Indexed OCR Text
Pages 621-640
ربع العبادات كتاب أسرار الصلاة والمتحصِّنُ بهِ مَن لا معبودَ لهُ سوى اللهِ سبحانَهُ ، فأمَّا مَنِ اتخذَ إلهَهُ هواهُ .. فهوَ في ميدانِ الشيطانِ ، لا في حصنِ اللهِ عزَّ وجلَّ . واعلمْ : أَنَّ مِنْ مكايدِهِ أنْ يشغلَكَ في الصلاةِ بذكرِ الآخرةِ وتدبيرِ فعلٍ الخيراتِ ؛ ليمنعَكَ عنْ فهم ما تقرأُ، فاعلمْ: أَنَّ كلَّ ما يشغلُكَ عنْ فَهْمِ معاني قراءتِكَ فهوَ وسواسٌ ، فإنَّ حركةَ اللسانِ غيرُ مقصودةٍ ، بلِ المقصودُ معانيها . فأمَّا القراءةُ: فالناسُ فيها ثلاثةٌ: رجلٌ يتحرَّكُ لسانُهُ وقلبُهُ غافلٌ ، ورجلٌ يتحرَّكُ لسانُهُ وقلبُهُ يتبعُ اللسانَ فيسمعُ ويفهمُ منهُ كأَنَّهُ يسمعُهُ منْ غيرِهِ ، وهذهِ درجاتُ أصحاب اليمينِ ، ورجلٌ يسبقُ قلبُهُ إلى المعاني أوَّلاً ثُمَّ يخدمُ اللسانُ القلبَ فيترجمُهُ ، ففرقٌ بينَ أنْ يكونَ اللسانُ ترجمانَ القلبِ أوْ يكونَ معلِّمَ القلبِ ، والمقرَّبونَ لسانُهُمْ ترجمانٌ يتبعُ القلبَ ولا يتبعُهُ القلبُ . جن وتفصيلُ ترجمةِ المعاني : أَنَّكَ إذا قلتَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ .. فانوٍ بهِ (١) التبُّكَ لابتداءِ القراءةِ لكلام اللهِ سبحانَهُ، وافهمْ أَنَّ معناهُ : أَنَّ الأمورَ كلَّها باللهِ تعالىُ، وأَنَّ المرادَ بالاسمِ ههنا هوَ المسمَّى(٢). (١) أي : بقولك هذا. (٢) فالتبرك في الحقيقة به تعالى، وإن ذكر الاسم حجاب حجب به قلوب عباده ، ولذا قال: ﴿سَيِّجِ أَسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى﴾. ((إتحاف)) (١٤٩/٣). ٦٢١ حن كتاب أسرار الصلاة ربع العبادات وإذا كانتِ الأمورُ باللهِ سبحانَهُ .. فلا جرمَ كانَ الحمدُ للهِ، ومعناهُ : أَنَّ الشكرَ للهِ ؛ إذِ النعمُ مِنَ اللهِ، ومَنْ يرى مِنْ غيرِ اللهِ نعمةً أوْ يقصدُ غيرَ اللهِ سبحانَهُ بشكرٍ لا مِنْ حيثُ إنَّهُ مسخّرٌ مِنَ اللهِ تعالى وتباركَ اسمُهُ .. ففي تسميتِهِ وتحميدِهِ نقصانٌ بقدْرِ التفاتهِ إلى غيرِ الله تعالى . فإذا قلتَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ .. فأحضرْ في قلبكَ جميعَ أنواع لطفِهِ ؛ لتتضحَ لكَ رحمتُهُ ، فينبعثَ بذلكَ رجاؤُكَ . ثُمَّ استثرْ مِنْ قلبِكَ التعظيمَ والخوفَ بقولِكَ: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، أمَّا العظمةُ : فلأنَّهُ لا مُلكَ إلا لهُ، وأمَّا الخوفُ : فلهولِ يومِ الجزاءِ والحسابِ الذي هوَ مالكُهُ . ثمَّ جدِّدِ الإخلاصَ بقولِكَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وجدِّدِ العجْزَ والاحتياجَ والتبرِّيَ عنِ الحولِ والقوَّةِ بقولِكَ: ﴿وَإِنَّاكَ نَسْتَعِيٌ﴾، وتحقَّقْ أَنَّهُ ما تيسرتْ طاعتُكَ إلا بإعانتِهِ ، وأَنَّ لهُ المنَّةَ إذْ وفقَكَ لطاعتهِ ، واستخدمَكَ لعبادتِهِ ، وجعلَكَ أهلاً لمناجاتِهِ ، ولوْ حرمَكَ التوفيقَ .. لكنتَ مِنَ المطرودينَ مِعَ الشيطانِ اللعينِ . ثُمَّ إذا فرغتَ مِنَ التعوُّذِ، ومِنْ قولِكَ: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ومِنَ التحميدِ ، ومِنْ إظهارِ الحاجةِ إلى الإعانةِ مطلقاً .. فعيِّنْ سؤالَكَ، ولا تطلبْ إلا أهمَّ حاجاتِكَ، وقلْ: ﴿أَهْدِنَا الْصِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ الذي يسوقُنا إلى جوارِكَ ، ويفضي بنا إلى مرضاتِكَ، وزدْهُ شرحاً وتفصيلاً ٦٢٢ أ 1 ربع العبادات كتاب أسرار الصلاة وتأكيداً واستشهاداً بالذينَ أفاضَ عليهِمْ نعمةَ الهدايةِ مِنَ النبيِّينَ والصدِّيقينَ والشهداء والصالحينَ ، دونَ الذينَ غضبَ عليهِمْ مِنَ الكفَّارِ والزائغينَ مِنَ اليهودِ والنصارى والصابئينَ ، ثمَّ التمسِ الإجابةَ وقُلْ: ( آمينَ ). فإذا تلوتَ الفاتحةَ كذلكَ .. فيشبهُ أنْ تكونَ منَ الذينَ قالَ اللهُ تعالی فیهِمْ فيما أخبرَ عنهُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( قسمتُ الصلاةَ بيني وبينَ عبدي نصفينِ : نصْفُها لي ونصفُها لعبدي ولعبدي ما سألَ ؛ يقولُ العبدُ : ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: حمدني عبدِي وأثنى عليَّ ... ))، وهوَ معنى قولهِ: (سمعَ اللهُ لمَنْ حمدَهْ) الحديث إلى آخرِهِ (١). فلوْ لمْ يكنْ لكَ مِنْ صلاتِكَ حظّ سوىُ ذكرِ اللهِ لكَ في جلالِهِ وعظمتِهِ .. فناهيكَ بذلكَ غنيمةً ، فكيفَ بما ترجوهُ مِنْ ثوابِهِ وفضلِهِ ؟! وكذلكَ ينبغي أنْ تفهمَ ما تقرؤُهُ مِنَ السورِ كما سيأتي في كتابٍ تلاوةٍ (١) روى مسلم (٣٩٥) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ .. قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿اَلْزَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ .. قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ .. قال: مجدني عبدي ، وقال مرة : فوَّض إليَّ عبدي ، فإذا قال : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِنَّاكَ نَسْتَعِينٌ﴾ .. قال : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿آهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيَمَ نْ صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾ .. قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل)). ٦٢٣ كتاب أسرار الصلاة ربع العبادات القرآنِ ، فلا تغفُلْ عنْ أمرِهِ ونهيهِ ، ووعدِهِ ووعيدِهِ ، ومواعظِهِ وأخبارِ أنبيائِهِ ، وذكرٍ منِهِ وإحسانِهِ ، فلكلِّ واحدٍ حقٌّ ، فالرجاءُ حقُّ الوعدِ ، والخوفُ حقُّ الوعيدِ ، والعزمُ حقُّ الأمرِ والنهي ، والاتعاظُ حقُّ الموعظةِ ، والشكرُ حقُّ ذكرٍ المنَّةِ ، والاعتبارُ حقُّ أخبارِ الأنبياءِ . وَرُوِيَ أَنَّ زرارةَ بنَ أوفى لما انتهى إلى قولِهِ تعالى: ﴿فَإِذَا يُقِرَ فِىِ النَّقُورِ﴾ خرَّميتاً(١) . وكانَ إبراهيمُ النخعيُّ إذا سمعَ قولَهُ تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتُ ﴾ .. اضطربَ حتَّى تضطربَ أو صالُهُ (٢) . وقالَ عبدُ اللهِ بنُ واقدٍ : رأيتُ ابنَ عمرَ يصلِّي مغلوباً، وحقَّ لهُ أن يحترقَ قلبُهُ بوعدٍ سيِّدِهِ ووعيدِهِ ؛ فإنَّهُ عبدٌ ذليلٌ مذنبٌ بينَ يدي جبَّارٍ قاهرٍ . وتكونُ هذهِ المعاني بحسَبٍ درجاتِ الفهمِ ، ويكونُ الفهمُ بحسَبٍ وفورِ العلمِ وصفاءِ القلبِ ، ودرجاتُ ذلكَ لا تنحصرُ ، والصلاةُ مفتاحُ القلوبِ ، فيها تنكشفُ أسرارُ الكلماتِ . ـحن حن فهذا حقُّ القراءةِ ، وهوَ حقُّ الأَذكارِ والتسبيحاتِ أيضاً . ثم يراعي الهيئةَ في القراءةِ ؛ فيرتِّلُ ولا يسردُ ؛ فإنَّ ذلكَ أيسرُ للتأمُّلِ ، (١) رواه الترمذي في ((سننه)) في ذيل حديث (٤٤٥) عن بهز بن حكيم قال : ( كان زرارة بن أوفى قاضي البصرة ، وكان يؤم في بني قشير ، فقرأ يوماً في صلاة الصبح : ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِ النَّاقُورِ (يْ فَذَلِكَ يَوْمَيِذٍ يَوْمَّ عَبِيرٌ﴾ خزَّ ميتاً، فكنت فيمن احتمله إلى داره ) . ثن (٢) في (هـ) : ( إبراهيم بن أدهم ) . ٦٢٤ ربع العبادات كتاب أسرار الصلاة ويفرِّقُ بينَ نغماتِهِ في آيةِ الرحمةِ والعذابِ ، والوعدِ والوعيدِ ، والتحميدِ والتعظيمِ والتمجيدِ . كانَ النخعيُّ إذا مرَّ بمثل قولِهِ تعالى: ﴿ مَا أَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلٍَ﴾ .. يغضُ صوتَهُ كالمستحيي عَنْ أنْ يذكرَهُ بذلكَ الشيءِ . ورُوِيَ أَنَّهُ يقالُ لقارىءِ القرآنِ: اقرَأْ وَارْقَ، وَرَتِّلْ كما كنتَ ترتِّلُ في الدنيا(١). وأمَّا دوامُ القيام : فإِنَّهُ تنبيهٌ على إقامةِ القلبِ معَ اللهِ عزَّ وجلَّ علىُ نعتٍ واحدٍ مِنَ الحضورِ ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ مقبلٌ على المُصلِّي ما لمْ يلتقتْ))(٢). وكما تجبُ حراسةُ الرأسِ والعينِ عنِ الالتفاتِ إلى الجهاتِ .. فكذلكَ تجبُّ حراسةُ السرِّ عنِ الالتفاتِ إلى غيرِ الصلاةِ ، فإذا التفتَ إلى غيرِهِ .. فذكِّرْهُ باطلاعِ اللهِ عليكَ ، ويقبح التهاونِ بالمناجىُ عندَ غفلةِ المناجي ؛ ليعود إلیهِ . وألزم الخشوعَ للقلبِ ، فإنَّ الخلاصَ عنِ الالتفاتِ باطناً وظاهراً ثمرةُ (١) رواه أبو داوود (١٤٦٤)، والترمذي (٢٩١٤)، والنسائي في ((الكبرى)) ( ٨٠٠٢ ) . (٢) رواه أبو داوود (٩٠٩)، والترمذي (٢٨٦٣)، والنسائي (٨/٣). ٦٢٥ حص خ كتاب أسرار الصلاة ربع العبادات الخشوع ، ومهما خشعَ الباطنُ .. خشعَ الظاهرُ ؛ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقدْ رأى رجلاً مصلِياً يعبثُ بلحيتِهِ: ((أما هذا لوْ خشعَ قلبُهُ .. لخشعتْ جوارحُهُ)) (١) ، فإنَّ الرعيةَ بحكمِ الراعي ؛ ولهذا وردَ في الدعاءِ : ( اللهمَّ؛ أصلح الراعيَ والرعيةَ)(٢) ، وهوَ القلبُ والجوارحُ. وكانَ الصِّديقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في صلاتِهِ كأَنَّهُ وَتِدٌ ، وابنُ الزبيرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَأَنَّهُ عودٌ (٣) ، وبعضُهُمْ كانَ يسكنُ في ركوعِهِ بحيثُ تقعُ العصافيرُ علیهِ كأَنَّهُ جمادٌ (٤) . وكلُّ ذلكَ يقتضيهِ الطبعُ بينَ يدي مَنْ يعظّمُ مِنْ أَبناءِ الدنيا ، فكيفَ لا يتقاضاهُ بينَ يدي ملكِ الملوكِ عندَ مَنْ يعرفُ ملكَ الملوكِ ؟! وكلُّ مَنْ يطمئنُّ بينَ يدي غيرِ اللهِ عزَّ وجلَّ خاشعاً ، وتضطربُ أطرافُهُ بينَ يدي اللهِ .. فذلكَ لقصورِ معرفتهِ عنْ جلالِ اللهِ تعالى ، وعنِ اطلاعِهِ على سرِّهِ وضميرِهِ . (١) هو عند الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) (ص٣١٧) مرفوعاً، ورواه المروزي في ((تعظيم قدر الصلاة)) (٨٩) موقوفاً على حذيفة ، ومن قول سعيد بن المسيب. (٢) هو قطعة من دعاء كان يدعو به الجنيد البغدادي رحمه الله تعالى كما في (( الحلية)) (٢٨٦/١٠)، وفي المرفوع: ((ألا وإن في الجسد مضغة؛ إذا صلحت .. صلح الجسد كله، وإذا فسدت .. فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب)) . ٢ (٣) كما رواه ابن أبي شيبة في (( المصنف)) (٧٣٢٢)، والمروزي في « تعظيم قدر الصلاة)) ( ص ٨٧ ). (٤) وهو العنبس بن عقبة، كما روى ذلك أحمد في ((الزهد)) (٢٠٨٦)، ومثله الربيع بن خثيم كما في ((الحلية)) (٢ / ١١٤ ). ٦٢٦ ربع العبادات كتاب أسرار الصلاة وَتَقَلُكَ فِى وقالَ عكرمةُ في قولِهِ تعالى: ﴿ الَّذِى يَرَكَ حِيْنَ تَقُومُ السَّجِدِينَ﴾، قالَ: (قيامُهُ وركوعُهُ وسجودُهُ وجلوسُهُ)(١). وأمَّا الركوعُ والسجودُ : فينبغي أنْ تجدِّدَ عندَهُما ذكرَ کبریاءِ اللهِ تعالى ، وترفعَ يديكَ مستجيراً بعفوِ اللهِ مِنْ عقابِهِ ، ومتبعاً سنَّةَ نبيِّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، ثمَّ تستأنفُ لهُ ذلاً وتواضعاً بركوعِكَ، وتجتهدُ في ترقيقِ قلبِكَ وتجديدٍ خشوعِكَ ، وتستشعرُ ذُلَّكَ وعزَّ مولاكَ ، واتضاعَكَ وعلوَّ ربِّكَ ، وتستعينُ على تقريرِ ذلكَ في قلبِكَ بلسانِكَ ، فتسبِّحُ ربَّكَ وتشهدُ لهُ بالعظمةِ، وأَنَّهُ أعظمُ مِنْ كلِّ عظيمٍ ، وتكرِّرُ ذلكَ على قلبكَ؛ لتؤكِّدَهُ بالتكرارِ ، ثمَّ ترتفعُ عنْ ركوعِكَ راجياً أَنَّهُ راحمٌ ذُلَّكَ(٢)، ومؤكداً للرجاءِ في نفسِكَ بقولِكَ : ( سمعَ اللهُ لمنْ حمدَهُ ) أي : أجابَ لمَنْ شكرَهُ . ثمَّ تردفُ ذلكَ بالشكرِ المتقاضي للمزيدِ فتقولُ : (ربَّنا لكَ الحمدُ ) ، وتكثِّرُ الحمدَ بقولِكَ : ( ملْءَ السماواتِ وملءَ الأرضِ ) . ثمَّ تهوي إلى السجودِ ، وهوَ أعلى درجاتِ الاستكانةِ ، فتمكِّنُ أعزَّ أعضائِكَ وهوَ الوجهُ مِنْ أذلِّ الأشياءِ وهوَ الترابُ ، وإنْ أمكنَكَ ألا تجعلَ (١) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره)) (١٦٠٣٢). (٢) أشار بذلك : أن الركوع حالة الخضوع والذل، والرفع منه حالة العز، فلما أمر بالرفع على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: (( ثم ارفع حتى تستوي قائماً)) : أراد أن يرحم ذله. ((إتحاف)) ( ١٥٥/٣). ٦٢٧ كتاب أسرار الصلاة ربع العبادات 1 بينَهُما حائلاً فتسجدَ على الأرضِ .. فافعلْ ؛ فإنَّهُ أجلبُ للخضوع ، وأدلُ على الذلِّ . eG وإذا وضعتَ نفسَكَ موضعَ الذلِّ . . فاعلمْ: أَنَّكَ وضعتَها موضعَها ، ورددتَ الفرعَ إلى أصلِهِ ؛ فإنَّكَ مِنَ الترابِ خلقْتَ ، وإليهِ تعودُ ، فعندَ هذا جدِّدْ على قلبكَ عظمةَ اللهِ وقلْ: ( سبحانَ ربِّيَ الأعلى)، وأُكِّدْهُ بالتكرارِ ، فإِنَّ الكرّةَ الواحدةَ ضعيفةُ الآثارِ ، فإذا رقَّ قلبُكَ وظهرَ ذلكَ .. فلتُصَدِّقْ رجاءَكَ في رحمةِ رَبِّكَ، فإنَّ رحمتَهُ تتسارعُ إلى الضعفِ والذلِّ ، لا إلى التكثُرِ والبطرِ . فارفعْ رأسَكَ مكبِّراً وسائلاً حاجتكَ وقائلاً : ( ربِّ اغفرْ وارحمْ وتجاوزْ عمَّا تعلمُ)(١) ، أَوْ ما أردتَ مِنَ الدعاءِ(٢)، ثمَّ أكدِ التواضعَ بالتكرارِ، فعُد إلى السجودِ ثانياً كذلكَ . وأمَّا التشهدُ: فإذا جلستَ لهُ .. فاجلسْ متأدِّباً، وصرِّحْ بأَنَّ جميعَ ما تدلي بهِ مِنَ الصلواتِ والطيباتِ - أيٍ : الأخلاقِ الطاهرةِ - للهِ ، وكذلكَ الملكُ اللهِ، وهوَ معنى ( التحياتُ)(٣)، وأحضرْ في قلبكَ النبيَّ صلَّى اللهُ (١) قوت القلوب (٩٥/٢) . (٢) كقوله : ( رب ؛ اغفر لي وارحمني واهدني واجبرني وعافني واعف عني ) . (٣) أما التحيات .. فجمع تحية ، وهي السلام ، أو البقاء ، أو الملك ، أو العظمة ؛ أي : أنواع ذلك كله له، والمصنف اقتصر على معنى واحد. ((إتحاف)) (١٥٨/٣). ٦٢٨ ربع العبادات كتاب أسرار الصلاة عليهِ وسلَّمَ وشخصَهُ الكريمَ ، وقلْ : ( السلامُ عليكَ أيُّها النبيُّ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ ) ، وليصدقْ أملُكَ في أنَّهُ يبلُغُهُ ويردُّ عليكَ ما هوَ أوفى منهُ . ثم سلِّمْ على نفسِكَ وعلى جميع عبادِ اللهِ الصالحينَ ، وتأَمَّلْ أنْ يردَّ اللهُ سبحانَهُ عليكَ سلاماً وافياً بعددٍ عبادِهِ الصالحينَ . ثُمَّ تشهَّدْ للهِ بالوحدانيةِ ، ولمحمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بالرسالةِ ، مجدداً عهدَ اللهِ سبحانَهُ بإعادةٍ كلمتي الشهادةِ ، ومستأنفاً للتحصُّنِ بها . ثُمَّ ادعُ في آخِرِ صلاتِكَ بالدعاءِ المأثورِ معَ التواضعِ والخشوعِ ، والضراعةِ والابتهالِ ، وصدقِ الرجاءِ بالإجابةِ ، وأشركْ في دعائِكَ أبويكَ وسائرَ المؤمنينَ . واقصدْ عندَ التسليمِ السلامَ على الملائكةِ والحاضرينَ ، وانوٍ ختمَ الصلاةِ بهِ ، واستشعرْ شكرَ اللهِ سبحانَهُ على توفيقِهِ إِيَّاكَ لإتمامِ هذهِ الطاعةِ ، وتوهَّمْ أنَّكَ مودِّعٌ لصلاتِكَ هذهِ ، وأنَّكَ ربَّما لا تعيشُ لمثلِها ، وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ للذي أوصاهُ: ((صلِّ صلاةَ مُودِّعِ))(١). ثُمَّ أشعرْ قلبَكَ الوجلَ والحياءَ مِنَ التقصيرِ في الصلاةِ ، وخفْ ألا تقبلَ صلاتُكَ ، وأنْ تكونَ ممقوتاً بذنبٍ ظاهرٍ أوْ باطنٍ ، فتردَّ صلاتُكَ في وجهِكَ ، وترجو مع ذلكَ أنْ يقبلها بفضلِهِ وکرمِهِ . كانَ يحيى بنُ وثَّبٍ إذا صلَّى .. مكثَ ما شاءَ اللهُ تُعرفُ عليهِ كَآبَةُ (١) رواه ابن ماجه ( ٤١٧١ ) . فء. ٦٢٩ كتاب أسرار الصلاة ربع العبادات الصلاةِ(١) ، وكانَ إبراهيمُ يمكثُ بعدَ الصلاةِ ساعةً كأنَّهُ مريضٌ (٢). فههذا تفصيلُ صلاةِ الخاشعينَ الذينَ همْ على صلاتِهِمْ يحافظونَ ، والذينَ هُمْ على صلاتِهِمْ دائمونَ ، والذينَ هُم يناجونَ اللهَ علىَ قَدْرِ استطاعتِهِمْ في العبوديةِ . فليعرضِ الإنسانُ نفسَهُ على هذهِ الصلاةِ ، فبالقدْرِ الذي يتيسَّرُ لهُ منهُ ينبغي أنْ يفرحَ ، وعلى ما يفوتُهُ ينبغي أنْ يتحسَّرَ ، وفي مداواةِ ذلكَ ينبغي أنْ يجتهد . وأمَّا صلاةُ الغافلينَ : فإنَّها مخطَرَةٌ، إلا أنْ يتغمّدَ اللهُ برحمتِهِ ، والرحمةُ واسعةٌ ، والكرمُ فائضٌ . فنسألُ اللهَ أن يغمرَنا برحمتِهِ ، ويتعمَّدَنا بمغفرتِهِ ؛ إذْ لا وسيلةَ لنا إلا الاعترافُ بالعجزِ عنِ القيامِ بطاعتِهِ . واعلمْ : أَنَّ تخليصَ الصلاةِ عنِ الآفاتِ ، وإخلاصَها لوجهِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وأداءَها بالشروطِ الباطنةِ التي ذكرناها ؛ منَ الخشوع والتعظيمِ والحياءِ .. سببٌ لحصولِ أنوارٍ في القلبِ تكونُ تلكَ الأنوارُ مفاتيحَ علومِ المكاشفةِ ، فأولياءُ اللهِ المكاشَفُونَ بملكوتِ السماواتِ والأرضِ وأسرارِ (١) رواه ابن أبى شيبة في ((المصنف)) (٣٦٥١٩). (٢) رواه ابن سعد في ((طبقاته)) (٣٩٦/٨)، وإبراهيم هو النخعي. ٦٣٠ ربع العبادات كتاب أسرار الصلاة منســـ الربوبيةِ إنما