Indexed OCR Text
Pages 101-120
ربع العبادات كتاب أسرار الصوم أحدُهما : أنَّ الصومَ كفِّ وتركٌ، وهوَ في نفسِهِ سرٍّ ، ليسَ فيهِ عملٌ يشاهدُ ، فجميعُ أعمالِ الطاعاتِ بمشهدٍ مِنَ الخلقِ ومرأىّ ، والصومُ لا يراهُ إلا اللهُ تعالى ؛ فإنَّهُ عملٌ في الباطنِ بالصبرِ المجرَّدِ . والثاني : أنَّهُ قهرٌ لعدوِّ اللهِ عزَّ وجلَّ ؛ فإنَّ وسيلةً الشيطانِ لعنَهُ اللهُ الشهواتُ ، وإنما تقوى الشهواتُ بالأكلِ والشربِ ، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ الشيطانَ ليجري مِنِ ابنِ آدمَ مَجرى الدم ، فضيَّقُوا مجاريَهُ بالجوع))(١)، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لعائشةَ رضيَ اللهُ عنها : ((داومي قرْعَ بابِ الجنَّةِ))، قالت: بماذا؟ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( بالجوع))(٢). % (١) رواه البخاري (٢٠٣٨)، ومسلم (٢١٧٤) دون زيادة: ((فضيقوا مجاريه بالجوع))، قال الحافظ الزبيدي : ( وأنا أظن أن هذه الزيادة وقعت تفسيراً للحديث من بعض رواته ، فألحقها به من روى عنه). («إتحاف)) (١٩٤/٤)، ومعنى الزيادة صحيح كما لا يخفى؛ إذ الشبع مسلك ومدخل من مداخل الشيطان ، روى أحمد في (( الزهد )) (٣٩٣)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٢٩/٢) عن ثابت البناني قال: (بلغنا أن إبليس ظهر ليحيى بن زكريا عليهما السلام ، فرأى عليه معاليق من كل شيء ، فقال له : ما هذه المعاليق التي أراها عليك ؟ قال : هذه الشهوات التي أُصيب بها بني آدم ، فقال له يحيى عليه السلام : هل لي فيها شيء ؟ قال : لا ، قال : فهل تصيب مني شيئاً ؟ قال : ربما شبعت فثقلناك عن الصلاة والذكر ، قال : هل غير ذا ؟ قال : لا ، قال : لا جرم ! والله لا أشبع أبداً)، وأول خطيئة وسوس بها الشيطان لبني آدم لقمة . (٢) قوت القلوب (١٧١/٢) بقوله : ( وقد روينا عن عائشة رضي الله عنها ... ) وذكره وزاد : ( بالجوع والظمأ ) ، ونقل الحافظ الزبيدي عن الحافظ العراقي أنه لم يجد له أصلاً. انظر ((الإتحاف)) (١٩٤/٤). ١٠١ ـتن حن فن حن من حن حن كتاب أسرار الصوم ربع العبادات حن وستأتي فضائلُ الجوع في بابِ شرهِ الطعامِ وعلاجِهِ مِنْ ربع المهلكاتِ . فلمَّا كانَ الصومُ على الخصوصِ قمعاً للشيطانِ وسدّاً لمسالِكِهِ وتضييقاً المجاريهِ .. استحقَّ التخصيصَ بالنسبةِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، ففي قمْع عدوِّ اللهِ نصرةُ اللهِ سبحانَهُ ، ونصرةُ اللهِ تعالى موقوفةٌ على النصرةِ لهُ ، قَالَ اللهُ تعالى : ﴿إِن تَنصُرُواْ أَللَّهَ يَنَصُرَّكُمْ وَيُثَبَتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾، فالبدايةُ بالجهدِ مِنَ العبدِ، والجزاءُ بالهدايةِ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ ، ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿ وَاُلَّذِينَ جَهَدُواْ فِنَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُواْمَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، وإنَّما التغييرُ بكسرِ الشهواتِ ، فهيَ مرتعُ الشياطينِ ومرعاهُمْ، فما دامتْ مخصِبةٌ .. لمْ ينقطعْ تردُّدُهُمْ وما داموا يتردّدونَ .. لمْ ينكشفْ للعبدِ جلالُ اللهِ سبحانَهُ ، وكانَ محجوباً عنْ لقائِهِ . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( لولا أنَّ الشياطينَ يحومونَ على قلوبِ بني آدَمَ .. لنظروا إلى ملكوتِ السماواتِ))(١)، فمِنْ هذا الوجهِ صارَ الصومُ بابَ العبادةِ ، وصارَ جُنَّةٌ . وإذا عظمتْ فضيلتُهُ إلى هذا الحدِّ .. فلا بدَّ مِنْ بيانِ شروطِهِ الظاهرةِ والباطنةِ، بذكرِ أركانِهِ، وسننِهِ ، وشروطِهِ الباطنةِ ، ونبيِّنُ ذلكَ بثلاثةِ فصولٍ. (١) هو عند أحمد في ((المسند)) (٣٥٣/٢) في قصة الإسراء مرفوعاً، ومنه: «فلما نزلت إلى السماء الدنيا .. نظرت أسفلَ مني ، فإذا أنا برهج ودخان وأصوات ، فقلت : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذه الشياطين يحومون على أعين بني آدم ألا يتفكروا في ملكوت السماوات والأرض، ولولا ذلك .. لرأَؤًا العجائب)). ب ن؟ ١٠٢ شن حن ذات ربع العبادات كتاب أسرار الصوم الفَصْلُ الأَوَّلُ في الواجبات والسنن الظاهرة واللوازم بإفساده أمَّا الواجباتُ الظاهرةُ . . فستةٌ : الأوَّلُ : مراقبةُ أَقَلِ شهرِ رمضانَ : وذلكَ برؤيةِ الهلالِ ، فإنْ غُمَّ .. فباستكمالِ ثلاثينَ يوماً مِنْ شعبانَ ، ونعني بالرؤيةِ : العلمَ ، ويحصلُ ذلكَ بقولِ عدْلٍ واحدٍ ، ولا يثبتُ هلالُ شوالٍ إلا بقولِ عدلينٍ ؛ احتياطاً للعبادةِ ، ومَنْ سمعَ عدلاً ووثقَ بقولِهِ ، وغلبَ على ظنِّهِ صدقُهُ .. لزمَهُ الصومُ وإنْ لمْ يقضِ القاضي بهِ ، فليتبعْ كلُّ عبدٍ في عبادتِهِ موجَبَ ظنِّهِ . وإذا رُئِيَ الهلالُ ببلدةٍ ولمْ يُرَ بأخرى وكانَ بينَهُما أقلُّ مِنْ مرحلتينِ .. وجبَ الصومُ على الكلِّ، وإنْ كانَ أكثرَ .. كانَ لكلِّ بلدةٍ حكمُها ، ولا يتعدَّى الوجوبُ . الثاني : النيّةُ : ولا بدَّ لكلِّ ليلةٍ مِنْ نِيَّةٍ مبيََّةٍ معيَّنَةٍ جازمةٍ ، فلو نوى أنْ يصومَ شهرَ رمضانَ دفعةً واحدةً .. لم يكفِهِ، وهوَ الذي عنينا بقولنا : ( كلِّ ليلةٍ ). ١٠٣ قـ كتاب أسرار الصوم ربع العبادات ولوْ نوى بالنهارِ .. لم يجزِهِ صومُ رمضانَ ولا صومُ الفرضِ إلا التطوعُ ، وهوَ الذي عنينا بقولِنا : ( مبيتَةٍ ) . ولؤ نوى الصومَ مطلقاً ، أوِ الفرضَ مطلقاً .. لمْ يجزِهِ حتَّى ينويَ فريضةَ اللهِ عزَّ وجلَّ صومَ رمضانَ . ولوْ نوى ليلةَ الشكِّ أنْ يصومَ غداً إنْ كانَ مِنْ رمضانَ .. لمْ يجزِهِ ؛ فإنَّها ليستْ جازمةً ، إلا أنْ تستندَ نيتُهُ إلى قولٍ شاهدٍ عدلٍ، واحتمالُ غلطِ العدلِ أوْ كذبِهِ لا يبطلُ الجزْمَ ، أَوْ يستندَ إلى استصحابٍ ؛ كالشكِّ في الليلةِ الأخيرةِ مِنْ رمضانَ ، فذلكَ لا يمنعُ جزْمَ النيةِ ، أَوْ يستندَ إلى اجتهادٍ ؛ كالمحبوسِ في المطمورةِ إذا غلب على ظنِّهِ دخولُ رمضانَ باجتهادِهِ ، فشكُهُ لا يمنعُهُ مِنَ النيةِ (١). ومهما كانَ شاكّاً ليلةَ الشكِّ .. لمْ ينفعْهُ جزمُّهُ النيةَ باللسانِ ؛ فإنَّ النيةَ محلُّها القلبُ ، ولا يُتصوَّرُ فيها جزْمُ القصدِ معَ الشكِّ؛ كما لوْ قالَ في وسْطٍ رمضانَ : ( أصومُ غداً إنْ كانَ مِنْ رمضانَ ) ، فإنَّ ذلكَ لا يضرُهُ؛ لأنَّهُ ترديدُ لفظٍ ، ومحلُّ النيَّةِ لا يتصوَّرُ فيهِ تردُّدٌ ، بلْ هوَ قاطعٌ بأنَّهُ مِنْ رمضانَ . ومَنْ نوى ليلاً ثمَّ أكلَ .. لم تفسدْ نِيَتُهُ، ولو نوتِ امرأةٌ في الحيضِ ثُمَّ طهرتْ قبلَ الفجرِ .. صحَّ صومُها . (١) المطمورة : حفرة تحفر تحت الأرض، أو مكان تحت الأرض ، لا يُرى فيها الشمس. ـدة" ١٠٤ -حن جن ربع العبادات كتاب أسرار الصوم الثالثُ : الإمساكُ عنْ إيصالٍ شيءٍ إلى الجوفِ عمداً معَ ذكرِ الصومِ : فيفسُدُ صومُهُ بالأكلِ ، والشربِ ، والسُّعُوطِ (١) ، والحقنةِ ، ولا يفسدُ بالفصدِ ، والحجامةِ ، والاكتحالِ ، وإدخالِ الميلِ في الأذنِ والإحليلِ ، إلا أنْ يقطرَ فيهِ ما يبلغُ المثانةَ . وما يصلُ بغيرِ قصْدٍ مِنْ غبارِ الطريقِ أو ذبابةٍ تسبقُ إلى جوفِهِ ، أَوْ ما يسبقُ إلى جوفِهِ في المضمضةِ .. فلا يفطرُ، إلا إذا بالغَ في المضمضةِ فيفطرُ ؛ لأنَّهُ مقصِّرٌ ، وهوّ الذي أردنا بقولِنا: ( عمداً ) . فأمَّا ( ذكرُ الصوم) .. فأردنا بهِ الاحترازَ عنِ الناسي ؛ فإنَّهُ لا يفطرُ ، أمَّا مَنْ أكلَ عامداً في طرفي النهارِ ثمَّ ظهرَ لهُ أنَّهُ أكلَ نهاراً بالتحقيقِ .. فعليهِ القضاءُ ، وإنْ بقيَ على حكم ظنِّهِ واجتهادِهِ . . فلا قضاءَ عليهِ ، ولا ينبغي أنْ يأكلَ في طرفي النهارِ إلا بنظرٍ واجتهادٍ . الرابعُ : الإمساكُ عنِ الجماعِ : وحدُّهُ : تغييبُ الحشفةِ ، فإنْ جامعَ ناسياً .. لمْ يفطرْ، وإنْ جامعَ ليلاً أوِ احتلمَ ، فأصبحَ جنباً .. لمْ يفطرْ، وإنْ طلعَ الفجرُ وهوَ مخالطٌ أهلَهُ ، فنزعَ في الحالِ .. صحَّ صومُّهُ ، فإِنْ صبرَ .. فسدَ ولزمتْهُ الكفارةُ . (١) السعوط : هو بضم السين مصدر من سعط ، إذا أوصل شيئاً إلى دماغه من أنفه، وبفتحها اسم لما يصب فيه . 