Indexed OCR Text

Pages 701-720

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
في الخفِّ لعسرِ النزْعِ، بلْ هذهِ النجاسةُ معفوٌّ عنها ، وفي معناها
المَداسُ ، صلَّى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في نعليهِ ثمَّ نزعَ، فنزعَ
النَّاسُ نعالَهُمْ، فقالَ: (( لمَ خلعتُمْ نعالَكُمْ؟ )) قالوا: رأيناكَ خلعتَ
فخلعْنا ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ جبريلَ عليهِ السلامُ أتاني
فأخبرني أنَّ بهما خبثاً ، فإذا أرادَ أحدُكُمُ المسجدَ .. فليقلبْ نعليْهِ ولينظرْ
فيهما ، فإنْ رأى خبثاً .. فليمسحْهُ بالأرضِ وليصلِّ فيهما))(١) .
وقالَ بعضُهُمْ : الصلاةُ في النعلينِ أفضلُ؛ لأنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
قالَ: ((لِمَ خَلَعْتُمْ نعالَكُمْ؟)) وهذهِ مبالغةٌ؛ فإنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
سألَهُمْ ليبيِّنَ لهمْ سببَ خلعِهِ ، إذْ علمَ أنَّهُمْ خلعوا على موافقتِهِ .
وقدْ روىُ عبدُ اللهِ بنُ السائبِ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ خلعَ
نعليهِ (٢)، فإذاً قدْ فعلَ كليهما؛ فمَنْ خلعَ .. فينبغي ألاَّ يضعَهُما عنْ يمينِهِ
ويسارِهِ فيضيِّقَ الموضعَ ويقطعَ الصفَّ ، بلْ يضعُهُما بينَ يديهِ ، ولا يتركُهُما
وراءَهُ فيكونَ قلبُهُ ملتفتاً إليهما .
ولعلَّ مَنْ رأى الصلاةَ فيهما أفضلَ .. راعى هذا المعنى، وهوَ التفاتُ
القلبِ إليهِما ، روى أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ ، عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ قالَ: ((إذا صلَّى أحدُكُمْ .. فليجعلْ نعلَيْهِ بينَ رجليهِ))(٣).
(١) رواه أبو داوود (٦٥٠).
(٢) رواه النسائي (١٧٦/٢).
(٣) رواه أبو داوود (٦٥٥) .
٧٠١

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
وقالَ أبو هريرةَ لغيرِهِ : ( اجعلْهُما بينَ رجليكَ ولا تؤذٍ بهما مسلماً)(١).
ووضعَهُما رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على يسارِهِ وكانَ إماماً(٢) ،
فللإمام أنْ يفعلَ ذلكَ ؛ إذْ لا يقفُ أحدٌ على يسارِهِ ، والأولى ألا يضعَهما
بينَ قدميهِ فيشغلاهُ ، ولكنْ قدَّامَ قدميهِ ، ولعلَّهُ المرادُ بالحديثِ ، وقدْ قالَ
جبيرُ بنُ مطعمٍ : ( وضْعُ الرجلِ نعليهِ بينَ قدميهِ بدعةٌ )(٣).
مَثْألَّة
[في حكم البزاقٍ في الصلاةِ إذا غلبَهُ كيفَ يفعلُ]
إذا بزقَ في صلاتِهِ .. لمْ تبطلْ صلاتُهُ ؛ لأنَّهُ فعلٌ قليلٌ ، وما يحصلُ بهِ
مِنْ صوتٍ لا يُعدُّ كلاماً وليسَ على شكلٍ حروفِ الكلام ، إلا أنَّهُ مكروهٌ ،
فينبغي أنْ يحترزَ عنهُ ، إلا كما أذنَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيهِ : إِذْ
روى بعضُ الصحابةِ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رأى في القبلةِ
نُخامةً، فغضبَ غضباً شديداً، ثمَّ حكَّها بعرجونٍ كانَ في يدِهِ ، وقالَ :
(( ائتوني بعبيرٍ))، فلطّخَ أثرَها بزعفرانٍ، ثمَّ التفتَ إلينا وقال: ((أَيُّكم
يُحِبُّ أَنْ يُزِقَ في وجهِهِ؟)) فقلنا: لا أيُنا، قالَ: ((فإنَّ أحدَكُمْ إذا
غر
(١) رواه ابن أبي شيبة في (( المصنف)) ( ٧٩٨٠).
(٢) رواه أبو داوود ( ٦٤٨)، والنسائي (٢/ ٧٤)، وابن ماجه (١٤٣١).
(٣) والخبرُ عند ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٧٩٨١) عن نافع بن جبير بن مطعم .
٧٠٢

