Indexed OCR Text
Pages 661-680
ربع العبادات حر كتاب أسرار الصلاة الجمعةِ ؛ فيهِ خُلِقَ آدمُ عليهِ السلامُ، وفيهِ أُدخلَ الجنَّةَ، وفِيهِ أُهبطَ إلى الأرضِ ، وفيهِ تِيبَ عليهِ ، وفيهِ ماتَ، وفيهِ تقومُ الساعةُ، وهوَ عندَ اللهِ يومُ المزيدِ ، كذلكَ تسمِّيهِ الملائكةُ في السماءِ ، وهوَ يومُ النظرِ إلى اللهِ تعالى في الجنَّةِ))(١) . وفي الخبرِ : (( إنَّ اللهِ عزَّ وجلَّ في كلِّ جمعةٍ ستَّ مئةِ ألفِ عتيقٍ مِنَ النارِ)) (٢) . وفي حديثٍ أنسٍ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: ((إذا سلمَتِ الجمعةُ .. سلمتِ الأيامُ))(٣). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ الجحيمَ تسعرُ في كلِّ يومٍ قبلَ الزوالِ عندَ استواءِ الشمسِ في كبدِ السماءِ ، فلا تصلُّوا في هذهِ الساعةِ إلا يومَ الجمعةِ؛ فإنَّهُ صلاةٌ كلَّهُ، وإنَّ جهنَّمَ لا تسعرُ فيهِ))(٤) . وقالَ كعبٌ : ( إنَّ اللهَ تعالى فضَّلَ مِنَ البلدانِ مَّةَ ، ومِنَ الشهورِ رمضانَ ، ومِنَ الأيام الجمعةَ، ومِنَ الليالي ليلةَ القدرِ )(٥) . (١) رواه مسلم (٨٥٤)، والنسائي ( ١١٤/٣). (٢) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٣٤٣٤). (٣) رواه أبو نعيم في «الحلية)) (١٤٠/٧)، والبيهقي في ((الشعب)) (٣٤٣٤). (٤) رواه أبو داوود ( ١٠٨٣) يلفظ: ((تسجر))، وهو عند أبي نعيم في (( الحلية)) (١٨٨/٥) بلفظ المصنف . (٥) قوت القلوب (٦٤/١). ٦٦١ مدن كتاب أسرار الصلاة ربع العبادات ويقالُ : (إِنَّ الطيرَ والهوامَ يلقىُ بعضُها بعضاً يومَ الجمعةِ، فتقولُ : سلامٌ سلامٌ، يومٌ صالحٌ)(١) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ ماتَ يومَ الجمعةِ، أوْ ليلةَ الجمعةِ .. كتبَ اللهُ لهُ أجرَ شهيدٍ، ووُقِيَ فتنةَ القبرِ))(٢). ٥٠٢ (١) رواه أحمد في ((الزهد)) (١٣٧٧)، وأبو نعيم في (( الحلية)) (٢٠٥/٢) من كلام مطرف بن عبد الله الشخير ، ضمن خبر لطيف . (٢) رواه الترمذي (١٠٧٤) بغير قوله: ((أجر شهيد))، وهو بهذه الزيادة في (( الحلية)) (٣ / ١٥٥ ) . ٦٦٢ ربع العبادات كتاب أسرار الصلاة حر بيان شروط الجمعة اعلمْ : أَنَّها تشاركُ جميعَ الصلواتِ في الشروطِ ، وتتميّزُ عنها بستةِ شروطٍ : الأوَّلُ : الوقتُ ، فلوْ وقعتْ تسليمةُ الإمام في وقتِ العصرِ .. فاتتِ الجمعةُ، وعليهِ أنْ يتمَّها ظهراً ، والمسبوقُ إذا وقعتْ ركعتُهُ الأخيرةُ خارجاً مِنَ الوقتِ .. ففيهِ خلافٌ(١). الثاني : المكانُ ، فلا تصحُّ في الصحارى والبوادي وبينَ الخيامِ ، بلْ لا بدَّ مِنْ بقعةٍ جامعةٍ لأبنيةٍ لا تنقلُ ، تجمعُ أربعينَ ممَّنْ تلزمُهُمُ الجمعةُ ، والقريةُ فيهِ كالبلدِ ، ولا يُشترطُ حضورُ السلطانِ ولا إذنُهُ ، ولكنَّ الأحبَّ استئذانُهُ . الثالثُ : العددُ، فلا تنعقدُ بأَقلَّ مِنْ أربعينَ ذكوراً ، مكلَّفينَ ، أحراراً ، مقيمينَ لا يظعنونَ شتاءً ولا صيفاً ، فإن انفضُّوا حتَّى نقصَ العددُ إمَّا في الخطبةِ أو في الصلاةِ .. لمْ تصحَّ الجمعةُ، بلْ لا بدَّ منهُمْ مِنَ الأوَّلِ إلى الآخرِ . (١) قال المصنف في ((الوسيط)) (٢٦٣/٢): ( فيه وجهان : أحدهما: أنها تصح؛ لأنه تابع للقوم وقد صحت صلاتهم ، ولذلك حُطَّ شرط القدوة في الركعة الثانية عنه ، والثاني : أن الجمعة فائنة ؛ لأن الاعتناء بالوقت أعظم ) . وسياق المصنف هنا يكاد يطابق ما في ((الخلاصة)) (ص١٣٧ _١٤٢) . ٦٦٣ كتاب أسرار الصلاة ربع العبادات الرابعُ : الجماعةُ، فلوْ صلَّى أربعونَ في قريةٍ أوْ بلدٍ متفرقينَ .. لِمْ تصحَّ جُمعتُهُمْ، ولكنَّ المسبوقَ إذا أدركَ الركعةَ الثانيةَ .. جازَ لهُ الانفرادُ بالركعةِ الثانيةِ ، وإنْ لمْ يدركْ ركوعَ الركعةِ الثانيةِ .. اقتدىُ ونوى الظهرَ ، وإذا سلَّمَ الإِمامُ .. تمَّمَها ظهراً . الخامسُ : ألا تكونَ الجمعةُ مسبوقةً بأخرى في ذلكَ البلدِ ، فإنْ تعَذَّرَ اجتماعُهُمْ في جامع واحدٍ .. جازَ في جامعينٍ وثلاثةٍ وأربعةٍ بقدْرِ الحاجةِ ، وإنْ لمْ تكنُّ حاجةٌ .. فالصحيحُ : الجمعةُ التي يقعُ بها التحريمُ أوّلاً ، وإذا تحققتِ الحاجةُ .. فالأفضلُ الصلاةُ خلفَ الأفضلِ مِنَ الإمامينِ ، فإنْ تساويا .. ففي المسجدِ الأقدم، فإنْ تساويا .. ففي الأقربِ (١)، ولكثرةٍ الناسِ أيضاً فضلٌ يراعى . السادسُ : الخطبتانِ ، فهما فريضتانِ ، والقيامُ فيهما فريضةٌ ، والجلسةُ بينَهُما فريضةٌ . وفي الأولى أربعُ فرائضَ : التحميدُ ؛ وأقلُّهُ : ( الحمدُ للهِ ) ، والثانيةٌ : الصلاةُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ (٢)، والثالثةُ: الوصيةُ بتقوى اللهِ عزَّ وجلَّ ، والرابعةُ : قراءةُ آيَةٍ مِنَ القرآنِ ، وكذا فرائضُ الثانيةِ أربعةٌ ، إلا (١) أي: من دار المصلي، والسياق عند صاحب ((القوت)) (٦٣/١) بنحوه. ((إتحاف)) ( ٢٢٥/٣ ) . (٢) وأقلُّهُ: ( اللهم ؛ صل على محمد وآله)، وأقلُّ الوصية بالتقوى: ( أوصيكم بتقوى الله ). ((الخلاصة)) (ص ١٤٠). ٦٦٤ ربع العبادات كتاب أسرار الصلاة أَنَّهُ يجبُ فيها الدعاءُ بدلَ القراءةِ ، واستماعُ الخطبةِ واجبٌّ مِنَ الأربعينَ . وأمَّا السننُ : فإذا زالتِ الشمسُ وأَذَّنَ المؤذِّنُ وجلسَ الإمامُ على المنبرِ .. انقطعتِ الصلاةُ سوى التحيَّةِ(١)، والكلامُ لا ينقطعُ إلا بافتتاحِ الخطبةِ. ويسلِّمُ الخطيبُ على الناسِ إذا أقبلَ عليهِمْ بوجهِهِ ويردُّونَ عليهِ السلامَ ، فإذا فرغَ المؤذُّنُ .. قامَ مقبلاً على الناسِ بوجهِهِ لا يلتفتُ يميناً ولا شمالاً ، ويشغلُ يديهِ بقائمِ السيفِ أو العَنَزَةِ والمنبرِ (٢) ، كي لا يعبثَ بِهِما، أوْ يضعُ إحداهما على الأخرى ، ويخطبُ خطبتينٍ بينَهُما جلسةٌ خفيفةٌ ، ولا يستعملُ غريبَ اللغةِ ، ولا يمطُّطُ ، ولا يتغنَّى، وتكونُ الخطبةُ قصيرةً بليغةً جامعةٌ ، ويستحبُّ أنْ يقرأَ آيَةً في الثانيةِ أيضاً . كن ولا يسلِّمُ مَنْ دخلَ والخطيبُ يخطبُ ، فإنْ سلَّمَ .. لمْ يستحقَّ جواباً ، والإشارةُ بالجوابِ حسنٌ ، ولا يشمِّتُ العاطسَ أيضاً . هذهِ شروطُ الصحّةِ . (١) وهي صلاة تحية المسجد، تستحب للداخل مع التخفيف. انظر (( الإتحاف)) (٢٢٩/٣) . (٢) أي: اليمنى بالمنبر، واليسرى بقائمة السيف. («إتحاف)) (٢٢٩/٣)، والعَنَزَة: عصاً أقصر من الرمح . ٦٦٥ كتاب أسرار الصلاة ربع العبادات فأمَّا شروطُ الوجوبِ : فلا تجبُّ الجمعةُ إلاَّ على كلِّ ذكرٍ ، بالغٍ ، عاقلٍ ، مسلمٍ ، حرٍّ ، مقيمٍ في قريةٍ أوْ بلدةٍ تشتملُ على أربعينَ جامعينَ لهُذهِ الصفاتِ ، أَوْ في قريةٍ مِنْ سوادِ البلدِ يبلغُها نداءُ البلدِ مِنْ طرفٍ يليها والأصواتُ ساكنةٌ والمؤذِّنُ رفعُ الصوتِ، لقولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ . ويرخَّصُ لهؤلاءِ في تركِ الجمعةِ لعذرِ المطرِ والوحلِ ، والفزع ، والمرضِ ، والتمريضٍ إذا لمْ يكنْ للمريضِ قيِّمٌ غيرُهُ . ثُمَّ يستحبُّ لهُمْ - أعني : أصحابَ الأعذارِ - تأخيرُ الظهرِ إلى أنْ يفرغَ الناسُ مِنَ الجمعةِ، وإنْ حضرَ الجمعةَ مريضٌ أوْ مسافرٌ أوْ عبدٌ أوِ امرأةٌ .. صحَّتْ جُمعتُهُمْ وأجزأتْ عَنِ الظهرِ ، واللهُ أعلمُ . ٦٦٦ ربع العبادات كتاب أسرار الصلاة بيان آداب الجمعة على ترتيب العادة وهيَ عشر جمل الأُولىُ : أنْ يستعدَّ لها يومَ الخميسِ عزماً عليها واستقبالاً لفضْلِها ؛ فيشتغلُ بالدعاءِ والاستغفارِ والتسبيحِ بعدَ العصرِ يومَ الخميسِ ؛ لأنَّها ساعةٌ قوبلتْ بالساعةِ المبهمةِ في يومِ الجمعةِ . قالَ بعضُ السلفِ : ( إنَّ للهِ عزَّ وجلَّ فضلاً سوى أرزاقِ العبادِ ، لا يُعطِي مِنْ ذلكَ الفضلِ إلا منْ سألَهُ عشيّةَ الخميسِ ويومَ الجمعةِ)(١) . ويغسلُ في هذا اليوم ثيابَهُ ويبيِّضُها ، ويُعِدُّ الطيبَ إنْ لمْ يكنْ عندَهُ ، ويفرغُ قلبَهُ مِنَ الأشغالِ التي تمنعُهُ مِنَ البكورِ إلى الجمعةِ . وينوي في هذهِ الليلةِ صومَ يوم الجمعةِ ؛ فإنَّ لهُ فضلاً ، ولكنْ مضموماً إلى يوم الخميسِ أوِ السبتِ لا مفرداً؛ فإنَّهُ مكروهٌ . ويشتغلُ بإحياءِ هذهِ الليلةِ بالصلاةِ وختم القرآنِ ، فلها فضْلٌ كثيرٌ ، وينسحبُ عليها فضْلُ يوم الجمعةِ . ويجامعُ أهلَهُ في هذهِ الليلةِ أوْ في يوم الجمعةِ ؛ فقدِ استحبَّ ذلكَ قومٌ، وحملوا عليهِ قولَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( رحمَ اللهُ مَنْ بَكَّرَ وابتكرَ ، (١) قوت القلوب (٦٦/١). ٦٦٧ كتاب أسرار الصلاة ربع العبادات وغَسَّلَ واغتسلَ))(١)، وهوَ حملُ الأهلِ على الغُسلِ ، وقيلَ : معناهُ : غسلُ ثيابِهِ، فرُوِيَ بالتخفيفِ ، و(اغتسلَ) لجسدِهِ(٢). وبهذا تتمُّ آدابُ الاستقبالِ ، ويخرجُ مِنْ زمرِةِ الغافلينَ الذينَ إذا أصبحوا .. قالوا : ما هذا اليومُ ؟ قالَ بعضُ السلفِ : ( أوفى الناسِ نصيباً مِنَ الجمعةِ مَنِ انتظرَهَا وراعاها مِنَ الأمسِ ، وأختُهُمْ نصيباً مَنْ إِذا أصبحَ .. يقولُ : أيشٍ اليومُ؟ )(٣). وكانَ بعضُهُمْ يبيتُ ليلةَ الجمعةِ في الجامع لأجلِها(٤) . الثانية: إذا أصبحَ .. ابتدأَ بالغسلِ بعدَ طلوع الفجرِ ، وإنْ كانَ لا يبكِّرُ .. فأقربُهُ إلى الرواحِ أحبُّ (٥)، ليكونَ أقربَ عهداً بالنظافةِ ، فالغُسلُ مستحبّ استحباباً مؤكّداً ، وذهبَ بعضُ العلماءِ إلى وجوبِهِ ، قالَ (١) رواه أبو داوود (٣٤٥)، والترمذي (٤٩٦)، والنسائي (٩٥/٣)، وابن ماجه ( ١٠٨٧) بنحوه . (٢) قوت القلوب (٦٥/١). مدن (٣) قوت القلوب (٧٠/١)، وأيشٍ : أصله : ( أي شيءٍ)، ثم اختصر واستعمل هكذا في الاستفهام ، وهو شائع في اللسان العربي ، لكنه بالتنوين ، والعامة يستعملونه بلا تنوين. ((إتحاف)) ( ٣ /٢٤٢) . ـحن (٤) قوت القلوب (٧٠/١)، وزاد: ( ومنهم من كان يبيت ليلة السبت في الجامع لمزيد الجمعة ) . (٥) الرواح : اسم للوقت من زوال الشمس إلى الليل ، قال الزبيدي : ( خروجاً من خلاف مالك ). («إتحاف)) (٢٤٢/٣). ٦٦٨ ربع العبادات ومـ كتاب أسرار الصلاة صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((غسلُ الجمعةِ واجبٌ على كلِّ محتلمٍ))(١) . والمشهورُ مِنْ حديثٍ نافع، عن ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما: (( مَنْ أتى الجمعةَ .. فليغتسلْ))(٢)، وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ شهدَ الجمعةَ مِنَ الرجالِ والنساءِ .. فليغتسلْ)) (٣). وكانَ أهلُ المدينةِ إذا تسابَّ المتسابانِ .. يقولُ أحدُهُما للآخرِ: ( لأنتَ أَشرُّ ممَّنْ لا يغتسلُ يومَ الجمعةِ )(٤) . وقالَ عمرُ لعثمانَ رضيَ اللهُ عنهُما لمَّا دخلَ وهوَ يخطبُ : أهذهِ الساعةَ؟ ! - منكراً عليهِ ترْكَ البكورِ - فقالَ: ما زدتُ بعدَ أنْ سمعتُ الأذانَ على أنْ توضَّأْتُ وخرجتُ ، فقالَ: والوضوءَ أيضاً وقدْ علمتَ أَنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يأمرُ بالغُسلِ ؟!