Indexed OCR Text
Pages 61-80
ربع العادات كتاب آداب الأكل واللعبِ واستماع الغيبة والنميمةِ والزورِ والبهتانِ والكذبِ وشبهِ ذلكَ ؛ فكلُّ ذلكَ ممَّا يمنعُ الإجابةَ واستحبابَها ، ويوجبُ تحريمَها أوْ كراهيتَها ، وكذلكَ إذا كانَ الداعي ظالماً ، أوْ مبتدعاً ، أوْ فاسقاً ، أو شريراً ، أوْ متكلِّفاً طلباً للمباهاةِ والفخرِ . الخامسُ : ألاَّ يقصدَ بالإجابةِ قضاءَ شهوةِ البطنِ ، فيكونَ عاملاً في أبوابِ الدنيا ، بلْ يحسنُ نيتَهُ ليصيرَ بالإجابةِ عاملاً للآخرةِ ، وذلكَ بأنْ تكونَ نيتُهُ الاقتداءَ بسنَّةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في قولِهِ: ((لوْ دُعيتُ إلى كُراعٍ .. لأجبتُ))(١). % حن ئن حن وينوي الحذرَ مِن معصيةِ اللهِ تعالى؛ لقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ لمْ يجبِ الداعيَ .. فقدْ عصى اللهَ ورسولَهُ))(٢). وينوي إكرامَ أخيهِ المؤمنِ اتباعاً لقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( منْ أكرمَ أخاهُ المؤمنَ .. فإنَّما أكرمَ اللهَ سبحانَهُ)) (٣). (١) رواه البخاري ( ٥١٧٨) . (٢) رواه البخاري (٥١٧٧)، ومسلم ( ١٤٣٢) وتقدم بعضه قريباً. (٣) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٨٦٤٠)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٥٧/٣)، والخطيب في (( الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)) (٥٤٥/١)، وهو قطعة من الحديث الآتي كذلك . ٦١ كتاب آداب الأكل ٨٥٠ ربع العادات وينوي إدخالَ السرور على قلبهِ امتثالاً لقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( منْ سرّ مؤمناً .. فقدْ سرَّ اللهَ تعالى))(١). وينوي معَ ذلكَ زيارتَهُ ليكونَ مِنَ المتحابِّينَ في اللهِ عزَّ وجلَّ ؛ إذْ شرطَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فِيهِ التزاورَ والتباذلَ اللهِ تعالى ، وقدْ حصلَ البذلُ مِنْ أحدِ الجانبينِ ، فتحصلُ الزيارةُ مِنْ جانبهِ أيضاً(٢) . وينوي صيانةَ نفسِهِ عنْ أنْ يُساءَ بهِ الظنُّ في امتناعِهِ ، ويطلقَ اللسانُ فيهِ ؛ بأنْ يحملَ على تكبِّرِ أوْ سوءِ خلقٍ ، أوْ استحقارِ أخ مسلمٍ ، أَوْ ما يجري مجراهُ . فهذهِ سُّ نِيَّاتٍ تلحقُ إجابتَهُ بالقرباتِ آحادُها ، فكيفَ مجموعُها ؟ وكانَ بعضُ السلفِ يقولُ : ( أنا أحبُّ أنْ يكونَ لي في كلِّ عملِ نِيَّةٌ ، حتَّى في الطعامِ والشرابِ)(٣). ٢٠ (١) قوت القلوب (١٨٢/٢)، ورواه البيهقي في ((الشعب)) (٧٢٤٧) ، وأبو نعيم في ((الحلية)» ( ٥٧/٣ ) . (٢) وهو ما رواه مالك في (( الموطأ)) (٩٥٣/٢) من حديث معاذبن جبل رضي الله عنه مرفوعاً: (( يقول الله تبارك وتعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيَّ ، والمتجالسين فيَّ ، والمتزاورين فيَّ، والمتباذلين فيَّ))، وهو عند مسلم (٢٥٦٦) من حديث أبي هريرة بلفظ: « إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلِّي يوم لا ظل إلا ظلي» . ٢ (٣) قوت القلوب (١٧٨/٢) بنحوه . ٦٢ ربع العادات كتاب آداب الأكل مر وفي مثلِ هذا قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّما الأعمالُ بالنيَّاتِ ، وإنَّما لكلِّ امرىءٍ ما نوى، فمَنْ كانتْ هجرتُهُ إِلى اللهِ ورسولهِ .. فهجرتُهُ إِلى اللهِ ورسولِهِ ، ومَنْ كانتْ هجرتُهُ إلى دنيا يصيبها ، أوِ امرأةٍ يتزوَّجُها .. فهجرتُهُ إلى ما هاجرَ إليهِ))(١) . والنيَّةُ إنَّما تؤثِّرُ في المباحاتِ والطاعاتِ ، أمَّا المنهياتُ .. فلا؛ فإنَّهُ لوْ نوى أنْ يسرَّ إخوانهُ بمساعدِتِهِمْ على شربِ الخمرِ أوْ حرامٍ آخرَ .. لمْ تنفعِ النِيَّةُ ، ولمْ يجزْ أنْ يقالَ : الأعمالُ بالنيّاتِ ، بلْ لوْ قصدَ بالغزوِ الذي هوَ طاعةٌ المباهاةَ وطلب المالِ .. انصرفَ عنْ جهةِ الطاعةِ ، وكذلكَ المباحُ المردّدُ بينَ وجوهِ الخيراتِ وغيرِها ، يلتحقُ بوجوه الخيراتِ بالنيّةِ ، فتؤثِّرُ النيّةُ في هذين القسمينِ ، لا في القسمِ الثالثِ . وأمَّا الحضورُ : فأدبُهُ أنْ يدخلَ الدارَ ، ولا يتصدَّرَ فيأخذَ أحسنَ الأماكنِ ، بلْ یتواضعُ . ولا يطوِّلُ الانتظارَ عليهِمْ، ولا يعجّلُ بحيثُ يفاجئُهُمْ قبلَ تمام الاستعدادِ (٢)، ولا يضيِّقَ المكانَ على الحاضرينَ بالزحمةِ، بلْ إنْ أشارَ إليهِ (١) رواه البخاري (١، ٥٤)، ومسلم ( ١٩٠٧). (٢) إلا إن علم من حال الداعي أنه يفرح بمجيئه قبل تمام الاستعداد ليستأنس به .. فلا = ٦٣ ڈر» من كير. كتاب آداب الأكل ربع العادات صاحبُ الدارِ بموضع .. لا يخالفُهُ ألبتةَ؛ فإنَّهُ قدْ يكونُ رتَّبَ في نفسِهِ ے موضعَ كلِّ واحدٍ ، فمخالفتُهُ تشوِّشُ عليهِ . وإنْ أشارَ إليهِ بعضُ الضيفانِ بالارتفاع إكراماً .. فليتواضعْ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ مِنَ التواضعِ اللهِ تعالى الرضا بالدونِ مِنَ المجلسِ )) (١) . ولا ينبغي أنْ يجلسَ في مقابلةِ بابِ حجرةِ النساءِ وسترِهِمْ ، ولا يكثرُ النظرَ إلى الموضع الذي يخرجُ منهُ الطعامُ ؛ فإنَّهُ دليلٌ على الشرهِ ، ويخصُّ بالتحيةِ والسؤالِ مَنْ يقربُ منهُ إذا جلسَ . وإذا دخلَ ضيفٌ للمبيتِ .. فليعرِّفْهُ صاحبُ الدارِ عندَ الدخولِ القبلةَ وبيتَ الماءِ وموضعَ الوضوءِ ؛ كذلكَ فعلَ مالكٌ بالشافعيِّ رضيَ اللهُ عنهُما ، وغسلَ مالكٌ يدَهُ قبلَ الطعام قبلَ القوم وقالَ : ( الغسلُ قبلَ الطعام لربِّ البيتِ أولاً )(٢)؛ لأنَّهُ يدعو الناسَ إلى كرمِهِ، فحكمُهُ أنْ يتقدَّمَ = بأس، أو كان بالمدعو عذر لو تأخر .. كان سبباً لعدم حضوره. (( إتحاف)) (٢٤٧/٥ ) . ـدر (١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١١٤/١)، وأبو نعيم في (( معرفة الصحابة)) (١٠٤/١)، والبيهقي في ((الشعب)) (٧٨٨٩) ولفظه: (( إن من التواضع لله الرضا بالدون من شرف المجالس)». (٢) الخبر بتفصيله أورده ابن حجة الحموي في ((ثمرات الأوراق)) ( ص ٨٦). ٦٤ ربع العادات کتاب آداب الأكل بالغسلِ ، وفي آخرِ الطعام يتأخَّرُ بالغسلِ ؛ لينتظرَ أنْ يدخلَ مَنْ يأكلُ ، فیأکلَ معهُ . وإذا دخلَ فرأى منكراً .. غيَّرَهُ إنْ قدرَ، وإلاَّ .. أنكرَ بلسانِهِ وانصرفَ . ـور والمنكرُ : فرشُ الديباج، واستعمالُ أواني الفضَّةِ والذهبِ ، والتصويرُ على الحيطانِ ، وسماعُ الملاهي والمزاميرِ ، وحضورُ النسوةِ المتكشِّفاتِ الوجوه (١)، وغيرُ ذلكَ مِنَ المحرَّماتِ، حتَّى قال أحمدُ رحمَهُ اللهُ: (إذا رأىُ مُكْحُلةً رأسُها مفضَّضٌ .. ينبغي أنْ يخرجَ ) ، ولمْ يأذنْ في الجلوسِ إلا في ضبَّةٍ(٢) . وقالَ : ( إذا رأىُ كِلَّةً .. فينبغي أنْ يخرجَ، فإنَّ ذلكَ تكلُّفٌ لا فائدةً فيهِ ، ولا تدفعُ حرّاً ولا برداً ، ولا تسترُ شيئاً)(٣). وكذلكَ قالَ : ( يخرجُ إذا رأىُ حيطانَ البيتِ مستورةً بالديباج كما تُسترُ الكعبةُ )(٤) . (١) ويفهم منه أنهن إن حضرن مستترات لغرض من الأغراض الشرعية .. فلا بأس بذلك إذا أمنوا على أنفسهم من الافتتان. («إتحاف)) (٢٤٩/٥). (٢) كذا في ((الورع)) ( ص١٣٧ ) كما رواه عنه ولده . (٣) الورع (ص ١٣٧)، والكِلَّة: ستر رقيق يمنع دخول البعوض ونحوه ، وسيفصل القول فيها . (٤) الورع (ص١٣٨) . فشـ ٦٥ من كتاب آداب الأكل ربع العادات وقالَ : ( إذا اكترىُ بيتاً فيهِ صورةٌ ، أوْ دخلَ الحمَّامَ ورأى صورةً .. فينبغي أنْ يحكّها، فإنْ لمْ يقدِرْ .. خرجَ)(١). وكلُّ ما ذكرَهُ صحيحٌ ، وإنَّما النظرُ في الكِلَّةِ وتزيينِ الحيطانِ بالديباجِ ، فإنَّ ذلكَ لا ينتهي إلى التحريمِ ، إذِ الحريرُ محرَّمٌ على الرجالِ ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((هذانِ حرامٌ على ذكورِ أمَّتي، حِلٌّ لإنائِها)»(٢)، وما على الحائطِ ليسَ منسوباً إلى الذكورِ، ولَوْ حرمَ هذا .. الحرمَ تزيينُ الكعبةِ ، بلِ الأولى إباحتُهُ لموجَبٍ قولِهِ تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾، لا سيما في وقتِ الزينةِ إذا لمْ يتخذَّهُ عادةً للتفاخرِ . وإِنْ تُخيّلَ أنَّ الرجالَ ينتفعونَ بالنظرِ إليهِ .. فلا يحرمُ على الرجالِ الانتفاعُ بالنظرِ إلى الديباج مهما لبسَهُ الجواري والنساءُ ، والحيطانُ في معنى النساءِ ؛ إذْ لِسْنَ موصوفاتٍ بالذكورةِ . وأمَّا إحضارُ الطعام .. فلهُ آدابٌ خمسةٌ : جن حن ئن الأوّلُ : تعجيلُ الطعام : فذلكَ مِنْ إكرام الضيفِ ، وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ .. فليكرمْ ضيفَهُ))(٣). (١) الورع (ص١٣٨)، وكلها عند صاحب ((القوت)) (١٩٠/٢) وبلفظ المصنف هنا . (٢) رواه أبو داوود (٤٠٥٧)، والنسائي (١٦٠/٨)، وابن ماجه (٣٥٩٥). (٣) رواه البخاري (٦٠١٨)، ومسلم (٤٧). ـدن ٦٦ حن كن عن ربع العادات کتاب آداب الأكل تن ومهما حضرَ الأكثرونَ وغابَ واحدٌ أوِ اثنانِ وتأخّروا عنِ الوقتِ الموعودِ .. فحقُّ الحاضرينَ في التعجيلِ أَولىْ مِنْ حقِّ أولئكَ في التأخيرِ ، إلاَّ أنْ يكونَ المتأخِّرُ فقيراً وينكسرُ قلبُهُ بذلكَ ، فلا بأسَ بالتأخيرِ (١). وأحدُ المعنيينِ في قولهِ تعالى: ﴿هَلْ أَنَكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيَمَ الْمُّكْرَمِينَ﴾ أنَّهُمْ أُكرِموا بتعجيلِ الطعامِ إليهِمْ ، دلَّ عليهِ قولُهُ تعالى: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾، وقولُهُ: ﴿ فَرَاغَ إِلَّ أَهْلِهِ، فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾، والروغانُ: الذهابُ بسرعةٍ ، وقيلَ : في خفيةٍ ، وقيلَ : جاءَ بفخذٍ مِن لحمٍ ، وإنَّما سُمِّيَ عجلاً لأنَّهُ عجَّلهُ ولمْ يلبثْ(٢) . $ قالَ حاتمٌ الأصمُّ رحمهُ اللهُ : ( العجلةُ مِنَ الشيطانِ إلا في خمسةٍ ، فإنَّها مِنْ سنَّةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : إطعامُ الضيفِ ، وتجهيزُ المَيِّتِ ، وتزويجُ البكرِ، وقضاءُ الدينِ، والتوبةُ مِنَ الذنبِ)(٣). (١) قوت القلوب (٢/ ١٩٠) بنحوه . (٢) مجموع الأقوال في ((القوت)) (١٨٠/٢)، والحنيذ: المشوي بالحجارة المسخَّنة، والذي يقطر ماؤه بعد الشيٍّ ، وسيأتي بيانه ، والمعنى الثاني : هو خدمته عليه السلام مع زوجه سارة لأضيافه بنفسهما. انظر ((تفسير الطبري)» ( ٢٥٤/٢٦/١٣)، وسيحكي المصنف المعنى الثاني قريباً أنه في تقديم اللحم على غيره من الطعام . (٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٧٨/٨)، وكونها من سنته صلى الله عليه وسلم متوازع في السنة لمن تأمَّله ، وقد جمعها حاتم رحمه الله تعالى بقوله هذا لا على سبيل الحصر ، ومنها ما رواه الترمذي (١٧١) مرفوعاً: (( يا عليُّ؛ ثلاث لا تؤخرها : الصلاة إذا آنتْ، والجنازة إذا حضرت، والأيُّم إذا وجدتَ لها كفئاً)). سسات ٦٧ تخ ترع ضں كتاب آداب الأكل العادات ويُستحبُّ التعجيلُ في الوليمةِ ، فقد قيلَ : ( الوليمةُ في أوَّلِ يوم سنَّةٌ ، وفي الثاني معروفٌ، وفي الثالثِ رياءٌ)(١). ق الثاني : ترتيبُ الأطعمةِ : بتقديم الفاكهةِ أوَّلاَ إنْ كانتْ ، فذلكَ أوفقُ في الطبّ ؛ فإنَّها أسرعُ استحالَةً ، فينبغي أنْ تقعَ في أسفلِ المعدةِ ، وفي القرآنِ تنبيهٌ على تقديمِ الفاكهةِ في قولِهِ تعالى: ﴿ وَفَكِهَةٍ مِّمَّا يَتَّخَّونَ﴾، ثمَّ قالَ: ﴿ وَِّ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ . ثمَّ أفضلُ ما يقدَّمُ بعدَ الفاكهةِ اللحمُ والثريدُ ؛ فقدْ قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : (( فضلُ عائشةَ على النساءِ كفضلِ الثريدِ على سائرِ الطعام)) (٢). فإنْ جمعَ إليهِ حلاوةً بعدَهُ .. فقدْ جمعَ الطيِّاتِ ، ودلَّ على حصولِ الإكرامِ باللحمِ قولُهُ تعالى في ضيفِ إبراهيمَ عليهِ السلامُ إذْ أحضرَ العجلَ الحنيذ؛ أي : المحنوذَ، وهوَ الذي أُجيدَ نضجُهُ ، وهوَ أحدُ معنيي الإكرام ؛ أعني : تقديمَ اللحمِ . (١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٤٤٧/١٠) عن الحسن مرسلاً ، وهو عند ابن ماجه (١٩١٥) عن أبي هريرة مرفوعاً، والوليمة: طعام العرس، وإن لم يمكنه جمع الكل في يوم أو يومين ، فدعا جماعة في أول يوم ، وآخرين في ثاني يوم ، وآخرين في ثالث يوم .. فلا يكون رياء، بل أصاب فيما صنع. ((إتحاف)) (٢٥٢/٥). (٢) رواه البخاري (٣٤٣٤)، ومسلم (٢٤٤٦) . ٦٨ حن كن كن شن ربع العادات ھیہ کتاب آداب الأكل وقال تعالى في وصفِ الطيباتِ: ﴿ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ المنُّ: العسلُ، والسلوى: اللحمُ، سُمِّيَ سلوى لأنَّهُ يُتسلّى بهِ عنْ جميع الإدامِ ، ولا يقومُ غيرُهُ مقامَهُ؛ ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((سيِّدُ الإدامِ اللحمُ)) (١). ثُمَّ قالَ تعالى بعدَ ذكرِ المنِّ والسلوى: ﴿ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْتَكُمْ﴾ فاللحمُ والحلاوةُ مِنَ الطيِّاتِ ، قالَ أبو سليمانَ الدارانيُّ رضيَ اللهُ عنهُ : ( أكلُ الطيِّاتِ يورثُ الرضا عنِ اللهِ عزَّ وجلَّ)(٢). وتتمُّ هذهِ الطيِّباتُ بشرْبِ الماءِ الباردِ ، وصبِّ الماءِ الفاترِ على اليدِ عندَ الغسلِ ، قالَ المأمونُ: ( شربُ الماءِ بثلْج يخلصُ الشكرَ للهِ تعالى)(٣). وقالَ بعضُ الأدباءِ : ( إذا دعوتَ إخوانَكَ وأطعْمتَهُمْ حِصْرِمِيَّةً (١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٧٤٧٣)، وتمام في ((فوائده)) (٩٧١) من حديث بريدة، ورواه ابن عدي في ((الكامل)) (١٠٧/٧)، والبيهقي في (( الشعب)) (٥٥٠٨، ٥٥١٠) من حديث أنس وبريدة رضي الله عنهما، وتسمية اللحم بالسلوى حكاه في ((القوت)) (١٨٠/٢)، وعن الفارسي: السلوى: كل ما سلاك، وهو مؤيد لقوله ، والمشهور أنه طائر كالسُّمَانَى، يشبه الحمام ، وهو لحم كذلك . (٢) قوت القلوب (١٧٩/٢)، وهذا لمن يملك نفسه قبل أن تملكه ، فلا يخشى انقلاب الطيبات شهوات، فمثله إذا أكل منها .. أعطاها مقامها من الشكر والرضا. ((إتحاف)) (٢٥٥/٥) . (٣) قوت القلوب (١٧٩/٢). ٦٩ ـن کتاب آداب الأكل ربع العادات وبُورانِيَّةً، وسقيتَهُمْ ماءً بارداً .. فقدْ أكملتَ الضيافةَ)(١) ٢٠٠ وأنفقَ بعضُهُمْ دراهمَ كثيرةً في ضيافةٍ ، فقالَ بعضُ الحكماءِ : ( لمْ تكنْ تحتاجُ إلى هذا، إذا كانَ خبزُكَ جيداً ، وماؤكَ بارداً وخلُّكَ حامِضاً .. فهوَ كفايةٌ)(٢). وقالَ بعضُهُمْ: ( الحلاوةُ بعدَ الطعام خيرٌ مِنْ كثرةِ الألوانِ ، والتمكُّنُ على المائدةِ خيرٌ مِنْ زيادةٍ لونينٍ )(٣). ويُقالُ : إنَّ الملائكةَ تحضرُ المائدةَ إذا كانَ عليها بقْلٌ ، فذلكَ أيضاً مستحبٌّ ، ولما فيهِ مِنَ التزيّنِ بالخضرةِ ، وفي