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
دخلَ في صلاتِهِ فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ بينَهُ وبينَ القِبلةِ ))، وفي لفظٍ آخرَ:
(( .. واجَهَهُ اللهُ تعالى، فلا يبزقَنَّ أحدُكُمْ تلقاءَ وجْهِهِ ، ولا عنْ يمينِهِ ،
ولكنْ عنْ شِمالِهِ أوْ تحتَ قدمِهِ اليسرى، فإنْ بدرَتْهُ بادرَةٌ . . فليبصقُ في ثوبِهِ
وليقلْ بهِ هكذا )» ودلكَ بعضَهُ ببعضٍ (١) .
مَثْألَّة
[في كيفيةِ وقوفِ المقتدي وراءَ الإمامِ]
لوقوفِ المقتدي سنةٌ وفرضٌ :
أنَا السنةُ: فأنْ يقفَ الواحدُ عنْ يمينِ الإمام متأخِّراً عنهُ قليلاً ، والمرأةُ
الواحدةُ تقفُ خلفَ الإمام ، فإنْ وقفتْ بجنبِ الإمام .. لمْ يضرّ، ولكنْ
خالفتِ السنةَ، فإنْ كانَ معها رجلٌ .. وقفَ الرجلُ عنْ يمينِ الإمامِ وهي
خلفَ الرجلِ .
٠٩٧
ولا يقفُ أحدٌ خلفَ الصفِّ منفرداً ، بلْ يدخلُ في الصفِّ ، أوْ يجرُّ إلى
نفسِهِ واحداً مِنَ الصفِّ، فإنْ وقفَ منفرداً .. صحَّتْ صلاتُهُ معَ الكراهةِ .
وأمَّا الفرضُ : فاتصالُ الصفِّ، وهوَ أنْ يكونَ بينَ المقتدي والإمامِ
رابطةٌ جامعةٌ ، فإنَّهُما في جماعةٍ ، فإنْ كانا في مسجدٍ .. كفى ذلكَ جامعاً ؛
لأنه بُنيَ لهُ ، فلا يحتاجُ إلى اتصالٍ صفٍّ، بلْ إلى أنْ يعرفَ أفعالَ الإمامِ ؛
(١) رواه مسلم (٣٠٠٨) ضمن حديث جابر الطويل، وسياق المصنف من ((القوت)) (٩٩/١).
٧٠٣

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
صلَّى أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ على ظهْرِ المسجدِ بصلاةِ الإمام (١).
وإذا كانَ المأمومُ على فناءِ المسجدِ في طريقٍ أوْ صحراءَ مشتركةٍ وليسَ
بينَهُما اختلافُ بناءِ مفرِّقٍ .. فيكفي القربُ بقدْرِ غَلْوةٍ سهْمٍ(٢)، وهيَ
رابطةٌ؛ إذْ يصلُ فعلُ أحدِهِما إلى الآخرِ، وإنما يشترطُ(٣) إذا وقفَ في
صحنٍ دارٍ على يمينِ المسجدِ أوْ يسارِهِ وبابُها لافظٌّ في المسجدِ (٤)، فالشرطُ
أنْ يمتدَّ صفُّ المسجدِ في دهليزِها مِنْ غيرِ انقطاعٍ إلى الصحنِ ، ثمَّ تصحُّ
صلاة مَنْ في ذلكَ الصفِّ ومَنْ خلفَهُ دونَ مَنْ تقدَّمَ عليهِ ، وهكذا حكمُ
الأبنيةِ المختلفةِ، فأمَّا البناءُ الواحدُ والعَرْصَةُ الواحدةُ .. فكالصحراءِ(٥).
مَثْألَّة
[في حكم المسبوقِ]
المسبوقُ إذا أدركَ آخرَ صلاةِ الإمام .. فهوَ أوَّلُ صلاتِهِ ؛ فليوافقِ الإمامَ
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٦٢١٥)، وهو من معلقات البخاري (باب الصلاة
في السطوح والمنبر والخشب ) .
(٢) أي: مقدار رمية سهم ، وهي ثلاث مئة ذراع إلى أربع مئة ذراع ، والتقدير عرفي. انظر
((الإتحاف)) (٣ /٣١٣).
(٣) أي : يشترط الاتصال بالإمام إن كان المأموم في غير فضاء، كما إذا ...
(٤) لافظ: لاصق بالأرض نافذ من غير فاصل بينهما من طريق أو غيره. انظر ((مشكل
الوسيط)) (٢٣١/٢) .
(٥) العرصة: الساحة، والبقعة الواسعة لا بناء فيها ، والضمير في قوله: ( من تقدَّم عليه )
عائد على الصفِّ .
٧٠٤

ربع العبادات
٢-
كتاب أسرار الصلاة
وليبنِ عليهِ ، وليقنتْ في الصبح في آخرِ صلاةِ نفسِهِ وإنْ قنتَ معَ الإمام ، وإنْ
أدركَ معَ الإمامِ بعضَ القيامِ .. فلا يشتغلُ بالدعاءِ ، وليبدأ بالفاتحةِ وليخففْها ،
فإنْ ركعَ الإمامُ قبلَ تمامِها وقدرَ على لحوقِهِ في اعتدالِهِ عنِ الركوع .. فليتمَّ ،
فإِنْ عجزَ .. وافقَ الإمامَ وركعَ وكانَ لبعضِ الفاتحةِ حكمُ جميعِها ، فتسقطُ عنهُ
بالسبقِ ، وإنْ ركعَ الإمامُ وهوَ في السورةِ .. فليقطعْها .
وإنْ أدركَ الإمامَ في السجودِ أوِ التشهدِ .. كَبَّرَ للإحرامِ وجلسَ ولمْ
يكبِّرْ، بخلافِ ما إذا أدركَهُ في الركوع ؛ فإنَّهُ يكبِّرُ ثانياً في الهُوِيِّ ؛ لأنَّ
ذلكَ انتقالٌ محسوبٌ لهُ، والتكبيراتُ للانتقالاتِ الأصليةِ في الصلاةِ ،
لا للعوارضِ بسببِ القدوةِ .
ولا يكونُ مدركاً للركعةِ ما لمْ يطمئنَّ في الركوع والإمامُ بعدُ في حدٍّ
الراكعينَ ، فإِنْ لمْ يتمَّ طمأنينتَهُ إلا بعدَ مجاوزةِ الإمام حذَّ الراكعينَ .. فاتتْهُ
تلكَ الركعةُ .
مَثْألَّةٌ
[في متفرقاتٍ مسائلِ الفائتةِ والجماعةِ]
مَنْ فاتَتْهُ صلاةُ الظهرِ إلى وقتِ العصرِ .. فليصلِّ الظهرَ أوَّلاً ثمَّ العصرَ ،
فإنِ ابتدأَ بالعصرِ .. أجزأَهُ، ولكنْ تركَ الأولىُ، واقتحمَ شبهةَ الخلافِ(١).
(١) إذ الترتيبُ بين الفائتة والوقتية وبين الفوائت مستحقٌ لازم عند الحنفية. انظر «مراقي
الفلاح)) ( ص ٣٧٧ ) .
٧٠٥

