Indexed OCR Text

Pages 461-480

ربع العبادات
١٠٠٪
كتاب ترتيب الأوراد
وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمّدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ .. وَمِنَ
اَلَيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَرَ السُّجُودِ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ نَقُومُ: وَمِنَ الَّتْلِ فَسَبِّحْهُ وَ إِدْبَرَ
النُّجُومِ﴾ .
وقالَ تعالى: ﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ الَّتْلِ هِىَ أَشَدُ وَطْنَا وَأَقْوُمُ قِلًا﴾.
كن
وقالَ تعالى: ﴿وَمِنْ ءَانَآٍ اَلَّيْلِ فَسَبِحُ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَحَلَّكَ تَرْضَى﴾.
وقالَ تعالى: ﴿وَأَقِ الصَّلَوةَ طَرَفَّ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَتْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ
السَّئَاتِ﴾ .
باب.
ثمَّ انظرْ كيفَ وصفَ الفائزينَ مِنْ عبادِهِ ، وبماذا وصفَهُمْ ؛ فقالَ عزَّ
وجلَّ: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَنِتُ ءَانَآءَ الَِّلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِّ قُلْ
هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿ نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ .
وقالَ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَالَّذِينَ يَبِتُونَ لِرَبِهِمْ سُخَدًا وَقِيَمًا﴾.
وقالَ عَزَّ مِنْ قائلِ: ﴿ كَانُوْ قَلِيلًا مِّنَ الَتْلِ مَا يَهْجَعُونَ .. وَبِلْأَسْحَارِ هُمْ
يَسْتَغْفِرُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿ فَسُبْحَنَ اَللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ. وَلَهُ الْحَمْدُ فِي
ديت
٤٦١
تين شن من

کتاب ترتيب الأوراد
ـع العبادات
ربـ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ أيْ: فسبِّحوا اللهَ حينَ تمسونَ وحينَ
تصبحون .
٢٠
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَاَلْعَشِّ يُرِيدُونَ
وَجْهَهُ﴾ .
٤٠
١٠٠%
فهذا كلُّهُ يبيِّنُ لكَ أنَّ الطريقَ إلى اللهِ تعالى مراقبةُ الأوقاتِ ، وعمارتُها
بالأورادِ على سبيلِ الدوام، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أحبُ
عبادِ اللهِ إلى اللهِ الذينَ يراعونَ الشمسَ والقمرَ والأظلَّةَ لذكرِ اللهِ تعالى))(١)،
وقدْ قالَ تعالى : ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ .
وقال تعالى: ﴿أَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الِظِلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَمُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا
الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًاً به: ثُمَّ قَبَضْنَهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيْرًا﴾.
وقال تعالى: ﴿ وَاُلْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ النُّجُوَمَ لِهْتَدُواْ بِهَا فِ ظُلُمَنْتِ الْبَرِّ
وَالْبَحْرِ﴾ .
فلا تظنَّنَّ أنَّ المقصودَ مِنْ سيرِ الشمسِ والقمرِ بحسبانٍ منظوم مرتّبٍ ،
ومِنْ خلقِ الظلِّ والنورِ والنجوم .. أَنْ يستعانَ بها على أمورِ الدنيا ، بلْ
لتعرفَ بها مقاديرَ الأوقاتِ ، فتشتغلَ فيها بالطاعاتِ والتجارةِ للدارِ الآخرةِ ،
(١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٣٠٤)، والطبراني في ((الدعاء)» ( ١٨٧٦)،
والحاكم في ((المستدرك)) (٥١/١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٢٧/٧).
٤٦٢

ربع العبادات
كتاب ترتيب الأوراد
يدلُّكَ عليهِ قولُهُ تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ اَلَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَكَرَأَوْ
أَرَادَ شُكُورًا﴾ أيْ: يخلفُ أحدُهما الآخرَ ليتداركَ في أحدِهما ما فاتَ في
الآخرِ ، وبيَّنَ أنَّ ذلكَ للذكرِ والشكرِ لا لغيرِهِ .
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ ءَايَنَيْنِّ فَحَوْنَآ ءَايَةَ الَّيْلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ
مُبْصِرَةً لِتَبَتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَاَلْحِسَابَ﴾، وإنَّما الفضلُ
المبتغى هوَ الثوابُ والمغفرةُ ، ونسألُ اللهَ حسنَ التوفيقِ لما يرضيهِ .
٣٤٠
٤٦٣

كتاب ترتيب الأوراد
ربع العبادات
ثن
بيان أعداد الأوراد وترتيبها
اعلمْ : أنَّ أورادَ النهارِ سبعةٌ : فما بينَ طلوع الصبحِ إلى طلوعِ قَرْصٍ
الشمسِ وِردٌ ، وما بينَ طلوع الشمسِ إلى الزوالِ وِردانِ ، وما بينَ الزوالِ
إلى وقتِ العصرِ وِردانٍ ، وما بينّ العصرِ إلى المغربِ وِردانٍ .
والليلُ يقسمُ بأورادٍ أربعةٍ : وردانِ مِنَ المغربِ إلى وقتِ نومِ الناسِ ،
ووردانٍ مِنَ النصفِ الأخيرِ مِنَ الليلِ إلى طلوع الفجرِ ، ثمَّ وِردٌ خامسٌ وهو
وِردُ النومِ ، مختصٌّ بالأذكارِ والأدعيةِ .
فلنذكرْ وظيفةَ كلٌّ وردٍ وفضيلتَهُ وما يتعلَّقُ بهِ :
حن جن جن جن حن جن جن حن فن "
٤٦٤