'G ١٠٥ كتاب أسرار الصوم ٥ ربع العبادات ـحر الخامسُ : الإِمساكُ عنِ الاستمناءِ : وهوَ إخراجُ المنيِّ قصداً، بجماع أو بغيرِ جماع ؛ فإنَّ ذلكَ يفطرُّهُ ، ولا يفطُرُ بقبلةِ زوجتِهِ ولا بمضاجعتِها ما لمْ ينزلْ ، لكنْ يكرَهُ ذلكَ إلا أنْ يكونَ شيخاً أوْ مالكاً لإِرْبِهِ ، فلا بأسَ بالتقبيلِ ، وتركهُ أولى ، وإذا كانَ يخافُ مِنَ التقبيلِ أنْ ينزلَ ، فقبَّلَ وسبقَ المنيُّ .. أفطرَ لتقصيرِهِ . السادسُ : الإمساكُ عنْ إخراج القيءِ : فالاستقاءةُ تفسدُ الصومَ ، وإنْ ذرعَهُ القيءُ .. لمْ يفسدْ صومُهُ، وإنِ اقتلعَ نُخامةٌ مِنْ حلقِهِ أوْ صدرِهِ .. لمْ يفسدْ صومُّهُ ؛ رخصةً لعموم البلوى بهِ ، إلا أنْ يبتلعَهُ بعدَ وصولِهِ إِلى فيهِ ، فإنَّهُ يفطرُ عندَ ذلكَ . وأمَّا لوازمُ الإفطارِ .. فأربعةٌ : القضاءُ ، والكفارةُ ، والفديةُ ، وإمساكُ بقيَّةِ النهار تشبيهاً بالصائمينَ . ـدة أمّا القضاءُ : فوجوُهُ عامٌّ على كلِّ مسلم مكلّفٍ تركَ الصومَ بعذرٍ أوْ بغيرِ عذرٍ ، فالحائضُ تقضي الصومَ ، وكذا المرتدُّ، أمَّا الكافرُ ، والصبيُّ ، والمجنونُ .. فلا قضاءَ عليهِمْ . ٢ ١٠٦ TWide ربع العبادات ـروم كتاب أسرار الصوم ولا يشترطُ التتابعُ في قضاءِ رمضانَ ، ولكنْ يقضي كيفَ شاءَ مفرَّقاً ومجموعاً . وأمَّا الكفارةُ : فلا تجبُ إلا بالجماع ، أمَّا الاستمناءُ والأكلُ والشربُ وما عدا الجماعَ .. فلا تجبُ بهِ كفارةٌ . والكفارةُ : عتقُ رقبةٍ، فإنْ أعسرَ .. فصومُ شهرينِ متتابعينِ ، فإنّ عجزَ .. فإطعامُ ستينَ مسكيناً مُداً مُداً . وأمَّا الإمساكُ بقيةَ النهارِ : فيجبُ على مَنْ عصى بالفطرِ أوْ قصَّرَ فيهِ ، ولا يجبُ على الحائضِ إذا طهرتْ إمساكُ بقيّةِ النهارِ ، ولا على المسافرِ إذا قدمَ مفطراً مِنْ سفرٍ بلغَ مرحلتينِ . ويجبُ الإمساكُ إذا شهدَ بالهلالِ عدْلٌ واحدٌ يومَ الشكِّ . والصومُ في السفرِ أفضلُ مِنَ الفطرِ إلا إذا لمْ يطقْ ، ولا يفطرُ يومَ يخرجُ وكانَ مقيماً في أوَّلِهِ ، ولا يومَ يقدَمُ إذا قَدِمَ صائماً . ١٠٧ : جنون حن كن كتاب أسرار الصوم جـ ربع العبادات ـكن ـحة وأمَّا الفديةُ : فتجبُ على الحاملِ والمرضع إذا أفطرَتا خوفاً على ولديهما ، لكلِّ يوم مدُّ حنطةٍ لمسكينٍ واحدٍ معَ القضاءِ ، والشيخُ الهرمُ إذا لمْ يصمْ .. تصدَّقَ عنْ كلِّ يومٍ بمدٍّ . وأمَّا السننُ .. فستٌ : تأخيرُ السحورِ ، وتعجيلُ الفطرِ بالتمرِ أوِ الماءِ قبلَ الصلاةِ ، وتركُ السواكِ بعدَ الزوالِ ، والجودُ في شهرِ رمضانَ لما سبقَ مِنْ فضائِلِهِ في الزكاةِ ، ومدارسةُ القرآنِ ، والاعتكافُ في المسجدِ لا سيما في العشْرِ الأخيرِ ، فهوَ عادةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، كانَ إذا دخلَ العشرُ الأواخرُ .. طوى الفراشَ، وشدَّ المئزرَ ودأبَ ودأبَ معهُ أهلُهُ(١) ؛ أي : أداموا النصبَ في العبادةِ ؛ إذْ فيها ليلةُ القَدْرِ ، والأغلبُ أنَّها في أوتارِها ، وأشبهُ الأوتارِ ليلةُ إحدى وثلاثٍ وخمسٍ وسبع ، والتتابعُ في هذا الاعتكافِ أولى، فإنْ نذرَ اعتكافاً متتابعاً أَوْ نواهُ .. انقطعَ تتابعُهُ بالخروجِ مِنْ غِيرِ ضرورةٍ ؛ كما لوْ خرجَ لعيادةِ مريضٍٍ ، أوْ شهادةٍ أوْ جنازةٍ أَوْ زيارةٍ أوْ تجديد طهارةٍ ، وإنْ خرجَ لقضاءِ الحاجةِ .. لمْ ينقطع اعتكافُهُ، ولَهُ أنْ يتوضَّأَ في البيتِ ، ولا ينبغي أنْ يعرِّجَ على شغلٍ آخرَ ، كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ حن. (١) كما في ((البخاري)) (٢٠٢٤)، و((مسلم)) (١١٧٤). ١٠٨ ربع العبادات كتاب أسرار الصوم وسلَّمَ لا يخرجُ إلا لحاجةِ الإنسانِ(١)، ولا يسألُ عنِ المريضِ إلا مارّاً(٢) وينقطعُ التتابعُ بالجماع ، ولا ينقطعُ بالتقبيلِ ، ولا بأسَ في المسجدِ بالتطيُّبٍ وعقدِ النكاحِ ، وبالأكلِ والنومِ وغسلِ اليدينِ في الطَّسْتِ ، وكلُّ ذلكَ قدْ يحتاجُ إليهِ في التتابع ، ولا ينقطعُ التابعُ بخروجٍ بعضٍ بدِنِهِ ، كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يدني رأسَهُ فترجلُهُ عائشةٌ أمُ المؤمنينَ رضيَ اللهُ عنها وهيَ في الحجرةِ(٣). ومهما خرجَ المعتكفُ لقضاء حاجتِهِ ؛ فإِذا عادَ .. ينبغي أنْ يستأنفَ النّيَّةَ إلا إذا كانَ قدْ نوى أوَّلاً عشرةَ أيامٍ مثلاً ، والأفضلُ معَ ذلكَ التجديدُ . (١) كما في ((البخاري)) (٢٠٢٩)، و((مسلم)) (٢٩٧). (٢) رواه مسلم (٢٩٧) من فعل السيدة عائشة رضي الله عنها، وعند أبي داوود ( ٢٤٧٢) عنها قالت : ( وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر بالمريض وهو معتكف ، فيمرُّ كما هو ولا يعرج يسألُ عنه ) . (٣) كما في ((البخاري)) (٢٩٦)، و((مسلم)) ( ٢٩٧). ١٠٩ كتاب أسرار الصوم ربع العبادات حن الفَصْلُ الثَّانِي في أسرار القوم وشروطه الباطنة اعلمْ : أنَّ للصوم ثلاثَ درجاتٍ : صومُ العموم ، وصومُ الخصوصِ ، وصومُ خصوصِ الخصوصِ . - أمَّا صومُ العموم : فهوَ كفُّ البطنِ والفرج عنْ قضاءِ الشهوةِ كما سبقَ تفصيلُهُ . - وأمَّا صومُ الخصوصِ : فهوَ كفُّ السمع والبصرِ واللسانِ واليدِ والرجْلِ وسائرِ الجوارحِ عنِ الآثام . - وأمَّا صومُ خصوصِ الخصوصِ : فصومُ القلبِ عنِ الهممِ الدنيَّةِ والأفكار الدنيويةِ، وكفُّهُ عمَّا سوى اللهِ عزَّ وجلَّ بالكليّةِ ، ويحصلُ الفطرُ في هذا الصوم بالفكرِ فيما سوى اللهِ عزَّ وجلَّ واليوم الآخرِ ، وبالفكرِ في الدنيا إلا دنيا ترادُ للدينِ ؛ فإنَّ ذلكَ مِنْ زادِ الآخرةِ وليسَ مِنَ الدنيا ، حتَّى قالَ أربابُ القلوبِ : ( مَنْ تحرَّكتْ همَّتُهُ بالتصرُّفِ في نهارِهِ لتدبيرِ ما يفطرُ عليهِ .. كتبتْ عليهِ خطيئةٌ)(١)؛ فإنَّ ذلكَ مِنْ قلَّةِ الوثوقِ بفضْلِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، وقلَّةِ اليقينِ برزقِهِ الموعودِ . وهذهِ رتبةُ الأنبياءِ والصديقينَ والمقربينَ ، ولا نطوِّلُ النظرَ في تفصيلِ (١) قوت القلوب (٢/ ١١٤) بنحوه . ١١٠ حن ربع العبادات كتاب أسرار الصوم ذلكَ قولاً ، ولكنْ في تحقيقِهِ عملاً، فإنَّهُ إقبالٌ بكنْهِ الهمَّةِ على اللهِ عزَّ وجلَّ، وانصرافٌ عنْ غيرِ اللهِ سبحانَهُ ، وتلبسٌّ بمعنى قولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُؤَ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ . وأمَّا صومُ الخصوصِ - وهوَ صومُ الصالحينَ - فهوَ كفُّ الجوارح عنٍ الآثام ، وتمامُهُ بستةِ أمورٍ : الأولُ : غضُّ البصرِ وكفُّهُ عنِ الاتساع في النظرِ إلى كلِّ ما يذمُّ ويكرَهُ ، وإلى كلِّ ما يشغلُ القلبَ ويلهي عنْ ذكرِ اللهِ عزَّ وجلَّ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( النظرةُ سهمٌ مسمومٌ مِنْ سهام إبليسَ ، فمنْ تركها خوفاً مِنَ اللهِ . . آتاهُ اللهُ عزَّ وجلَّ إيماناً يجدُ حلاوتَةُ في قلبِهِ)) (١). وروى جابرٌ عنْ أنسٍ ، عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ : ((خمسٌ يفطرْنَ الصائمَ : الكذبُ ، والغيبةُ، والنميمةُ ، واليمينُ الكاذبةٌ ، والنظرُ بشهوةٍ)»(٢). (١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٧٣/١٠)، والحاكم