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
فإِنْ وجدَ إماماً .. فليصلِّ العصرَ ثمَّ ليصلِّ الظهرَ بعدَهُ، فإِنَّ الجماعةَ
بالأداءِ أولى .
وإنْ صلَّى منفرداً في أوَّلِ الوقتِ ، ثمَّ أدركَ جماعةً .. صلَّى في الجماعةِ
ونوى صلاةَ الوقتِ ، واللهُ يحتسبُ أكملَهُما ، فإنْ نوىُ فائتةٌ أوْ تطوُّعاً ..
جازَ .
وإنْ كانَ قدْ صلَّى في جماعةٍ ، فأدركَ جماعةً أخرى .. فلينوِ الفائتةَ أوٍ
النافلةَ ، فإعادةُ المؤدَّةِ بالجماعةِ مرَّةً أخرى لا وجهَ لهُ، وإنَّما احتملَ ذلكَ
الدرْكِ فضيلةِ الجماعةِ .
مَثْأَلٌَّ
[في حكم منْ رأى على ثوبِهِ نجاسةً: هلْ يتمُّ صلاتَهُ أو يستأنفُ]
مَنْ صلَّى ثمَّ رأى على ثوبِهِ نجاسةٌ .. فالأحبُّ قضاءُ الصلاةِ ولا يلزمُّهُ ،
ولو رأى النجاسةَ في أثناءِ الصلاةِ .. رمى بالثوبِ وأتمَّ ، والأحبُّ
الاستئنافُ .
وأصلُ هذا : قصةُ خلْع النعلينِ ، حيثُ أخبرَهُ جبريلُ عليهِ السلامُ بأنَّ
عليهما نجاسةٌ ، فإنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمْ يستأنفِ الصلاةَ .
٧٠٦

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
مَنْأَلَة
[في حكمٍ سجودِ السهوِ]
مَنْ تركَ التشهدَ الأوَّلَ ، أوِ القنوتَ ، أوْ تركَ الصلاةَ على رسولِ الله
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في التشهدِ الأوَّلِ ، أوْ فعلَ فعلاً سهواً وكانت الصلاةُ
تبطلُ بعمدِهِ ، أوْ شكَّ فلمْ يدْرِ: أصلَّى ثلاثاً أمْ أربعاً .. أخذُ باليقينِ وسجدَ
سجدتي السهوِ قبلَ السلامِ ، فإنْ نسيَ .. فبعدَ السلام مهما تذكَّرَ على
القربِ ، فإنَّ سجدَ بعدَ السلام ، وأحدثَ .. بطلتْ صلاتُهُ؛ فإنَّهُ لمَّا دخلَ
في السجودِ كأنَّهُ جعلَ سلامَهُ نسياناً في غيرِ محلِّهِ ، فلمْ يحصلِ التحلُّلُ بهِ ،
وعادَ إلى الصلاةِ ، فلذلكَ يستأنفُ السلامَ بعدَ السجودِ .
فإنْ تذكَّرَ سجودَ السهوِ بعدَ خروجِهِ مِنَ المسجدِ ، أَوْ بعدَ طولٍ
الفصْلِ .. فقدْ فاتَ .
مَنْتَأْلَةٌ
[في بيانِ الدواءِ النافعِ للوسوسةِ في نيةِ الصلاةِ]
الوسوسةُ في نيَّةِ الصلاةِ سببُها خَبَلٌ في العقلِ ، أوْ جهلٌ بالشرع ؛ لأنَّ
امتثالَ أمرِ اللهِ عزَّ وجلَّ مثلُ امتثالِ أمرِ غيرِهِ ، وتعظيمَهُ كتعظيمٍ غيرِهِ في حقِّ
القصْدِ(١)، ومَنْ دخلَ عليهِ عالمٌ فقامَ لهُ ، فلوْ قالَ: نويتُ أنْ أنتصبَ قائماً
(١) وهذا ضربه مثلاً للبيان أو التفهيم ، وإن كان بين الامتثالين والتعظيمين بونٌ لا يخفى.
((إتحاف)) (٣٢١/٣).
٧٠٧