ربع العبادات
كتاب ترتيب الأوراد
بيان أوراد النهار)
ٹن
حن
الأز
فالوردُ الأوَّلُ ما بينَ طلوعٍ الصبحِ إلى طلوعِ الشمسِ :
وهوَ وقتٌ شريفٌ ، ويدلُّ على شرفِهِ وفضلِهِ إِقسامُ اللهِ تعالى بهِ إِذْ قالَ :
﴿وَأَلْصُّبْحِ إِذَا نَّسَ﴾، وتمدُّحُهُ بهِ إذْ قالَ عزَّ وجلَّ: ﴿فَالِقُ اُلْإِصْبَاحِ﴾، وقالَ
عزَّ وجلَّ : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، وإظهارُهُ القدرةَ بقبضِ الظلِّ فيهِ إذْ قالَ
تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيْرًا﴾، وهوَ وقتُ قبضٍ ظلِّ الليلِ ببسطٍ
نورِ الشمسِ ، وإرشادُهُ عزَّ وجلَّ الناسَ إلى التسبيح فيهِ بقولهِ تعالى :
﴿فَسُبْحَنَ اْللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾، وبقولِهِ تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدٍ
رَيِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾، وقولِهِ تعالى: ﴿وَمِنْ ءَانَآٍ أَلَّيْلِ فَسَيِّحْ وَأَطْرَافَ
اَلنَّهَارِ﴾، وقولِهِ تعالى: ﴿ وَأَذْكُرُ أَسْمَ رَبِّكَ بُّكْرَةً وَأَصِيلًا﴾(٢).
ـدن
حن
3
سسى
وأمَّا ترتيبُهُ : فليأخذْ مِنْ وقتِ انتباهِهِ مِنَ النوم ، فإذا انتبَهَ .. فينبغي أنْ
(١) العنوان زيادة من اللجنة العلمية .
(٢) وروى عبد الرزاق في ((المصنف)) (٤٧/١١) عن علقمة بن قيس قال: ( بلغنا أن
الأرض تعج إلى الله من نومة العالم بعد صلاة الصبح )، وروى البيهقي في (( الشعب))
(٤٤٠٥) عن السيدة فاطمة رضي الله تعالى عنها قالت : مرَّ بي رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأنا مضطجعة متصبحة ، فحركني برجله ثم قال : « يا بنيّة ؛ قومي اشهدي
رزق ربك ولا تكوني من الغافلين ، فإن الله يقسم أرزاق الناس ما بين طلوع الفجر إلى
طلوع الشمس )) .
٤٦٥
نے

كتاب ترتيب الأوراد
ربع العبادات
يبتدىءَ بذكرِ اللهِ عزَّ وجلَّ، فيقولُ: ( الحمدُ للهِ الذي أحيانا بعدما أماتنا
وإليه النشورُ)(١) ، إلى آخرِ الأدعيةِ والآياتِ التي ذكرناها في دعاءِ الاستيقاظِ
مِنْ كتابِ الدعواتِ .
وليليسْ ثوبَهُ وهوَ في الدعاءِ ، وينوي بهِ سترَ عورتِهِ امتثالاً لأمرِ اللهِ عزَّ
وجلَّ واستعانةً على عبادتِهِ ، مِنْ غيرِ قصدِ رياءٍ ولا رعونةٍ .
ثمَّ يتوجَّهُ إلى بيتِ الماءِ إنْ كانَ بهِ حاجةٌ ، ويُدخِلُ أولاً رِجْلَهُ اليسرى ،
ويدعو بالأدعيةِ التي ذكرناها في كتابِ الطهارةِ عندَ الدخولِ والخروجِ .
ثُمَّ يستاكُ على السنةِ كما سبقَ ، ويتوضَّأُ مراعياً لجميع السننِ والأدعيةِ
التي ذكرناها في الطهارةِ ، فإنَّا إنَّما قدمْنا آحادَ العباداتِ لكي نذكرَ في هذا
الكتابِ وجهَ التركيبِ والترتيبِ فقطْ .
فإذا فرغَ مِنَ الوضوءِ .. صلَّى ركعتي الصبحِ ؛ أعني : السنَّةَ في منزلِهِ ،
كذلكَ كانَ يفعلُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(٢)، ويقرأُ بعدَ الركعتينِ -
سواءً أدَّاهُما في البيتِ أوْ في المسجدِ - الدعاءَ الذي رواهُ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ
عنهُما ويقولُ: ( اللهمَّ ؛ إنِّي أسألُكَ رحمةً مِنْ عندِكَ تهدي بها قلبي ) إلى
آخرِ الدعاءِ(٣).
ـا.
ـنة
(١) رواه البخاري (٦٣١٢)، ومسلم ( ٢٧١١) .
(٢) رواه البخاري ( ١١٧٣ ).
(٣) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٢٨٣/١٠)، وأبو نعيم في «الحلية)» (٢٠٩/٣)،
والترمذي (٣٤١٩) .
٤٠
٤٦٦

