمَها))(٢).
5
:2
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((العيال)) (١٢٥).
(٢) رواه ابن عدي في ((الكامل)) (٣٢٢/٢)، وقد رواه ابن حبان في ((الثقات))
(١٥٨/٥)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٣١٤/٤) عن الشعبي رحمه الله تعالى.
رء
١٧١
حر

كتاب آداب النكاح
ربع العادات
الْبَابُ الثَّالِثُ
في آداب المعاشرة وما الجري في دوام النكاح
والنظر في على الزَّوج وفيما على الزّوحة
تعـ
%G
القسم الأول: بيان ما على الزَّوجَ(١)
أمَّا الزوجُ .. فعليهِ مراعاةُ الاعتدالِ والأدبِ في اثني عشرَ أمراً : في
الوليمةِ، والمعاشرةِ، والدعابةِ، والسياسةِ ، والغيرةِ ، والنفقةِ ،
والتعليمِ ، والقسمِ ، والتأديبِ بالنشوزِ ، والوقاع ، والولادة ، والمفارقةِ
بالطلاقِ .
الأدبُ الأوَّلُ : الوليمةُ :
وهيَ مستحبَّةٌ، قالَ أنسٌ رضيَ اللهُ عنهُ: رأى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ على عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ رضيَ اللهُ عنهُ أثرَ صفرةٍ فقالَ: (( ما
هذا؟)) فقالَ: تزوجتُ امرأةً على وزنِ نواةٍ منْ ذهبِ، فقالَ: ((باركَ اللهُ
لكَ، أولمْ ولوْ بشاةٍ))(٢).
(١) العنوان زيادة من اللجنة العلمية.
(٢) رواه البخاري (٢٠٤٨)، ومسلم (١٤٢٧) .
١٧٢

ربع العادات
كتاب آداب النكاح
وأولمَ رسولُ الهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على صفيَّةَ بسويقٍ وتمرٍ (١).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((طعامُ أوَّلِ يوم حقٌّ، وطعامُ الثاني سنَّةٌ ،
وطعامُ الثالثِ سمعةٌ، ومَنْ سَمَّعَ .. سَمَّعَ اللهُ بهِ))، ولمْ يرفعْهُ إلا زيادُ بنُ
عبدِ اللهِ ، وهوَ غريبٌ(٢) .
وتُستحبُّ التهنئةُ، فيقولُ مَنْ دخلَ على الزوج : ( باركَ اللهُ لكَ ، وباركَ
عليكَ، وجمعَ بينَكُما في خيرٍ ) ، وروى أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ عليهِ
الصلاةُ والسلامُ أمرَ بذلكَ(٣).
حن
حن
-حن
ويُستحبُّ إظهارُ النكاح، قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((فصْلُ ما بينَ
الحلالِ والحرام الدفُّ والصوتُ)) (٤).
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أعلنوا هذا النكاحَ، واجعلوهُ
في المساجدِ ، واضربوا عليهِ بالدفوفِ))(٥) .
وعنِ الرُّبِيِّع بنتِ معوِّذٍ قالتْ : جاءَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ،
(١) روى الخبر أبو داوود (٣٧٤٤)، والترمذي (١٠٩٥)، والنسائي في (( الكبرى))
(٦٥٦٦)، وابن ماجه ( ١٩٠٩ ).
(٢) رواه الترمذي ( ١٠٩٧)، وهذا القول له عقبه.
(٣) رواه أبو داوود (٢١٣٠)، والترمذي (١٠٩١)، وابن ماجه (١٩٠٥).
(٤) رواه الترمذي ( ١٠٨٨)، والنسائي (١٢٧/٦)، وابن ماجه ( ١٨٩٦).
(٥) رواه الترمذي ( ١٠٨٩).
١٧٣
ون حن حن
حن

كتاب آداب النكاح
ربع العادات
فدخلَ عليَّ غداةَ بُنِيَ بي ، فجلسَ على فراشي وجويرياتٌ لنا يضربنَ
بِدُقِّهِنَّ ويندُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبائي، إلى أنْ قالَت إحداهُنَّ : وَفِينا نَبِيِّ يَعْلَمُ
ما فِي غَدٍ، فقالَ لها : (( اسكتي عنْ هذهِ ، وقولِي ما كنتِ تقولينَ
قبلَها))(١) .
الأدبُ الثاني : حسْنُ الخُلُقِ معَهنَّ ، واحتمالُ الأذى منهُنَّ :
ترخُّماً عليهنَّ لقصورِ عقلِهِنَّ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ
بِالْمَعْرُوفِ﴾ .
وقالَ تعالى في تعظيم حقُّهنَّ: ﴿ وَأَخَذْتَ مِنكُمْ مِيثَقًّا غَلِيظًا﴾.
وقالَ : ﴿وَالضَاحِبٍ بِالْجَنٍ﴾ قيلَ: هيَ المرأةُ (٢).
وآخرُ ما أوصى بهِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ثلاثٌ، كانَ يتكلّمُ
بهنَّ حتَّى تلجلجَ لسانُهُ، وخفيَ كلامُهُ، جعلَ يقولُ: (( الصلاةَ الصلاةَ
وما ملكتْ أيمانُكُمْ ، لا تكلفوهُمْ ما لا يطيقونَ ، اللّهَ اللهَ في النساءِ ، فإنَّهُنَّ
عوانٍ في أيديكُمْ - يعني : أسراءَ - أخذتموهُنَّ بعهدِ اللهِ ، واستحللتُمْ
فروجَهُنَّ بكلمةِ اللهِ))(٣).
(١) رواه البخاري (٤٠٠١ ) .
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) (١١١/٥/٤) عن علي وعبد الله رضي الله عنهما، والقول
الأول : رفيق السفر .
(٣) كذا في ((القوت)) (٢٥٤/٢)، أما وصيته صلى الله عليه وسلم بالصلاة والأرقاء عند =.
فء.
١٧٤

ربع العادات
كتاب آداب النكاح
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( مَنْ صبرَ على سوءِ خلقِ امرأتِهِ ..
أعطاهُ اللهُ مِنَ الأجرِ مثلَ ما أعطى أيُّوبَ على بلائِهِ ، ومَنْ صبرَتْ على سوءِ
خُلُقِ زوجِها .. أعطاها اللهُ عزَّ وجلَّ مثلَ ثوابٍ آسِيَةَ امرأةٍ فرعونَ))(١).
واعلمْ: أنَّهُ ليسَ حُسْنُ الخلقِ معها كفَّ الأذى عنها ، بلِ احتمالُ الأذى
منها ، والحلمُ عندَ طيشِها وغضبها ؛ اقتداءً برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ ، فقدْ كانَ أزواجُهُ يراجعْنَهُ الكلامَ ، وتهجرُهُ الواحدةُ منهُنَّ يوماً إلى
الليلِ(٢).
ـعـ مـ
وراجعتِ امرأةٌ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ عمرَ في الكلامِ ، فقالَ : أوَتراجعيني
يا لكعاءُ ؟! فقالتْ: إنَّ أزواجَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يراجعْنَهُ وهوَ
خيرٌ منكَ، فقالَ عُمرُ : خابَتْ حفصةُ وخسرَتْ إنْ راجعَتْهُ، ثمّ قالَ
لحفصةً : لا تغتري بابنةِ ابنِ أبي قحافةَ، فإنَّها حِبُّ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ ، وخوَّفَها مِنَ المراجعةِ(٣).
٢٦٦٠
٥٠
موته . . فقد رواها النسائي في (( الكبرى )) ( ٧٠٦٠ )، وابن ماجه ( ١٦٢٥ )، وقد
=
جمع بين هذه الوصية مع الوصية بالنساء الديلمي في ((مسند الفردوس)) ( ٣٧٩٤)
مختصراً ، وأما الوصية بهن .. فرواها مسلم (١٢١٨) وكان ذلك في حجة الوداع .
(١) رواه الحارث كما في ((زوائده)) (٣١٦/١) ضمن خطبة طويلة. انظر «اللآلىء
المصنوعة)) (٣٦١/٢_٣٧٣) .
(٢) رواه البخاري (٢٤٦٨)، ومسلم ( ١٤٧٩).
هو في الحديث المتفق عليه السابق ، وليس فيه : ( يا لكعاء ) ولا ( هو خير منك ) ،
(٣)
وفيه قول عمر رضي الله عنه : ( وكنا معشر قريش نغلبُ النساء ، فلما قدمنا على =
١٧٥
محن

