Indexed OCR Text

Pages 521-540

ربع العبادات
کتاب ترتيب الأوراد
ـبشسع
وشهودِ جنازةٍ؛ ففي الخبرِ: (( مَنْ جمعَ بينَ هذهِ الأربع في يومٍ .. غُفِرَ
لهُ))، وفي روايةٍ: ((دخلَ الجنَّةَ)) (١) ، فإنِ اتفقَ بعضُها وعجزَ عنِ
الآخرِ .. كانَ لهُ أجرُ الجميع بحسَبٍ نيَّهِ .
وكانوا يكرهونَ أنْ ينقضيَ اليومُ ولمْ يتصدَّقوا فيهِ بصدقةٍ ولوْ بتمرةٍ أوْ
بَصَلَةٍ أوْ كسرةٍ خبزِ ؛ لقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( الرجلُ في ظلِّ صدقتِهِ
حتَّى يُقضىُ بينَ الناس))(٢)، ولقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((اتقوا النارَ ولوْ
بشقِّ تمرةٍ)»(٣).
ودفعتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها إلى سائلِ عنبةً واحدةً فأخذَها ، فنظرَ مَنْ
كانَ عندَها بعضُ الحاضرينَ إلى بعضٍ فقالتْ : ( ما لكمْ ! إنَّ فيها لمثاقيلَ
ذرٌّ كثيرٍ ) (٤) .
حشر:
1
وكانوا لا يستحبُّونَ ردَّ السائلِ؛ إذْ كانَ منْ أخلاقِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ
(١) رواه مسلم (١٠٢٨)، ولفظه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (( من أصبح منكم اليوم صائماً ؟)) قال أبو بكر رضي الله عنه :
أنا، قال: (( فمن تبع منكم اليوم جنازة؟)) قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا ، قال :
((فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟)) قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا، قال: (( فمن عاد
منكم اليوم مريضاً ؟)) قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (( ما اجتمعن في امرىءٍ إلا دخل الجنة)). ورواية: ((غفر له)) أوردها صاحب
((القوت)) (٤٢/١) .
(٢) رواه ابن حبان في «صحيحه)) (٣٣١٠)، والحاكم في ((المستدرك)) (٤١٦/١).
(٣) رواه البخاري ( ١٤١٣)، ومسلم (١٠١٦).
(٤) قوت القلوب (٤٢/١).
مدّو
٥٢١

كتاب ترتيب الأوراد
ربع العبادات
عليهِ وسلَّمَ ذلكَ ، ما سألَهُ أحدٌ شيئاً فقالَ : لا ، ولكنَّهُ إنْ لمْ يقدرْ عليهِ ..
سكتَ(١)، وفي الخبرِ: ((يصبحُ ابنُ آدَمَ وعلى كلِّ سُلامى مِنْ جسدِهِ صدقةٌ
- يعني : كلَّ مفصلٍ ، وفي جسدِهِ ثلاثُ مئةٍ وستونَ مفصلاً - فأمرُكَ
بالمعروفِ صدقةٌ ، ونهيُكَ عَنِ المنكرِ صدقةٌ ، وحملُكَ عنِ الضعيفِ
صدقةٌ ، وهدايتُكَ إلى الطريقِ صدقةٌ، وإماطتُكَ الأذى صدقةٌ))، حتَّى ذكرَ
التسبيحَ والتهليلَ ثمَّ قالَ: (( وركعتا الضحى تأتي على ذلكَ كلَّهِ ، أوْ تجمعُ
ذلكَ كلَّهُ))(٢).
..:
(١) رواه مسلم (٢٣١١)، والبزار (٦٤٣٩).
(٢) رواه البخاري (٢٩٨٩)، ومسلم (٧٢٠) واللفظ له .
٥٢٢

ربع العبادات
كتاب ترتيب الأوراد
بيان اختلاف الأوراد باختلاف الأحوال
اعلمْ: أنَّ المريدَ لحرثِ الآخرةِ السالكَ لطريقِها لا يخلو عَنْ سنَّةٍ
أحوالٍ ؛ فإنَّهُ إما عابدٌ، وإمَّا عالمٌ، وإمَّا متعلُّمٌ، وإمَّا والٍ، وإمَّا
محترفٌ، وإمَّا موحِّدٌ مستغرقٌ بالواحدِ الصمدِ عَنْ غيرهِ .
الأوَّلُ : العابدُ :
وهوَ المتجرِّدُ لعبادةِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، الذي لا شغلَ لهُ غيرُها أصلاً ، ولوْ
تركَ العبادةَ .. لجلسَ بطَّالاً، فترتيبُ أورادِهِ ما ذكرناهُ .
نعمْ ، لا يبعدُ أنْ تختلفَ وظائفُهُ ؛ بأنْ يستغرقَ أكثرَ أوقاتِهِ إِمَّا في
الصلاةِ ، أوْ في القراءةِ ، أَوْ في التسبيحاتِ ، فقدْ كانَ في الصحابةِ
رضيَ اللهُ عنهُمْ مَنْ وِردُهُ في اليوم اثنا عشرَ ألفَ تسبيحةٍ (١) ، وكانَ فيهِمْ مَنْ
وِردُهُ ثلاثونَ ألفاً ، وكانَ فيهِمْ مَنْ وِردُهُ ثلاثُ مئةِ ركعةٍ إلى ستِّ مئةٍ ، وإلى
ألفِ ركعةٍ ، وأقلُّ ما نُقِلَ في أورادِهِمْ مِنَ الصلاةِ منَةُ ركعةٍ في اليومِ
والليلةٍ(٢).
وكانَ بعضُهُم أكثرُ وردِهِ القرآنُ ، فكانَ يختمُ الواحدُ منهُمْ فِي اليومِ مرَّةٌ ،
(١) كأبي هريرة رضي الله عنه، روى ذلك عنه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٧٢٦٩)،
وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) ( ٦٧ /٣٦٣).
1
(٢) قوت القلوب (٤٠/١-٤١).
٥٢٣