يكاشفونَ بها في الصلاةِ ، لا سيما في السجودِ ، إذْ يتقربُ العبدُ مِنْ ربِّهِ عزَّ وجلَّ بالسجودِ ، ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿ وَأُسْجُدْ وَأَقْتَّبِ﴾. وإنَّما تكونُ مكاشفةُ كلِّ مصلِّ على قدْرِ صفائِهِ عنْ كدوراتِ الدنيا ، ويختلفُ ذلكَ بالقوَّةِ والضعفِ ، والقلَّةِ والكثرةِ ، وبالجلاءِ والخفاءِ ، حتَّى ينكشفُ لبعضِهِمُ الشيءُ بعينِهِ ، وينكشفُ لبعضِهِمُ الشيءُ بمثالٍ، كما كُشِفَ لبعضِهِمُ الدنيا في صورةٍ جيفةٍ ، والشيطانُ في صورةِ كلْبٍ جاثمٍ عليها يدعو إليها . عبـ ويختلفُ أيضاً بما فيهِ المكاشفةُ، فبعضُهُمْ ينكشفُ لهُ مِنْ صفاتِ اللهِ تعالى وجلالِهِ ، ولبعضِهِمْ مِنْ أفعالِهِ ، ولبعضِهِمْ مِنْ دقائقِ علوم المعاملةِ ، ويكونُ لتعيّنِ تلكَ المعاني في كلِّ وقتٍ أسبابٌ خفيَّةٌ لا تحصى ، وأشدُّها مناسبةً الهمَّةُ ؛ فإنَّها إذا كانتْ مصروفةً إلى شيءٍ معيَّنِ .. كانَ ذلكَ أولى بالانكشافِ . ولمَّا كانتْ هذهِ الأمورُ لا تتراءى إلا في المرائي الصقيلةِ(١)، وكانتْ المرائي كلُّها صدئةً ، فاحتجبتْ عنها الهدايةُ ، لا لبخلٍ مِنْ جهةِ المنعمِ بالهدايةِ ، بلْ لخبثٍ متراكمٍ على مصبِّ الهدايةِ .. تسارعتِ الألسنةُ إلى إنكارٍ مثلِ ذلكَ؛ إذِ الطبعُ مجبولٌ على إنكارٍ غيرِ الحاضرِ ، ولوْ كانَ للجنينِ عقلٌ .. لأنكرَ إمكانَ وجودِ إنسانٍ في متسع الهواءِ . - : (١) المرآة الصقيلة : المجلوة الصافية . ٦٣١ قات كتاب أسرار الصلاة ربع العبادات ولوْ كانَ للطفلِ تمييزٌ ما .. ربَّما أنكرَ ما يزعمُ العقلاءُ إدراكَهُ مِنْ ملكوتِ السماواتِ والأرضِ . وهكذا الإنسانُ في كلِّ طورٍ يكادُ ينكرُ ما بعدَهُ، ومَنْ أنكرَ طورَ الولايةِ .. لزمَهُ أنْ ينكرَ طورَ النبؤَّةِ ، وقدْ خِلِقَ الخلقُ أطواراً ، فلا ينبغي أنْ ینکرَ کُّ واحدٍ ما وراءَ درجتِهِ . نعمْ، لمَّا طلبوا هذا مِنَ المجادلةِ والمباحثةِ المشوِّشَةِ ، ولمْ يطلبوها مِنْ تصفيةِ القلبِ عمَّا سوى اللهِ عزَّ وجلَّ .. فَقَدوهُ فأنكروهُ . ومنْ لمْ يكنْ مِنْ أهلِ المكاشفةِ .. فلا أقلَّ مِنْ أنْ يؤمنَ بالغيبِ ويصدقَ بهِ إلىْ أنْ يشاهدَ بالتجربةِ ؛ ففي الخبرِ : ( إنَّ العبدَ إذا قامَ في الصلاةِ .. رفعَ اللهُ الحجابَ بينَهُ وبَيْنَ عبدِهِ ، وواجهَهُ بوجهِهِ ، وقامتِ الملائكةُ مِنْ لَدُنْ مَنْكبيهِ إلى الهواءِ يصلُّونَ بصلاتِهِ ، ويؤمِّنونَ على دعائِهِ ، وإِنَّ المصلِّيَ لينثرُ عليهِ البِرُّ مِنْ عنانِ السماءِ(١) إلى مفرِقِ رأسِهِ ، ويناديهِ منادٍ : لو علمَ المناجي مَنْ يناجي .. ما التفتَ، وإنَّ أبوابَ السماءِ تفتحُ لِلمصلُّينَ ، وإنَّ الله تعالى يباهي ملائكتَهُ بصدْقِ المصلِّي)(٢)، ففتحُ أبوابِ السماءِ، ومواجهةُ اللهِ تعالى إِيَّاهُ بوجهِهِ كنايةٌ عنِ الكشْفِ الذي ذكرناهُ . وفي التوراةِ مكتوبٌ : ( يا بنَ آدَمَ ؛ لا تعجَزْ أنْ تقومَ بينَ يديَّ مصلِّياً (١) عنان السماء: ما ظهر منها للناظر، وفي غالب النسخ: ( أعنان السماء ) أي : نواحيها. حن (٢) قوت القلوب (١٠٠/٢)، وفيه: (بصفوف) بدل ( بصدق ) . ٦٣٢ ربع العبادات كتاب أسرار الصلاة حر باكياً ، فأنا اللهُ الذي اقتربتُ مِنْ قلبكَ، وبالغيبِ رأيتَ نوري)(١)، قالَ: فكنَّا نرى أَنَّ تلكَ الرقةَ والبكاءَ والفتوحَ الذي يجدُهُ المصلِّي في قلبِهِ مِنْ دنوِّ الربِّ تعالى مِنَ القلبِ(٢)، وإذا لمْ يكنْ هذا الدنوُّ هوَ القرْبَ بالمكانِ(٣) .. فلا معنى لهُ إلا الدنؤُ بالهدايةِ والرحمةِ وكشفِ الحجابِ . ويقالُ : إنَّ العبدَ إذا صلَّى ركعتينِ عجبَ منهُ عشرةُ صفوفٍ مِنَ الملائكةِ ، كلُّ صفتٍّ منهُمْ عشرةُ آلافٍ ، وباهى اللهُ بهِ مئةَ ألفِ مَلَكِ ؛ وذلكَ أَنَّ العبدَ قدْ جمعَ في الصَّلاةِ بينَ القيامِ والقعودِ والركوع والسجودِ ، وقدْ فُرْقَ ذلكَ على أربعينَ ألفَ مَلَكِ ، فالقائمونَ لا يركعونَ إلى يوم القيامةِ ، والساجدونَ لا يرفعونَ إلى يوم القيامةِ ، وهكذا الراكعونَ والقاعدونَ ، فإنَّ ما رزقَ اللهُ تعالى الملائكةَ مِنَ القرْبِ والرتبةِ لازمٌ لهمْ مستمرٌّ على حالٍ واحدةٍ لا يزيدُ ولا ينقصُّ ، ولذلكَ أخيرَ اللهُ تعالى عنهم إذْ قالوا: ﴿وَمَا مِنَّآ إِلَّا لَهُ مَقَامُ مَّعْلُومٌ﴾، وفارقَ الإنسانُ الملائكةَ في الرقيِّ مِنْ درجةٍ إلى درجةٍ ، فإنَّهُ لا يزالُ يتقرَّبُ إلى اللهِ تعالى فيستفيدُ مزيدَ قربِهِ ، وبابُ المزيدِ مسدودٌ على الملائكةِ عليهِمُ السلامُ ، وليسَ لكلِّ واحدٍ منهُمْ إلا رتبتُهُ التي هيَ وقْفٌ عليهِ ، وعبادتُهُ التي هوَ مشغولٌ بها ، لا ينتقلُ إلى غيرِها ، ولا يفترُ عنها ، لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ﴿ يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ ٠ (١) قوت القلوب (١٠٠/٢). (٢) قوت القلوب (١٠٠/٢). (٣) لاستحالته عليه سبحانه؛ لأنه منزه عن كل ما يخص الأجسام. ((إتحاف)) (١٦٥/٣). ٦٣٣ ــدر ٥٠م كتاب أسرار الصلاة ربع العبادات ـحن ومفتاحُ مزيدِ الدرجاتِ هيَ الصلواتُ ، قال اللهُ تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ﴾، فمدحَهُمْ بعدَ الإيمانِ بصلاةٍ الْمُؤْمِنُونَ مخصوصةٍ ، وهيَ المقرونةُ بالخشوعِ ، ثمَّ ختمَ أوصافَ المفلحينَ بالصَّلاةِ أيضاً فقالَ تعالى في آخرِها: ﴿ وَاُلَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَائِهِمْ يُحَافِقُونَ﴾(١)، ثمّ قالَ ﴿ الَّذِينَ يَرِثُونَ تعالى في ثمرةِ تلكَ الصفاتِ: ﴿أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِثُونَ اُلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، فوصفَهُمْ بالفلاح أوَّلاً ، وبوراثةِ الفردوسِ آخراً . وما عندي أَنَّ هذرمةَ اللسانِ معَ غفلةِ القلبِ تنتهي درجتُهُ إلى هذا الحدِّ، ولذلكَ قالَ تعالى في أضدادِهِمْ: ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ حْ﴾ قَالُواْ لَمْنَكُ مِنَ الْمُصَلِينَ﴾، فالمصلُّونَ همْ ورثةُ الفردوسِ ، وهمُ المشاهدونَ لنورِ اللهِ تعالى والمتنعمونَ بقربِهِ ودنوِّهِ مِنْ قلوبِهِمْ . نسألُ اللهَ أنْ يجعلَنا منهم، وأنْ يعيذَنا مِنْ عقوبةِ مَنْ تزيَّنَتْ أقوالُهُ وقبحتْ أفعالُهُ ؛ إِنَّهُ الكريمُ المنَّانُ القديمُ الإحسانِ ، وصلَّى اللهُ على كلِّ عبدٍ مصطفى . (١) وهي قراءة حمزة وخلف والكسائي؛ ( صلاتهم) بدل (صلواتهم ). ٦٣٤ ربع العبادات كتاب أسرار الصلاة حر حكايات وأخبار في صلاة الخا شعين اعلمْ : أَنَّ الخشوعَ ثمرةُ الإيمانِ ، ونتيجةُ اليقينِ الحاصلِ بجلالِ اللهِ سبحانَهُ وتعالى ، ومَنْ رزقَ ذلكَ .. فإنَّهُ يكونُ خاشعاً في الصَّلاةِ وفي غيرِ الصَّلاةِ ، بلْ في خلوتِهِ ، وفي بيتِ الماءِ عندَ قضاء الحاجةِ (١) ؛ فإنَّ موجبَ الخشوعِ معرفةُ اطلاعِ اللهِ تعالى على العبدِ ، ومعرفةُ جلالِهِ ، ومعرفةُ تقصير العبدِ ، فِمِنْ هذهِ المعارفِ يتولَّدُ الخشوعُ ، وليستْ مختصَّةٌ بالصلاةِ . ولذلكَ رُوِيَ عنْ بعضِهِمْ أَنَّهُ لمْ يرفعْ رأسَهُ إلى السَّماءِ أربعينَ سنةً؛ حياءً مِنَ اللهِ سبحانَهُ وخشوعاً لَهُ (٢). وكانَ الربيعُ بنُ خُثَيْمٍ مِنْ شدَّةِ غضِّهِ لبصرِهِ وإطراقِهِ يظنُّ بعضُ الناسِ أَنَّهُ أعمى، وكانَ يختلفُ إلى منزلِ ابنِ مسعودٍ عشرينَ سنةً، فإذا رأتْهُ جارِيتُهُ قالتْ لابنِ مسعودٍ : صديقُكَ ذلكَ الأعمى قدْ جاءَ ، فكانَ يضحكُ ابنُ مسعودٍ مِنْ قولِها ، وكانَ إذا دقَّ البابَ تخرجُ الجاريةُ إليهِ فتراهُ مطرقاً غاضاً بصرَهُ. وكانَ ابنُ مسعودٍ إذا نظرَ إليهِ يقولُ: ﴿ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾، أَمَا واللهِ؛ لو رآكَ محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. لفرحَ بكَ)، وفي (١) وفي كل حال ثَمَّ أدبٌّ هو مظهر هذا الخشوع . (٢) روي ذلك عن جمع كثير، منهم سيدنا سليمان عليه السلام كما في ((الزهد)) ( ١٧٦ ) لابن المبارك من زيادات نعيم بن حماد ، ومنهم من بقي كذلك سبعين سنة ؛ كأبي عبيدة الخواص كما في ((صفة الصفوة)) ( ٤/ ١٩٥ ). ٦٣٥ كتاب أسرار الصلاة ربع العبادات لفظ: ( لأحبَّكَ)، وفي لفظٍ آخرَ: ( لضحكَ)(١). ومشى ذاتَ يومٍ معَ ابنِ مسعودٍ في الحدَّادينَ(٢)، فلما نظرَ إلى الأكوارِ تنفخُ وإلى النيرانِ تلتهبُ .. صعقَ وسقطَ مغشياً عليهِ ، وقعدَ ابنُّ مسعودٍ عندَ رأسِهِ إلى وقتِ الصلاةِ فلمْ يفقْ، فحملَهُ على ظهرِهِ إلى منزلِهِ ، فلمْ يزلْ مغشياً عليهِ إلى مثلِ الساعةِ التي صعقَ فيها ، ففاتتْهُ خمسُ صلواتٍ وابنُ مسعودٍ عندَ رأسِهِ يقولُ : هذا واللهِ هوَ الخوفُ(٣). وكانَ الربيعُ يقولُ : ( ما دخلتُ في صلاةٍ قطَّ فأهمَّني فيها إلا ما أقولُ وما يقالُ لي )(٤) . وكانَ عامرُ بنُ عبدِ اللهِ مِنْ خاشعي المصلِّينَ، وكانَ إذا صلَّى .. ربّما ضربتٍ ابنتُهُ بالدُّفِّ وتحدَّثَ النساءُ بما يردْنَ في البيتِ ، ولمْ يكنْ يسمعُ ذلكَ ولا يعقلُهُ . وقيلَ لهُ ذاتَ يوم : هلْ تحدّثُكَ نفسُكَ في الصلاةِ بشيءٍ ؟ قالَ : نعمْ ، (١) روى الخبر أحمد في ((الزهد)) (١٩٨٩)، والطبراني في ((الكبير)) (١٥١/١٠)، وأبو نعيم في «الحلية)) (١٠٦/٢)، وهو في ((القوت)) (١٠٢/٢). (٢) أي : في سوق الحدَّادين في الكوفة . (٣) وكان قد سمع من ابن مسعود رضي الله عنه قوله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَمَا تَغَيُّظًا وَزَفِيْرًا﴾، رواه أحمد في ((الزهد)) (١٩٤٥)، وأبو نعيم في (( الحلية)) (١١٠/٢)، يقول الأعمش كما في ((الزهد)) (١٩٨٢): ( فمررت بالحدادين لأتشبه به، فلم يكن عندي خير)، والخبر فى ((القوت)) (٢/ ١٠٢ ). (٤) قوت القلوب (١٠٢/٢)، وما يقوله: هو التلاوة والذكر، وما يقال له : المخاطبة والمناجاة والإجابة. انظر ((الإتحاف)) ( ١٦٧/٣ ). ٦٣٦ ربع العبادات كتاب أسرار الصلاة بوقوفي بينَ يديِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، ومنصرفي إلى إحدى الدارينِ ، قيلَ : فهلْ تجدُ شيئاً ممَّا نجدُ مِنْ أمورِ الدنيا ؟ فقالَ: لأنْ تختلفَ الأسنَّةُ فيَّ أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أجدَ في الصلاةِ ما تجدونَ(١) . وكانَ يقولُ: ( لو كشفَ الغطاءُ .. ما ازددتُ يقيناً)(١). وقدْ كانَ مسلمُ بنُ يسارٍ منهُمْ ، وقدْ نقلْنا أَنَّهُ لمْ يشعرْ بسقوطِ أسطوانةٍ في المسجدِ وهوَ في الصلاةِ (٢). X وتأكَّلَ طرفٍ مِنْ أطرافِ بعضِهِمْ، واحتيجَ فيهِ إلى القطع ، فلمْ يمكنْ منهُ ، فقيلَ : إنَّهُ في الصلاةِ لا يحسنُّ بما يجري عليهِ ، فقُطعَ منهُ ذلكَ الطرفُ وهوَ في الصلاةِ(٣). وقالَ بعضُهُمْ : ( الصلاةُ مِنَ الآخرةِ ، فإذا دخلتَ في الصلاةِ .. خرجتَ مِنَ الدنيا )(٤). وقيل لآخرَ : هلْ تحدِّثُ نفسَكَ في الصلاةِ بشيءٍ منَ الدنيا ؟ فقالَ : لا ؛ لا في الصلاةِ ولا في غيرِها(٥) . ٩٠٠ (١) قوت القلوب (١٠٢/٢). (٢) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٣٥/٥٨)، وهو في «القوت)) (١٠٢/٢). (٣) وهو عروة بن الزبير ، عمُّ عامرٍ الذي تقدم خبره ، والخبر رواه ابن أبي الدنيا في ((المرض والكفارات)) (١٤١)، وابن عساكر في (تاريخ دمشق)) (٢٦١/٤٠) دون تصريح أن القطع كان في الصلاة . (٤) قوت القلوب (١٠٢/٢ ) . (٥) عوارف المعارف (٥٤٧/٢)، وقد نسبه الحافظ الزبيدي إلى ((القوت)). ٦٣٧ كتاب أسرار الصلاة ربع العبادات وسئلَ بعضُهُمْ : هلْ تذكرُ في الصلاةِ شيئاً ؟ فقالَ : وهلْ شيءٌ أحبُّ إليَّ مِنَ الصلاةِ فأذكرَهُ فيها؟!(١) . وكانَ أبو الدرداءِ رضيَ اللهُ عنهُ يقولُ : ( مِنْ فقْهِ الرجلِ أنْ يبدأ بحاجتِهِ قبلَ دخولِهِ في الصلاةِ ؛ ليدخلَ في الصلاةِ وقلبُهُ فارغٌ)(٢) . *** G وكانَ بعضُهُمْ يخفِّفُ الصلاةَ خيفةً الوسواسِ ؛ ورُوِيَ أنَّ عمارَ بنَ یاسٍ صلَّى صلاةً فأخفَّها ، فقيلَ لهُ : خفَّفْتَ يا أَبا اليقظانِ ؛ فقالَ : هلْ رأيتموني نقصْتُ مِنْ حدودِها شيئاً ؟ قالوا : لا ، قالَ : إنِّي بادرتُ سهوَ الشيطانِ ، إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: ((إنَّ العبدَ ليُصلِّي الصَّلاةَ لا يُكتبُ لهُ منها نصفُها، ولا ثلثُها، ولا ربعُها، ولا خمسُها، ولا سدسُها، ولا عُشرُها )»، وكانَ يقولُ: إنَّما يكتبُ للعبدِ مِنْ صلاتِهِ ما عقلَ منها (٣). ويقالُ : إنَّ طلحةَ والزبيرَ وطائفةً مِنَ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ كانوا أخفَّ الناسِ صلاةً ، وقالوا : ( نبادرُ بها وسوسةً الشيطانِ)(٤) . ورُوِيَ أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ على المنبرِ : إنَّ الرجلَ (١) قوت القلوب (١٠٢/٢) . (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١١٤٢)، وهو من معلقات البخاري. (٣) رواه أبو داوود (٧٩٦)، وكذا في ((تعظيم قدر الصلاة)) (ص ٩٠)، والخبر في ((القوت)) (١٠٢/٢). (٤) روى عبد الرزاق في ((المصنف)) (٣٦٧/٢) عن أبي رجاء قال: (صلى بنا الزبير صلاة فخفف ، فقيل له ، فقال : إني أبادر الوسواس ) . ٦٣٨ ربع العبادات كتاب أسرار الصلاة ليشيبُ عارضاهُ في الإسلام وما أكملَ اللهِ تعالى صلاةً . قيلَ : وكيفَ ذلكَ ؟ قالَ: لا يتمُّ خشوعَها وتواضعَها وإقبالَهُ على اللهِ عزَّ وجلَّ فيها (١) . وسئلَ أبو العاليةِ عنْ قولِهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ .. قالَ : هوَ الذي يسهو في صلاتِهِ ، فلا يدري على كمْ ينصرفُ : أعلىُ شفْع أمْ على وترٍ ؟ وقالَ الحسنُ : هوَ الذي يسهو عنْ وقتِ الصلاةِ حتَّى يخرجَ . وقالَ بعضُهُمْ: هوَ الذي إنْ صلاَّها في أوَّلِ الوقتِ .. لمْ يفرحْ ، وإنْ أخَّرَها عنِ الوقتِ .. لمْ يحزنْ، فلا يرى تعجيلَها برّاً، ولا تأخيرَها إثماً (٢). واعلمْ : أَنَّ الصلاةَ قدْ يحسبُ بعضُها ويكتبُ بعضُها دونَ بعضٍ كما دلَّتِ الأخبارُ عليهِ ، وإنْ كانَ الفقيهُ يقولُ: (إنَّ الصلاةَ في الصحّةِ لا تتجزَّأ ) ، ولكنَّ ذلكَ لهُ معنىٌ آخرُ ذكرناهُ، وهذا المعنى دلَّتْ عليهِ الأحاديثُ ؛ إذْ وردَ جَبْرُ نقصانِ الفرائضِ بالنوافلِ في الخبرِ (٣). (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((التهجد وقيام الليل)) (٤٨٣)، والخبر في ((القوت)) ( ٢ / ١٠٣ ) . (٢) قوت القلوب (٢/ ١٠٣). (٣) كما روى أبو داوود (٨٦٤)، والترمذي (٤١٣) مرفوعاً: ((إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة ، قال : يقول ربنا جلَّ وعزَّ لملائكته وهو أعلم : انظروا في صلاة عبدي : أتمَّها أم نَقَصَها ؟ فإن كانت تامة .. كتبت له تامة ، وإن كان انتقص منها شيئاً .. قال : انظروا هل لعبدي من تطوع ؟ فإن كان له تطوع .. قال : أتموا لعبدي فريضته من تطوعه ، ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم » . ٦٣٩ كتاب أسرار الصلاة ربع العبادات قالَ عيسى عليهِ السلامُ: ( يقولُ اللهُ تعالى : بالفرائضِ نجا منِّي عبدي ، وبالنَّوافلِ تقرَّبَ إليّ عبدي)(١). ـجر وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((قالَ اللهُ تعالى: لا ينجو منِّي عبدِي إلا بأداءِ ما افترضتُ عليهِ))(٢) . ورُوِيَ أَنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ صلَّى صلاةٌ ، فتركَ مِنْ قراءتِهِ آيةٌ ، فلمَّا انفتلَ .. قالَ: ((ماذا قرأتُ؟)) فسكتَ القومُ، فسألَ أُبَيَّ بن كعبٍ رضيَ اللهُ عنهُ فقالَ : قرأتَ سورةَ كذا وتركتَ آيَةَ كذا ، فما أدري : أنُسختْ أمْ رُفعتْ؟ فقالَ: ((أنتَ لها يا أبيُّ))، ثمَّ أقبلَ على الآخرينَ فقالَ: (( ما بالُ أقوام يحضرونَ صلاتَهُمْ، ويتِقُون صفوفَهُمْ ، ونَبِيُّهُمْ بينَ أيدِيهِمْ، لا يدرونَ ما يتلو عليهِمْ مِنْ كتابِ ربِّهمْ! ألا إنَّ بني إسرائيلَ كذا فعلوا ، فأوحى اللهُ تعالى إلى نبيِّهِمْ أنْ قُلْ لقومِك: تحضروني أبدانَكُمْ وتعطوني ألستَكُمْ ، وتغيبونَ عنِّي بقلوبِكُمْ؟! باطلٌ ما تذهبونَ))(٣). ـثة محں (١) كذا أورده صاحب ((القوت)) (١٠٣/٢). (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٠٣٢) عن حسان بن عطية قال: ( قال الله: لا ينجو مني ... )، وهو كذلك في ((الزهد)) لأبي داوود (٥) عن طاووس اليماني. وفي ((البخاري)) (٦٥٠٢): ((وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته .. كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ... )) . (٣) رواه المروزي في ((تعظيم قدر الصلاة)) (ص ٩٢) عن عثمان بن أبي دهرش بلاغاً بنحوه، وهو بلفظه في ((القوت)) (١٠٤/٢). ٦٤٠ فا