في ((المستدرك)) (٣١٣/٤)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ( ٦ /١٠١ ). (٢) قال الحافظ العراقي: (رواه الأزدي في ((الضعفاء)) من رواية جابان عن أنس، وقوله : ((جابر)) تصحيف، قال أبو حاتم: هذا كذب)، وهو عند الديلمي في ((الفردوس)) (١٩٧/٢)، وانظر ((الإتحاف)) (٢٤٥/٤) حيث قال: ( أما طريق داوود بن رشيد عن بقية .. فإسناده متقارب ، وليس فيه من رمي بالكذب ، إلا أنه ضعيف لضعف محمد بن حجاج ، والله أعلم ) ، وهو كما أورده المصنف عند صاحب = ١١١ كتاب أسرار الصوم ربع العبادات الثاني : حفظ اللسانِ عنِ الهذيانِ والكذبِ والغيبةِ والنميمةِ والفحشِ والجفاءِ والخصومةِ والمراءِ ، وإلزامُهُ السكوتَ ، وشغلُهُ بذكرِ اللهِ سبحانَهُ وتلاوةِ القرآنِ ، فهذا صومُ اللسانِ . وقدْ قالَ سفيانُ : ( الغيبةُ تفسدُ الصومَ ) رواهُ بشرُ بنُ الحارثِ عنهُ(١). وروى ليثُ عنْ مجاهدٍ : ( خصلتانِ تفسدانِ الصيامَ : الغيبةُ والكذبُ)(٢). وقال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّما الصومُ جُنَّةٌ، فإذا كانَ أحدُكُمْ صائماً .. فلا يرفُثْ ولا يجهلْ، وإنِ امرؤٌ قاتلَهُ أوْ شاتمَهُ .. فليقلْ: إنِّي صائمٌ إِنِّي صائمٌ))(٣) . وجاءَ في الخبرِ : أنَّ امرأتينٍ صامتا على عهْدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فأجهدَهُما الجوعُ والعطشُ مِنْ آخرِ النهارِ حتَّى كادتا أنْ تتلَفا ، فبعثتا إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تستأذنانِهِ في الإفطارِ ، فأرسلَ إليهما قدحاً وقالَ للرسولِ : ((قلْ لهما قِيئًا فيهِ ما أكلْتُما))، فقاءَتْ إحداهما ((القوت)) (١١٤/٢). وروى ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٨٩٧٥) عن عمر رضي الله عنه : ( ليس الصيام من الطعام والشراب وحده ، ولكنه من الكذب والباطل واللغو والحلف ) . (١) كذا في ((القوت)) (١١٤/٢)، وقال سفيان والأوزاعي بالفساد حقيقة. انظر ((الإتحاف)) (٤ / ٢٤٥ ) . (٢) رواه ابن أبي شيبة في (( المصنف)) ( ٨٩٨٠)، وهو في ((القوت)) (١١٤/٢). (٣) رواه البخاري (١٨٩٤)، ومسلم ( ١١٥٠) . ------ ١١٢ بتن حن. حن: كن .كن ربع العبادات حر كتاب أسرار الصوم نصفَهُ دماً عَبيطاً ولحماً غريضاً ، وقاءَتِ الأخرى مثلَ ذلكَ حتَّى ملأَتَاهُ ، فعجبَ الناسُ مِنْ ذلكَ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((هاتانِ صامتا عمَّا أحلَّ اللهُ لهما ، وأفطرتَا على ما حرَّمَ اللهُ تعالى عليهما ؛ قعدَتْ إحداهما إلى الأخرى ، فجعلتا تغتابانِ الناسَ، فهذا ما أكلتَا مِنْ لحومِهِمْ)) (١). الثالثُ : كفُّ السمع عنِ الإصغاءِ إلى كلِّ مكروهٍ ؛ لأنَّ كلَّ ما حَرَّمَ اللهُ قولَهُ .. حرَّمَ الإصغاءَ إليهِ، ولذلكَ سوَّى اللهُ تعالىُ بينَ المستمع وآكلِ السحْتِ فقالَ: ﴿سَنَّعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِلشُّحْتِ﴾ . وقال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَنَهُمُ الرََِّّيُّونَ وَاَلْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ فالسكوتُ على الغيبةِ حرامٌ . وقالَ أيضاً: ﴿ إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمْ﴾، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((المغتابُ والمستمعُ شريكانِ في الإثمِ))(٢). (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٣١/٥)، وهو بلفظ المصنف في ((القوت)) (٧٥/١)، والعبيط : هو من الدم الخالصُ الطري ، والغريض : الطري كذلك . (٢) في معناه روى أبو نعيم في ((الحلية)) (٩٣/٤)، والخطيب في (( تاريخ بغداد)) (٢٢١/٨) عن ابن عمر رضي الله عنهما : ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغناء والاستماع إلى الغناء ، ونهى عن الغيبة وعن الاستماع إلى الغيبة ، وعن النميمة والاستماع إلى النميمة ) . ,0 .. 