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
تعظيماً لدخولِ زيدٍ الفاضلِ لأجلِ فضلِهِ متصلاً بدخولِهِ مقبلاً علیه بو جھي.
سُفُّهَ في عقلِهِ ، بلْ كما يراهُ ويعلمُ فضلَهُ تنبعثُ داعيةُ التعظيم فتقيمُهُ ويكونُ
معظِّماً ، إلا إذا قامَ لشغلٍ آخرَ أَوْ في غفلةٍ .
واشتراطُ كونِ الصلاةِ ظهراً أداءً فرضاً في كونِهِ امتثالاً .. كاشتراطِ کونٍ
القيام مقروناً بالدخولِ معَ الإقبالِ بالوجهِ على الداخلِ وانتفاءِ باعثٍ آخرَ
سواهُ، وقصْدِ التعظيمِ بهِ ليكونَ تعظيماً ؛ فإنَّهُ لوْ قامَ مدبراً عنهُ ، أَوْ صبرَ
فقامَ بعدَ ذلكَ بمدةٍ .. لمْ يكنْ معظِّماً .
O
ثُمَّ هذهِ الصفاتُ لا بدَّ وأنْ تكونَ معلومةٌ ، وأنْ تكونَ مقصودةٌ ، ثُمَّ
لا يطولُ حضورُها في النفسِ في لحظةٍ واحدةٍ ، وإنَّما يطولُ نظْمُ الألفاظِ
الدالَّةِ عليها ؛ إمَّا تلفظاً باللسانِ ، وإِمَّا تفكّراً بالقلبِ ، فمَنْ لمْ يفهمْ نِيَّةً
الصلاةِ على هذا الوجهِ .. فكأنَّهُ لمْ يفهمِ النِيَّةَ، فليسَ في ذلكَ إلا أنَّكَ
دعيتَ إلى أنْ تصلِّيَ في وقتٍ ، فأجبتَ وقمتَ ، فالوسوسةُ محضُ الجهلِ ،
فإنَّ هذهِ القُصُودَ وهذهِ العلومَ تجتمعُ في النفسِ في حالةٍ واحدةٍ ،
ولا تكونُ مفصّلةَ الآحادِ في الذهنِ بحيثُ تطالعُها النفسُ وتتأمَّلُها .
وفرقٌ بينَ حضورِ الشيءِ في النفسِ وبينَ تفصيلِهِ بالفكرِ ، والحضورُ
مضادّ للعزوبِ (١) والغفلةِ وإنْ لمْ يكنْ مفصّلاً؛ فإنَّ مَنْ علمَ الحادثَ مثلاً
فيعلمُهُ بعلمٍ واحدٍ في حالةٍ واحدةٍ ، وهذا العلمُ يتضمَّنُ علوماً هيَ حاضرةٌ
٤٠
٠٠
(١) العزوب: الغيبة، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ أي: لا يغيب.
٧٠٨

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
حن
وإنْ لمْ تكنْ مفصّلةً ، فإنَّ مَنْ علمَ الحادثَ فقدْ علمَ الموجودَ والمعدومَ ،
والتقدُّمَ والتأخّرَ ، والزمانَ ، وأَنَّ التقدُّمَ للعدم ، وأَنَّ التأخرَ للوجودِ .
ـامـ
فهذِهِ العلومُ منطويةٌ تحتَ العلْمِ بالحادثِ ؛ بدليلٍ أَنَّ العالِمَ بالحادثِ
إذا لمْ يعلمْ غيرَهُ لوْ قيلَ لهُ : ( هلْ علمتَ التقدُّمَ قطَّ أوِ التأخّرَ أوِ العدمَ أوْ
تقدُّمَ العدم أوْ تأخّرَ الوجودِ أوِ الزمانَ المنقسمَ إلى المتقدِّم والمتأخِّرِ ؟ )
فقالَ : ما عرفتُّهُ قطُّ .. كانَ كاذباً ، وكانَ قولُهُ مناقضاً لقولِهِ : ( إنِّي أعلمُ
الحادثَ ) .
ومِنَ الجهلِ بهذهِ الدقيقةِ يثورُ الوسواسُ ، فإنَّ الموسوسَ يكلِّفُ نفسَهُ
أنْ يحضرَ في قلبهِ الظُّهريةَ والأدائيةَ والفرضيةَ في حالةٍ واحدةٍ مفصّلةً بألفاظِها
وهوَ يطالعُها ، وذلكَ محالٌ ، ولوْ كلَّفَ نفسَهُ ذلكَ في القيامِ لأجلِ العالمِ
لتعذَّرَ عليهِ .
فبهذهِ المعرفةِ يندفعُ الوسواسُ ؛ وهوَ أنْ يعلمَ أَنَّ امتثالَ أمرِ اللهِ سبحانَهُ
في النيةِ كامتثالِ أمرِ غيرِهِ .
ثمَّ أزيدُ عليهِ على سبيلِ التسهيلِ والرخصةِ وأقولُ : لَوْ لمْ يفهمِ
الموسوِسُ النيّةَ إلا بإحضارِ هذِهِ الأمورِ مفصّلةٌ، ولمْ يتمثَّلْ في نفسِهِ
الامتثالَ دفعةً واحدةً ، وأحضرَ جملةَ ذلكَ في أثناءِ التكبيرِ مِنْ أَوَّلِهِ إلى
آخرِهِ ، بحيثُ لمْ يفرغْ مِنَ التكبيرِ إلا وقدْ حصلتِ النيّةُ .. كفاهُ ذلكَ،
ولا نكلِّفُهُ أَنْ يقرنَ الجميعَ بأوَّلِ التكبيرِ أوْ آخرِهِ ، فإنَّ ذلكَ تكليفٌ شططٌ ،
٧٠٩

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
ولوْ كانَ مأموراً بهِ .. لوقعَ للأوَّلينَ سؤالٌ عنهُ ، ولوسوسَ واحدٌ مِنَ الصحابةِ
في النيةِ ، فعدمُ وقوع ذلكَ دليلٌ على أَنَّ الأمرَ على التساهلِ ، فكيفما
تيسَّرتِ النيةُ للموسوسِ ينبغي أنْ يقنعَ بها ، حتَّى يتعوَّدَ ذلكَ وتفارقَهُ
الوسوسةُ ، ولا يطالبُ نفسَهُ بتحقيقِ ذلكَ ؛ فإنَّ التحقيقَ يزيدُ في
الوسوسةِ .
وقدْ ذكرنا في (( الفتاوى ))(١) وجوهاً مِنَ التحقيقِ في تفصيلِ العلومِ
والقُصُودِ المتعلقةِ بالنيةِ ، تفتقرُ العلماءُ إلى معرفتِها ، أمَّا العاميُّ فربَّما يضرُّهُ
سماعُها ، وتهيِّجُ عليهِ الوسواسَ ، فلذلكَ تركناها .
مَثَالَةٌ
[في ذكرٍ شرطٍ صحةِ الاقتداءِ]
لا ينبغي أنْ يتقدَّمَ المأمومُ على الإمامِ في الركوع والسجودِ والرفعِ
منهُما ، وفي سائرِ الأعمالِ ، ولا ينبغي أنْ يساوقَهُ ، بلْ يتبعُهُ ويقفو أثرَهُ ،
فهذا معنى الاقتداءِ ، فإن ساوقَهُ عمداً(٢) .. لمْ تبطلْ صلاتُهُ، كما لوْ وقفَ
بجنبِهِ غيرَ متأخِّرٍ عنهُ ، وإنْ تقدَّمَ عليهِ .. ففي بطلانِ صلاتِهِ خلافٌ ،
ـحي
(١) وهي أسئلة وردت عليه من أصحابه وأقرانه ، وأجاب عنها ، ثم جمع ذلك في كتاب ،
وهو مشهور ينقل عنه الأئمة ويعتمدونه ، واختصره محمد بن محمد بن الفضل بن
المظفر الفارقي في كتاب لطيف. ((إتحاف)) ( ٣٢٣/٣).
(٢) في غير التكبير. ((إتحاف)) (٣٢٤/٣).
٧١٠
ۉئ.،
منترخ

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
ولا يبعدُ أنْ يُقضى بالبطلانِ تشبيهاً بما لوْ تقدَّمَ في الموقفِ على الإمامِ ، بلْ
هذا أولى ؛ لأنَّ الجماعةَ اقتداءٌ في الفعلِ لا في الموقفِ ، فالتبعيةُ في
الفعلِ أهمُّ ، وإنَّما شُرِطَ تركُ التقدُّم في الموقفِ تسهيلاً للمتابعةِ في الفعلِ ،
وتحصيلاً لصورةِ التبعيةِ ؛ إذِ اللائقُ بالمقتدى بهِ أنْ يتقدَّمَ ، فالتقدُّمُ عليهِ في
الفعلِ لا وجهَ لهُ إلا أنْ يكونَ سهواً، ولذلكَ شدَّدَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علیهِ
وسلَّمَ فيهِ النكيرَ وقالَ: ((أما يخشى الذي يرفعُ رأسَهُ قبلَ الإمام أنْ يحوِّلَ اللهُ
رأسَهُ رأسَ حمارٍ))(١) .
وأمَّا التأخّرُ عنهُ بركنٍ واحدٍ .. فلا يبطلُ الصلاةَ ، وذلكَ بأنْ يعتدلَ
الإمامُ عنْ ركوعِهِ وهوَ بعدُ لمْ يركعْ ، ولكنَّ التأخّرَ إلى هذا الحدِّ مكروهٌ،
فإنْ وضعَ الإمامُ جبهتهُ على الأرضِ وهوَ بعدُ لمْ ينتهِ إلى حدِّ الراكعينَ ..
بطلتْ صلاتُهُ ، وكذا إنْ وضعَ الإمامُ جبهتَهُ للسجودِ الثاني وهوَ بعدُ لمْ يسجدِ
السجودَ الأوَّلَ .
3
مَثَالَّة
[في الأمرِ بالمعروفِ ، ومنها تسويةُ الصفوفِ وفضلِ الجماعةِ والصفِّ الأيمنِ]
حقٌّ على مَنْ حضرَ الصلاةَ إذا رأىُ مِنْ غيرِهِ إساءةً في صلاتِهِ أنْ يغيِّرَهُ
وينكرّ عليهِ ، وإنْ صدرَ عنْ جهلٍ .. رفَقَ بالجاهلِ وعلَّمَهُ، فمنْ ذلكَ:
(١) رواه البخاري (٦٩١)، ومسلم ( ٤٢٧ ) .
٧١١
25-