كتاب ترتيب الأوراد
ربع العبادات
ورُوِيَ : مرتينٍ عَنْ بعضِهِمْ ، وكانَ بعضُهُمْ يقضي اليومَ أوِ الليلةَ في التفكّرِ
في آيةٍ واحدةٍ يرددُها .
وكانَ كُرْزُ بنُ وبرةَ مقيماً بمكَّةَ ، فكانَ يطوفُ في كلِّ يومٍ سبعينَ
أسبوعاً ، وفي كلِّ ليلةٍ سبعينَ أسبوعاً ، وكانَ معَ ذلكَ يختمُ القرآنَ في
اليوم والليلةِ مرَّتينِ ، فحُسِبَ ذلكَ فكانَ عشرةَ فراسخَ ، ويكونُ معَ
كلِّ أسبوع ركعتانِ ، فهوّ مئتانِ وثمانونَ ركعةً، وختمتانِ ، وعشرةُ
فراسخَ(١).
فإنْ قلتَ : فما الأولىُ أنْ يصرفَ إليهِ أكثرَ الأوقاتِ مِنْ هذهِ
الأورادِ ؟
فاعلمْ : أنَّ قراءةَ القرآنِ في الصلاةِ قائماً معَ التدبُّرِ يجمعُ الجميعَ ،
ولكنْ ربما تعسرُ المواظبةُ عليهِ ، فالأفضلُ يختلفُ باختلافِ حالِ الشخصِ ،
ومقصودُ الأورادِ تزكيةُ القلبِ وتطهيرُهُ ، وتحليتُهُ بذكرِ اللهِ عزَّ وجلَّ وإيناسُهُ
٠
(١) كذا في «القوت)) (٤١/١)، وروى أبو نعيم في «الحلية)) (٨١/٥) عن ابن شُبرمة يقول:
لو شئتُ كنت ككرز في تعبُّدِهِ
أو كابنٍ طارق حول البيتِ في الحرمِ
وسارعا في طلاب الفوز والكرم
قد حال دون لذيذ العيش خوفهما
وكان محمد بن طارق يطوف في كل يوم وليلة سبعين أسبوعاً ، وكان كرز يختم القرآن
في كل يوم وليلة ثلاث ختمات .
بت
٥٢٤
١٠٠

ربع العبادات
كتاب ترتيب الأوراد
بهِ ، فلينظرِ المريدُ إلى قلبهِ ، فما يراهُ أشدَّ تأثيراً فيهِ .. فليواظبْ عليهِ ، فإذا
أحسَّ بملالةٍ منهُ . . فلينتقلْ إلى غيرِهِ .
ولذلكَ نرى الأصوبَ لأكثرِ الخلقِ توزيعَ هذِهِ الخيراتِ المختلفةِ على
الأوقاتِ كما سبقَ ، والانتقالَ فيها مِنْ نوع إلى نوع ؛ لأنَّ المَلالَ هوَ الغالبُ
على الطبع ، وأحوالُ الشخصِ الواحدِ أيضاً في ذلكَ تختلفُ ، ولكنْ إذا فهمَ
فقهَ الأورادِ وسرَّها .. فليتبع المعنى ، فإنْ سمعَ تسبيحةً مثلاً وأحسّ لها بوقع
في قلبهِ .. فليواظبْ على تكرارِها ما دامَ يجدُ لها وقعاً .
وقد رُوي عنْ إبراهيمَ بنِ أدهمَ رحمهُ اللهُ عنْ بعضِ الأبدالِ : أنَّهُ قَامَ ذاتَ
ليلةٍ يصلّي على شاطىءِ البحرِ ، فسمعَ صوتاً عالياً بالتسبيح ولمْ يرَ أحداً ،
فقالَ : مَنْ أنتَ أسمعُ صوتَكَ ولا أرى شخصَكَ ؟ فقالَ : أنا مَلَكٌ مِنَ
الملائكةِ موكَّلٌ بههذا البحرِ ، أسبُحُ اللهَ تعالى بههذا التسبيح منذُ خُلقتُ ،
و
قلتُ : فما اسمُكَ ؟ قالَ : مهلهيائيل ، قلتُ : فما ثوابُ مَنْ قالَهُ ؟ قالَ :
مَنْ قالَهُ مئةَ مرَّةٍ .. لمْ يمتْ حتَّى يرى مقعدَهُ مِنَ الجنَّةِ أَوْ يُرِىُ لهُ(١) .
والتسبيحُ : هوَ قولُهُ : ( سبحانَ اللهِ العليِّ الدَّانِ، سبحانَ اللهِ الشديد
الأركانِ ، سبحانَ مَنْ يذهبُ بالليلِ ويأتي بالنهارِ ، سبحانَ مَنْ لا يشغلُهُ
شانٌ عَنْ شانٍ ، سبحانَ اللهِ الحنَّانِ المنَّانِ ، سبحانَ اللهِ المسبَّحِ في كلِّ
مکانٍ ) .
(١) قوت القلوب (٤٠/١).
٥٢٥