5 ١١٣ كتاب أسرار الصوم ربع العبادات الرابعُ : كفُّ بقيةِ الجوارحِ عنِ الآثامِ مِنَ اليدِ والرجلِ وعنِ المكارِهِ ، وكفُّ البطْنِ عنِ الشبهاتِ وقتَ الإفطارِ ، فلا معنى للصومِ وهوَ الكفتُّ عنِ الطعام الحلالِ ثمَّ الإفطارُ على الحرام ؛ فمثالُ هذا الصائمِ مثالُ منْ يبني قصراً ويهدمُ مِصراً ؛ فإنَّ الطعامَ الحلالَ إنَّما يضرُّ بكثرتِهِ لا بنوعِهِ ، فالصومُ لتقليلِهِ ، وتاركُ الاستكثارِ مِنَ الدواءِ خوفاً مِنْ ضررِهِ إذا عدلَ إلى تناولِ الشُّمِّ .. كانَ سفيهاً، والحرامُ سٌّ يهلكُ الدينَ، والحلالُ دواءٌ ينفعُ قليلُهُ ويضرُّ كثيرُهُ ، وقصدُ الصوم تقليلُهُ . وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( كمْ مِنْ صائمٍ ليسَ لهُ مِنْ صومِهِ إلا الجوعُ والعطشُ))(١) ، فقيلَ: هوَ الذي يفطرُ على الحرام ، وقيلَ: هوَ الذي يمسكُ عنِ الطعام الحلالِ ويفطرُ على لحومِ الناسِ بالغيبةِ وهيَ حرامٌ ، وقيلَ : هوَ الذي لا يحفظُ جوارحَهُ عنِ الآثامِ (٢). الخامسُ : ألا يستكثرَ مِنَ الطعام الحلالِ وقتَ الإفطارِ بحيثُ يمتلىءُ جوفُهُ، فما مِنْ وعاءٍ أبغضُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ مِنْ بطنِ مليءٍ مِنْ حلالٍ(٣). حن وكيفَ يُستفادُ مِنَ الصوم قهرُ عدوِّ اللهِ وكسرُ الشهوةِ إذا تداركَ الصائمُ عندَ (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٧٣/٢)، وبنحوه عند ابن ماجه (١٦٩٠). (٢) حكى الأقوال الثلاثة صاحب ((القوت)) (١١٤/٢). حن (٣) كما في ((الترمذي)) (٢٣٨٠)، و((ابن ماجه)) (٣٣٤٩). C حن ١١٤ ... bA ربع العبادات كتاب أسرار الصوم فطرِهِ ما فاتَهُ ضحوةَ نهارِهِ ؟! وربما يزيدُ عليهِ في ألوانِ الطعام ، حتَّى استمرتِ العاداتُ بأنْ تدَّخَرَ جميعُ الأطعمةِ لرمضانَ ، فيؤكلُ مِنَ الأطعمةِ فیهِ ما لا يؤكلُ في عدَّةِ أشهرٍ ، ومعلومٌ أنَّ مقصودَ الصوم الخَواءُ وكسرُ الهوى ؛ لتقوى النفسُ على التقوى ، وإذا دفعتِ المعدةُ ضحوةَ النهارِ إلى العشاءِ حتَّى هاجتْ شهوتُها وقويتْ رغبتُها ، ثمَّ أطعمتْ مِنَ اللذاتِ وأشبعتْ .. زادتْ لذتُها وتضاعفتْ قوَّتُها ، وانبعثَ مِنَ الشهواتِ ما عساهُ كانَ راكداً لوْ تركَتْ على عادتِها ! ٤٠ ـوحن فروحُ الصوم وسرُّهُ تضعيفُ القُوى التي هيَ وسائلُ الشيطانِ في القوْدِ إلى الشرورِ ، ولنْ يحصلَ ذلكَ إلا بالتقليلِ ؛ وهوَ أنْ يأكلَ أكلتَهُ التي كانَ يأكلُها كلَّ ليلةٍ لوْ لمْ يصمْ، فأمَّا إذا جمعَ ما كانَ يأكلُ ضحوةٌ إلى ما كانَ يأكلُ ليلاً .. فلنْ ينتفعَ بصومِهِ . As بلْ مِنَ الآدابِ ألا يكثرَ النومَ بالنهارِ حتَّى يحسَّ بالجوع والعطشِ ، ويستشعرَ ضعْفَ القُوى ، فيصفوَ عندَ ذلكَ قلبُهُ ، ويستديمَ في ليلِهِ قدْراً مِنَ الضعفِ حتَّى يخفَّ عليهِ تهجّدُه وأورادُهُ ، فعسى الشيطانُ ألا يحومَ على قلبهِ ؛ فينظرَ إلى ملكوتِ السماءِ . وليلةُ القدْرِ عبارةٌ عنِ الليلةِ التي ينكشفُ فيها شيءٌ مِنَ الملكوتِ ، وهوَ المرادُ بقولهِ تعالى: ﴿إِنََّ أَنْزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، ومَنْ جعلَ بينَ قلبِهِ وبينَ صدرِهِ مِخلاةً مِنَ الطعام .. فهوَ عنهُ محجوبٌ، ومَنْ أخلى معدتَهُ .. فلا يكفيهِ ذلكَ لرفع الحجابِ ما لمْ يخلِ همَّتَهُ عنْ غيرِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، وذلكَ هوَ ١١٥ حن حن حن حن كتاب أسرار الصوم ربع العبادات الأمرُ كلُّهُ ، ومبدأُ جميع ذلكَ تقليلُ الطعام ، وسيأتي لهُ مزيدُ بيانٍ في كتابٍ الأطعمةِ إنْ شاءَ اللهُ عزَّ وجلَّ . السادسُ : أنْ يكونَ قلبُهُ بعدَ الإفطارِ معلَّقاً مضطرباً بينَ الخوفِ والرجاءِ ؛ إِذْ ليسَ يدري : أتُقُبِّلَ صومُهُ فهوَ مِنَ المقرَّبينَ ، أوْ رُدَّ عليهِ فهوَ مِنَ الممقوتينَ ؟ G وليكنْ كذلكَ في آخرِ كلِّ عبادةٍ يفرُغُ منها ، فقدْ رُوِيَ عنِ الحسنِ بنِ أبي الحسنِ البصريِّ أنَّهُ مرَّ بقومٍ يومَ العيدِ وهمْ يضحكونَ، فقالَ: (إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ جعلَ شهرَ رمضانَ مضماراً لخلقِهِ يستبقونَ فيهِ لطاعتِهِ ، فسبقَ أقوامٌ ففازوا، وتخلَّفَ أقوامٌ فخابوا ، فالعجَبُ كلُّ العجبِ للضاحكِ اللاعبِ في اليوم الذي فازَ فيهِ السابقونَ المسارعونَ ، وخابَ فيهِ المبطلونَ ! أما واللهِ ؛ لوْ كُشِفَ الغطاءُ .. لاشتغلَ المحسنُ بإحسانِهِ والمسيءُ بإساءتِهِ ) أيْ : كانَ سرورٌ المقبولِ يشغلُهُ عنِ اللعبِ ، وحسرةُ المردودِ تسدُّ عليهِ بابَ الضحكِ . وعنِ الأحنفِ بنِ قيسٍ أنَّهُ قيلَ لهُ : إنَّكَ شيخٌ كبيرٌ ، وإنَّ الصيامَ يضعفُكَ ، فقالَ : إنِّي أعدُّهُ لشرِّ طويلٍ ، والصبرُ على طاعةِ اللهِ سبحانَهُ أهونُ مِنَ الصبرِ على عذابِهِ (١). فهذهِ هيَ المعاني الباطنةُ في الصومِ . (١) رواه ابن سعد في ((طبقاته)) (٩٥/٩) إلى قوله: ( لشرّ طويل). ١١٦ : ربع العبادات كتاب أسرار الصوم فإنْ قلتَ : فمنِ اقتصرَ على كفِّ شهوةِ البطنِ والفرج وتركِ هذهِ المعاني فقدْ قالَ الفقهاءُ : صومُهُ صحيحٌ ، فما معناهُ ؟ فاعلمْ : أنَّ فقهاءَ الظاهرِ يثبتونَ شروطَ الظاهرِ بأدلَّةٍ هي أضعفُ مِنْ هذهِ الأدلَّةِ التي أوردناها في هذهِ الشروطِ الباطنةِ ، لا سيما الغيبةُ وأمثالُها ، ولكنْ ليسَ إلى فقهاءِ الظاهرِ مِنَ التكليفاتِ إلا ما يتيسَّرُ على عموم الغافلينَ المقبلينَ على الدنيا الدخولُ تحتَهُ . فأمَّا علماءُ الآخرةِ .. فيعنونَ بالصَّّةِ القَبولَ ، وبالقبولِ الوصولَ إلى المقصودِ ، ويفهمونَ أنَّ المقصودَ مِنَ الصوم التخلَّقُ بخلقٍ مِنْ أخلاقِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وهوَ الصمديَّةُ (١) ، والاقتداءُ بالملائكةِ في الكفِّ عنِ الشهواتِ بحسَبِ الإمكانِ ؛ فإنَّهُمْ منزَّهونَ عنِ الشهواتِ ، والإنسانُ رتبتُهُ فوقَ رتبةٍ البهائمِ ؛ لقدرتهِ بنورِ العقلِ على كسْرِ شهوتِهِ ، ودونَ رتبةِ الملائكةِ ؛ الاستيلاءِ الشهواتِ عليهِ وكونِهِ مبتلىّ بمجاهدتِها ، فكلَّما انهمكَ في الشهواتِ .. انحطّ إلى أسفل السافلينَ، والتحقَ بغمارِ البهائمِ، وكلَّما قمعَ الشهواتِ .. ارتفعَ إلى أعلىُ علِّينَ، والتحقَ بأفقِ الملائكةِ، والملائكةُ مقرَّبونَ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ ، والذي يقتدي بهمْ ويتشبّهُ بأخلاقِهِمْ .. يقربُ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ كقربِهِمْ ؛ فإنَّ الشبيهَ مِنَ القريبِ قريبٌ ، وليسَ القربُ ثَمَّ بالمكانِ ، بلْ بالصفاتِ . 12 (١) إذ إن من معاني الصمد : الذي لا جوف له ، والذي لا يطعم . ١١٧ ـم **** كتاب أسرار الصوم ربع العبادات حن ثن وإذا كانَ هذا سرَّ الصوم عندَ أربابِ الألبابِ وأصحابِ القلوبِ .. فأيُّ جدوى لتأخيرِ أكلةٍ وجمع أكلتينٍ عندَ العشاءِ معَ الانهماكِ في الشهواتِ الأُخَرِ طولَ النهار ؟! ولوْ كانَ لمثلِهِ جدوى .. فأيُّ معنىً لقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( كمْ مِنْ صائمٍ ليسَ لهُ مِنْ صومِهِ إلا الجوعُ والعطشُ))؟!