ربع العبادات
کتاب ترتيب الأوراد
ثُمَّ يخرجُ مِنَ البيتِ متوجِّهاً إلى المسجدِ ، ولا ينسى دعاءَ الخروجِ إلى
المسجدِ (١) ، ولا يسعى إلى الصلاةِ، بلْ يمشي وعليهِ السكينةُ والوقارُ كما
وردَ بهِ الخبرُ(٢)، ولا يشبَّكُ بينَ أصابعِهِ ويدخلُ المسجدَ ويقدِّمُ رجلَهُ اليمنى
ويدعو بالدعاءِ المأثورِ لدخولِ المسجدِ (٣)، ثمَّ يطلبُ مِنَ المسجدِ الصفَّ
الأوَّل إنْ وجدَ متَّسعاً، ولا يتخطَّى رقابَ الناسِ ولا يزاحمُ ؛ كما سبقَ ذكرُهُ
في كتابِ الجمعةِ .
ثُمَّ يصلّي ركعتي الفجرِ إنْ لمْ يكنْ صلاَّهما في المنزلِ ، ويشتغلُ بالدعاءِ
المذكورِ بعدَهما ، وإنْ كانَ قدْ صلَّى ركعتي الفجرِ .. صلَّى ركعتي التحيّةِ
وجلسَ منتظراً للجماعةِ .
والأحبُّ التغليسُ بالجماعةِ ؛ فقدْ كانَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يغلِّسُ
بالصبحِ(٤) ، ولا ينبغي أنْ يدعَ الجماعةَ في الصلاةِ عامةً وفي الصبحِ والعشاءِ
خاصةً ؛ فلهُما زيادةُ فضلٍ ، فقدْ روى أنسُ بنُ مالكٍ رضيَ اللهُ عنهُ عنْ
رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ في صلاةِ الصبح: ((مَنْ توضَّأَ ثُمَّ
توجّهَ إلى مسجدٍ يصلِّي فيهِ الصلاةَ .. كانَ لهُ بكلِّ خطوةٍ حسنةٌ ، ومُحِيَ عنهُ
(١) رواه البخاري (٦٣١٦)، ومسلم ( ٧٦٣) .
(٢) فيما رواه البخاري (٦٣٦)، ومسلم (٦٠٢) مرفوعاً: ((إذا ثوِّب للصلاة .. فلا يسعَ
إليها أحدكم ، ولكن ليمشٍ وعليه السكينة والوقار ، صلَّ ما أدركت ، واقضٍ
ما سبقك )).
(٣) رواه الترمذي (٣١٤)، وابن ماجه ( ٧٧١ ) .
(٤) كما في ((البخاري)) (٥٦٠)، و((مسلم)) (٦٤٦).
٤٦٧

كتاب ترتيب الأوراد
ربع العبادات
٥٠ .03
سيئةٌ، والحسنةُ بعشْرِ أمثالِها ، فإذا صلَّى ثمَّ انصرفَ عندَ طلوع الشمسِ ..
كُتِبَ لهُ بكلِّ شعرةٍ في جسدِهِ حسنةٌ ، وانقلبَ بحجّةٍ مبرورةٍ ، فإنْ جلسَ
حتَّى يركعَ .. كُتِبَ لهُ بكلِّ ركعةٍ ألفا ألفِ حسنةٍ، ومَنْ صلَّى العتمةَ .. فلهُ
مثلُ ذلكَ، وانقلبَ بعمرةٍ مبرورةٍ))(١) .
وكانَ مِنْ عادةِ السلفِ دخولُ المسجدِ قبلَ طلوع الفجرِ ، قالَ رجلٌ مِنَ
التابعينَ : دخلتُ المسجدَ قبلَ طلوع الفجرِ ، فلقيتُ أبا هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ
قدْ سبقَني ، فقالَ : يا بنَ أخي ؛ لأيِّ شيءٍ خرجتَ مِنْ منزلِكَ في هذِهِ
الساعةِ ؟ فقلتُ : لصلاةِ الغداةِ ، فقالَ: أبشرْ؛ فإنَّا كنَّا نعدُ خروجَنا
وقعودَنا في المسجدِ في هذهِ الساعةِ بمنزلةِ غزوةٍ في سبيلِ اللهِ تعالى ، أوْ
قالَ : معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ (٢).
وعنْ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ طرقَهُ وفاطمةً
رضيَ اللهُ عنهُما وهما نائمانِ ، فقالَ: ((ألا تصلُّونَ ؟ قالَ عليٍّ رضيَ اللهُ
عنهُ : فقلتُ : يا رسولَ اللهِ؛ إنَّما أنفسُنا بيدِ اللهِ عزَّ وجلَّ، فإذا شاءً أنْ
يبعثَنا .. بعثَنا، فانصرفَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فسمعتُهُ وهوَ مدبرٌ يضربُ
فخِذَهُ ويقولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾))(٣).
ـارة
معان
(١) رواه ابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٤٧/٢١) بنحوه، وانظر ((قوت القلوب))
( ٢٧/١ ) .
(٢) قوت القلوب (٤٣/١) .
(٣) رواه البخاري (١١٢٧، ٧٣٤٧)، ومسلم ( ٧٧٥).
ن
٤٦٨

ربع العبادات
كتاب ترتيب الأوراد
ثُمَّ ينبغي أنْ يشتغلَ بعدَ ركعتي الفجرِ ودعائِهِ بالاستغفارِ والتسبيح إلى أنْ
تقامَ الصلاةُ ، فيقول : ( أستغفرُ اللهَ الذي لا إلهَ إلا هوَ الحيَّ القيُّومَ وأتوبُ
إليهٍ ) سبعينَ مرَّةً، و(سبحانَ اللهِ ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ
أكبرُ ) مئةَ مرَّةٍ .
ثُمَّ يصلي الفريضةَ مراعياً جميعَ ما ذكرناهُ مِنَ الآدابِ الباطنةِ والظاهرةِ في
الصلاةِ والقدوةِ ، فإذا فرغٌ منها .. قعدَ في المسجدِ إلى طلوع الشمسِ
مشتغلاً في ذكرِ اللهِ عزَّ وجلَّ كما سنرتبُهُ ، فقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((لأنْ أقعدَ في مجلسٍ أذكرُ اللهَ عزَّ وجلَّ فيهِ مِنْ صلاةِ الغداةِ إلى طلوع
الشمسِ .. أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أعْتَقَ أرْبعَ رقابٍ))(١).
ورُوي أنَّهُ كانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا صلَّى الغداةَ .. قعدَ في مصلاَهُ
حتَّى تطلعَ الشمسُ (٢)، وفي بعضِها: ويصلِّي ركعتينٍ(٣)؛ أي: بعدَ
الطلوعِ ، وقدْ وردَ في فضلِ ذلكَ ما لا يحصى .
وروى الحسنُ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ فيما يذكرُ مِنْ
رحمةِ ربِّهِ يقولُ: ((إنَّهُ تعالى قالَ: يا بنَ آدَمَ ؛ اذكرني بعدَ صلاةِ الفجرِ
(١) رواه أبو داوود ( ٣٦٦٧).
(٢) رواه مسلم ( ٦٧٠ ).
(٣) روى الترمذي (٥٨٦) مرفوعاً: ((من صلى الغداة في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى
تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين .. كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة)).
٤٦٩
کر
طوع