(٥). وقدْ عُرِفَ جوازُ تْكِ الغسلِ بوضوءٍ عثمانَ رضيَ اللهُ عنهُ ، وبما رُوِيَ أنَّهُ (١) رواه البخاري ( ٨٥٨)، ومسلم (٨٤٦) . (٢) رواه البخاري ( ٨٧٧)، ومسلم (٨٤٤). (٣) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) ( ١٢٢٦). (٤) رواه البيهقي في (( السنن الكبرى)) (٢٩٩/١)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٥٠٣٩) عن أبي البَخْتَري رحمه الله، وقد أورد المصنف هذا الكلام في خلال الأحاديث مؤكداً لأمره في الإيجاب ، ولولا أنه بههذه المثلبة .. ما كانوا يتعايرون على تركه. («إتحاف)) ( ٢٤٤/٣) . (٥) رواه البخاري ( ٨٧٨)، ومسلم ( ٨٤٥) . ٦٦٩ كتاب أسرار الصلاة ربع العبادات صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: ((مَنْ توضَّأَ يومَ الجمعةِ .. فبهَا ونعمَتْ ، ومَنِ اغتسلَ .. فالغسلُ أفضلُ))(١) . ومَنِ اغتسلَ للجنابةِ .. فليفضِ الماءَ على بدنِهِ مرَّةً أُخرى علىُ نيَّةٍ غُسلٍ الجمعةِ ، فإنِ اكتفى بغسلٍ واحدٍ .. أجزأَهُ، وحصلَ لهُ الفضلُ إذا نوى كليهما ، ودخلَ غُسلُ الجمعةِ في غُسلِ الجنابةِ . وقدْ دخلَ بعضُ الصحابةِ على ولدِهِ وقدِ اغتسلَ ، فقالَ لهُ : أللجمعةِ ؟ فقالَ : بل مِنْ جنابةٍ ، فقالَ : أعدْ غُسلاً ثانياً ، وروى الحديثَ في غُسلٍ الجمعةِ على كلِّ محتلم، وإنَّما أمرهُ بهِ لأنَّهُ لمْ يكنْ نواهُ(٢) . وكانَ لا يبعدُ أنْ يقالَ : المقصودُ النظافةُ ، وقدْ حصلتْ دونَ النيّةِ ، ولكنْ هذا ينقدحُ في الوضوءِ أيضاً، وقدْ جُعِلَ في الشرع قربةٌ ، فلا بدَّ مِنْ طلبٍ فضْلِها . ومَنِ اغتسلَ ثمَّ أحدثَ .. توضَّأَ ولمْ يبطلْ غُسلُهُ ، والأحبُّ أنْ يحترزَ عنْ ذلكَ . الثالثةُ: الزينةُ، وهيَ مستحبَّةٌ في هذا اليوم ، وهيَ في ثلاثةٍ : الكُسوةِ ، والنظافةِ ، وتطييبِ الرائحةِ . (١) رواه أبو داوود (٣٥٤)، والترمذي (٤٩٧)، والنسائي (٩٤/٣)، وابن ماجه (١٠٩١). (٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٥٠٩٧)، والصحابي هو أبو قتادة رضي الله عنه. ٦٧٠ ـرة ربع العبادات كتاب أسرار الصلاة أمّا النظافةُ .. فبالسواكِ، وحلْقِ الشعرِ، وقلْمِ الظفرِ ، وقصِّ الشاربِ ، وسائرِ ما سبقَ في كتابِ الطهارةِ . قالَ ابنُ مسعودٍ : ( مَنْ قَلَّمَ أظفارَهُ يومَ الجمعةِ .. أخرجَ اللهُ عزَّ وجلَّ منهُ داءٌ وأدخلَ فيهِ شفاءً)(١) . فإنْ كانَ قَدْ دخلَ الحمّامَ في الخميسِ أوِ الأربعاءِ .. فقدْ حصلَ المقصودُ . وليتطيّبْ في هذا اليومِ بأطيبٍ طيبٍ عندَهُ، ليغلِبَ بهِ الروائحَ الكريهةَ ، ويُوصلَ بذلكَ الرَّوْحَ والراحةَ إلى مشامِّ الحاضرينَ في جوارِهِ . وأحبُّ طيبِ الرجالِ : ما ظهرَ ريحُهُ وخَفِيَ لونُهُ ، وطيبِ النساءِ : ما ظهرَ لونُهُ وخِفِيَ ريحُهُ، رُوِيَ ذلكَ في الأثرِ (٢) . وقالَ الشافعيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ( منْ نظّفَ ثوبَهُ .. قلَّ هقُّهُ، ومَنْ طابَ ريحُهُ .. زادَ عقلُهُ)(٣) . وأمَّا الكُسوةُ .. فأحبُّها البياضُ مِنَ الثيابِ ؛ إذْ أحبُّ الثيابِ إلى اللهِ (١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٥٦١٦)، وهو عند عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٩٩/٣) مرفوعاً . (٢) كذا رواه مرفوعاً أبو داوود (٢١٧٤)، والترمذي (٢٧٨٧)، والنسائي (١٥١/٨). (٣) رواه ابن الجوزي في ((صفة الصفوة)) (١٥٢/٢/١)، ورواه أبو نعيم في (( الحلية)) ( ٥/ ١٨٤ ) عن مكحول . ـخرى. ٦٧١ ـحة كتاب أسرار الصلاة ربع العبادات تعالى البيضُ(١) ، ولا يلبَسُ ما فيهِ شهرةٌ، ولبسُ السوادِ ليسَ مِنَ السنَّةِ، ولا فيهِ فضْلٌ، بلْ كرِهَ جماعةٌ النظرَ إليهِ ؛ لأنَّهُ بدعةٌ محدثَةٌ بعدَ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ . والعِمامةُ مستحبَّةٌ في هذا اليوم ، روى واثلةُ بنُ الأسقع أَنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: ((إِنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلُّونَ على أصحابِ العمائمِ يومَ الجمعةِ))(٢)، فإِنْ أكربَهُ الحرّ .. فلا بأسَ بنزعِها قبلَ الصلاةِ وبعدَها ، ولكنْ لا ينزعُها في وقتِ السعيٍ مِنَ المنزلِ إلى الجمعةِ ، ولا في وقتٍ الصلاةِ ، ولا عندَ صعودِ الإمامِ المنبرَ ، ولا في حالِ الخطبةِ . G الرابعةُ : البكورُ إلى الجامع ، ويستحبُّ أنْ يقصدَ الجامعَ مِنْ فرسخينٍ أوْ ثلاثةٍ ، ولیبگِّرْ . ويدخلُ وقتُ البكورِ بطلوع الفجرِ ، وفضلُ البكورِ عظيمٌ . وينبغي أنْ يكونَ في سعيهِ إلى الجمعةِ خاشعاً ، متواضعاً ، ناوياً للاعتكافِ في المسجدِ إلى الصلاةِ ، قاصداً للمبادرةِ إلى جوابِ نداءِ اللهِ تعالى إياهُ إلى الجمعةِ ، والمسارعةِ إلى مغفرتِهِ ورضوانِهِ . جن: ٤٠ ـحن (١) كما روى النسائي (٢٠٥/٨) مرفوعاً: ((عليكم بالبياض من الثياب ، فليلبسها أحياؤكم ، وكفنوا فيها موتاكم ؛ فإنها من خير ثيابكم )) . (٢) رواه الطبراني في ((مسند الشاميين)) (٣٣٦/٤)، وأبو نعيم في (( الحلية)) (١٩٠/٥) . ٦٧٢ ربع العبادات كتاب أسرار الصلاة وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ رَاحَ إلى الجمعةِ في الساعةِ الأولى .. فكأنَّما قرَّبَ بدنةً، ومَنْ راحَ في الساعةِ الثانيةِ .. فكأنَّما قرَّبَ بقرةً ، ومَنْ راحَ في الساعةِ الثالثةِ .. فكأنَّما قرَّب كبشاً أقرنَ ، ومَنْ راحَ في الساعةِ الرابعةِ .. فكأنَّما أهدى دجاجةً ، ومَنْ راحَ في الساعةِ الخامسةِ .. فكأنَّما أهدى بيضةً، فإذا خرجَ الإمامُ .. طويتِ الصحفُ ، ورفعتِ الأقلامُ ، واجتمعتِ الملائكةُ عندَ المنبرِ يستمعونَ الذكرَ ، فمَنْ جاءَ بعدَ ذلكَ .. فإنَّما جاءَ لحقِّ الصلاةِ، ليسَ لهُ مِن الفضْلِ شيءٌ))(١). والساعةُ الأولى إلى طلوع الشمسِ ، والثانيةُ إلى ارتفاعِها ، والثالثةُ إلى انبساطِها حينَ ترمضُ الأقدامُ ، والرابعةُ والخامسةُ بعدَ الضحى الأعلى إلى الزوالِ ، وفضلُهُما قليلٌ ، ووقتُ الزوالِ حقُّ الصلاةِ ، ولا فضلَ فيهِ . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ثلاثٌ لوْ يعلمُ الناسُ ما فيهنَّ .. لرَكضوا الإبلَ في طلبهِنَّ: الأذانُ، والصَّفتُّ الأوَّلُ، والغدؤُ إلى الجمعةِ))(٢)، وقالَ أحمدُ ابنُ حنبلٍ رضيَ اللهُ عنهُ : ( أفضلُهُنَّ الغدوُ إلى الجمعةِ ) . (١) رواه البخاري (٨٨١)، ومسلم (٨٥٠)، وزيادة: ((طويت الصحف ورفعت الأقلام)) عند البيهقي في (( السنن الكبرى)) (٢٢٦/٣)، ولفظ المصنف من ((القوت)) (٦٤/١)، والمراد بالإهداء في الموضعين - وكذا هو في «القوت)) - التصدقُ، كما دلَّ عليه لفظ: ((قرَّب)). ((إتحاف)) (٢٥٦/٣). (٢) قال الحافظ العراقي: ( أخرجه أبو الشيخ في ((ثواب الأعمال)) من حديث أبي هريرة ) بنحوه، وهو بلفظه عند صاحب ((القوت)) (٦٤/١)، قال : ( وروينا في خبر مقطوع ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ... ) وذكره مع قول أحمد الآتي . ٦٧٣ كتاب أسرار الصلاة ربع العبادات وفي الخبرِ: ((إذا كانَ يومُ الجمعةِ .. قعدتِ الملائكةُ على أبوابٍ المساجدِ بأيديهِمْ صحفٌ مِنْ فضةٍ وأقلامٌ مِنْ ذهبٍ يكتبونَ الأولَ فالأول علی مراتبهِمْ ))(١) . وجاءَ في الخبرِ : ((إنَّ الملائكةَ يتفقَّدونَ العبدَ إذا تأخّرَ عنْ وَقَتِهِ يومَ الجمعةِ ، فيسألُ بعضُهُمْ بعضاً عنهُ : ما فعلَ فلانٌ ، وما الذي أخَّرَهُ عنْ وقتهٍ ؟ فيقولونَ : اللهمَّ؛ إنْ كانَ أخَّرَهُ فقرٌ .. فأغنِهِ، وإنْ كانَ أخَّرَهُ مرضٌ .. فاشْفِهِ، وإنْ كانَ أخَّرَهُ شغلٌ .. ففرِّغْهُ لعبادَتِكَ، وَإِنْ كانَ أخَّرَهُ لَهْوٌ .. فأقبلْ بقلبهِ إلى طاعتِكَ))(٢). وكانَ يُرَىُ في القرنِ الأوَّلِ سحراً وبعدَ الفجرِ الطرقاتُ مملوءةً مِنَ الناسِ يمشونَ في السُّرُجِ ، ويزدحمونَ فيها إلى الجامعِ كأيامِ العيدِ ، حتَّى اندرسَ ذلكَ، فقيلَ : أوَّلُ بدعةٍ أُحدثتْ في الإسلامِ تركُ البكورِ إلى الجامعِ (٣). وكيفَ لا يستحي المؤمنونَ مِنَ اليهودِ والنصارىُ وهمْ يبكِّرونَ إلى البِيَعِ والكنائسِ يومَ السبتِ والأحدِ ؟! وطلابُ الدنیا کیفَ بیکِّرونَ إلی رحاب (١) في ((البخاري)) (٩٢٩)، و((مسلم)) (٨٥٠) مرفوعاً: (( إذا كان يوم الجمعة .. وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول ... ))، ورواية: ((صحف من فضة وأقلام ... )) عند ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ( ١٤٢/٤٣) بنحوه . (٢) رواه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (١٧٧١)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٢٦/٣) . (٣) قوت القلوب (٧٠/١). ٦٧٤ ربع العبادات كتاب أسرار الصلاة الأسواقِ للبيع والشراءِ والربح ؟! فلمَ لا يسابقُهُمْ طلَّبُ الآخرةِ ؟! ويقالُ : ( إنَّ الناسَ يكونونَ في قرِبِهِمْ عندَ النظرِ إلى وجهِ اللهِ سبحانَهُ وتعالى على قدْرِ بكورِهِمْ إلى الجمعةِ ) ، ودخلَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ الجامعَ بكرةً ، فرأىُ ثلاثةَ نفرٍ قدْ سبقوهُ بالبكورِ ، فاغتمَّ لذلكَ ، وجعلَ يقولُ لنفسِهِ معاتباً لها: (رابعُ أربعةٍ، وما رابعُ أربعةٍ ببعيدٍ )(١). الخامسةُ : في هيئةِ الدخولِ ، فينبغي ألا يتخطّى رقابَ الناسِ ، ولا يمرَّ بينَ أيديهِمْ ، والبكورُ يسهّلُ عليهِ ذلكَ، فقدْ وردَ وعيدٌ شديدٌ في تخطّي الرقابِ ، وهوَ أنَّهُ يُجعَلُ جسراً يومَ القيامةِ يتخطَّهُ النَّاسُ(٢). باے وروى ابنُ جريج مرسلاً : أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بينَما هوَ يخطبُ يومَ الجمعةِ إذْ رأى رجلاً يتخطَّى رقابَ الناسِ حتَّى تقدَّمَ فجلسَ ، فلمَّا قضى النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ صلاتَهُ .. عارضَ الرَّجُلَ حَتَّى لقيَهُ، فقالَ: (( يا فلانُ ؛ ما منعَكَ أنْ تُجَمِّعَ اليومَ معَنا ؟)) قال: يا نبيَّ اللهِ؛ قدْ جمَّعتُ (١) روى ابن ماجه (١٠٩٤) عن علقمة قال: ( خرجت مع عبد الله إلى الجمعة، فوجد ثلاثة وقد سبقوه ، فقال : رابع أربعة ، وما رابع أربعة ببعيد ، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن الناس يجلسون من الله يوم القيامة على قَدْرِ رواحهم إلى الجمعات، الأول والثاني والثالث))، ثم قال : رابع أربعة ، وما رابع أربعة ببعيد ) . (٢) رواه الترمذي ( ٥١٣)، وابن ماجه (١١١٦ ). ٦٧٥ كتاب أسرار الصلاة ربع العبادات معَكُمْ! فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أوَلمْ أَرَكَ تتخطَّى رقابَ النَّاسِ؟!))(١) ، أشارَ بذلكَ إلى أنَّهُ أحبطَ عملَهُ. وفي حديثٍ مسندٍ أنَّهُ قالَ: (( ما منعَكَ أنْ تُصليَ معنا؟))، فقالَ: أوَلمْ ترني يا رسولَ اللهِ؟ فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((رأيتُكَ تأَنَّيْتَ وآذَيْتَ))(٢)؛ أي: تأخّرتَ عنِ البكورِ ، وآذيتَ الحضورَ . ومهما كانَ الصفُّ الأوَّلُ متروكاً خالياً .. فلهُ أنْ يتخطَّى رقابَ الناسِ ؛ لأنَّهم ضيَّعوا حقَّهُمْ وتركوا موضعَ الفضيلةِ ، قالَ الحسنُ : ( تخطُّوا رقابَ الناسِ الذينَ يقعدونَ على أبوابِ الجامعِ يومَ الجمعةِ؛ فإنَّهُ لا حرمةَ لَهُمْ)(٣). وإذا لمْ يكنْ في المسجدِ إلا مَنْ يصلِّي .. فينبغي ألاَّ يسلِّمَ ؛ فإنَّهُ تكليفُ جوابٍ في غيرِ محلّهِ . ٠٥٧٥٠ حاله السادسةُ: ألاَّ يمرّ بينَ يدي الناسِ ، ويجلسُ هوَ إلى قريبٍ مِنْ أُسطوانةٍ أوْ حائط ؛ حتَّى لا يمرُّوا بينَ يديهِ ؛ أعني : بينَ يدي المصلِّي ، فإنَّ ذلكَ (١) قال الحافظ العراقي: (أخرجه ابن المبارك في ((الرقائق))). ((إتحاف)) (٢٦١/٣)، وهو بلفظه في ((القوت)) (٦٥/١)، وهو الحديث الآتي كما يظهر من السياق . (٢) رواه أبو داوود (١١١٨)، والنسائي (١٠٣/٣)، وابن ماجه (١١١٥) بنحوه مختصراً، وهو عند ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٥٥١٥) بزيادة تفصيل . (٣) رواه ابن عساكر في ( تاريخ دمشق)) (٢٩٨/٥٦). ٦٧٦ ربع العبادات ـشرع كتاب أسرار الصلاة لا يقطعُ الصلاةَ، ولكنَّهُ منهيٌّ عنهُ، قَالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لأنْ يقفَ أربعينَ سنةً خيرٌ لهُ مِنْ أَنْ يمُرَّ بينَ يدي المصلِّي))(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((لأنْ يكونَ الرجلُ رماداً رِمْدِداً تذروهُ الرياحُ خيرٌّ لهُ مِنْ أَنْ يمرَّ بينَ يدي المصلِّي)»(٢). وسؤَّىُ في حديثٍ آخرَ بينَ المارِّ والمصلِّي حيثُ صلَّى على الطريقِ ، أوْ قصَّرَ في الدفع ، فقالَ: « لوْ يعلمُ المارُّ بينَ يدَي المصلِّي والمصلِّي ما عليهما في ذلكَ .. لكانَ أنْ يقفَ أربعينَ خيراً لهُ مِنْ أنْ يمُرَّ بينَ یدیهِ ))(٣) . والأُسطوانةُ والحائطُ والمصلَّى المفروشُ حدُّ المصلِّي ، فمنِ اجتازَ بهِ .. فينبغي أنْ يدفعَهُ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ليدفعْهُ، فإنْ أبى .. فليدفعْهُ، فإنْ أبى .. فليقاتلْهُ؛ فإنَّهُ شيطانٌ)) (٤). وكانَ أبو سعيد الخدريُّ رضيَ اللهُ عنهُ يدفعُ مَنْ يمُّ بینَ یدیهِ حتَّى (١) رواه البخاري (٥١٠)، ومسلم (٥٠٧) وليس فيه: (( سنة))، بل قال أبو النضر أحد الرواة : ( لا أدري : أقال أربعين يوماً أو شهراً أو سنةً ) . (٢) رواه أبو نعيم في (( تاريخ أصبهان)) (٤١٧/١)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) (١٤٩/٢١) وفيه: ((رماداً يذرى))، والرِّمْدِد: الرماد، أو صغار الفحم، وهو تأكيد للفظ الأول ، وفي معناه : الرِّمْدِيد . (٣) رواه أبو العباس السراج في ((مسنده)) (٣٩١). (٤) رواه البخاري (٥٠٩، ٣٢٧٥)، ومسلم (٥٠٥ ) . ٦٧٧ كتاب أسرار الصلاة ربع العبادات يصرعَهُ ، فربَّما تعلَّقَ بهِ الرجلُ ، فاستعدىُ عليْهِ عندَ مروانَ ، فيخبرُهُ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أمرَهُ بذلكَ (١). فإنْ لمْ يجدْ أُسطوانةً . . فلينصبْ بينَ يديهِ شيئاً طولُهُ قدْرُ الذراع ؛ ليكونَ ذلكَ علامةً لحدِّهِ . السابعةُ : أنْ يطلبَ الصفَّ الأوَّلَ ، فإِنَّ فضلَهُ كثيرٌ كما رويناهُ في الخبرِ: (( مَنْ غسَّلَ واغتسلَ، وبِكَّرَ وابتكرَ ، ودنا مِنَ الإمام واستمعَ .. كانَ لهُ ذلكَ كفارةً لما بينَ الجمعتينِ وزيادةَ ثلاثةِ أيامٍ))(٢)، وفي لفظٍ آخرَ : ((غفرَ اللهُ لهُ إلى