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
الأمرُ بتسويةِ الصفوفِ ، ومنعُ المنفردِ بالوقوفِ خارجَ الصفِّ ، والإنكارُ
على مَنْ يرفعُ رأسَهُ قبلَ الإمامِ ، إلى غيرِ ذلكَ مِنَ الأمورِ؛ فقدْ قالَ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ : ((وبلٌ للعالمٍ مِنَ الجاهلِ حيثُ لا يعلِّمُهُ))(١) .
وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: ( مَنْ رأىْ مَنْ يسيءُ صلاتَهُ فلمْ ينهَهُ ..
فهوَ شريكُهُ في وزْرِها ) .
وعنْ بلالِ بنِ سعدِ أنَّهُ قالَ : ( الخطيئةُ إذا أُخفيتْ .. لمْ تضرّ إلا
صاحبَها ، فإذا أُظهرتْ فلمْ تُغيَّرْ .. أضرَّتْ بالعامَّةِ)(٢).
وجاءَ في الحديثِ : أَنَّ بلالاً كانَ يسوِّي الصفوفَ ويضربُ عراقيَهُمْ
بالدِّرَّةِ(٣) .
وعنْ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: ( تفقَّدُوا إخوانَكُمْ في الصلاةِ ، فإذا
فقد تموهُمْ؛ فإنْ كانوا مرضى .. فعودُوهُمْ، وإنْ كانوا أصخَاءَ ..
فعاتبوهُمْ) ، والعتابُ إنكارٌ على تركِ الجماعةِ ، ولا ينبغي أنْ يتساهلَ فيهِ .
وقدْ كانَ الأوَّلونَ يبالغونَ فيهِ ، حتَّى كانَ بعضُهمْ يحملُ الجنازةَ إلى بابِ
٤٠٠٠
(١) قال العراقي: (أخرجه الديلمي في (( مسند الفردوس)) من حديث أنس بسند
ضعيف )، وفي حديث المسيء صلاته المشهور شاهد لههذه المسألة. ((إتحاف))
(٣٢٧/٣) .
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٢٢/٥) .
(٣) رواه عبد الرزاق فى ((المصنف)) (٤٧/٢)، ولفظه: ( كان بلال يضرب أقدامنا في
الصلاة ويسوي مناكبنا ) .
٧١٢

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
مَنْ تخلَّفَ عنِ الجماعةِ إشارةً إلى أَنَّ الميتَ هوَ الذي يتأخّرُ عنِ الجماعةِ دونَ
الحيِّ .
ومَنْ دخلَ المسجدَ ينبغي أنْ يقصدَ يمينَ الصفِّ ، ولذلكَ تزاحمَ الناسُ
عليهِ في زمنِ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، حتَّى قيلَ لهُ : تعطلتِ
الميسرةُ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ عمَّرَ ميسرةَ المسجدِ .. كانَ لهُ
كِفْلانِ مِنَ الأجرِ )»(١).
ومهما وجدّ غلاماً في الصفِّ ولمْ يجدْ لنفسِهِ مكاناً .. فلهُ أنْ يخرجَهُ إلى
خلفٍ ويدخلَ فيهِ ؛ أعني : إذا لمْ يكنْ بالغاً .
فهذا ما أردنا أنْ نذكرَهُ مِنَ المسائلِ التي تعمُّ بها البلوى ، وسيأتي
أحكامُ الصلواتِ المتفرقةِ في كتابِ الأورادِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى .
(١) رواه ابن ماجه (١٠٠٧ ).
٧١٣
حن

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
الْبَابُ السَّابِعُ
فى النوافل من الصّلوات
اعلمْ : أَنَّ ما عدا الفرائضَ مِنَ الصلواتِ ينقسمُ إلى ثلاثةِ أقسام :
سننٌ ، ومستحبَّاتٍ ، وتطوعاتٍ .
ونعني بالسننِ : ما نُقْلَ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ المواظبةُ
عليهِ ؛ كالرواتبِ عَقيبَ الصلواتِ ، وصلاةِ الضحى ، والوترِ ، والتهجُّدٍ ،
وغيرِهِ ؛ لأنَّ السنَّةَ عبارةٌ عنِ الطريقةِ المسلوكةِ .
ونعني بالمستحبَّاتِ : ما وردَ الخبرُ بفضلِهِ ولمْ ينقلِ المواظبةُ عليهِ ؛ كما
سنتقلُهُ في صلواتِ الأيامِ والليالي في الأسبوعِ ، وكالصلاةِ عندَ الخروجِ مِنَ
المنزلِ والدخولِ فيهِ ، وأمثالٍ ذلكَ(١) .
ونعني بالتطوعاتٍ : ما وراءَ ذلكَ؛ ممَّا لمْ يردْ في عينِهِ أثرٌ، ولكنَّهُ
تطوَّعَ بهِ العبدُ مِنْ حيثُ رغبَ في مناجاةِ اللهِ تعالى بالصَّلاةِ التي وردَ الشرعُ
بفضلِها مطلقاً ، فكأنَّهُ متبرِّعٌ بهِ ؛ إذْ لمْ يندبْ إلى تلكَ الصَّلاةِ بعينِها وإنْ
ـكن
حن
(١) وكذا لو أمر به ولم يفعله، كما صرَّح به الخوارزمي في ((الكافي))، ومثاله: الركعتان
قبل المغرب. ((إتحاف)) (٣٢٩/٣).
٧١٤

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
ندبَ إلى الصَّلاةِ مطلقً (١) ، والتطوّعُ عبارةٌ عنِ التبرّعِ .
وسمِّيتِ الأقسامُ الثلاثةُ نوافلَ مِنْ حيثُ إنَّ النفلَ هوَ الزيادةُ ، وجملتُها
زائدةٌ على الفرائض ، فلفظُ النافلةِ والسنةِ والمستحبُّ والتطوع أردنا
الاصطلاحَ عليهِ لتعريفِ هذِهِ المقاصدِ ، ولا حرجَ على مَنْ يغيِّرُ هذا
الاصطلاحَ ، فلا مشاحَّةَ في الألفاظِ بعدَ فهمِ المقاصدِ .
وكلُّ قسمٍ مِنْ هذهِ الأقسام تتفاوتُ درجاتُهُ في الفضْلِ بحسَبِ ما وردَ فيهِ
مِنَ الأخبارِ والآثارِ المعرِّفةِ لفضلِهِ ، وبحسَبِ طولِ مواظبةِ رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عليهِ ، وبحسَبِ صحَّةِ الأخبارِ الواردةِ فيهِ واشتهارِها ،
ولذلكَ نقولُ :
سننُ الجماعاتِ أفضلُ مِنْ سننِ الانفرادِ .
وأفضلُ سننِ الجماعاتِ : صلاةُ العيدِ ، ثمَّ الكسوفِ ، ثمَّ الاستسقاءِ.
وأفضلُ سننِ الانفرادِ : الوترُ، ثمَّ ركعتا الفجرِ، ثمَّ ما بعدَهُما مِن
الرواتبِ على تفاوتِها .
واعلمْ : أَنَّ النوافلَ باعتبارِ الإِضافةِ إلى متعلقاتِها تنقسمُ إلى :
- ما يتعلَّقُ بأسبابِ ؛ كالكسوفِ والاستسقاءِ .
(١) فقد روى الطبراني في ((الأوسط)) (٢٤٥) مرفوعاً: (( الصلاة خير موضوع ، فمن
استطاع أن يستكثر .. فليستكثر)) .
٧١٥