كتاب ترتيب الأوراد
ربع العبادات
فهذا وأمثالُهُ إذا سمعَهُ المريدُ ووجدَ لهُ في قلبهِ وقْعاً .. فيلازمُهُ ، وأيّاً
ما وجدَ القلبَ عندَهُ وفُتْحَ لهُ فيهِ خيرٌ . . فليواظبْ عليهِ .
الثاني : العالمُ الذي ينفعُ الناسَ بعلمِهِ في فتوى ، أوْ تدريس ، أوْ
تصنيفٍ :
فترتيبُهُ الأورادَ يخالفُ ترتيبَ العابدِ ؛ فإنَّهُ يحتاجُ إلى المطالعةِ للكتبِ ،
وإلى التصنيفِ والإفادةِ ، ويحتاجُ إلى مدَّةٍ لها لا محالةَ ، فإنْ أمكنَهُ استغراقُ
الأوقاتِ فيهِ .. فهو أفضلُ ما يشتغلُ بهِ بعدَ المكتوباتِ ورواتبها .
ويدلُّ على ذلكَ جميعُ ما ذكرناهُ في فضيلةِ التعليمِ والتعلُّمِ في كتابٍ
العلمِ ، وكيفَ لا يكونُ كذلكَ وفي العلمِ المواظبةُ على ذكرِ اللهِ تعالى وتأمُّلٍ
ما قالَ اللهُ سبحانَهُ وقالَ رسولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وفيهِ منفعةُ الخلقِ
وهدايتُهُمْ إلى طريقِ الآخرةِ ؟! ورَّ مسألةٍ واحدةٍ يتعلَّمُها المتعلِّمُ فيصلحُ
بها عبادةَ عمرٍهٍ ، ولوْ لمْ يتعلَّمْها .. لكانَ سعيُهُ ضائعاً .
وإنَّما نعني بالعلمِ المقدَّمِ على العبادةِ : العلمَ الذي يرغِّبُ الناسَ في
الآخرةِ ويزهِّدُهم في الدنيا ، أوِ العلمَ الذي يعينُهُمْ على سلوك طريقِ الآخرةِ
إذا تعلَّمُوهُ على قصدِ الاستعانةِ بهِ على السلوكِ ، دونَ العلوم التي تزيدُ بها
الرغبةُ في المالِ والجاهِ وقبولِ الخلقِ .
٤٥٠
والأولى بالعالم أنْ يقسمَ أوقاتَهُ أيضاً ؛ فإنَّ استغراقَ الأوقاتِ في ترتيبٍ
٥٢٦
بويبووسـ

ربع العبادات
كتاب ترتيب الأوراد
العلم لا يحتملُهُ الطبعُ ، فينبغي أن يخصِّصَ ما بعدَ الصبحِ إلى طلوع الشمسِ
بالأذكار والأورادِ ، كما ذكرناه في الوِردِ الأوَّلِ .
وبعدَ الطلوع إلى ضحوةِ النهارِ في الإفادةِ والتعليمِ إنْ كانَ عندَهُ مَنْ
يستفيدُ علماً لأجلِ الآخرةِ ، وإنْ لمْ يكنْ .. فيصرفُهُ إلى الفِكْرِ ، ويتفكّرُ
فيما يشكلُ عليهِ مِنْ علوم الدينِ ، فإنَّ صفاءَ القلبِ بعدَ الفراغ مِنَ الذكرِ وقبلَ
الاشتغالِ بهموم الدنيا يعينُ على التفطُّنِ للمشكلاتِ .
ومِنْ ضحوةِ النهارِ إلى العصرِ للتصنيفِ والمطالعةِ ، لا يتركُهما إلا في
وقتِ أكلِ وطهارةٍ ومكتوبةٍ وقيلولةٍ خفيفةٍ إِنْ طالَ النهارُ .
ومِنَّ العصرِ إلى الاصفرارِ يشتغلُ بسماعٍ ما يُقرأُ بينَ يديهِ ؛ مِنْ تفسيرٍ أوْ
حديثٍ أوْ علمٍ نافعٍ .
ومِنَ الاصفرارِ إلى الغروبِ يشتغلُ بالذكرِ والاستغفارِ والتسبيحِ .
فيكونُ وِردُهُ الأوَّلُ قبلَ طلوع الشمسِ في عملِ اللسانِ ، ووِردُهُ الثاني في
عملِ القلبِ بالفكرِ إلى الضحوةِ ، ووٍردُهُ الثالثُ إلى العصرِ في عملِ العينِ
واليدِ بالمطالعةِ والكتابةِ ، ووردُهُ الرابعُ بعدَ العصرِ في عملِ السمعِ ؛ ليروُّحَ
فيهِ العينَ واليدَ ، فإنَّ المطالعةَ والكتابةَ بعدَ العصرِ ربما أضرًا بالعينِ ، وعندَ
الاصفرارِ يعودُ إلى ذكرِ اللسانِ ، فلا يخلو جزءٌ مِنَ النهارِ عنْ عملٍ لهُ
بالجوارحِ معَ حضورِ القلبِ في الجميعِ .
٢٠٠٠
وأمَّا الليلُ .. فأحسنُ قسمةٍ فيهِ قسمةُ الشافعيِّ رضيَ اللهُ عنهُ؛ إذْ كانَ
٥٢٧
ـرم

كتاب ترتيب الأوراد
ربع العبادات
يقسمُ الليلَ ثلاثةَ أجزاءٍ : ثلثٌ للمطالعةِ وترتيبِ العلم وهوَ الأوَّلُ ، وثلثٌ
للصلاةِ وهوَ الوسطُ ، وثلثٌ للنومِ وهوَ الأخيرُ ، وهذا يتيسَّرُ في ليالي
الشتاءِ ، وأمَّا الصيفُ .. ربما لا يحتملُ ذلكَ إلا إذا كانَ أكثرَ النومَ بالنهارِ ،
فهذا ما نستحبُّهُ مِنْ ترتيبِ أورادِ العالمِ (١).
الثالثُ : المتعلِّمُ :
والاشتغالُ بالتعلُّمِ أفضلُ مِنَ الاشتغالِ بالأذكارِ والنوافلِ(٢)، فحكمُهُ
حكمُ العالمِ في ترتيبِ الأورادِ ، ولكنْ يشتغلُ بالاستفادةِ حيثُ يشتغلُ العالمُ
بالإفادةِ ، وبالتعليقِ والنسخِ حيثُ يشتغلُ العالمُ بالتصنيفِ .
ويرتِّبُ أوقاتَهُ كما ذكرناهُ .
وكلُّ ما ذكرناهُ في فضيلةِ التعلُّمِ والعلمِ مِنْ كتابِ العلمِ يدلُّ على أنَّ ذلكَ
أفضلُ، بلْ إنْ لمْ يكنْ متعلُّماً على معنى أنَّهُ يعلِّقُ ويحصِّلُ ليصيرَ عالماً بلْ
(١) ومن اختار هذا الترتيب في النهار والليل من العلماء .. بورك له في علمه وتصنيفه ،
وذكر بعض العلماء في ترجمة المصنّف قدِّس سرُّه أنه صنَّف هذا الكتاب في مئة يوم ،
ومع ذلك كان يختم القرآن في اليوم والليلة مرة ، فهذا وأمثاله مما وقع لغيره من
المصنفين من بركة الوقت وحسن إخلاصهم رحمهم الله تعالى ونفعنا بهم آمين .
(«إتحاف)) ( ١٧٣/٥ ) .
(٢) بل الاشتغال بالعلم اشتغال بالذكر ؛ إذ العلم الذي يشتغل به يذكر فيه الله ورسوله ، فهو
في ذكر. ((إتحاف)) (١٧٣/٥ ).
٥٢٨