كتاب آداب النكاح
ربع العادات
ورُوِيَ أنَّهُ دفعَتْ إحداهُنَّ في صدرِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ،
فزبرَتْها أمُّها ، فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( دعيها ، فإنَّهُنَّ يصنعْنَ أكثرَ مِنْ
ذلكَ))(١) .
وجرى بينَهُ وبينَ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها كلامٌ ، حتَّى أدخلاَ بينَهُما أبا بكرٍ
رضيَ اللهُ عنهُ حكماً واستشهدَهُ ، فقالَ لها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
(( تكلَّمينَ أوْ أتكلَّمُ؟ )) فقالَتْ: بلْ تكلَّمْ أنتَ ولا تقلْ إلا حقّاً ، فلطمَها
أبو بكرٍ رضيّ اللهُ عنهُ حتَّى دميَ فوها وقالَ : يا عُديَّةَ نفسِها ؛ أَوَيقولُ غيرَ
الحقِّ ؟! فاستجارتْ برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقعدَتْ خلفَ ظهرهِ ،
فقالَ لهُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لمْ ندعُكَ لهذا، ولمْ نردْ هذا
منكَ))(٢).
وقالتْ لهُ مرَّةً في كلام غضبَتْ عندَهُ : أنتَ الذي تزعُمُ أنَّكَ نبيُّ اللهِ ؟!
فتبسَّمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ واحتملَ ذلكَ حلماً وكرماً(٣) .
الأنصار .. إذا هم قوم يغلبهم نساؤهم ، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء
=
الأنصار ... ) الخبر .
(١) رواه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (١٦٦/٨)، والآجري في ((الشريعة))
(١٨٩٠)، وهي السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها، والزاجرة لها فيهما هي أمُّ مبشر
الأنصارية، واللفظ لصاحب ((القوت)) (٢٥٣/٢).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((العيال)) (٥٦٢)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق))
(٢١٥/٣٠)، واللفظ لصاحب «القوت)) (٢٥٣/٢).
(٣) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٤٦٧٠)، وأبو الشيخ في ((الأمثال)) (٥٦).
١٧٦
-حن كة
دن

ربع العادات
5 4 يومــ
كتاب آداب النكاح
وكانَ يقولُ لها : (( إنِّي لأعرفُ غضبَكِ مِنْ رضاكٍ ؟ )) قالتْ:
وكيفَ تعرفُهُ؟ قالَ: ((إذا رضيتِ .. قلتِ: لا وإللهِ محمدٍ، وإذا
غضبتِ .. قلتِ: لا وإللهِ إبراهيمَ))، قالتْ: صدقتَ، إنَّما أهجرُ
اسمَكَ(١) .
ويُقالُ: ( أوَّلُ حُبِّ وقعَ في الإسلام حُبُّ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
عائشةَ رضيَ اللهُ عنها)(٢) .
وكانَ يقولُ لها : (( كنتُ لكِ كأبي زرع لأمِّ زرع غيرَ أنَّي
لا أطلِّقُكِ))(٣).
وكانَ يقولُ لنسائِهِ : (( لا تؤذينني في عائشةً ؛ فإنَّهُ - واللهِ - ما نزلَ عليّ
الوحيُّ وأنا في لحافِ امرأةٍ منكنَّ غيرَها))(٤).
(١) رواه البخاري (٥٢٢٨)، ومسلم (٢٤٣٩) .
١٠٠٠
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٤٤/٢)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٢٥٤/٥) من
كلام الزهري ، وروى البخاري (٣٦٦٢)، ومسلم (٢٣٨٤ ) أن عمرو بن العاص سأل
النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس أحب إليك؟ قال: ((عائشة))، قلت : من
الرجال؟ قال: ((أبوها)) الحديث، وأما محبته صلى الله عليه وسلم للسيدة خديجة
رضي الله عنها والتي قال فيها: (( ما أبدلني الله عز وجل خيراً منها)) .. فقد وقع حبها
ابتداءً قبل الإسلام ، أو يحمل الأمر على ما بعد الهجرة الشريفة .
(٣) رواه البخاري (٥١٨٩)، ومسلم (٢٤٤٨)، وروى الاستثناء الطبراني في ((الكبير))
(٢٣ /١٧٣) .
(٤) رواه البخاري ( ٣٧٧٥) وقد تقدم تعليقاً .
١٧٧
حن حن حن ش جن حن جن

كتاب آداب النكاح
ربع العادات
وقالَ أنسٌ رضيَ اللهُ عنهُ: ( كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أرحمَ
الناسِ بالنساءِ والصبيانِ)(١).
الأدبُ الثالثُ : أَنْ يزيدَ على احتمالِ الأذى بالمداعبةِ والمزاح والملاعبةِ :
فهيَ التي تطيِّبُ قلوبَ النساءِ ، وقدْ كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
يمزحُ معهنَّ ، وينزلُ إلى درجاتِ عقولِهِنَّ في الأعمالِ والأخلاقِ ، حتى
رُوِيَ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يسابقُ عائشةَ في العَدْوِ ، فسبقَتْهُ يوماً ،
وسبقَها في بعضِ الأيامِ ، فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((هذهِ بتلكِ))(٢).
وفي الخبرِ: أنَّهُ كانَ مِنْ أفْكَهِ الناسِ معَ نسائِهِ (٣) .
وقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : ( سمعتُ أصواتَ أناسٍ مِنَ الحبشةِ
وغيرِهِمْ وهمْ يلعبونَ في يومِ عاشوراءَ ، فقالَ لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ : ((أتحبينَ أنْ تَرَي لعبَهُمْ؟ )) قالتْ: قلتُ : نعمْ، فأرسلَ إليهم ،
فجاؤوا ، وقامَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بينَ البابينِ ، فوضعَ كفَّهُ على
٢
(١) رواه مسلم (٢٣١٦) ولفظه: ( ما رأيت أحداً أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله
عليه وسلم ) .
(٢) رواه أبو داوود (٢٥٧٨)، والنسائي في ((الكبرى)) ( ٨٨٩٣)، وابن ماجه
( ١٩٧٩ ) .
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((مداراة الناس)) (٦٠) دون قيد ، ورواه الطبراني في
((الأوسط)) (٦٣٥٧) وزاد: ( من أفكه الناس مع صبي ) .
١٧٨