كتاب ترتيب الأوراد
ربع العبادات
ساعةً وبعدَ صلاةِ العصرِ ساعةً .. أكفِكَ ما بينَهُما))(١).
وإذا ظهرَ فضْلُ ذلكَ .. فليقعدْ ولا يتكلّمْ إلى طلوع الشمسِ ، بلْ ينبغي
أنْ تكونَ وظيفتُهُ إلى الطلوع أربعةَ أنواع : أدعيةٌ ، وأذكارٌ يكرِّرُها في
سُبْحَةٍ ، وقراءةُ قرآنٍ ، وتفكرٌ .
أمَّا الأدعيةُ : فكما يفرغُ مِنْ صلاتِهِ فليبدأُ وليقلْ : اللهمَّ ؛ صلِّ على
محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ ، اللهمَّ ؛ أنتَ السلامُ، ومنكَ السلامُ ، وإليكَ يعودُ
السلامُ ، حيِّنا ربَّنا بالسلام ، وأدخلْنا دارَ السلام ، تباركتَ يا ذا الجلالِ
والإكرامِ .
٠٥٧
ثمَّ يفتتحُ الدعاءَ بما كانَ يفتتحُ بهِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وهوَ
قولُهُ: سبحانَ ربِّي العليِّ الأعلى الوهَّابِ (٢)، لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ
له، لهُ الملكُ، ولهُ الحمدُ ، يحيي ويميتُ ، وهوَ حِيٌّ لا يموتُ ، بيدِهِ
الخيرُ ، وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ ، لا إلهَ إلا اللهُ أهلُ النعمةِ والفضلِ ،
والثناءِ الحسنِ ، لا إلهَ إلا اللهُ، ولا نعبدُ إلا إِيَّاهُ، مخلصينَ لهُ الدينَ ولوْ
كره الكافرونَ .
(١) رواه أحمد في ((الزهد)) (٢٠٣)، وأبو نعيم في « الحلية)) (٢١٣/٨) عن الحسن
عن أبي هريرة مرفوعاً ، وذكر الحافظ العراقي أن ابن المبارك رواه في (( الزهد )) عن
الحسن مرسلاً. انظر ((الإتحاف)) (١٢٨/٥).
(٢) رواه أحمد في ((مسنده)) (٥٤/٤)، والحاكم في ((المستدرك)) (٤٩٨/١).
٤٧٠

ربع العبادات
كتاب ترتيب الأوراد
ثُمَّ يبتدىُ بالأدعيةِ التي أوردْناها في البابِ الثالثِ والرابع مِنْ كتابٍ
الأدعيةِ ، فيدعو بجميعِها إنْ قدرَ عليهِ ، أوْ يحفظُ مِنْ جملتِها ما يراهُ أوفقَ
الحالِهِ ، وأرقَّ لقلبهِ ، وأخفَّ على لسانِهِ .
وأمَّا الأذكارُ المكررةُ : فهيَ كلماتٌ وردَ في تكرارِها فضائلُ لمْ نطولْ
بإيرادِها ، وأقلُّ ما ينبغي أنْ يكرِّرَ كلَّ واحدٍ منها ثلاثاً أوْ سبعاً، وأكثرُهُ مئةٌ
أوْ سبعونَ ، وأوسطُهُ عشرٌ، فليكرزْ ذلكَ بقدْرِ فراغِهِ وسَعةِ وقتِهِ ، وفضلُ
الأكثرِ أكثرُ ، والأوسطُ الأقصدُ أنْ يكرِّرَها عشرَ مراتٍ ، فهوَ أجدرُ بأنْ يدومَ
عليهِ ، وخيرُ الأمورِ أدومُها وإنْ قلَّ ، وكلُّ وظيفةٍ لا يمكنُ المواظبةُ على
كثيرِها فقليلُها معَ المداومةِ أفضلُ وأشدُّ تأثيراً في القلبِ مِنْ كثيرِها مِنْ غيرِ
مداومةٍ .
ومثالُ القليلِ الدائم مثالُ قطراتِ ماءٍ تتقاطرُ على الأرضِ على
التوالي ، فتحدثُ فيها حُفيرةً ولوْ وقعَتْ على الحجرِ ، ومثالُ الكثيرِ المتفرِّقِ
مثالُ ما يصبُّ دفعةً أوْ دفعاتٍ متفرقةٌ متباعدةَ الأوقاتِ ، فلا يبينُ لها أثرٌ
ظاهرٌ.
٣٠٠
وهذهِ الكلماتُ عشرٌ :
الأولى: قولُهُ : لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ، ولهُ
٤٧١
ـحمد