ربع العبادات
کتاب ترتيب الأوراد
كانَ مِنَ العوامِّ .. فحضورُهُ مجالسَ الذكرِ والوعظِ والعلمِ أفضلُ مِنِ اشتغالِهِ
بالأورادِ التي ذكرناها بعدَ الصبحِ وبعدَ الطلوع وفي سائرِ الأوقاتِ ، ففي
حديثٍ أبي ذرِّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( إنَّ حضورَ مجلسٍ ذكرٍ أفضلُ مِنْ صلاةِ ألفٍ
ركعةٍ ، وشهودِ ألفِ جنازةٍ، وعيادةِ ألفٍ مريضٍ)(١) .
..-
وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إذا رأيتُمْ رياضَ الجنَّةِ .. فارتعوا
فيها )) فقيلَ: يا رسولَ اللهِ؛ وما رياضُ الجنَّةِ؟ قالَ: ((حِلقُ الذكْرِ))(٢).
وقالَ كعبُ الأحبارِ رضيَ اللهُ عنهُ: ( لوْ أنَّ ثوابَ مجالسِ العلماءِ بدا
للناس .. لاقتلوا عليهِ حتَّى يتركَ كلُّ ذي إمارةٍ إمارتهُ، وكلُّ ذي سوقٍ
سوقَهُ)(٣) .
6
وقالَ عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ : ( إنَّ الرجلَ ليخرجُ مِنْ منزِلِهِ وعليهِ
مِنَ الذنوبِ مثلُ جبالِ تهامةَ ، فإذا سمعَ العالمَ .. خافَ واسترجعَ عنْ ذنوبِهِ ،
وانصرفَ إلى منزلِهِ وليسَ عليهِ ذنبٌ ، فلا تفارقوا مجالسَ العلماءِ ، فإنَّ اللهَ عزَّ
وجلَّ لمْ يخلقْ على وجهِ الأرضِ تربةً أكرمَ مِنْ مجالسِ العلماءِ ) .
وقالَ رجلٌ للحسنِ رحمهُ اللهُ : أشكو إليكَ قساوةَ قلبي ، فقالَ : أدْنِهِ
مِنْ مجالسِ الذكرِ (٤).
(١) قوت القلوب (٦٧/١)، وانظر ((الإتحاف)) (٩٩/١).
(٢) رواه الترمذي (٣٥١٠) .
(٣) نسبه الحافظ الزبيدي فى ((إتحافه)) (١٧٤/٥) لأبي نعيم في «الحلية)).
(٤) رواه البيهقي في ((الشعب)) ( ٦٩١ ).
٥٢٩

کتاب ترتیب الأوراد
...
ربع العبادات
ورأى عمارٌ الراهبُ مسكينةَ الطفاويةَ في المنامِ وكانتْ مِنَ المواظباتِ
على حِلَقِ الذكرِ ، فقالَ : مرحباً يا مسكينةُ ، فقالتْ : هيهاتَ هيهاتَ ،
ذهبتِ المسكنةُ وجاءَ الغنى، فقالَ: هيهِ ، فقالتْ : ما تسألُ عمَّنْ أبيحَ لها
الجنةُ بحذافيرِها ، قالَ : وبمَ ذلكَ ؟ قالتْ: بمجالسةِ أهلِ الذكرِ (١).
وعلى الجملةِ : فما ينحلُّ عنِ القلبِ مِنْ عقدةٍ مِنْ عُقدِ حبِّ الدنيا بقولِ
واعظٍ حسنِ الكلامِ زكيِّ السيرةِ .. أشرفُ وأنفعُ مِنْ ركعاتٍ كثيرةٍ معَ اشتمالٍ
القلبٍ على حبِّ الدنيا .
الرابعُ : المحترفُ الذي يحتاجُ إلى الكسبِ لعيالِهِ :
فليسَ لهُ أنْ يضيعَ العيالَ ويستغرقَ الأوقاتَ في العباداتِ، بلْ وِردُهُ في
وقتِ الصناعةِ حضورُ السوقِ ، والاشتغالُ بالكسبِ ، ولكنْ ينبغي ألاَّ ينسى
ذكرَ اللهِ تعالى في صناعتِهِ ، بلْ يواظبُ على التسبيحاتِ والأذكارِ وقراءةٍ
القرآنِ ، فإنَّ ذلكَ يمكنُ أنْ يُجمَعَ إلى العملِ ، وإنَّما الذي لا يتيسَّرُ معَ
العملِ الصلاةُ، إلا أنْ يكونَ ناظوراً(٢) ، فإنَّهُ لا يعجَزُ عنْ إقامةِ أورادِ الصلاةِ
معهُ .
(١) رواها ابن أبي الدنيا في ((المنامات)) (١٤٧)، والدينوري في (( المجالسة وجواهر
العلم » ( ص٥٩٥ ) .
(٢) الناظور : هو الناطور ، حافظ البستان ونحوه.
٥٣٠

