Indexed OCR Text
Pages 81-100
ربع العبادات كتاب أسرار الزكاة بيان إخفاء أخذ الصدقة وإظهارها قدِ اختلفَ الناسُ في طُرقِ طلَّبِ الإخلاصِ في ذلكَ ؛ فمالَ قومٌ إلى أنَّ الإخفاءَ أفضلُ، ومالَ قومٌ إلى الإظهارِ ، ونحنُ نشيرُ إلى ما في كلِّ واحدٍ مِنَ المعاني والآفاتِ ، ثمَّ نكشفُ الغطاءَ عنِ الحقِّ فيهِ : أمَّا الإخفاءُ .. ففيهِ خمسةُ معانٍ : الأوَّلُ : أَنَّهُ أبقى للسَّتْرِ على الآخذِ ؛ فإنَّ أَخْذَهُ ظاهراً هتكٌ لستْرِ المروءةِ ، وكشفٌ عنِ الحاجةِ ، وخروجٌ عنْ هيئةِ التعفُّفِ والتصوُّنِ المحبوبِ الذي يحسبهُمُ الجاهِلُ بِهِ أغنياءَ مِنَ التعقُّفِ . هممـ ےے الثاني : أنَّهُ أسلمُ لقلوبِ الناسِ ولألسنتِهِمْ ؛ فإنَّهُمْ ربما يحسدونَ أوْ ينكرونَ عليهِ أخْذَهُ، ويظنُّونَ أنَّهُ آخذٌ معَ الاستغناءِ ، أوْ ينسبونَهُ إلى أخْذِ زيادةٍ ، والحسدُ وسوءُ الظنِّ والغيبةُ مِنَ الذنوبِ الكبائرِ ، وصيانتُهُمْ عنْ هذهِ الجرائمِ أولى . G وقالَ أبو أيوبَ السِّخْتيانيُّ: ( إنِّي لأتركُ لُبْسَ الثوب الجديدِ خشيةَ أنْ يحدِثَ في جيراني حسداً )(١) . (١) قوت القلوب (٢٠١/٢) . ٠٠ ۔ ٨١ عن ، حن حي حة كتاب أسرار الزكاة 225 ربع العبادات وقالَ بعضُ الزهَّادِ : ( ربما تركتُ استعمالَ الشيءِ لأجلِ إخواني ، يقولونَ : مِنْ أينَ لهُ هذا؟!)(١). وعنْ إبراهيم التيميِّ: أنَّهُ رُئِيَ عليهِ قميصٌ جديدٌ ، فقالَ بعضُ إخوانِهِ : مِنْ أينَ لكَ هذا؟ فقالَ : كسانيهِ أخي خيثمةُ ، ولوْ علمتُ أنَّ أهلَهُ علموا بهِ .. ما قبلتُهُ(٢). الثالثُ : إعانةُ المعطي على إسرارِ العملِ ؛ فإنَّ فضلَ السرِّ على الجهرِ في الإعطاءِ أكثرُ ، والإعانةُ على إتمام المعروفِ معروفٌ ، والكتمانُ لا يتمُّ إلا باثنينِ ؛ فمهما أظهرَ هذا .. انكشفَ أمرُ المعطي . ودفعَ رجلٌ إلى بعضِ العلماءِ شيئاً ظاهراً فردَّهُ إليهِ ، ودفعَ إليه آخرُ شيئاً في السرِّ فقبلَهُ، فقيلَ لهُ في ذلكَ ؟ فقالَ: إنَّ هذا عملَ بالأدبِ في إخفاءِ معروفِهِ فقبلتُهُ، وذاكَ أساءَ أدبَهُ في عملِهِ فرددتُ عليهِ عملَهُ(٣). حن وأعطى رجلٌ بعضَ الصوفيةِ شيئاً في الملأِ فردَّهُ، فقالَ لهُ: لِمَ ترُّ حن (١) رواه وكيع في ((أخبار القضاة)) (٣٥/٣)، وفيه معنى الخبر الذي قبله ، عن محارب بن دثار القاضي . (٢) رواه هناد في ((الزهد)) (٦٥٩)، وأبو نعيم في «الحلية)) (١١٣/٤)، والخير عن إبراهيم النخعي لا التيمي كما في ((تهذيب الكمال)) (٣٧٢/٨)، والمصنف تبع صاحب (( القوت)) (٢٠٢/٢) . (٣) قوت القلوب (٢٠٢/٢) . ٨٢ کر، ربع العبادات كتاب أسرار الزكاة ـون على اللهِ عزَّ وجلَّ ما أعطاكَ ؟ فقالَ : إِنَّكَ أشركتَ غيرَ اللهِ سبحانَهُ فيما للهِ تعالى ولمْ تقنعْ بعينِ اللهِ عزَّ وجلَّ، فرددتُ عليكَ شرْكَكَ(١) . وقبلَ بعضُ العارفينَ في السرِّ شيئاً كانَ ردَّهُ في العلانيةِ ، فقيلَ لهُ في ذلكَ ؟ فقالَ : عصيتَ اللهَ بالجهرِ ، فلمْ أكُ عوناً لكَ على المعصيةِ ، وأطعتَهُ بالإخفاءِ ، فأعنتُكَ على برِّكَ(٢). وقالَ الثوريُّ: ( لو علمتُ أنَّ أحدَهُمْ لا يذكرُ صلتَهُ ولا يتحدَّثُ بها .. لقبلتُ صلتَهُ )(٣) . % الرابعُ : أنَّ في إظهارِ الأخذِ ذلاً وامتهاناً ، وليسَ للمؤمنِ أنْ يذلَّ نفسَهُ (٤) . كانَ بعضُ العلماءِ يأخذُ في السرِّ ولا يأخذُ في العلانيةِ ، ويقولُ : إنَّ في إظهارِهِ إذلالاً للعلم وامتهاناً لأهلِهِ ، فما كنتُ بالذي أرفعُ شيئاً مِنَ الدنيا بوضعِ العلمِ وإذلالِ أهلِهِ . (١) قوت القلوب (٢٠٢/٢) . (٢) قوت القلوب (٢/ ٢٠٢) . قوت القلوب (٢٠٢/٢) . (٣) (٤) حديث: (( لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه)) رواه الترمذي (٢٢٥٤)، وابن ماجه (٤٠١٦)، والخبر في ((القوت)) (٢٠٢/٢). ن'. ٨٣ شن من ش ش ش حن كن كتاب أسرار الزكاة ربع العبادات ـدة الخامسُ : الاحترازُ عنْ شبهةِ الشِّرْكَةِ، قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((مَنْ أُهدِيَ لهُ هديةٌ وعندَهُ قومٌ .. فهُمْ شركاؤُهُ فيها))(١) ، وبأنْ يكونَ وَرِقاً أوْ ذهباً لا يخرجُ عَنْ كونِهِ هديةً، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أفضلُ ما أهدى الرجلُ إلى أخيهِ وَرِقاً، أوْ يطعمُهُ خبزاً)»(٢) ، فجعلَ الوَرِقَ هديةً ، فانفرادُهُ بما يُعطى في الملأِ مكروهٌ إلا برضا جميعِهِمْ، ولا يخلو عنْ شبهةٍ ، فإذا انفردَ .. سلمَ منْ هذهِ الشبهةِ . وأمَّا الإظهارُ والتحدُّثُ بهِ .. ففيهِ معانٍ أربعةٌ : الأوَّلُ : الإخلاصُ والصدقُ والسلامةُ عن تلبيسِ الحالِ والمراءاةِ . (١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٢٤٧١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٥١/٣)، وانظر ((الإتحاف)) (٤ /١٧٨). (٢) لفظ المصنف لههذا الحديث تبع فيه صاحب ((القوت)) (٢٠٢/٢)، وحق كلمة (ورقاً) الرفع على الخبرية، كذا وجد مصوَّباً في نسخة (( المغني)) للحافظ العراقي بخطه كما رآها الحافظ الزبيدي في «إتحافه)) (١٧٨/٤)، وروى ابن عدي في ((الكامل)) (٤٣٣/٣)، والبيهقي في (( الشعب)) (٧٢٧٣) عن أبي هريرة رضي الله عنه : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: (( أن تدخل على أخيك المسلم سروراً ، أو تقضي عنه ديناً، أو تطعمه خبزاً)) ، وروى الترمذي (١٩٥٧) مرفوعاً: ((من منح منيحة لبن أو وَرِقٍ، أو هدى زقاقاً .. كان له مثل عتق رقبة))، والحديثان يوفيان شاهد المصنف، وانظر ((الإتحاف)) (١٧٨/٤). محم حن حن حة ـحة ٨٤ ربع العبادات 105. كتاب أسرار الزكاة والثاني : إسقاطُ الجاهِ والمنزلةِ ، وإظهارُ العبوديةِ والمسكنةِ ، والتبرِّي عنِ الكبرياءِ ودعوى الاستغناءِ ، وإسقاطُ النفسِ مِنْ أعينِ الخلقِ . قالَ بعضُ العارفينَ لتلميذِهِ : أظهرِ الأخذَ على كلِّ حالٍ إنْ كنتَ آخذاً ؛ فإنَّكَ لا تخلو مِنْ أحدِ رجلينِ : رجلٌ تسقطُ مِنْ قلبهِ إذا فعلتَ ذلكَ ، فذلكَ هوَ المرادُ ؛ لأنَّهُ أسلمُ لدينِكَ ، وأقلُّ لآفاتِ نفسِكَ ، أَوْ رجلٌ تزدادُ في قلبهِ بإظهاركَ الصدْقَ ، فذلكَ الذي يريدُهُ أخوكَ؛ لأنَّهُ يزدادُ ثواباً بزيادةٍ حبِّهِ لكَ وتعظيمِهِ إِيَّاكَ، فتؤجرُ أنتَ إذْ كنتَ سببَ مزيدٍ ثوابِهِ(١). الثالثُ : هوَ أَنَّ العارِفَ لا نظرَ لهُ إلا إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، والسُّ والعلانيةُ في حقِّهِ واحدٌ ، فاختلافُ الحالِ شرٌْ في التوحيدِ ، قالَ بعضُهُمْ: ( كنَّا لا نعبأُ بدعاءِ مَنْ يأخذُ في السرِّ ويردُّ في