كتاب ترتيب الأوراد
ربع العبادات
الحمدُ ، يحيي ويميتُ ، وهوَ حِيٌّ لا يموتُ، بيدِهِ الخيرُ، وهوَ على كلِّ
شيءٍ قديرٌ(١).
الثانيةُ: قولُهُ: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ
أكبرُ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللهِ العليِّ العظيمِ(٢).
الثالثةُ: قولُهُ: سُبُّوحٌ قدُّوسٌّ ربُّ الملائكةِ والروحِ(٣).
الرابعةُ : قولُهُ : سبحانَ اللهِ العظيمِ وبحمدِهِ (٤) .
ء
الخامسةُ: قولُهُ : أستغفرُ اللهَ الذي لا إلهَ إلا هوَ الحيَّ القيُّومَ وأسألُهُ
التوبةً (٥) .
السادسةُ : قولُهُ : اللهمَّ ، لا مانعَ لما أعطيتَ ، ولا معطي لما منعتَ ،
ولا ينفعُ ذا الجَدِّ منكَ الجدُّ (٦) .
(١) رواه البخاري (٦٤٠٤)، ومسلم ( ٢٦٩٣)، والحديث عن فضل التكرار هنا وفيما
سيأتي مطلق .
(٢) رواه أحمد في (( المسند)) (٧٥/٣) بمطلق الاستكثار ، ولفظة: ( العلي العظيم ) عند
ابن عدي في (( الكامل» (١٥/٥).
(٣) رواه مسلم (٤٨٧)، وورد تكرارها عند ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٦٣٩)
ولفظه مرفوعاً: (( أكثر من أن تقول: سبحان الملك القدوس، ربِّ الملائكة والروح)»
الحديث ، وهو في ذهاب الوحشة .
٤٠
(٤) رواه البخاري (٦٤٠٥)، ومسلم ( ٢٦٩١).
(٥) قال الحافظ العراقي: (رواه المستغفري في (( الدعوات)) من حديث معاذ، أن من
قالها بعد الفجر وبعد العصر ثلاث مرات .. كفرت ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر ،
ولفظه: ((وأتوب إليه)))، ونحوه عند الترمذي (٣٣٩٧) كذلك .
(٦) رواها البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٤٧١، ٥٩٣) عقب الصلاة وبعد الركوع مطلقاً .
٤٧٢
ميه

-
ربع العبادات
كتاب ترتيب الأوراد
حل
السادسةُ : قولُهُ: اللهمَّ، لا مانعَ لما أعطيتَ ، ولا معطي لما منعتَ ،
ولا ينفعُ ذا الجَدِّ منكَ الجدُّ(١).
السابعةُ: قولُهُ : لا إلهَ إلا اللهُ الملكُ الحقُّ المبينُ(٢).
الثامنةُ : قولُهُ: باسم اللهِ الذي لا يضرُّ معَ اسمِهِ شيءٌ في الأرضِ ولا في
السماءِ وهوَ السميعُ العليمُ(٣).
التاسعةُ : اللهمَّ ؛ صلِّ على محمدٍ عبدِكَ ونبيِّكَ ورسولِكَ النبيِّ الأميِّ
وعلى آلِ محمدٍ (٤) .
العاشرةُ: قولُهُ : أعوذُ باللهِ السميع العليمِ مِنَ الشيطانِ الرجيمِ ، اللهمَّ ؛
إنِّي أعوذُ بكَ مِنْ همزاتِ الشياطينِ ، وأعوذُ بكَ ربِّ أنْ يَحْضُرونِ(٥).
(١) رواها البخاري (٨٤٤)، ومسلم ( ٤٧١، ٥٩٣ ) عقب الصلاة وبعد الركوع
مطلقاً .
(٢) هو عند الدارقطني في ((العلل)) (١٠٦/٣)، ورواه أبو نعيم في « الحلية))
(٢٨٠/٨)، والخطيب في ((الرحلة في طلب الحديث)) (ص ٢٠٤).
(٣) رواه أبو داوود (٥٠٨٨)، والترمذي (٣٣٨٨)، والنسائي في (( الكبرى))
( ٩٧٥٩)، وابن ماجه (٣٨٦٩).
(٤) صيغة مركبة من حديثين، ففي ((البخاري)) (٤٧٩٨): ((قولوا: اللهم ؛ صل على
محمد عبدك ورسولك ... )) الحديث ، وعند أبي داوود (٩٧٩): (« قولوا : اللهم ؛
صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد))، والإكثار من الصلاة والسلام عليه
صلى الله عليه وسلم مستفيض في دواوين السنة .
(٥) رواه الترمذي (٢٩٢٢) مرفوعاً: (( من قال حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السميع
العليم من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آياتٍ من آخر سورة الحشر .. وكَّلَ اللهُ به سبعين =
٤٧٣
حن حن

كتاب ترتيب الأوراد
ربع العبادات
فهلذهِ العشرُ كلماتٍ إذا كرَّرَ كلَّ واحدةٍ عشرَ مرَّاتٍ .. حصلَ لهُ مئةُ
مرَّةٍ ، فهوَ أفضلُ مِنْ أَنْ يكرِّرَ ذكراً واحداً مئةً مرَّةٍ ؛ لأنَّ لكلِّ واحدةٍ مِنْ
هذهِ الكلماتِ فضلاً على حيالِها ، وللقلبِ بكلِّ واحدةٍ نوعُ تنبيهٍ
وتلذَّذٍ ، وللنفسِ في الانتقالِ مِنْ كلمةٍ إلى كلمةٍ نوعُ استراحةٍ وأمنٍ مِنَ
المَلالِ(١).
٠٠
فأمَّا القراءةُ : فيستحبُّ لهُ قراءةُ جملةٍ مِنَ الآياتِ وردتِ الأخبارُ
بفضلِها ، وهوَ أنْ يقرأ: ( سورةَ الحمد)(٢)، وآية الكرسيِّ(٣)، وخاتمةً
(البقرة)(٤)؛ مِنْ قولِهِ تعالى: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ﴾، و﴿ شَهِدَ الله﴾، و﴿ قُلِ
اَللَّهُوَّ مَلِكَ الْمُلْكِ﴾ الآيتين(٥)، وقولَهُ تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَ كُمْ رَسُوكُ مِنْ
ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي ، وإن مات في ذلك اليوم .. مات شهيداً ، ومن
=
قالها حين يمسي .. كان بتلك المنزلة)).
(١) قوت القلوب (٦/١).
(٢) فهي أعظم سورة في القرآن كما في (( البخاري)) (٤٤٧٤) .
(٣) وهي أعظم آية في القرآن كما في ((مسلم)) (٨١٠).
(٤) أتى فضلها في (( البخاري)) (٤٠٠٨)، ومسلم ( ٨٠٧ ).
(٥) روى في فضلها ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) مرفوعاً: ((إن فاتحة الكتاب، وآية
الكرسي ، والآيتين من ( آل عمران) ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، و﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ
اُلْمُلْكِ﴾ إلى قوله: ﴿وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ﴾، معلقات ما بينهن وبين الله عز وجل حجاب ،
لما أراد الله أن ينزلهن .. تعلقن بالعرش ، قلن : ربنا تهبطنا إلى أرضك وإلى من =
... 9
الطلب
تو
٤٧٤