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
وإلى ما يتعلَّقُ بأوقاتٍ ، والمتعلِّقُ بالأوقاتِ ينقسم إلى :
- ما يتكرَّرُ بتكرُّرِ اليوم والليلةِ .
- أَوْ بتكُّرِ الأسبوعِ .
- أوْ بتكُّرِ السنةِ .
فالجملةُ أربعةُ أقسامِ .
45
٧١٦

1
ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
القسم الأوّل: ما يَتَكَّر بتكرّر الأيّامِ واللّيالي
وهيبَ ثمانية
خمسةٌ هيَ رواتبُ الصلواتِ الخمسِ ، وثلاثةٌ وراءَها وهيَ : صلاةٌ
الضحى ، وإحياءُ ما بينَ العشاءينِ ، والتهجُّدُ مِنَ الليلِ .
الأولى : راتبةُ الصّبْحِ: وهيَ ركعتانِ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ : ((ركعتا الفجرِ خيرٌ مِنَ الدنيا وما فيها))(١).
ويدخلُ وقتُها بطلوع الفجرِ الصادقِ ، وهوَ المستطيرُ دونَ
المستطيلِ(٢)، وإدراكُ ذلكَ بالمشاهدةِ عسيرٌ في أوَّلِهِ ، إلاَّ بتعلُّمٍ منازلٍ
القمرِ ؛ إذْ يُعلمُ اقترانُ طلوعِهِ بالكواكبِ الظاهرةِ للبصرِ ، فيُستدلُّ بالكواكبِ
عليهِ ، ويعرفُ بالقمرِ في ليلتينٍ مِنَ الشهرِ ، فإنَّ القمرَ يطلعُ معَ الفجرِ ليلةً
ستٍّ وعشرينَ ، ويطلعُ الصبحُ معَ غروبِ القمرِ ليلةَ اثني عشرَ مِنَ الشهرِ ،
هذا هوَ الغالبُ(٣) ، ويتطرَّقُ إليهِ تفاوتٌ في بعضِ البروجِ، وشرحُ ذلكَ
يطولُ .
من
٨٠٠.
(١) رواه مسلم (٧٢٥) .
(٢) فالمستطير : هو الذي يطلع عرضاً منتشراً ، سمي صادقاً لأنه صدق عن الصبح وبينه ،
والمستطيل : هو الفجر الكاذب الذي يظهر طولاً كذنب السرحان ثم يغيب. ((إتحاف ))
(٣٣١/٣) .
(٣) وثمة تفصيل ذكره صاحب ((القوت)) (٢٢/١).
٧١٧

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
وتعلُّمُ منازلِ القمرِ مِنَ المهمَّاتِ للمريدِ ؛ حتَّى يطلعَ بهِ على مقاديرِ
الأوقاتِ بالليلِ وعلى الصبحِ .
ويفوتُ وقتُ ركعتي الفجرِ بفواتِ وقتٍ فريضةِ الصبحِ ، وهوَ طلوعُ
الشمسِ ، ولكنَّ السنَّةَ أداؤُهما قبلَ الفرضِ ، فإنْ دخلَ المسجدَ وقدْ قامتٍ
الصلاةُ .. فليشتغلْ بالمكتوبةِ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إذا أقيمتِ
الصلاةُ .. فلا صلاةَ إلا المكتوبةُ)) (١).
ثُمَّ إذا فرغَ مِنَ المكتوبةِ .. قامَ إليهِما وصلاَّهُما .
والصحيحُ : أَنَّهما تكونانِ أداءَ ما وقعتا قبلَ طلوع الشمسِ ؛ لأنَّهما
تابعتانِ للفرضِ في وقتِهِ ، وإنَّما الترتيبُ بينَهُما سنَّةٌ في التقديمِ والتأخيرِ إذا
لمْ يصادفْ جماعةً ، فإذا صادفَها .. انقلبَ الترتيبُ وبقيتا أداءً .
والمستحبُّ أنْ يصليَهُما في المنزلِ ويخففَهُما ، ثمَّ يدخلُ المسجدَ
ويصلَّ ركعتي التحيةِ ، ثمَّ يجلسُ ولا يصلّي إلى أنْ يصلِّيَ المكتوبةَ ، فما
بينَ الصبحِ إلى طلوع الشمسِ الأحبُّ فيهِ الذكرُ والفكْرُ ، والاقتصارُ على
ركعتي الفجرِ والفريضةِ(٢).
الثانيةُ : راتبةُ الظهرِ : وهيَ ستُّ ركعاتٍ : ركعتانِ بعدَها وهي سنَّةٌ
(١) رواه مسلم ( ٧١٠ ).
(٢) وكان صلى الله عليه وسلم يقرأ فيهما بـ (قل يا أيها الكافرون) و(قل هو الله أحد ) كما
في (( مسلم)) (٧٢٦) وغيره .
٧١٨