(١) . ولهذا قالَ أبو الدرداءِ : ( يا حبذا نومُ الأكياسِ وفطرُهُمْ، كيفَ يغبنونَ صومَ الحمقى وسهرَهم؟! ولذرةٌ مِنْ ذوي يقينٍ وتقوى أفضلُ وأرجحُ مِنْ أمثالِ الجبالِ عبادةٌ مِنَ المغترِّينَ )(٢). ولذلكَ قالَ بعضُ العلماءِ : ( كمْ مِنْ صائمٍ مفطرٌ ، وكمْ مِنْ مفطرٍ صائمٌ)، والمفطرُ الصائمُ: هوَ الذي يحفظُ جوارحَهُ عنِ الآثام ويأكلُ ويشربُ ، والصائمُ المفطرُ : هوَ الذي يجوعُ ويعطشُ ويطلقُ جوارحَهُ . ومَنْ فهمَ معنى الصوم وسِرَّةُ .. علمَ أنَّ مثَلَ مَنْ كفَّ عنِ الأكلِ والجماع وأفطرَ بمخالطةِ الآثامِ .. كمَنْ مسحَ على عضوٍ مِنْ أعضائِهِ في الوضوءِ ثلاثَ مراتٍ، فقدْ وافقَ في الظاهرِ العددَ ، إلا أنَّهُ تركَ المهمَّ وهوَ الغسلُ ، فصلاتُهُ مردودةٌ عليهِ لجهلِهِ ، ومثلُّ مَن أفطرَ بالأكلِ وصامَ بجوارحِهِ عنِ المكارهِ .. كمَنْ غسلَ أعضاءَهُ مرَّةٌ مرَّةً ، فصلاتُهُ متقبَّةٌ إنْ شاءَ اللهُ؛ لإحكامِهِ الأصلَ (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٢/ ٣٧٣)، وبنحوه عند ابن ماجه (١٦٩٠). (٢) رواه أحمد في ((الزهد)) (٧٣٨)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٢١١/١)، وهو في (القوت)» (٧٥/١) . حن حج حج حج جن حن حن ١١٨ حن حن 1 ربع العبادات كتاب أسرار الصوم وإنْ تركَ الفضْلَ، ومثلُ مَنْ جمعَ بينَهُما .. كمَنْ غسلَ كلَّ عضوٍ ثلاثَ a مرَّاتٍ ، فجمعَ بينَ الأصلِ والفضْلِ ، وهوَ الكمالُ(١). وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّما الصومُ أمانةٌ، فليحفظْ أحدُكُمْ أمانتَهُ))(٢) . ولمَّا تلا قولَهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بَأَمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ .. وضعَ يدَهُ على سمعِهِ وبصرهِ فقال: (( السمعُ أمانةٌ، والبصرُ أمانةٌ))(٣)، ولولا أنَّهُ مِنْ أماناتِ الصوم .. لما قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «فليقلْ : إنِّي صائمٌ))(٤) أي: إنِّي أُودعتُ لساني لأحفظَهُ ، فكيفَ أطلقُهُ بجوابِكَ ؟! حن حن فإذاً ؛ قدْ ظهرَ أنَّ لكلِّ عبادةٍ ظاهراً وباطناً ، وقشراً ولبّاً ، ولقشورها درجاتٍ ، ولكلِّ درجةٍ طبقاتٍ .. فإليكَ الخيرةُ الآنَ في أنْ تقنعَ بالقشرِ عنِ اللبابِ ، أَوْ تتحيَّزَ إلى غمارِ أربابِ الألبابِ . ٠٧ (١) هذه المُثُل ذكرها الإمام أبو طالب المكي في ((قوت القلوب)) (٧٥/١). (٢) روى الطبراني في ((الكبير)) (٢١٩/١٠)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٠١/٤) مرفوعاً: (( القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها - أو قال: كلَّ شيء - إلا الأمانة، والأمانة في الصلاة ، والأمانة في الصوم ، والأمانة في الحديث ، فأشد ذلك الودائع » . (٣) روى ابن أبي الدنيا في ((مكارم الأخلاق)) ( ٢٧٥) عن عبد الله بن عمرو نحوه . (٤) رواه البخاري (١٨٩٤)، ومسلم ( ١١٥٠). ١١٩ ـى حں كتاب أسرار الصوم ربع العبادات الفَصْلُ الثَّالِثُ في التطوّع بالصّيام وترتيب الأوراو فيه اعلمْ : أَنَّ استحبابَ الصوم يتأكَّدُ في الأيام الفاضلةِ ، وفواضلُ الأيام بعضُها يوجدُ في كلِّ سنةٍ ، وبعضُها في كلِّ شهرٍ ، وبعضُها في كلِّ أسبوعٍ . أمَّا في السَّنَةِ بعدَ أيام رمضانَ : فيومُ عرفةَ، ويوم عاشوراءَ، والعشرُ الأَوَلُ مِنْ ذي الحجةِ، والعشرُ الأُوَلُ مِنَ المحرَّمِ ، وجميعُ الأشهرِ الحرُمِ مظانُّ الصومِ ، وهيَ أوقاتٌ فاضلةٌ ، وكانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يكثرُ صومَ شعبانَ حتَّى كانَ يُظُ أنَّهُ في رمضانَ (١)، وفي الخبر: « أفضلُ الصيام بعدَ شهرِ رمضانَ شهرُ اللهِ المحرَّمُ ))(٢)، ولأنَّهُ ابتداءُ السنةِ فبناؤُهُ على الخيرِ أحبُّ وأرجى لدوامِ بركتِهِ. وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( صومُ يومٍ مِنْ شهرٍ حرامٍ أفضلُ مِنْ ثلاثينَ مِنْ غيرِهِ ، وصومُ يومٍ مِنْ رمضانَ أفضلُ مِنْ ثلاثينَ مِنْ شهرٍ حرامٍ»(٣). (١) فقد روى البخاري (١٩٧٠)، ومسلم (١١٥٦) عن عائشة رضي الله عنها : (كان يصوم شعبان كله ) . (٢) رواه مسلم ( ١١٦٣) . (٣) روى الطبراني في ((الصغير)) (٧١/٢) مرفوعاً: (( من صام يوم عرفة .. كان له كفارة = مسيـ ١٢٠ حن