ربع العبادات
كتاب ترتيب الأوراد
أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخرِها(١)، وقولَهُ تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الزُّْيَا
بِالْحَقِ﴾ إلى آخرِها (٢)، وقولَهُ سبحانَهُ: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذُ وَلَدَا﴾
الآيةَ(٣)، وخمسَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ (الحديدِ )(٤) ، وثلاثَ آياتٍ مِنْ آخرٍ
( سورة الحشرِ )(٥) .
يعصيك ؟ فقال الله عز وجل : بي حلفت ؛ لا يقرؤكن أحد من عبادي دبر كل صلاة إلا
=
جعلت الجنة مثواه على ما كان منه، وإلا أسكنته حظيرة القدس ... )) الحديث .
(١) روى في فضل الآية الخاتمة منها الطبراني في ((الدعاء)) (١٠٥٩)، ونقل الحافظ عن
أبي القاسم الغافقي في (( فضائل القرآن)» لعبد الملك بن حبيب من رواية محمد بن
بكار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من لزم قراءة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ
رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ .. لم يمت هدماً ولا غرقاً ولا حرقاً ولا ضرباً بحديدة)). انظر
«الإتحاف)) (١٣٣/٥) .
بك. وال ٠ ٥هـ
(٢) روى البخاري (٤١٧٧) في فضل السورة عموماً قوله صلى الله عليه وسلم: ((لقد
أنزلت عليَّ الليلة سورة لهي أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس ثم قرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا
قُبِينًا﴾))، وروى الثعلبي في ((تفسيره)) (٤٠/٩) عن يزيد بن هارون يقول : سمعت
المسعودي يذكر قال: بلغني أن من قرأ في أول ليلة من رمضان ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتَحَافُّبِينًا﴾ في
التطوع .. حفظ ذلك العام .
(٣) روى أحمد في «المسند)) (٤٣٩/٣) مرفوعاً: (« آية العز: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِى لَمْ يَّخِذْ
وَلَا﴾)) الآيةَ كلَّها .
(٤) ذكر أبو القاسم الغافقي في ((فضائل القرآن)) من حديث علي رضي الله عنه: (إذا أردت
أن تسأل الله حاجة .. فاقرأ خمس آيات من أول « سورة الحديد » إلى قوله: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ
القُدُورِ﴾، ومن آخر (( سورة الحشر)) من قوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ﴾ إلى آخر
السورة، ثم تقول: يا من هو كذا؛ افعل بي كذا، ثم تدعو بما تريد ). ((إتحاف))
(١٣٤/٥)، وانظر ((الدر المنثور)) (١٢٢/٨).
(٥) تقدم الحديث في ذكر فضلها تعليقاً، وروى البيهقي في (( الشعب)) (٢٢٧١) مرفوعاً : =
٤٧٥

كتاب ترتيب الأوراد
٢٦ ٣
ربع العبادات
وإنْ قرأَ المسبَعاتِ العشرَ التي أهداها الخضرُ عليهِ السلامُ إلى
إبراهيم التيميِّ رحمَهُ اللهُ ووصَّاهُ أنْ يقولَها غدوةً وعشيةً .. فقدِ استكملَ
الفضلَ ، وجمعَ لهُ ذلكَ فضيلةَ جملةِ الأدعيةِ المذكورةِ ، فقدْ رُويَ عنْ
كرزِ بنِ وبرةَ وكانَ مِنَ الأبدالِ رحمهُ اللهُ قالَ : أتاني أخٌ لي مِن أهلٍ
الشام ، فأهدى لي هديةً وقالَ : يا كرزُ ؛ اقبلْ منِّي هذهِ الهديةَ ؛ فإنَّها
نعمتِ الهديةُ ، فقلتُ : يا أخي ؛ ومَنْ أهدىُ لكَ هذهِ الهديةَ ؟ قالَ :
أعطانيها إبراهيمُ التيميُّ ، قلتُ : أفلمْ تسألْ إبراهيمَ التيميَّ مَنْ أعطاهُ
إيَّاها ؟ قالَ : بلى ، قالَ : كنتُ جالساً في فِناءِ الكعبةِ وأنا في التهليلِ
والتسبيح والتحميدِ والتمجيدِ ، فجاءني رجلٌ ، فسلَّمَ عليَّ وجلسَ عنْ
يميني ، فلمْ أرَ في زمانِي أحسنَ منهُ وجهاً ، ولا أحسنَ منهُ ثياباً ،
ولا أشدَّ بياضاً ، ولا أطيبَ ريحاً منهُ ، فقلتُ : يا عبدَ اللهِ ؛ مَنْ أنتَ ،
ومِنْ أينَ جئتَ ، فقالَ : أنَّا الخضِرُ ، فقلتُ : في أيِّ شيءٍ جئتني ؟
فقالَ : جئتُكَ للسلام عليكَ وحبّاً لكَ في اللهِ عزَّ وجلَّ ، وعندي هديةٌ أريدُ
أنْ أهديَها إليكَ ، فقلتُ : ما هيَ ؟ قالَ : أنْ تقرأَ قبلَ طلوع الشمسِ
وانبساطِها على الأرضِ وقبلَ الغروبِ ( سورةَ الحمدِ )، و(قلْ أعوذُ بربِّ
الناسِ ) و(قلْ أعوذُ بربِّ الفلقِ) و(قلْ هوَ اللهُ أحدٌ) و( قلْ يا أيُّها
الكافرونَ)، وآيةَ الكرسيِّ، كلَّ واحدةٍ سبعَ مرَّاتٍ ، وتقولَ :
: (( من قرأ خواتيم الحشر في ليل أو نهار فمات من يومه أو ليلته .. فقد أوجب الجنة)).
من ماز شرخ
٤٧٦
دں
عن مكن