الجمعةِ الأخرى)»(٣)، وقدِ اشترطَ في بعضِها: ((ولمْ يتخطَّ رقابَ الناسِ))(٤) . ولا يغفُلُ في طلبِ الصفِّ الأوَّلِ عنْ ثلاثةِ أمورٍ : أوَّلُها : أنَّهُ إنْ كانَ يرى بقرْبِ الخطيبِ منكراً يعجِزُ عنْ تغييرِهِ ؛ مِنْ لِبْسٍ حريرٍ مِنَ الإِمامِ أوْ غيرِهِ ، أوْ صلَّى في سلاحِ كثيرٍ ثقيلٍ شاغلٍ ، أَوْ سلاحٍ (١) رواه البخاري ( ٥٠٩)، ومسلم (٥٠٥). (٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٢٨١/١). (٣) رواه الخطيب في (( تاريخ بغداد)) ( ١٩٨/٦). (٤) رواه أبو داوود (٣٤٧)، والحاكم في (( المستدرك)) (٢٨٣/١) بنحوه، والروايات وسياقها في (( القوت)) (٦٥/١) . ٦٧٨ ربع العبادات كتاب أسرار الصلاة مُذهَّبٍ ، أَوْ غيرِ ذلكَ ممَّا يجبُ عليهِ الإِنكارُ .. فالتأخّرُ لهُ أسلمُ وأجمعُ للهمّ ، فعلَ ذلكَ جماعةٌ مِنَ العلماءِ طلباً للسلامةِ . قيلَ لبشرِ بنِ الحارثِ : نراكَ تبكِّرُ وتصلِّي في آخرِ الصفوفِ ! فقالَ : ( إنَّما يُرادُ قربُ القلوبِ لا قربُ الأجسادِ)(١)، وأشارَ بهِ إلى أَنَّ ذلكَ أسلمُ لقلبهِ . ونظرَ سفيانُ الثوريُّ إلى شعيبٍ بنِ حربٍ عندَ المنبرِ يستمعُ إلى الخطبةِ مِنْ أبي جعفر المنصورِ ، فلمَّا فرغَ مِنَ الصَّلاةِ .. قالَ : شغلَ قلبي قربُكَ مِنْ هذا ، هلْ أمنتَ أنْ تسمعَ كلاماً يجبُ عليكَ إنكارُهُ فلا تقومُ بهِ ؟! ثم ذكرَ ما أحدثوا مِنْ لبسِ السوادِ ، فقالَ : يا أبا عبدِ اللهِ؛ أليسَ في الخبرِ: « أُدْنُ فاستمِعْ))؟!(٢) فقالَ: ويحكَ! ذاكَ للخلفاءِ الراشدين المهديينَ، فأمَّا هؤلاءِ .. فكلما بعدتَ عنْهُمْ ولمْ تنظرْ إليهمْ .. كانَ أقربَ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ (٣). وقالَ سعيدُ بنُ عامٍ : صلَّيتُ إلى جنْبٍ أبي الدرداءِ ، فجعلَ يتأخّرُ في الصفوفِ حتَّى كنَّا في آخرِ صفٍّ، فلمَّا صلَّينا .. قلتُ لهُ: أليسَ يقالُ: (١) بنحوه رواه الخطيب في (( تاريخ بغداد)) ( ٢٨٤/٧) ، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق )" (٢٠٢/١٠)، وهو كذا في ((القوت)) (٦٩/١)، ولا التفات لما اعترض على هذا الخبر كابن الجوزي رحمه الله تعالى ؛ إذ غفل عن شرط المصنف هنا وقيده الذي ذكره . (٢) رواه أبو داوود (١١٠٨ ). (٣) قوت القلوب (٦٩/١). ٦٧٩ كتاب أسرار الصلاة ربع العبادات OS. « خيرُ الصفوفِ أوَّلُها))؟!(١) قالَ: نعمْ، إلاَّ أنَّ هذهِ أمةٌ مرحومةٌ منظورٌ إليها مِنْ بينِ الأممِ ، فإنَّ اللهَ تعالى إذا نظرَ إلى عبدٍ في الصلاةِ غفرَ لَهُ ولمَنْ وراءَهُ مِنَ الناس، فإنَّما تأخّرْتُ رجاءَ أنْ يغفرَ لي بواحدٍ منهم ينظرُ اللهُ إليهِ (٢). وروى بعضُ الرواةِ أنَّهُ قالَ : سمعتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ ذلكَ (٣). فمَنْ تأخّرَ على هذهِ النيّةِ إيثاراً وإظهاراً لحسْنِ الخُلُقِ .. فلا بأسَ ، وعندَ هذا يقالُ: ((الأعمالُ بالنيَّاتِ)) (٤). وثانيها : أنَّهُ إنْ لمْ تكنْ مقصورةٌ عندَ الخطيبِ مقتطعَةٌ عَنِ المسجدِ للسلاطين .. فالصفتُّ الأوَّلُ محبوبٌ، وإلا .. فقدْ كرةَ بعضُ العلماءِ دخولَ المقصورة . كانَ الحسنُ وبكرٌ المزنيُّ لا يصلِّيَانِ في المقصورةِ ، ورَأَيًا أنَّها قصرتْ على السلطانِ . وهيَ بدعةٌ أحدثَتْ بعدَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في المساجدِ ، 3 (١) رواه مسلم (٤٤٠). (٢) قوت القلوب (٦٩/١). (٣) أي: أبو الدرداء رضي الله عنه، والخبر في ((قوت القلوب)) (٦٩/١). (٤) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٣٨٨). ٦٨٠