العلانيةِ)(٢) . والالتفاتُ إلى الخلقِ حضروا أمْ غابوا نقصانٌ في الحالِ ، بلْ ينبغي أنْ يكونَ النظرُ مقصوراً على الواحدِ الفرْدِ ، حُكِيَ أنَّ بعضَ الشيوخ كانَ كثيرَ الميلِ إلى واحدٍ مِنْ جملةِ المريدينَ ، فشقَّ على الآخرينَ ذلكَ، فأرادَ أنْ يظهرَ لهم فضيلةَ ذلكَ المريدِ ، فأعطى كلَّ واحدٍ منهُمْ طائراً وقالَ لَهُ : اذبحْ هذا حيثُ لا يراكَ أحدٌ، فذهبوا ثمَّ جاؤوا وقدْ ذبحَ كلُّ واحدٍ طائرَهُ إلا ذلكَ قــ (١) قوت القلوب (٢/ ٢٠٢) . (٢) قوت القلوب (٢٠٢/٢) عن بعض العارفين . ٨٥ حن كتاب أسرار الزكاة ربع العبادات المريدَ، فإنَّهُ ردَّ طائرَهُ، فسألَهُمْ، فقالوا : فعلنا ما أمرَنا بهِ الشيخُ ، فقالَ الشيخُ للمريدِ : ما لكَ لمْ تذبحْ كما ذبحَ أصحابُكَ ؟ فقالَ ذلكَ المريدُ : لمْ أقدر على مكانٍ لا يراني فيهِ أحدٌّ؛ فإنَّ اللهَ يراني في كلِّ موضعٍ ، فقالَ الشيخُ : لهذا أميلُ إليهِ ؛ لأنَّهُ لا يلتفتُ إلى غيرِ اللهِ تعالى(١) . خ الرابعُ : أنَّ الإظهارَ إقامةٌ لسنةِ الشكرِ، وقدْ قالَ تعالى: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةٍ رَيِّكَ فَحَدِّثْ﴾، والكتمانُ كفرانُ النعمةِ، وقدْ ذَّ اللهُ تعالى مَنْ كتمَ ما آتاهُ اللهُ عزَّ وجلَّ، وقرنَهُ بالبخْلِ، فقالَ تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَنهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إذا أنعمَ اللهُ على عبدٍ نعمةً أحبَّ أنْ تُرى عليهِ ))(٢) . وأعطى رجلٌ بعضَ العارفينَ شيئاً في السرِّ، فرفعَ بهِ يدَهُ وقَالَ : ( هذا مِنَ الدنيا، والعلانيةُ فيها أفضلُ، والسرُ في أمور الآخرةِ أفضلُ)(٣)، ولذلكَ قالَ بعضُهُمْ: (إذا أُعطيتَ في الملأِ .. فخذْ ثُمَّ ارددْ في السرِّ)(٤). والشكرُ محثوثٌ عليهِ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ لمْ يشكرِ ح_شريف (١) الرسالة القشيرية (ص ٣٣٤) . (٢) رواه أحمد في ((مسنده)) (٤٧٣/٣)، وهو عند الترمذي ( ٢٠٠٦) بنحوه . ـسبـ (٣) قوت القلوب (٢٠٢/٢). (٤) قوت القلوب (٢/ ٢٠٢) بنحوه . ٨٦ ـدن ربع العبادات 15 كتاب أسرار الزكاة الناسَ .. لمْ يشكرِ اللهَ عزَّ وجلَّ))(١)، والشكرُ قائمٌ مقامَ المكافأةِ، حتَّى قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ أسدى إليكُمْ معروفاً .. فكافئُوهُ، فإنْ لمْ تستطيعوا .. فأثنوا عليهِ بهِ خيراً، وادعوا لهُ حتَّى تعلموا أنَّكُمْ قدْـ كافأتموهُ)) (٢). ولمَّا قالتِ المهاجرونَ في الشكرِ : يا رسولَ اللهِ ؛ ما رأينا خيراً مِنْ قوم نزلْنا عندَهُمْ ، قاسمونا الأموالَ حتَّى خفْنا أنْ يذهبوا بالأجرِ كلِّهِ ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((كلَّّ؛ ما شكرْتُمْ لهمْ وأثنيْتُمْ بهِ عليهِمْ)) أي : هوَ مكافأةٌ(٣). حن جن حن حن ئن ون فالآنَ : إذا عرفتَ هذهِ المعانيَ .. فاعلمْ أنَّ ما نقلَ مِنِ اختلافِ الناسِ فيهِ ليسَ اختلافاً في المسألةِ ، بلْ هوَ اختلافُ حالٍ . فكشفُ الغطاءِ في هذا : أنَّا لا نحكمُ حكماً بتّاً بأنَّ الإخفاءَ أفضلُ في كلِّ حالٍ أوِ الإظهارُ أفضلُ ، بلْ يختلفُ ذلكَ باختلافِ النِيَّاتِ ، وتختلفُ النِيَّاتُ باختلافِ الأحوالِ والأشخاصِ ، فينبغي أنْ يكونَ المخلصُ مراقباً لنفسِهِ ؛ حتَّى لا يتدلّى بحبلِ الغرورِ ، ولا ينخدعَ بتلبيسِ الطبْع ومكرٍ (١) رواه أبو داوود (٤٨١١)، والترمذي (١٩٥٤). (٢) رواه أبو داوود ( ١٦٧٢)، والنسائي (٨٢/٥). (٣) رواه الترمذي (٢٤٨٧) ولفظ النبي صلى الله عليه وسلم فيه: (( لا ، ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم )) . ٨٧ ـكن دں كتاب أسرار الزكاة ربع العبادات الشيطانِ ، والمكرُ والخداعُ أغلبُ في معاني الإخفاءِ منهُ في الإظهارِ ، مع أنَّ له دخلاً في كلِّ واحدٍ منهما : فأمَّا مدخلُ الخداع في الإسرارِ : فمنْ ميلِ الطبعِ إليهِ ؛ لمَا فیهِ مِنْ خفضٍ الجاهِ والمنزلةِ ، وسقوطِ القدْرِ مِنْ أعينِ الناسِ ، ونظرِ الخلقِ إليهِ بعينٍ الازدراءِ ، وإلى المعطي بعينِ المنعمِ المحسنِ إليهِ ، فهذا هوَ الداءُ الدفينُ ، ويستكنُّ في النفسِ ، والشيطانُ بواسطتِهِ يظهرُ معانيَ الخيرِ حتَّى يتعلَّلَ بالمعاني الخمسةِ التي ذكرناها . ومعيارُ كلِّ ذلكَ ومحكّهُ أمرٌ واحدٌ : وهوَ أنْ يكونَ تألُّمُهُ بانكشافِ أخذِهِ للصدقةِ كتألُّمِهِ بانكشافِ صدقةٍ أخذَها بعضُ نظرائِهِ وأمثالِهِ ، فإنَّهُ إنْ كانَ يبغي صيانةَ الناسِ عنِ الغيبةِ والحسدِ وسوء الظنِّ ، أوْ يتقي انهتاكَ السترِ ، أَوْ إعانةَ المعطي على الإسرارِ ، أوْ صيانةَ العلمِ عنِ الابتذالِ .. فكلُّ ذلكَ ممَّا يحصلُ بانكشافِ صدقةِ أخيهِ ، فإنْ كانَ انكشافُ أمرِهِ أثقلَ عليهِ مِنِ انكشافِ أمرٍ غيرِهِ .. فتقديرُهُ الحذرَ منْ هذهِ المعاني أغاليطُ وأباطيلٌ مِنْ مكرٍ الشيطانِ وخِدَعِهِ ؛ فإِنَّ إذلالَ العلمِ محذورٌ مِنْ حيثُ إنَّهُ علمٌ ، لا مِنْ حيثُ إنَّهُ علمُ زيدٍ أوْ علمُ عمرٍو ، والغيبةُ محذورةٌ مِنْ حيثُ إنَّها تعرضُ لعِرْضٍ مصونٍ ، لا مِنْ حيثُ إنَّها تعرضُ لعرْضٍ زيدٍ على الخصوصِ ، ومَنْ أحسنَ ملاحظةَ مثلِ هذا .. ربما يعجزُ الشيطانُ عنهُ، وإلا .. فلا يزالُ كثيرَ العملِ قليلَ الحظّ . ٠٠٠ .. ----- حن حن من جن حن حج من حن حن حن وأمَّا جانبُ الإظهارِ : فميلُ الطبع إليهِ مِنْ حيثُ إنَّهُ تطييبٌ لقلب ٨٨ حن ربع العبادات كتاب أسرار الزكاة المعطي ، واستحثاثٌ لهُ على مثلِهِ ، وإظهارُهُ عندَ غيرِهِ أَنَّهُ مِنَ المبالغينَ في الشكرِ حتَّى يرغبوا في إكرامِهِ وتفقّدِهِ ، وهذا داءٌ دفينٌ في الباطنِ ، والشيطانُ لا يقدِرُ على المتديِّنِ إلا بأنْ يروِّجَ عليهِ هذا الخبْثَ في معرضٍ السنَّةِ ، ويقولَ لهُ: الشكرُ مِنَ السنةِ ، والإخفاءُ مِنَ الرياءِ ، ويوردَ عليهِ المعانيَ التي ذكرناها ؛ ليحملَهُ على الإظهارِ ، وقصدُهُ الباطنُ ما ذكرناهُ ! ومعيارُ ذلكَ ومحُّهُ : أَنْ ينظرَ إلى ميلِ نفسِهِ إلى الشكرِ حيثُ لا ينتهي الخبرُ إلى المعطي ولا إلى مَنْ يرغبُ في عطائِهِ ، وبينَ يدي جماعةٍ يكرهونَ إظهارَ العطيّةِ ويرغبونَ في إخفائِها ، وعادتُهُمْ أَنَّهُمْ لا يعطونَ إلا مَنْ يُخفي ولا يشكرُ ؛ فإن استوتْ هذهِ الأحوالُ عندَهُ .. فليعلمْ أنَّ باعثَهُ هوَ إقامةُ السنَّةِ في الشكرِ والتحدُّثُ بالنعمةِ ، وإلا .. فهوَ مغرورٌ . ش كن ثُمَّ إذا علمَ أنَّ باعثَهُ السنَّةُ في الشكرِ .. فلا ينبغي أنْ يغفُّلَ عنْ قضاءٍ حقِّ المعطي ، فلينظرْ : فإنْ كانَ هوَ ممَّنْ يحبُّ الشكرَ والنشرَ .. فينبغي أنْ يخفيَ ولا يشكرَ ؛ لأنَّ قضاءَ حقِّهِ ألا ينصرَهُ على الظلمٍ ، وطلبُهُ الشكرَ ظلمٌّ . وإذا علمَ مِنْ حالِهِ أنَّهُ لا يحبُّ الشكرَ ولا يقصدُهُ .. فعندَ ذلكَ يشكرُّهُ ويظهرُ صدقتَهُ، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ للرجلِ الذي مُدِحَ بينَ يديهِ : ((ضربتُمْ عنقَهُ، لوْ سمعَها .. ما أفلحَ))(١)، معَ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ (١) رواه البخاري (٢٦٦٢)، ومسلم (٣٠٠٠) دون زيادة: ((لو سمعها .. ما أفلح))، = ٨٩ درة كتاب أسرار الزكاة ربع العبادات وسلَّمَ كانَ يثني على قومٍ في وجوهِهِمْ ؛ لثقتِهِ بيقينِهِمْ، وعلمِهِ بأنَّ ذلكَ لا يضرُّهُمْ، بلْ يزيدُ في رغبتِهِمْ في الخيرِ ، فقالَ لواحدٍ: (( إنَّهُ سيِّدُ أهل الوبرِ )) (١)، وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في آخرَ: (( إذا جاءَكُمْ كريمُ قومٍ . . فأكرموهُ))(٢)، وسمعَ كلامَ رجلٍ، فأعجبَهُ، فقالَ: (( إنَّ مِنَ البيانِ لسحراً)) (٣)، وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا علمَ أحدُكُمْ مِنْ أخيهِ خيراً .. فليخبرُهُ؛ فإنَّهُ يزدادُ رغبةً في الخيرِ))(٤) ، وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إذا مدحَ المؤمنُ .. ربا الإيمانُ في قلبِهِ ))(٥) . وقالَ الثوريُّ: ( مَنْ عرفَ نفسَهُ .. لمْ يضرُّهُ مدحُ الناس )(٦) ٠ وتمامه : ((إذا كان أحدكم مادحاً لا محالة .. فليقل: أحسبُ فلاناً والله حسيبُهُ = ولا أزكي على الله أحداً ، أحسبه كذا وكذا ، إن كان يعلم ذلك منه )»، والزيادة رواها أحمد في « المسند)) (٥١/٥)، وذكر الحافظ في ((فتح الباري)) (٢٧٦/٥) احتمال أن يكون المثني هو محجن بن الأدرع الأسلمي ، والمثنى عليه هو عبد الله ذو البجادين رضي الله عنهم أجمعين . ـكن (١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٦١١/٣)، قاله صلى الله عليه وسلم في حقِّ الحليم الكريم قيس بن عاصم المنقري . (٢) رواه ابن ماجه (٣٧١٢)، قاله صلى الله عليه وسلم في حقِّ جرير بن عبد الله رضي الله عنهما، كما في ((المستدرك)) (٢٩١/٤). (٣) رواه البخاري (٥١٤٦) في رجلين خطبا أمامه صلى الله عليه وسلم، حُكي أنهما الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم، كما في ((فتح الباري)) ( ١٠/ ٢٣٧). (٤) رواه الدارقطني في ((العلل)) (٣٠٤/٧) بنحوه . (٥) رواه الطبراني في «الكبير)) (١٧٠/١)، والحاكم في ((المستدرك)) (٥٩٧/٣). (٦) قوت القلوب (٢٠٣/٢). ـتبه ٩٠ ربع العبادات كتاب أسرار الزكاة وقالَ أيضاً ليوسفَ بنِ أسباطِ : ( إذا أوليتُكَّ معروفاً ، فكنتُ أنا أَسَرَّ بهِ منكَ، ورأيتُ ذلكَ نعمةٌ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ عليَّ .. فاشكرْ، وإلا .. فلا تشكرْ)(١). حرة فدقائقُ هذهِ المعاني ينبغي أنْ يلحظَها مَنْ يراعي قلبَهُ ، فإنَّ أعمالَ الجوارحِ معَ إهمالِ هذهِ الدقائقِ ضُحْكَةٌ للشيطانِ وشماتةٌ لهُ (٢)؛ لكثرةٍ التعبِ وقلَّةِ النفعِ . طن ومثلُ هذا العلمِ هوَ الذي يقالُ فيهِ : إنَّ تعلُّمَ مسألةٍ واحدةٍ منهُ أفضلُ مِنْ عبادةٍ سنةٍ ؛ إذْ بهذا العلم تحيا عبادةُ العمرِ ، وبالجهلِ بهِ تموتُ عبادةُ العمرِ كلِّهِ وتتعطَّلُ . وعلى الجملةِ : فالأخذُ في الملأٍ والردُّ في السرِّ أحسنُ المسالكِ وأسلمُها ، فلا ينبغي أنْ يُدفعَ بالتزويقاتِ إلا أنْ تكملَ المعرفةُ بحيثُ يستوي السرُّ والعلانيةُ، وذلكَ هوَ الكبريتُ الأحمرُ الذي يُتحدَّثُ بهِ ولا يُرى ، نسألُ اللهَ الكريمَ حسنَ العونِ والتوفيقِ . (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٥٤/٧). (٢) الضُّحْكة - بضم فسكون - : الشيء الذي يضحك منه، رجلاً كان أو غيره . ٩١ محا رع كتاب أسرار الزكاة ربع العبادات بيان الأفضل من أخذ الصّدقة أو الزّكاة كانَ إبراهيمُ الخوَّاصُ والجنيدُ وجماعةٌ يرونَ أنَّ الأخذَ مِنَ الصدقةِ أفضلُ ؛ فإنَّ في أخذِ الزكاةِ مزاحمةً للمساكينِ وتضييقاً عليهمْ ، ولأنَّهُ ربما لا تكملُ في أخذِهِ صفةُ الاستحقاقِ كما وُصِفَ في كتابِ اللهِ تعالى ، وأمَّا الصدقةُ . . فالأمرُ فيها أوسعُ . وقالَ قائلونَ(١) : يأخذُ الزكاةَ دونَ الصدقةِ؛ لأنَّهُ إعانةٌ على واجبٍ ، ولوْ تركَ المساكينُ كلُّهُمْ أخذَ الزكاةِ .. لأثموا ، ولأنَّ الزكاةَ لا منَّةً فيها ، وإنَّما هوَ حقٌّ واجبٌ للهِ تعالى رزقاً لعبادِهِ المحتاجينَ ، ولأنَّهُ أخذٌ بالحاجةِ ، والإنسانُ يعلمُ حاجةَ نفسِهِ قطعاً، وأخذُ الصدقةِ أخذٌ بالدِّينِ؛ فإنَّ الغالبَ أنَّ المتصدِّقَ يعطي مَنْ يعتقدُ فيهِ خيراً ، ولأنَّ موافقةَ المساكينِ أدخلُ في الذلِّ والمسكنةِ ، وأبعدُ عنِ التكثُّرِ ؛ إذْ قدْ يأخذُ الإنسانُ الصدقةَ في معرضٍ الهديةِ فلا تتميَّرُ عنها ، وهذا تنصيصٌ على ذلِّ الآخذِ وحاجتِهِ . والقولُ الحقُّ في هذا : أنَّ هذا يختلفُ بأحوالِ الشخصِ وما يغلبُ عليهِ وما يحضرُهُ مِنَ النِيَّةِ ؛ فإنْ كانَ في شبهةٍ مِنِ اتصافِهِ بصفةِ الاستحقاقِ .. فلا ينبغي أنْ يأخذَ الزكاةَ ، فإذا علمَ أنَّهُ مستحقٌّ قطعاً ؛ كما إذا حصلَ عليهِ دينٌ صرفَهُ إلى خيرٍ وليسَ لهُ وجهٌ في قضائِهِ .. فهوَ مستحقٌّ قطعاً . جم حم حن (١) وهم القرّاء من العابدين، كما فى ((القوت)) (٢٠٤/٢). ٩٢ كن تن حن 1 ربع العبادات كتاب أسرار الزكاة فإذا خيِّرَ هذا بينَ الزكاةِ وبينَ الصدقةِ ؛ فإنْ كانَ صاحبُ الصدقةِ لا يتصدَّقُ بذلكَ المالِ لوْ لمْ يأخذهُ هوَ .. فليأخذِ الصدقةَ؛ فإنَّ الزكاةَ الواجبةَ يصرفُها صاحبُها إلى مستحقُّها ، ففي ذلكَ تكثيرٌ للخيرِ وتوسيعٌ على المساكين ، وإنْ كانَ المالُ معرَّضاً للصدقةِ ولمْ يكنْ في أخذِ الزكاةِ تضييقٌ على المساكينِ .. فهوَ مخيّرٌ، والأمرُ فيهما متفاوتٌ، وأخذُ الزكاةِ أشدُّ في كسرِ النفسِ وإذلالِها في أغلبِ الأحوالِ ، واللهُ أعلمُ . تم كتاب أسرار الزكاة وهو الكتاب الخامس من ربع العبادات من كتب إحياء علوم الدين والحمد برفق حمده، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم يتلوه كتاب أسرار الصوم ومهماته م.