ربع العبادات
كتاب ترتيب الأوراد
ثمَّ مهما فرغَ مِنْ كفايتِهِ .. ينبغي أنْ يعودَ إلى ترتيبِ الأورادِ ، وإنْ داومَ
على الكسبِ وتصدَّقَ بما فضلَ عنْ حاجتِهِ .. فهوَ أفضلُ مِنْ سائرِ الأورادِ
التي ذكرناها ؛ لأنَّ العبادةَ المتعديةَ فائدتُها أنفعُ مِنَ اللازمةِ ، والصدقةُ
والكسبُ على هذهِ النيّةِ عبادةٌ لهُ في نفسِهِ تقرِّبُهُ إلى اللهِ تعالى ، ثمَّ يحصلُ بهِ
فائدةٌ للغيرِ ، وتنجذبُ إليهِ بركاتُ دعواتِ المسلمينَ ، فيتضاعفُ بهِ
الأجرُ .
الخامسُ : الوالي :
مثلُ الإمام والقاضي والمتولّي لينظرَ في أمورِ المسلمينَ ، فقيامُهُ
بحاجاتِ المسلمينَ وأغراضِهِمْ على وَفْقِ الشرع وقصْدِ الإخلاصِ أفضلُ مِنَ
الأورادِ المذكورةِ ، فحقُّهُ أنْ يشتغلَ بحقوقِ الناسِ نهاراً ، ويقتصرَ على
المكتوبةِ ، ويقيمَ الأورادَ المذكورةَ بالليلِ ؛ كما كانَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ
يفعلُهُ؛ إذْ قالَ : ( ما لي وللنوم ، لوْ نمتُ بالنهارِ .. ضيّعْتُ المسلمينَ ،
ولوْ نمتُ بالليلِ .. ضيعتُ نفسي)(١) .
وقدْ فهمتَ ممَّا ذكرناهُ أنَّهُ يقدَّمُ على العباداتِ البدنيةِ أمرانِ : أحدُهما :
(١) رواه الدينوري في (( المجالسة وجواهر العلم)) (ص٦٠٤)، وابن عساكر في (( تاريخ
دمشق)) (٢٧٣/٤٤)، وكان ذلك جواباً لعمرو بن العاص حين كتب له فسأله : بلغني
يا أمير المؤمنين أنك لا تنام بالليل ولا بالنهار إلا مغلباً .
ـعصف
٥٣١

كتاب ترتيب الأوراد
ربع العبادات
العلمُ ، والآخرُ : الرفقُ بالمسلمينَ ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ مِنَ العلمِ وفعلِ
المعروفِ عملٌ في نفسِهِ ، وعبادةٌ تفضلُ سائر العباداتِ بتعدي فائدتِهِ وانتشار
جدواهُ ، فكانا مقدَّمينِ عليهِ .
السادسُ : الموحِّدُ المستغرقُ بالواحدِ الصمدِ :
الذي أصبحَ وهمومُهُ همٍّ واحدٌ (١) ، فلا يحبُّ إلا اللهَ عزَّ وجلَّ، ولا يخافُ إلا
منهُ ، ولا يتوقَّعُ الرزقَ منْ غيرِهِ ، ولا ينظرُ في شيءٍ إلا ويرى اللهَ عزَّ وجلَّ فيهِ .
فمَنِ ارتفعتْ رتبتُهُ إلى هذهِ الدرجةِ .. لمْ يفتقرْ إلى تنويع الأورادِ
واختلافِها ، بلْ كانَ وردُهُ بعدَ المكتوباتِ وِرداً واحداً ، وهوَ حضورُ القلبِ
معَ اللهِ عزَّ وجلَّ في كلِّ حالٍ ، فلا يخطرُ بقلوبِهِمْ أمرٌ ، ولا يقرعُ سمعَهُمْ
قارعٌ ، ولا يلوحُ لأبصارِهِمْ لائحٌّ . . إلا كانَ لهُمْ فيهِ عِبرةٌ وفكرٌ ومزيدٌ ، فلا
محرِّكَ لهُمْ ولا مسكِّنَ إلا اللهُ عزَّ وجلَّ .
(١) روى الحاكم في ((المستدرك)) (٤٤٣/٢) مرفوعاً: ((من جعل الهموم همّاً واحداً ..
كفاه الله همَّ دنياه ، ومن تشعبت به الهموم .. لم يبال الله في أي أودية الدنيا هلك)).
سير٧
وروى ابن المبارك في « الزهد» ( ٨٥٨) عن الحسن قال : قال عامر بن عبد قيس
لقوم ذكروا الدنيا : وإنكم لتهتمون؟! والله لئن استطعت .. لأجعلنهما همّاً واحداً،
قال الحسن : ففعل والله ذلك حتى لحق بالله .
٥٣٢
--