ربع العبادات
كتاب ترتيب الأوراد
حـرم
(سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ) سبعاً، وتصلِّيَ
على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ سبعاً، وتستغفرَ لنفسِكَ ولوالديكَ
وللمؤمنينَ والمؤمناتِ سبعاً، وتقولَ: اللهمَّ ؛ افعلْ بي وبِهِمْ عاجلاً وآجلاً
في الدينِ والدنيا والآخرةِ ما أنتَ لهُ أهلٌ ، ولا تفعلْ بنا يا مولانا ما نحنُ
لهُ أهلٌ، إنَّكَ غفورٌ حليمُ(١) جوادٌ كريمٌ رؤوفٌ رحيمٌّ سبعَ مرَّاتٍ ، وانظرْ
ألَّ تدعَ ذلكَ غدوةً وعشيةٌ .
فقلتُ : أحبُّ أنْ تخبرَني مَنْ أعطاكَ هذهِ العطيةَ العظيمةَ ؟ فقالَ :
أعطانيها محمدٌ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقلتُ : أخبرني بثوابِ ذلكَ ،
فقالَ: إذا لقيتَ محمداً صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فسَلْهُ عنْ ثوابِهِ ، فإنَّهُ يخبرُكَ
بذلكَ .
فذكرَ إبراهيمُ التيميُّ أنَّهُ رأى ذاتَ ليلةٍ في منامِهِ كأنَّ الملائكةَ جاءتْهُ
فاحتملتْهُ حتَّى أدخلوهُ الجنةَ ، فرأى ما فيها ، ووصفَ أموراً عظيمةٌ ممَّا رآهُ
في الجنةِ ، قالَ : فسألتُ الملائكةَ فقلتُ: لمَنْ هذا كلُّهُ ؟ فقالوا : للذي
يعملُ مثلَ عملِكَ، وذكرَ أنَّهُ أكلَ مِنْ ثمرِها وسقوهُ مِنْ شرابِها ، قالَ :
فأتاني النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ومعهُ سبعونَ نبيّاً وسبعونَ صفّاً مِنَ
الملائكةِ ، كلُّ صفٍّ مثلُ ما بينَ المشرقِ والمغربِ ، فسلَّمَ عليَّ، وأخذَ
5
:2
(١) الذي في النسخ: ( رحيم) بدل ( حليم)، والمثبت من ((القوت)) (٧/١)، ونسخة
الحافظ الزبيدي ، والله أعلم .
٤٧٧
ش

کتاب ترتیب الأوراد
ربع العبادات
بيدي ، فقلتُ : يا رسولَ اللهِ؛ إنَّ الخضرَ أخبرني أنَّهُ سمعَ منكَ هذا
الحديثَ ، فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : صدقَ الخضرُ ، صدقَ الخضرُ ،
وكلُّ ما يحكيهِ فهوَ حقٌّ، وهوَ عالمُ أهلِ الأرضِ ، وهوَ رئيسُ الأبدالِ ، وهوَ
مِنْ جنودِ اللهِ عزَّ وجلَّ في الأرضِ ، فقلتُ : يا رسولَ اللهِ ؛ فمَنْ فعلَ ههذا
أو عملَهُ ولمْ يرَ مثلَ الذي رأيتُ في منامي .. هلْ يُعطى شيئاً ممَّا أُعطيتُهُ ؟
فقالَ : والذي بعثني بالحقِّ نبياً ؛ إنَّهُ ليعطى العاملُ بهذا وإنْ لمْ يرني ولمْ يرَ
الجنَّةَ ، إنَّهُ ليغفرُ لهُ جميعُ الكبائرِ التي عملها ويرفعُ اللهُ سبحانَهُ عنهُ غضبَهُ
ومقتَهُ ، ويأمرُ صاحبَ الشمالِ ألا يكتبَ عليهِ خطيئةٌ مِنَ السيئاتِ إلى سنةٍ ،
والذي بعثني بالحقِّ نبياً؛ ما يعملُ بهذا إلا مَنْ خلقَهُ اللهُ سعيداً ، ولا يتركُهُ
إلا مَنْ خلقَهُ اللهُ شقيّاً(١).
(١) القصة رواها ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٢٩/١٦) إلى قوله: (وهو من
جنود الله عز وجل في الأرض)، وتمامها عند صاحب ((القوت)) (٧/١)، قال
الحافظ الزبيدي بعد أن حدَّث عن ضعف سندها : ( ولكن مثل هذا يغتفر في فضائل
الأعمال ، لا سيما وقد تلقته الأمة بالقبول ، والله أعلم ) .
وقد حكى الحافظ العراقي عبارة علمية دقيقة في شأن حياة الخضر عليه السلام
واجتماعه بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : ( ولم يصح في حديث قط اجتماع
الخضر بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا عدم اجتماعه ، ولا حياته ولا موته ) .
(« إتحاف)) (١٣٥/٥)، فنفى الحافظ الصحة عن الخبر، وهذا لا يمنع ما دونه ،
ثم سؤَّى في الأخبار الواردة فلا ترجيح ، فكما أنه لم يصح شيء في حياته فكذلك
القول في موته ، وكما أنه لم يصح شيء في اجتماعه بالنبي صلى الله عليه وسلم
فكذلك لم يصح شيء في عدم اجتماعه به ، فعاد الأمر إلى أذواق خاصة في
الاستدلال .
٤٧٨