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
مؤكّدةٌ ، وأربعٌ قبلَها وهيَ أيضاً سنَّةٌ وإنْ كانتْ دونَ الركعتينِ الأخيرتينِ .
روى أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ، عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ :
((مَنْ صلَّىُ أربعَ ركعاتٍ بعدَ زوالِ الشمسِ ، يحسنُ قراءتَهُنَّ وركوعَهُنَّ
وسجودَهُنَّ .. صلَّى معهُ سبعونَ ألفَ ملكٍ يستغفرونَ لهُ حتَّى الليلِ))(١).
وكانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لا يدعُ أربعاً بعدَ الزوالِ ، يطيلُهُنَّ ويقولُ :
((إنَّ أبوابَ السماءِ تفتحُ في هذِهِ الساعةِ، فأحبُّ أنْ يُرفعَ لي فيها عملٌ))
رواهُ أبو أيوبَ الأنصاريُّ وتفرَّدَ بهِ(٢) .
۔
٨
ودلَّ عليهِ أيضاً ما روتْ أم حبيبةَ زوجُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ
قالَ : « مَنْ صلَّى في يوم اثنتي عشرَةَ ركعةً غيرَ المكتوبةِ .. بنى اللهُ لهُ بيتاً في
الجنَّةِ : رَكعتينٍ قبلَ الفجرِ ، وأربعاً قبلَ الظهرِ ، وركعتينِ بعدَها ، وركعتينٍ
قبلَ العصرِ ، وركعتينٍ بعدَ المغربِ))(٣).
وقالَ ابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما : ( حفظتُ مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ في كلِّ يومِ عشرَ ركعاتٍ ) ، فذكرَ ما ذكرتُهُ أم حبيبةَ رضيَ اللهُ عنها
(١) في ((القوت)) (٢٧/١): (عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال ) وذكره ، وقال الحافظ العراقي : ( ذكره عبد الملك بن حبيب بلاغاً من
حديث ابن مسعود، ولم أره من حديث أبي هريرة). ((إتحاف)) (٣٣٦/٣) وقد
ذكره المصنف في ((بداية الهداية)) ( ص١١٩ ).
(٢) رواه الترمذي ( ٤٧٨) عن عبد الله بن السائب رضي الله عنه، وقال : ( وفي الباب عن
علي وأبي أيوب )، وهو عن أبي أيوب عند أحمد في ((مسنده)) ( ٤١٦/٥).
(٣) رواه النسائي (٢٦٢/٣) بتأخير ركعتي الفجر، وأصله عند مسلم ( ٧٢٨) .
--
٧١٩
محزز
كن

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
إلا ركعتي الفجرِ ، فإنَّهُ قالَ : ( تلكَ ساعةٌ لمْ يكنْ يُدخلُ فيها على
رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ولكنْ حدثتني أختي حفصةُ رضيَ اللهُ عنها
أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يصلِّ ركعتينٍ في بيتِها ثمَّ يخرجُ ) ، وقالَ في
حديثِهِ : ( ركعتينٍ قبلَ الظهرِ ، وركعتينِ بعدَ العشاءِ)(١) ، فصارَ الركعتانِ
قبلَ الظهرِ آكدَ مِنْ جملةِ الأربعةِ .
ويدخلُ وقتُ ذلكَ بالزوالِ ، والزوالُ يعرفُ بزيادةِ ظلِّ الأشخاصِ
المنتصبةِ مائلاً إلى جهةِ المشرقِ ، إذْ يقعُ للشخصِ ظلُّ عندَ الطلوع في
جانبِ المغربِ يستطيلُ ، فلا تزالُ الشمسُ ترتفعُ والظلُّ ينقصُ وينحرفُ عنْ
جهةِ المغربِ إلى أنْ تبلغَ الشمسُ منتهى ارتفاعِها ، وهوَ قوسُ نصفٍ
النهارِ ، فيكونُ ذلكَ منتهى نقصانِ الظلِّ ، فإذا زالتِ الشمسُ عنْ منتهى
الارتفاع .. أخذ الظلُّ في الزيادةِ ، فمِنْ حيثُ صارتِ الزيادةُ مدركةٌ
بالحسِّ .. دخلَ وقتُ الظهرِ ، ويعلمُ قطعاً أَنَّ الزوالَ في علمِ اللهِ تعالى وقعَ
قبلَهُ ، ولكنَّ التكاليفَ لا ترتبطُ إلا بما يدخلُ تحتَ الحسِّّ .
والقدْرُ الباقي مِنَ الظلِّ الذي منهُ يأخذُ في الزيادةِ يطولُ في الشتاءِ ويقصرُ
في الصيفِ ، ومنتهى طولِهِ بلوغُ الشمسِ أوَّلَ الجدي(٢) ، ومنتهى قصرِهِ
بلوغُها أوَّل السرطانِ(٣).
(١) حديث ابن عمر رضي الله عنهما بجملِهِ رواه البخاري ( ١١٨٠، ١١٨١).
(٢) وهو ثامن البروج، يبدأ في (١٦) كانون الأول الرومي. انظر ((الإتحاف)) (٣٤١/٣).
(٣) وهو رابع البروج، يبدأ من بعد انتصاف (١٧) حزيران الرومي. («إتحاف)) (٣٤١/٣).
٧٢٠