ربع العبادات
كتاب ترتيب الأوراد
فهؤلاءِ جميعُ أحوالِهِمْ تصلحُ أنْ تكونَ سبباً لازديادِهِمْ، فلا تتميّزٌ
عندَهُمْ عبادةٌ عنْ عبادةٍ ، وهُمُ الذينَ فرُّوا إلى اللهِ عزَّ وجلَّ كما قالَ تعالى :
﴿لَعَلَّكُمْ نَذَّكَّرُونَ ﴾ فَفِرُواْ إِلَى اللَّهِ﴾، وتحقَّقَ فيهِمْ قولُهُ تعالى: ﴿وَإِ
اعْتَزَ لْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّ اللَّهَ فَأْوُواْ إِلَى الْكَهْفِ يَشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ﴾(١)،
وإليهِ الإشارةُ بقولِهِ: ﴿إِنِّ ذَاهِبٌ إِلَى رَبِ سَيَهْدِينٍ﴾(٢) .
وهذهِ منتهى درجاتِ الصدِّيقينَ ، ولا وصولَ إليها إلا بعدَ ترتيبٍ
الأورادِ والمواظبة عليها دهراً طويلاً، فلا ينبغي أنْ يغترَّ المريدُ بما يسمعُهُ مِنْ
ذلكَ فيدعيَهُ لنفسِهِ ، ويفترَ عنْ وظائفِ عباداتِهِ ، فذلكَ علامتُهُ ألاَّ يهجسَ في
قلبهِ وسواسٌ، ولا يخطرَ في قلبهِ معصيةٌ ، ولا تزعجَهُ هواجمُ الأهوالِ ،
ولا تستفزَّهُ عظائمُ الأشغالِ ، وأنَّى تُرزقُ هذهِ الرتبةُ لكلِّ أحدٍ ؟!
فيتعيّنُ على الكافّةِ ترتيبُ الأورادِ كما ذكرناهُ ، وجميعُ ما ذكرناهُ طرقٌ
إلى اللهِ تعالى، قالَ اللهُ تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ، فَرَبُكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ
أَهْدَى سَبِيلًا﴾، فكلُّهُمْ مهتدونَ وبعضُهُمْ أهدىُ منْ بعضٍٍ .
وفي الخبرِ : (( الإيمانُ ثلاثٌ وثلاثونَ وثلاثُ مئةِ طريقةٍ ، مَنْ لقيَ اللهَ
(١) والإشارة في قوله: ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾، فهؤلاء نفوا عن قلوبهم عبادة غيره تعالى، فلم يحلَّ
فيها خاطر للسوى قط. ((إتحاف)) (١٧٦/٥).
(٢) فالذهاب إلى الله هو الغنى في الله، بحيث لا يبقى له خبر عما سوى الله. ((إتحاف))
( ١٧٦/٥ ) .
٣
.
٥٣٣

كتاب ترتيب الأوراد
ربع العبادات
تعالى بالشَّهَادِ على طريقةٍ منها .. دخلَ الجنَّةَ))(١)
وقالَ بعضُ العلماءِ : الإيمانُ ثلاثُ مئةٍ وثلاثةَ عشرَ خلقاً بعددِ الرسلِ ،
كلُّ مؤمنٍ على خلقٍ منها ، فهوَ سالكٌ للطريقِ إلى اللهِ عزَّ وجلّ ، فإذاً الناسُ
وإن اختلفتْ طرقُهُمْ في العبادةِ .. فكلُّهُمْ على الصوابِ، ﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ
يَدْعُونَ يَبْنَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ﴾، وإنَّما يتفاوتونَ في درجاتِ
القرْبِ لا في أصلِهِ ، وأقربُهُمْ إلى اللهِ تعالى أعرفُهُمْ بهِ ، وأعرفُهُمْ بهِ لا بدَّ
وأنْ يكونَ أعبدَهُمْ لهُ ، فَمَنْ عرفَهُ .. لمْ يعبدْ غيرَهُ .
٠٠٫٨٥٠ ٢٠
والأصلُ في الأورادِ في حقِّ كلِّ صنفٍ مِنَ الناسِ المداومةُ : فإنَّ المرادَ
منهُ تغييرُ صفاتِ الباطنِ، وآحادُ الأعمالِ يقِلُّ آثارُها، بلْ لا يُحَسُّ بآثارها ،
وإنَّما يترتَّبُ الأثرُ على المجموع ، فإذا لمْ يعقبِ العملُ الواحدُ أثراً
محسوساً، ولمْ يُردَفْ بثانٍ وثالثٍ على القربِ .. امَّحىُ أثرُ الأوَّلِ، وذلكَ
كالفقيهِ الذي يريدُ أنْ يكونَ فقيهَ النفسِ ، فإنَّهُ لا يكونُ فقيه النفسِ إلا بتكرارِ
كثيرٍ ، فلوْ بالغَ ليلةً في التكرارِ وتركَ شهراً أوْ أسبوعاً ثمَّ عادَ وبالغَ ليلةً .. لمْ
٠٠
(١) كذا لفظه في ((القوت)) (٨٣/١)، وقد رواه الطبراني في ((الأوسط)) ( ٧٣٠٦)،
واللالكائي في ((اعتقاد أهل السنة)) (٩٧٩/٥)، وأبو نعيم في « معرفة الصحابة )»
(١٩٠٤/٤)، والبيهقي في ((الشعب)) (٨١٩٠) بلفظ: (« الإيمان ثلاث مئة وثلاث
وثلاثون شريعة ، من وافى الله منها بشريعة .. دخل الجنة)).
٥٣٤

ربع العبادات
كتاب ترتيب الأوراد
يؤثِّرُ هذا فيهٍ، ولوْ وزَّعَ ذلكَ القدْرَ على الليالي المتواصلةِ .. لأثَّرَ فيهِ،
ولهذا السرِّ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ
تعالى أدومُها وإنْ قلَّ))(١) .
وسُئلتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها عَنْ عملِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
فقالتْ : ( كانَ عملُهُ ديمةً، وكانَ إذا عملَ عملاً .. أثبتَهُ)(٢).
ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ عوَّدَهُ اللهُ تعالى عبادةٌ فتركَها
مَلالةً .. مقتَهُ اللهُ عزَّ وجلَّ))(٣).
وهذا هوَ السببُ في صلاتِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بعدَ العصرِ تداركاً لما
فاتةُ مِنْ ركعتينِ شغلَهُ عنهُما الوفدُ ، ثمَّ لمْ يزلْ بعدَ ذلك يصلِّيهما بعدَ
العصرِ ، ولكنْ في منزلِهِ لا في المسجدِ ؛ كي لا يُقتدى بهِ ، روتْ ذلكَ
عائشةُ وأمُ سلمةَ رضيَ اللهُ عنهُما(٤) .
فإنْ قلتَ : فهلْ لغيرِهِ أنْ يقتديَ بهِ في ذلكَ معَ أنَّ الوقتَ وقتُ كراهيةٍ ؟
٠٠(2
(١) رواه البخاري (٦٤٦٤)، ومسلم ( ٧٨٣ ) .
(٢) رواه البخاري ( ١٩٨٧)، ومسلم (٧٤٦، ٧٨٣).
(٣) قوت القلوب (٨٤/١).
(٤) رواه البخاري (٥٩٠، ١٢٣٣)، ومسلم (٨٣٤، ٨٣٥)، وهاتان الركعتان كانتا بعد
الظهر كما في حديث أم سلمة رضي الله عنها ، وقد سبق الحديث عن ذلك .
٥٣٥