ربع العبادات
کتاب ترتیب الأوراد
وكانَ إبراهيمُ التيميُّ يمكثُ أربعةَ أشهرٍ لمْ يطعمْ ولمْ يشربْ ، فلعلَّهُ كانَ
بعدَ هذهِ الرؤيا (١).
فهذهِ وظيفةُ القراءةِ ، فإنْ أضافَ إليها شيئاً ممَّا انتهى إليهِ وِردُهُ مِنَ
القرآنِ أو اقتصرَ عليهِ .. فهو حسنٌ ؛ فإنَّ القرآنَ جامعٌ لفضلِ الذكرِ والفكرِ
والدعاءِ مهما كانَ بتدبُّرِ كما ذكرنا فضلَهُ وآدابَهُ في كتابِ التلاوةِ .
وممن قال بحياته عليه السلام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح في «فتاويه)» (١٨٥/١)
=
حيث قال : ( وأما الخضر عليه السلام .. فهو من الأحياء عند جماهير الخاصة من
العلماء والصالحين ، والعامة معهم في ذلك، وإنما شذَّ بإنكار ذلك بعض أهل
الحديث )، وقال الإمام النووي في (( المجموع)) (٢٦٩/٥) وهو يحكي عن الخضر
عليه السلام : ( وإنما ذكره أصحابنا ، وفيه دليل منهم لاختيارهم ما هو المختار ،
وترجيح ما هو الصواب ، وهو أن الخضر عليه السلام حى باق ، وهذا قول أكثر
العلماء)، وقد قال الإمام المفسر القرطبي في ((تفسيره)» (٤١/١١) وهو يحكي
الخلاف : ( والصحيح القول الثاني ، وهو أنه حي ) .
وهذا لا يمنع وجود أقوال معارضة لذلك ، ووجود من فوَّض الأمر فيه عليه السلام
إلى الله تعالى ؛ كما فعل ذلك الحافظ ابن حجر في ترجمته الطويلة في
((الإصابة)) (٤٢٨/١) وقد ذكره في القسم الأول وقال: (فهو داخل في تعريف
الصحابي على أحد الأقوال ، ولم أر من ذكره فيهم من القدماء مع ذهاب الأكثر إلى
الأخذ بما ورد من أخباره في تعميره وبقائه)، ثم أفرده في كتاب ((الزهر النضر في
نبأ الخضر)).
.2
(١) قوت القلوب (٧/١).
٢٠١٠
٤٧٩

کتاب ترتیب الأوراد
ربع العبادات
وأمَّا الإفكارُ : فليكنْ ذلكَ أحدَ وظائفِهِ ، وسيأتي تفصيلُ ما يتفكرُ فيهِ
وكيفيتُهُ في كتابِ التفكّرٍ مِنْ ربع المنجياتِ إنْ شاءَ اللهُ، ولكنْ مجامعُهُ ترجعُ
إلىْ فَنَّيْنِ :
كمه
أحدُهما : أنْ يتفكَّرَ فيما ينفعُهُ في المعاملةِ ؛ بأنْ يحاسبَ نفسَهُ فيما سبقَ
مِنْ تقصيرِهِ (١) ، ويرتُّبَ وظائفَهُ في يومِهِ الذي بينَ يديهِ ، ويدبِّرَ في دفع
الصوارفِ والعوائقِ الشاغلةِ لهُ عنِ الخيرِ ، ويتذكَّرَ تقصيرَهُ وما يتطرَّقُ إليهِ
الخللُ مِنْ أعمالِهِ ليصلحَهُ ، ويحضرَ في قلبِهِ النِيَّاتِ الصالحةَ في أعمالِهِ في
نفسِهِ وفي معاملتِهِ للمسلمينَ(٢).
الفنُّ الثاني : فيما ينفعُهُ في علم المكاشفةِ ، وذلكَ بأنْ يتفكّرَ مرَّةً في
نعمِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وتواترِ آَلائِهِ الظاهرةِ والباطنةِ ، لتزيدَ معرفتُهُ بها ، ويكثرَ
حن
٢
(١) عن الشكر في ظواهر النعم وبواطنها، وعجزه عن القيام بما أمر به من حسن الطاعة
ودوام الشكر على النعمة. ((إتحاف)) (١٣٥/٥).
(٢) أي : يعقد طريقه على حسن المعاملة بينه وبين ربه ، وفيما بينه وبين الخلق ،
ويدخل في ذلك التفكر فيما عليه من الأوامر والتوادب ، وفي كثيف ستر الله تعالى
ولطيف صنعه به ، ويستغفر الله تعالى ويجدد التوبة لما مضى من عمره ، ولما يأتنف
من مستقبله ، ويخلص الدعاء بتمسكن وتضرع ووجل وإخبات أن يعصمه من جميع
النهي ، وأن يوفقه لصالح الأعمال ، ويتفضل عليه برغائب الأفضال ، وهو في ذلك
فارغ القلب مجرَّد الهم ، موقن بالإجابة راض بالقسم ، ويتكلم بمعروف وخير ،
ويدعو به إلى الله عز وجل ، وينفع به أخاه المسلم ، ويعلم من دونه في العلم .
((إتحاف)) (١٣٦/٥ ) .
عن
لان حن
دن
٤٨٠
ض