الخبرِ : إنَّ المائدةَ التي أنزلتْ على بني إسرائيلَ كانَ عليها كلُّ البقولِ إلا الكرَّاثَ ، وكانَ عليها سمكةٌ عندَ رأسِها خلٌّ ، وعندَ ذنبها ملْحٌ ، وسبعةُ أرغفةٍ ، على كلِّ رغيفٍ زيتونٌ وحبُّ رمَّانٍ ، فهذا إذا جُمِعَ .. حسنَ للموافقةِ (٤). (١) قوت القلوب (١٧٩/٢)، والحصرمية : نوع من الطعام يعمل بالحصرم ، وهو أول العنب ، والبورانية : طعام ينسب إلى بُوران بنت الحسن بن سهل وزير المأمون . ((إتحاف)) (٥ /٢٥٥) . (٢) قوت القلوب (١٧٩/٢) . (٣) قوت القلوب (١٧٩/٢). (٤) خبر السمكة رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (٧٠٢٩)، وأبو الشيخ في (( العظمة )) ( ٩٩٩ ) . ٢ ٧٠ ربع العادات كتاب آداب الأكل ـدز الثالثُ : أنْ يقدِّمَ مِنَ الألوانِ ألطفَها : حتَّى يستوفيَ منها منْ يريدُ ، فلا يكثرُ الأكلَ بعدهُ، وعادةُ المترفِّهِينَ تقديمُ الغليظِ ؛ ليستأنفَ حركةَ الشهوةِ بمصادفةِ اللطيفِ بعدَهُ، وهوَ خلافُ السنَّةِ ؛ فإنه حيلةٌ في استكثارِ الأكلِ(١). وكانَ مِنْ سنَّةِ المتقدِّمينَ أنْ يقدِّموا جملةَ الألوانِ دفعةً واحدةً ، ويصقُّوا القِصاعَ مِنَ الطعام على المائدةِ ؛ ليأكلَ كلُّ واحدٍ ممَّا يشتهي ، وإنْ لمْ يكنْ عندَهُ إِلَّ لونٌ واحدٌ .. ذكرَهُ ليستوفوا منهُ، ولا ينتظروا أطيبٌ منهُ. ويُحكى عنْ بعضٍ أصحابِ المروءاتِ أنَّهُ كانَ يكتبُ نسخةً بما يستحضرهُ مِنَ الألوانِ ويعرضُ على الضيفانِ . وقالَ بعضُ الشيوخُ : قدَّمَ إليَّ بعضُ المشايخ لوناً بالشام ، فقلتُ : عندَنا بالعراقِ إنَّما يقدَّمُ هذا آخراً ! فقالَ: وكذا عندَنا بالشام ، ولمْ يكنْ لهُ لونٌّ غيرَهُ ، فخجلتُ منه(٢) . وقالَ آخرُ : كنَّا جماعةً في ضيافةٍ ، فقُدِّمَ إلينا ألوانٌ مِنَ الرؤوسِ المشويةِ طبيخاً وقديداً ، فكنّا لا نأكلُ ننتظرُ بعدَها لوناً أوْ حَمَلاً ، فجاءَنا بالطستِ ، ولمْ يقدِّمْ غيرَها ، فنظرَ بعضُنا إلى بعضٍ، فقالَ بعضُ الشيوخِ وكانَ مزَّاحاً : (١) قوت القلوب (١٧٥/٢) بمعناه . (٢) قوت القلوب (١٨٣/٢). ٧١ عن حن حن حن ن ـثرة ئن حن حن ٢ كتاب آداب الأكل ربع العادات إِنَّ اللهَ تعالى يقدرُ أنْ يخلقَ رؤوساً بلا أبدانٍ، قالَ : وبتنا تلكَ الليلةَ جياعاً نطلبُ فتيتاً إلى السحورِ (١). فلهذا يُستحبُّ أن يُقدِّمَ الجميعَ ، أوْ يُخبرَ بما عندَهُ . الرابعُ : ألَّ يبادرَ إلى رفع الألوانِ: بلْ يمكِّنُهُمْ مِنَ الاستيفاءِ حتَّى يرفعوا الأيديَ عنها ، فلعلَّ فيهِمْ مَنْ يكونُ بقيةُ ذلكَ اللونِ أشهىُ عندَهُ ممَّا سيحضرُهُ، أَوْ بقيَتْ فيهِ حاجةٌ إلى الأكلِ ، فيتنغَّصُ عليهِ بالمبادرةِ ، وهو مِنَ التمكُّنِ على المائدةِ الذي يُقالُ: إنَّهُ خيرٌ منْ لونينِ ، فيُحتملُ أنْ يكونَ المرادُ بهِ قطعَ الاستعجالِ ، ويُحتملُ أنْ يُرادَ بهِ سعةُ المكانِ . حُكِيَ عن السُّتوريِّ وكانَ صوفياً مزَّاحاً ، فحضرَ عندَ واحدٍ مِنْ أبناءِ الدنيا على مائدةٍ ، فقدَّمَ إليهِمْ حَمَلاً، وكانَ في صاحبِ المائدةِ بخلٌ ، فلمَّا رأى القومَ مزَّقوا الحملَ كلَّ ممزَّقٍ .. ضاقَ صدرُهُ وقالَ: يا غلامُ ؛ ارفعْ إلى الصبيانِ ، فَرُفِعَ الحملُ إلى داخلِ الدارِ ، فقامَ السُّتوريُّ يعدو خلْفَ الحَمَلِ ، فقيلَ لهُ : إلى أينَ ؟ فقالَ: آكلُ معَ الصبيانِ ، فاستحيا الرجلُ وأمرَ بردِّ الحمَلِ (٢). حن فخ شن حن ثن من حه (١) قوت القلوب (١٨٣/٢). (٢) قوت القلوب (١٨٤/٢). ٧٢ 0 حن ربع العادات كتاب آداب الأكل ومِنْ هذا الفنِّ : ألَّ يرفعَ صاحبُ المائدةِ يدَهُ قبلَ القومِ ؛ لأنَّهُمْ يستحيونَ ، بلْ ينبغي أنْ يكونَ آخرَهُمْ أكلاً . كانَ بعضُ الكرامِ يخبرُ القومَ بجميعِ الألوانِ ، ويتركُهُمْ يستوفونَ ، فإذا قاربوا الفراغَ .. جثا على ركبتيهِ، ومدَّ يدَهُ إلى الطعام وأكلَ وقالَ : باسمِ اللهِ ، ساعدوني باركَ اللهُ فِيكُمْ وعليكُمْ ، وكانَ السلفُ يستحسنونَ ذلكَ منهُ(١). الخامسُ : أنْ يقدِّمَ مِنَ الطعام قدْرَ الكفايةِ : فإنَّ التقليلَ عنِ الكفايةِ نقصٌ في المروءةِ ، والزيادةَ عليهِ تصنُّعٌ ومراءاةٌ ، لا سيما إذا كانَتْ لا تسمحُ نفسُهُ بأنْ يأكلوا الكلَّ ، إلا أنْ يقدِّمَ الكثيرَ وهوَ طيِّبُ النفسِ لوْ أخذوا الجميعَ ، ونوىُ أنْ يتبرَّكَ بفضلةِ طعامِهِمْ؛ إذْ في الحديثِ : أنَّه لا يحاسبُ (٢) عليهِ (٢). أحضرَ إبراهيمُ بنُ أدهمَ طعاماً كثيراً على مائدتِهِ ، فقالَ لهُ سفيانُ رحمَهُما اللهُ : يا أبا إسحاقَ ؛ أما تخافُ أنْ يكونَ هذا سرفاً ؟ فقالَ إبراهيمُ : ليسَ في الطعامِ سرفٌ(٣). x (١) قوت القلوب (١٨١/٢). (٢) قوت القلوب (١٨٢/٢). (٣) قوت القلوب (١٧٧/٢، ١٨٠). فت. ٧٣ كتاب آداب الأكل ربع العادات سسب ـ فإنْ لمْ تكنْ هذهِ النيّةُ، فالتكثيرُ تكلُّفٌ ، قالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ : ( نُهينا أنْ نجيبَ دعوةَ مَنْ يباهي بطعامِهِ )(١) . وكره جماعةٌ مِنَ الصحابةِ أكلَ طعام المباهاةِ ، ولهذا كانَ لا يُرفعُ مِنْ بينِ يدي رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فضلةُ طعامٍ قطُّ(٢)؛ لأنَّهُمْ كانوا لا يقدِّمونَ إلا قدْرَ الحاجةِ ، ولا يأكلونَ تمامَ الشبعِ . وينبغي أنْ يعزلَ أوَّلاً نصيبَ أهلِ البيتِ حتَّى لا تكونَ أعينُهُمْ طامحةٌ إلى رجوع شيءٍ منهُ ، فلعلَّهُ لا يرجعُ ، فتضيقُ صدورُهُمْ ، وتنطلقُ في الضيفانِ ألسنتُهُمْ، ويكونُ قدْ أطعمَ الضيفانَ ما يتبعُهُ كراهيةُ قوم ، وذلكَ خيانةٌ في حقِّهِمْ . وما بقيَ مِنَ الأطعمةِ فليسَ للضيفانِ أخذُهُ ، وهوَ الذي تسمِّيهِ الصوفيّةُ الزَّلَّةَ(٣)، إلا إذا صرَّحَ صاحبُ الطعامِ بالإذنِ فيهِ عنْ قلبٍ راضٍ، أوْ عُلِمَ ذلكَ بقرينةِ حالِهِ ، وأنَّهُ يفرحُ بهِ . (١) قوت القلوب (١٨٢/٢). (٢) رواه ابن سعد في ((طبقاته)) (٣٥١/١) عن أنس رضي الله عنه قال: ( ما رُفع من بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء قط ، ولا حملت معه طِنفسة يجلس عليها )، وعند ابن ماجه (٣٣١٠) عنه قال: ( ما رفع من بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فضْل شواء قط، ولا حملت معه طنفسة )، وعند الترمذي (٢٣٥٩) عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : ( ما كان يفضل عن أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم خبزٍ شعير ) . حرة لحن سترة حن حن حن جن (٣) الزَّلَّة: اسم لما تحمل من مائدة صديقك أو قريبك ، لغة عراقية أو عامية. ن ٣ ٧٤ كار. ربع العادات :٢٨٦٥ کتاب آداب الأكل فإنْ كانَ يُظَنُّ كراهيتُهُ .. فلا ينبغي أنْ يُؤْخَذَ ، وإذا عُلِمَ رضاهُ .. فينبغي مراعاةُ العدْلِ والنصفةِ معَ الرفقاءِ ، فلا ينبغي أنْ يأخذَ الواحدُ إلا ما يخصُّهُ ، أُوْ ما يرضى بهِ رفيقُهُ عنْ طوع ، لا عنْ حياءٍ . وأمَّا الانصرافُ .. فلهُ آدابٌ ثلاثةٌ : الأول : أنْ يخرجَ معَ الضيفِ إلى بابِ الدارِ : فهوَ سنةٌ ، وذلكَ من إكرام الضيفِ وقدْ أُمِرَ بإكرامِهِ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ .. فليكرمْ ضيفَهُ))(١). ـيــ وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((إنَّ مِنْ سنَّةِ الضيفِ أنْ يُشيَّعَ إلى بابِ الدارِ))(٢). قالَ أبو قتادةَ : قدم وفدُ النجاشيِّ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقامَ يخدمُهُمْ بنفسِهِ ، فقالَ لهُ أصحابُهُ : نحنُ نكفيكَ يا رسولَ اللهِ ، فقالَ : ((إنَّهُمْ كانوا لأصحابي مكرمينَ، وأنا أحبُّ أنْ أكافئَهُمْ)) (٣). وتمامُ الإكرام طلاقةُ الوجهِ ، وطيبُ الحديثِ عندَ الدخولِ والخروجِ (١) رواه البخاري (٦٠١٨)، ومسلم ( ٤٧ ). (٢) رواه ابن ماجه (٣٣٥٨)، والبيهقي في ((الشعب)) (٩٢٠٢). (٣) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٨٧٠٣)، والخطيب في ((الفقيه والمتفقه)) ( ٩١٥ ) . وه ٧٥ کتاب آداب الأكل ربع العادات وعلى المائدة ، قيلَ للأوزاعيِّ رضيَ اللهُ عنهُ: ما كرامةُ الضيفِ ؟ قالَ : طلاقةُ الوجهِ ، وطيبُ الحديثِ(١) . وقالَ يزيدُ بنُ أبي زيادٍ : ( ما دخلتُ على عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى إلاّ حذَّثنا حديثاً حسناً ، وأطعمَنا طعاماً حسناً)(٢). الثاني : أنْ ينصرفَ الضيفُ طيِّبَ النفسِ وإنْ جرى في حقِّهِ تقصيرٌ : فذلكَ مِن حُسْنِ الخلقِ والتواضع ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ الرجلَ ليدركُ بحسْنِ خلقِهِ درجةَ الصائمِ القائمِ»(٣). ودُعِيَ بعضُ السلفِ برسولٍ ، فلمْ يصادفْهُ الرسولُ ، فلمَّا سمعَ .. حضرَ ، وكانوا قدْ تفرَّقوا وفرغوا ، فخرجَ إليهِ صاحبُ المنزلِ وقالَ : قَدْ خرجَ القومُ ، قالَ : هَل بقيَ بقيةٌ؟ قالَ : لا ، قالَ : فكسرةٌ إنْ بقيتْ ، قالَ : لمْ تبقَ ، قالَ : فالقدورَ أمسحُها ، قالَ : قدْ غسلناها ، فانصرفَ حن (١) رواه ابن حبان في ((روضة العقلاء)) (ص٢٦١). وربّ ضيفٍ طرقَ الحيَّ سُرَىُ صادفَ زاداً وحديثاً ما اشتهى إنَّ الحديثَ طرفٌ مِنَ القِرَىُ (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((مكارم الأخلاق)) (٣٠٤)، وفي رجز للشماخ رضي الله عنه كما في (( ديوانه)) ( ص٤٦٦ ) : (٣) رواه أبو داوود (٤٧٩٨)، وأحمد في ((المسند)) (١٣٣/٦). ٧٦ جن حن دن ربع العادات کتاب آداب الأكل يحمدُ اللهَ تعالى ، فقيلَ لهُ في ذلكَ، فقالَ : قدْ أحسنَ الرجلُ ، دعانا بنيَّةٍ وردَّنا بنيّةٍ (١). مئن ص. ئن فهذا هوَ معنى التواضعِ وحسنِ الخلقِ . وحُكِيَ أَنَّ أستاذَ أبي القاسمِ الجنيدِ دعاهُ صبيٌّ إلى دعوةِ أبيهِ أربعَ مرَّاتٍ(٢) ، فردَّهُ الأبُ في المرَّاتِ الأربع وهوَ يرجعُ في كلِّ مرَّةٍ تطييباً لقلْبٍ الصبيِّ في الحضورِ، ولقلبِ الأبِ في الانصرافِ (٣). فهذهِ نفوسٌ قَدْ ذُلِّلَتْ بالتواضع للهِ تعالى، واطمأنَّتْ بالتوحيدِ ، وصارتْ تشاهدُ في كلِّ ردِّ وقبولٍ عبرةً فيما بينها وبينَ ربِّها ، فلا تنكسرُ بما يجري مِنَ العبادِ مِنَ الإذلالِ ، كما لا تستبشرُ بما يجري منهُمْ مِنَ الإكرامِ ، بلْ يرونَ الكلَّ مِنَ الواحدِ القهَّارِ ، ولذلكَ قالَ بعضُهُمْ: ( أنا لا أجيبُ الدعوةَ إلاَّ لأنِّي أتذكَّرُ بِهَا طعامَ الجنَّةِ ) ؛ أيْ: هوَ طعامٌ طيِّبٌ يُحملُ عنَّا كُّهُ ومؤنتُهُ وحسابُهُ(٤). ح G الثالثُ : ألاَّ يخرجَ إلا برضا صاحبِ المنزلِ وإِذْنِهِ : ويراعي قلبَهُ في قدْرِ (١) قوت القلوب (١٨٥/٢) . (٢) في دعوة واحدة ، لا في دعوات متفرقات. (٣) قوت القلوب (١٨٥/٢)، وأستاذ الجنيد هو أبو جعفر بن الكرنبي كما في (( تاريخ بغداد)» ( ٤١٥/١٤) . (٤) قوت القلوب (١٨٦/٢) بنحوه . ٧٧ كتاب آداب الأكل ربع العادات الإقامةِ ، وإذا نزلَ ضيفاً .. فلا يزيدُ على ثلاثةِ أيام، فربَّما يتبرَّمُ بهِ ويحتاجُ .8 إلى إخراجهِ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((الضيافةُ ثلاثةُ أيام ، فما زادَ فصدقةٌ))(١) . نعمْ ، لوْ ألخَّ ربُ البيتِ عليهِ عنْ خلوصٍ قلبٍ .. فلهُ المقامُ إذْ ذاكَ . فعة ويُستحبُّ أنْ يكونَ عندهُ فراشٌ للضيفِ النازلِ ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( فراشٌ للرجلِ ، وفراشٌ للمرأةِ ، وفراشٌ للضيفِ، والرابعُ للشيطانِ)) (٢). (١) رواه البخاري (٦٠١٩)، ومسلم في اللقطة، باب الضيافة ونحوها (٤٨). (٢) رواه مسلم (٢٠٨٤) ، والعبرة في وصف الفراش لعرف البلاد . ٧٨ ربع العادات كتاب آداب الأكل فَضَ بجمع آدابا ومناحي طبّيّة وشرعية متفرقة الأوَّلُ : حُكِيَ عنْ إبراهيمَ النخعيِّ أنَّهُ قالَ: ( الأكلُ في السوقِ دناءةٌ ) ، وأسندَ هذا إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وإسنادُهُ غريبٌ(١)، وقدْ نقلَ على ضدِّهِ عنِ ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ : ( كنّا نأكلُ على عهدٍ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ونحنُ نمشي، ونشربُ ونحنُ قيامٌ)(٢). ورُئِيَ بعضُ مشايخ الصوفيةِ المعروفينَ يأكلُ في السوقِ ، فقيلَ لهُ في ذلكَ ، فقالَ : ويحَكَ ، أجوعُ في السوقِ وآكلُ في البيتِ ؟! فقيلَ : تدخلُ المسجدَ ، فقالَ: أستحيي منهُ أنْ أدخلَ بيتَهُ للأكلِ فيهِ(٣). جــ ووجهُ الجمعِ : أنَّ الأكلَ في السوقِ تواضعٌ وترْكُ تكلُّفٍ مِنْ بعضٍ خات (١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٢٤٩/٨)، وابن عدي في ((الكامل)) (٨٠/٢)، وسياق المصنف هنا من ((القوت)) (١٨٨/٢) حيث قال: ( هذا غريب مسنداً ، وليس بذاك الصحيح ، إنه من قول التابعين ، إبراهيم النخعي ومن دونه ) ، وانظر ((الإتحاف)) (٢٦٣/٥) . (٢) رواه الترمذي ( ١٨٨١)، وابن ماجه (٣٣٠١)، والأثر ورد لبيان الجواز ؛ بدليل عطفه على الشرب قائماً مع وجود النهي عنه ، وسيسوق المصنف وجه الجمع بينهما . (٣) قوت القلوب (١٨٩/٢). ٧٩ ـون ـداء كتاب آداب الأكل ربع العادات الناسِ ؛ فهوَ حسنٌ ، وخرقُ مروءةٍ مِنْ بعضِهِمْ؛ فهوَ مكروهٌ ، ويختلفُ ذلكَ بعاداتِ البلادِ وأحوالِ الأشخاصِ ، فمَنْ لا يليقُ ذلكَ بسائرِ أعمالِهِ .. حملَ ذلكَ منهُ على قلَّةِ المروءةِ وفرْطِ الشَّرَهِ ، ويقدحُ ذلكَ في الشهادةِ ، ومَنْ يليقُ ذلكَ بجميع أحوالِهِ وأعمالِهِ في تركِ التكلَّفِ .. كانَ ذلكَ منهُ تواضعاً . الثاني : قالَ عليٌّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( مَنِ ابتدأَ غداءَهُ بالملح .. أذهبَ اللهُ عنهُ سبعينَ نوعاً مِنَ البلاءِ (١) ، ومَنْ أكلَ كلَّ يومٍ سبعَ تمراتٍ عجوةٍ .. قتلَتْ كلَّ دابةٍ في بطنِهِ (٢)، ومَنْ أكلَ كلَّ يومٍ إحدى وعشرينَ زبيبةً حمراءَ .. لمْ يرَ في جسدِهِ شيئاً يكرهُهُ ، واللحمُ يُنبتُ اللحمَ(٣)، والثريدُ طعامُ العربِ ، والبسْقارجاتُ تعظمُ البطنَ وترخي الأليتينِ(٤)، ولحمُ البقرِ داءٌ، ولبنُها (١) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٥٥٥٣)، وقال: ( قد أخرجناه بطوله في (( مناقب أمير المؤمنين علي رضي الله عنه)))، وعند ابن ماجه (٣٣١٥) في فضل الملح: (( سيد إدامكم الملح » . (٢) وقد روى البخاري (٥٤٤٥)، ومسلم (٢٠٤٧) مرفوعاً: (( من تصبّح بسبع تمرات عجوة .. لم يضره ذلك اليوم سمٌّ ولا سحر)). (٣) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٥٥٠٩) وزاد: ( فمن لم يأكل اللحم أربعين يوماً .. ساء خلقه ) . (٤) البسقارجات - بكسر الموحدة وسكون السين المهملة - : لفظة فارسية معناها : مرقة اللحم والدجاج، والمراد منها: ما يطبخ في أمراقهما من اللحم. («إتحاف)) (٢٦٦/٥ ) . ٨٠ دن دن