ربع العادات
كتاب آداب النكاح
تر
الباب ، ومدَّ يدَهُ، ووضعتُ ذَقَنِي على يدِهِ ، وجعلوا يلعبونَ وأنا أنظرُ ،
وجعلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: ((حسبُكِ)) وأقولُ: اسكتْ ،
مرتينِ أَوْ ثلاثاً، ثمَّ قالَ: (( يا عائشةُ؛ حسبُكِ))، فقلتُ : نعمْ، فأشارَ
إليهِمْ ، فانصرفوا(١).
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((أكملُ المؤمنينَ إيماناً أحسنُهُمْ
خُلُقاً وألطفُهُمْ بأهلِهِ))(٢) .
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( خيارُكُمْ خيرُكُمْ لنسائِهِ، وأنا خيرُكُمْ
النسائي ))(٣).
وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنه معَ خشونتِهِ : ( ينبغي للرجلِ أنْ يكونَ في أهلِهِ
مثلَ الصبيِّ، فإذا التمسوا ما عندَهُ .. وُجِدَ رجلاً)(٤).
٧٥٠
وقالَ لقمانُ عليهِ السلامُ : ( ينبغي للعاقلِ أنْ يكونَ في أهلِهِ كالصبيِّ ،
فإذا كانَ في القومِ .. وُجِدَ رجلاً)(٥) .
(١) رواه البخاري (٩٥٠)، ومسلم (٨٩٢) بألفاظ متقاربة ، وليس فيه قولها :
( اسكت ) ، ولا تقييده بيوم عاشوراء .
(٢) رواه الترمذي (٢٦١٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩١٠٩).
(٣) رواه الترمذي (١١٦٢) بلفظ: ((وخياركم خياركم لنسائهم خلقاً))، وعنده (٣٨٩٥)
مرفوعاً كذلك بلفظ : (( خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي )).
(٤) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص١٨٢)، وابن عساكر في ((تاريخ
دمشق)) ( ٣٣١/١٩) .
(٥) قوت القلوب (٢٥٣/٢) .
٠١٠٠٠
١٧٩
ټزم
3

كتاب آداب النكاح
ربع العادات
وفي تفسيرِ الخبرِ المرويِّ: ((إنَّ اللهَ يبغضُ الجَعْظَرِيَّ الجَوَّاظَ))(١)،
قيلَ : هوَ الشديدُ على أهلِهِ ، المتكبِّرُ في نفسِهِ ، وهوَ أحدُ ما قيلَ في معنى
قولِهِ تعالى: ﴿عُثُلِ﴾، قيلَ: العتلُّ: هوَ الفظُّ اللسانِ، الغليظُ القلبِ
على أهلِهِ(٢).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ لجابرِ: (( هلأَّ بكراً تلاعبُها
وتلاعبُكَ)) (٣).
ووصفتْ أعرابيّةٌ زوجَها وقدْ ماتَ فقالَت : واللهِ ؛ لقدْ كانَ ضحوكاً إذا
ولجَ ، سكوتاً إذا خرجَ ، آكلاً ما وجدَ ، غيرَ سائلٍ عمَّا فَقَدَ .
الأدبُ الرابعُ : ألَّ ينبسطَ في الدعابةِ وحسْنِ الخلقِ والموافقةِ باتباعٍ هواها
إلى حدٍّ يفسدُ خُلُقَها ، ويسقطُ بالكليّةِ هيبتَهُ عندَها :
بلْ يراعي الاعتدالَ فيهِ ، فلا يدعُ الهيبةَ والانقباضَ مهما رأى منكراً ،
ولا يفتحُ بابَ المساعدةِ على المنكراتِ ألبتةَ ، بلْ مهما رأى ما يخالفُ
الشرعَ والمروءةَ .. تنمَّرَ وامتعضَ .
(١) رواه ابن حبان في (صحيحه)) (٧٢)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٩٤/١٠)،
وهو عند أبي داوود ( ٤٨٠١) بلفظ: (( لا يدخل الجنة الجواظ ولا الجعظري)).
(٢) التفسيران من ((القوت)) (٢٥٣/٢) .
(٣) رواه البخاري ( ٢٠٩٧)، ومسلم ( ٧١٥) .
ـمسم
حن حن جن جن جو جي فن شي كن جن جن
١٨٠
حن