م ٩٣ دي جن منه دن ٠٤٧ كِتَابُ إشَارُ الصَّوْمِ وَمُهَمَانِهِ ٧٠٠ ٥٠٠٩٥٩٥٠٩٦٠٠ وهو الكتاب السادس من ربع العبادات من كتب إحياء علوم الدين ٩٥ نحن الآن ربع العبادات كتاب أسرار الصوم كتاب أسرار الصوم ومهماته بِسِْلهِ الرَّحْمِ الرّحَيَّةِ الحمدُ للهِ الذي أعظمَ على عبادِه المِنَّةَ ، لمَّا دفعَ عنْهُمْ كِيدَ الشيطانِ وفَّهُ ، وردَّ أملَهُ وخيَّبَ ظنَّهُ، إذْ جعلَ الصومَ حصناً لأوليائِهِ وجُنَّةً، وفتحَ لهمْ بهِ أبوابَ الجَنَّةِ، وعرَّفَهُمْ أنَّ وسيلةَ الشيطانِ إلى قلوبِهِمُ الشهواتُ المستكنَّةُ، وأنَّ بقمعِها تصبحُ النفسُ المطمئنَّةُ ، ظاهرةَ الشوكةِ في قصْم خصمِها قويَّةَ المُنَّةِ(١). % والصلاةُ على محمدٍ قائدِ الخلقِ وممهِّدِ السنَّةِ ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ ذوي الآراءِ الثاقبةِ والعقولِ المُرْجَحِنَّةِ(٢) ، وسلَّمَ تسليماً كثيراً . أن بعكّد: فإنَّ الصومَ ربعُ الإيمانِ بمقتضىُ قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الصومُ نصفُ الصبرِ ))(٣)، وبمقتضى قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( الصبرُ نصفُ الإيمانِ))(٤) . (١) المُنَّة - بالضم -: القوة، أو قوة القلب خاصة، وهو ضدٌّ يطلق على الضعف كذلك، والمتأمل يرى تضمين هذه المقدمة جملة من أحاديث الكتاب وغيره . (٢) المرجحنة: وافرة فياضة، دائمة السحِّ، يقال: ارجحنَّ المطرُ ؛ أي : دام . (٣) رواه الترمذي ( ٣٥١٩)، وابن ماجه (١٧٤٥ ). (٤) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٤/٥)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٢٢٧/١٣)، = ـي* ٩٧ مكن فن حازة حن كتاب أسرار الصوم جميـ ربع العبادات ثُمَّ هوَ متميِّرٌ بخاصيَّةِ النسبةِ إلى اللهِ تعالىُ مِنْ بينِ سائرِ الأركانِ ؛ إذْ قالَ اللهُ تعالى فيما حكاهُ عنهُ نبيُّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( كلُّ حسنةٍ بعشْرِ أمثالها إلى سبع مئةِ ضعفٍ إلا الصيامَ ؛ فإنَّهُ لي وأنا أجزي بهِ)) (١). 0 وقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنََّا يُوَنَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، والصومُ نصفُ الصبرِ ، فقدْ جاوزَ ثوابُهُ قانونَ التقديرِ والحسابِ . وناهيكَ في معرفةٍ فضلِهِ قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( والذي نفسي بيدِهِ ؛ لَخُلُوفُ فم الصائم أطيبُ عندَ اللهِ مِنْ ريح المسكِ، يقولُ اللهُ عَزَّ وجلَّ : إنَّما يذرُ شهوتَهُ وطعامَهُ وشرابَهُ مِنْ أجلي ، فالصومُ لي وأنا أجزي بهِ)) (٢) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( للجنَّةِ بابٌ يقالُ لهُ: الريانُ، لا يدخلُهُ إلا الصائمونَ )) (٣). حن وهوَ موعودٌ بلقاءِ اللهِ تعالى في جزاءٍ صومِهِ ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( للصائم فرحتانِ: فرحةٌ عندَ إفطارِهِ، وفرحةٌ عندَ لقاءِ ربِّهِ))(٤). حن وأوقفه الطبراني في «الكبير)) (١٠٤/٩) على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه . = (١) رواه البخاري (١٩٠٤)، ومسلم ( ١١٥١ ) . (٢) هو بعض الحديث المتقدم آنفاً، والخُلُوفُ : تغير رائحة الفم . حن حن (٣) رواه البخاري (١٨٩٦)، ومسلم ( ١١٥٢ ). (٤) رواه البخاري ( ٧٤٩٢)، ومسلم (١١٥١)، وقد تقدم بعضه . دن ـدں ٩٨ ربع العبادات ج. كتاب أسرار الصوم كن وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((لكلِّ شيءٍ بابٌ، وبابُ العبادةِ الصومُ)) (١) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((نومُ الصائمِ عبادةٌ))(٢). وروى أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: ((إذا دخلَ شهرُ رمضانَ .. فُتِّحتْ أبوابُ الجنَّةِ، وغُلِّقَتْ أبوابُ النارِ ، وصفِّدتِ الشياطينُ، ونادى منادٍ : يا باغيَ الخيرِ ؛ هلمَّ، ويا باغيَ الشرِّ ؛ اقصُرْ)) (٣). وقالَ وكيعٌ في قولِهِ تعالى: ﴿كُلُواْ وَاشْرَبُواْ هَنَِّا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَلِيَةِ﴾: (هيَ أيامُ الصيام؛ إذْ تركوا فيها الأكل والشربَ) (٤). حن 2 وقدْ جمعَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في رتبةِ المباهاةِ بينَ الزهدِ في الدنيا وبينَ الصوم فقالَ: (( إنَّ اللهَ تعالى يباهي ملائكتهُ بالشابِّ العابدِ فيقولُ : أيُّها الشابُ التاركُ شهوتَهُ لأجلي، المُبَذِّلُ شبابَهُ لي ؛ أنتَ عندي كبعضٍ ملائكتي )»(٥) . (١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٤٢٣)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٠٣٢) من طريقه . (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٨٣/٥)، والبيهقي في ((الشعب)) (٣٦٥٢). (٣) رواه بتمامه الترمذي (٦٨٢)، وأصله عند البخاري (١٨٩٩)، ومسلم ( ١٠٧٩). (٤) رواه عنه بنحوه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (١٨٩). (٥) رواه ابن عدي في ((الكامل)) (٣٥٧/٣)، وأبو نعيم في « الحلية)) (١٣٩/٤)، وهو عند ابن المبارك في ((الزهد)) (٣٤٦) وغيره من كلام يزيد بن ميسرة ، وجاء في = ٩٩ كتاب أسرار الصوم ربع العبادات وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في الصائمِ : (( يقولُ اللهُ تعالى : يا ملائكتي؛ انظروا إلى عبدي! تركَ شهوتَهُ ولذَّتَهُ وطعامَهُ وشرابَهُ مِنْ أجلي ))(١) . وقيلَ في قولهِ تعالى: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ قيلَ: كانَ عملُهُمُ الصيامَ؛ لأنَّهُ قالَ: ﴿ إِنَّمَا يُوَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، فيُفْرَغُ للصائم أجرُهُ إفراغاً، ويجازفُ جزافاً، فلا يدخلُ تحتَ وهمٍ وتقديرٍ(٢). وجديرٌ بأنْ يكونَ كذلكَ ؛ لأنَّ الصومَ إنَّما كانَ لهُ ومشرَّفاً بالنسبةِ إليهِ وإنْ كانتِ العباداتُ كلُّها لهُ؛ كما شَرُفَ البيتُ بالنسبةِ إلى نفسِهِ والأرضُ كلُّها لهُ .. لمعنيينِ : ( ب): (المتبذِّل) وفي هامشها: (الباذل) بدل (المبذل)، والمبذل كمُحْسِن = ومحدّث. انظر ((الإتحاف)) (١٩٣/٤). حن (١) قوله: ((ترك شهوته ... )) تقدم أنه في ((الصحيحين))، وهو بذكر المباهاة معه رواه ابن أبي الدنيا في ((الجوع)) (٣٩) موقوفاً على الحسن قال: (تقول الحوراء لولي الله وهو متكىءٌ معها على نهر العسل تعاطيه الكأس : يا نعم عيشة! أتدري يا حبيب الله متى زوجنيك مولاي ؟ فيقول : لا أدري ، فتقول : نظر إليك في يوم صائف بعيدٍ الطرفين وأنت في ظمأٍ هاجرة من جهد العطش ، فباهى بك الملائكة وقال : انظروا إلى عبدي ! ترك زوجته ، وشهوته ولذته ، وطعامه وشرابه من أجلي ، رغبةً فيما عندي ، أشهدكم أني قد غفرت له ، فغفرَ لك يومئذٍ وزوجنيك) . وهو بلفظ المصنف في («القوت)) (٧٣/١). حن حن جن جن حة (٢) قوت القلوب (٧٣/١). ١٠٠ حن حة كن ان