كتاب ترتيب الأوراد
205
ربع العبادات
فاعلمْ : أَنَّ المعانيَ الثلاثةَ التي ذكرناها في الكراهيةِ ؛ مِنَ الاحترازِ عنِ
التشُّهِ بعبدةِ الشمسِ ، أوِ السجودِ وقتَ ظهورِ قرْنِ الشيطانِ ، أوِ الاستراحةِ
عنِ العبادةِ حذراً مِنَ الملالِ .. لا يتحقَّقُ في حقِّهِ ، فلا يقاسُ علیهِ عليهِ
السلامُ في ذلكَ غيرُهُ ، ويشهدُ لذلكَ فعلُهُ في المنزلِ حتَّى لا يُقتدى بهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .
:٢
٥٣٦

ربع العبادات
كتاب ترتيب الأوراد
الْبَابُ الثَّاني
في الأسباب المديرة قيام اللّيل، وفي اللّيالي التي يُستحَبّ اجِياؤها
وفي فضيلة إحياء الليل وما بين العشاءين، وكيفية قسمة اللّيل
فضيلة إحياء ما بين العشاءين
قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيما رَوَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها :
((إِنَّ أفضلَ الصلواتِ عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ صلاةُ المغربِ ، لمْ يحطَّها عنْ مسافرٍ
ولا عنْ مقيمٍ ، فتحَ بها صلاةَ الليلِ ، وختمَ بها صلاةَ النهارِ ، فمَنْ صلَّى
المغربَ وصلَّى بعدَها ركعتينٍ .. بنى اللهُ عزَّ وجلَّ لهُ قصرينٍ في الجنَّةِ - قالَ
الراوي : لا أدري مِنْ ذهبٍ أوْ فضَّةٍ - ومَنْ صلَّى بعدَها أربعَ ركعاتٍ ..
غفرَ اللهُ لهُ ذنبَ عشرينَ سنةً، أوْ قالَ: أربعينَ سنةً))(١).
ميم.
وروتْ أمّ سلمةَ عنْ أبي هريرة رضيَ اللهُ عنهُمَا(٢) ، عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ
٥٠
(١) كذا الحديث في ((القوت)) (٢٩/١) عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله
عنها، وقد رواه مختصراً الطبراني في (( الأوسط)) (٦٤٤٥)، ورواه ابن شاهين في
((الترغيب)) وقد ساق سنده الحافظ الزيلعي في ((تخريج الأحاديث والآثار))
(٣٦٠/٣)، وقال الحافظ العراقي: (رواه أبو الوليد يونس بن عبد الله الصفار في
((كتاب الصلاة))). ((إتحاف)) (١٧٩/٥ ).
(٢) الذي في ((القوت)) (٣٠/١): (أبو سلمة عن أبي هريرة) وأبو سلمة: هو =
٥٣٧
ريا

كتاب ترتيب الأوراد
ربع العبادات
عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ : (( مَن صلَّى ستَّ ركعاتٍ بعدَ المغربِ .. عدلَتْ لهُ عبادةَ
سنةٍ كاملٍ، أوْ كأنَّهُ صلَّى ليلةَ القدرِ))(١).
وعنْ سعيد بن جبيرٍ ، عنْ ثوبانَ قالَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ : (( مَنْ عكفَ نفسَهُ ما بينَ المغربِ والعشاءِ في مسجدٍ جماعةٍ لمْ
يتكلَّمْ إلَّ بصلاةٍ أوْ قرآنٍ .. كانَ حقّاً على اللهِ تعالى أنْ يبنيَ لهُ قصرينٍ في
الجنَّةِ ، مسيرةُ كلِّ قصرٍ منهما مئةُ عام ، ويغرسَ لهُ بينَهُما غراساً لوْ طافَهُ أهلُ
الدنيا .. لوسعَهُمْ))(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((مَنْ ركعَ عشرَ ركعاتٍ ما بينَ المغربِ
والعشاءِ .. بنى اللهُ لهُ قصراً في الجنَّةِ))، فقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: إذاً تكثرَ
=
عبد الله بن رافع الحضرمي المصري التابعي ، وهو ما صوَّبه الحافظ الزبيدي في
((إتحافه)) (١٧٩/٥ ) .
(١) رواه الترمذي (٤٣٥)، وابن ماجه (١٣٧٤) بلفظ: (( من صلى بعد المغرب ست
ركعات لم يتكلم فيما بينهن .. عدلن له عبادة ثنتي عشرة سنة))، وزاد الحافظ
العراقي: ( وأما قوله : (( كأنه صلى ليلة القدر)) .. فهو من قول كعب الأحبار ، رواه
أبو الوليد الصفار والديلمي في ((مسند الفردوس)) من حديث ابن عباس: (( من صلى
أربع ركعات بعد المغرب قبل أن يكلِّم أحداً .. رفعت له في عليين ، وكان كمن أدرك
ليلة القدر بالمسجد الأقصى)) وسنده ضعيف). ((إتحاف)) (١٧٩/٥) .
(٢) كذا في ((القوت)) (٣٠/١)، ورواه أبو الفضل الزهري في (( جزء يضُّ حديثه )»
(٥٠٢)، وقال ابن الملقن في ((البدر المنير)) (٧٧٠/٥): (رواه الحاكم أبو أحمد
في (( كناه)))، وقال الحافظ الزبيدي : ( وبخط الحافظ ابن حجر : أسنده الديلمي من
حديث ثوبان ). ((إتحاف)) ( ١٧٩/٥ ).
٥٣٨

ربع العبادات
كتاب ترتيب الأوراد
قصورُنا يا رسولَ اللهِ ، فقالَ: ((اللهُ أكثرُ وأفضلٌ)) أوْ قالَ: ((أطيبُ))(١).
وعنْ أنسٍ بنِ مالكٍ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ: (( مَنْ صلَّى المغربَ في جماعةٍ، ثمَّ صلَّى بعدَها ركعتينٍ لا يتكلّمُ
بشيءٍ فيما بينَ ذلكَ مِنْ أمرِ الدنيا ، ويقرأُ في الركعة الأولى بـ( فاتحةِ
الكتابِ ) وعشرِ آيَاتٍ مِنْ أوَّلِ ( سورةِ البقرةِ) وآيتينٍ مِنْ وسطِها: ﴿ وَإِلَهُكُنْ
إِلَهٌ وَحٌِّ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾ إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى آخرِ
الآيةِ ، و( قلْ هوَ اللهُ أحدٌ) خمسَ عشرةَ مرَّةً ، ثمَّ يركعُ ويسجدُ ، فإذا قامَ
في الزَّكعةِ الثانيةِ .. قرأَ ( فاتحةَ الكتابِ ) وآيَةَ الكرسيِّ وآيتينِ بعدَها إلى
قولِهِ: ﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِّهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾، وثلاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ
( سورة البقرة)، من قولِهِ تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾ إلى
آخرِها، و( قلْ هوَ اللهُ أحدٌ ) خمسَ عشرةَ مرَّةً )» ووصفَ مِنْ ثوابِهِ في
الحديثِ ما يخرجُ عنِ الحصرِ (٢).
٨٠
وقالَ كُرْزُ بنُ وبرةَ وهوَ مِنَ الأبدالِ : قلتُ للخضرِ عليهِ السلامُ : علّمني
شيئاً أعملُهُ في كلِّ ليلةٍ ، فقالَ: إذا صليتَ المغربَ .. فقمْ إلى وقتِ صلاةِ
العشاءِ مصلِّياً مِنْ غيرِ أنْ تكلُّمَ أحداً ، وأقْبِلْ على صلاتِكَ التي أنتَ فيها ،
(١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٢٦٤)، وهو في ((القوت)) (٣٠/١).
(٢) كذا في ((القوت)) (٣٠/١)، وسرد ما له من الجزاء طويلاً ، قال الحافظ العراقي :
( رواه أبو الشيخ في ((الثواب)) من رواية زياد بن ميمون عنه مع اختلاف يسير ، وهو
ضعيف ). ((إتحاف)) (١٨٠/٥)، وانظر ((تنزيه الشريعة)) (١٢٣/٢).
٥٣٩
-

كتاب ترتيب الأوراد
ربع العبادات
٢٠٠
وسلَّم منْ كلِّ ركعتينٍ ، واقرأْ في كلِّ ركعةٍ ( فاتحةَ الكتابِ ) مرَّةً و( قلْ
هوَ اللهُ أحدٌ ) ثلاثاً ، فإذا فرغتَ مِنْ صلاتِكَ .. انصرفْ إلى منزلِكَ ولا تكلِّمْ
أحداً ، وصلِّ ركعتين، واقرأ ( فاتحةَ الكتابِ )، و( قلْ هوَ اللهُ أحدٌ ) سبعَ
مرَّاتٍ في كلِّ ركعةٍ ، ثمَّ اسجدْ بعدَ تسليمِكَ واستغفرِ اللهَ تعالى سبعَ مرَّاتٍ ،
وقلْ : ( سبحانَ اللهِ ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ ، ولا حولَ
ولا قوَّةَ إلا باللهِ العليِّ العظيمِ) سبعَ مرَّاتٍ، ثمَّ ارفعْ رأسَكَ مِنَ السجودِ
واستوِ جالساً، وارفعْ يديكَ وقلْ: ( يا حيُّ يا قيُّومُ، ياذا الجلالِ
والإكرام ، يا إلهَ الأوَّلينَ والآخرينَ ، يا رحمانَ الدنيا والآخرةِ ورحيمَهما ،
يا ربُ يا ربُّ يا ربُّ، يا أللهُ يا اللهُ يا أللهُ)، ثمَّ قمْ وأنتَ رافعٌ يديكَ وادعُ
بهذا الدعاءِ ، ثمَّ نمْ حيثُ شئتَ مستقبلَ القبلةِ على يمينِكَ، وصلِّ على
النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وأدم الصلاةَ عليهِ حتَّى يذهبَ بكَ النومُ ، فقلتُ
لهُ : أحبُّ أنْ تعلمَني ممَّنْ سمعتَ هذا، فقالَ : إنِّي حضرتُ محمداً
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حيثُ عُلِّمَ هذا الدعاءَ وأُوحِيَ إليهِ بهِ ، فكنتُ عندَهُ ،
وكانَ ذلكَ بمحضرٍ مِنِّي، فتعلَّمتُهُ ممَّنْ علَّمَهُ إِيَّاهُ(١).
ويُقالُ : إنَّ هذا الدعاءَ وهذهِ الصلاةَ مَنْ داومَ عليهما بحسْنِ يقينٍ
وصدْقٍ نيّةٍ .. رأى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في منامِهِ قبلَ أنْ يخرِجَ مِنَ
الدنيا ، وقدْ فعلَ ذلكَ بعضُ الناسِ ، فرأى أنَّهُ أُدخلَ الجنَّةَ، ورأى فيها
(١) قوت القلوب (٣٠/١) .
٥٤٠