Indexed OCR Text

Pages 481-500

ربع العبادات
كتاب أسرار الطهارة
فإنْ قيلَ: أرادَ بهِ إذا لم يتغيّرْ .. فيمكنُ أنْ يقالَ: أرادَ بهِ أنَّهُ في الغالبِ
لا يتغيَّرُ بالنجاساتِ المعتادةِ .
ثُمَّ هوَ تمسٌُّ بالمفهوم فيما إذا لمْ يبلغْ قَّتِينٍ(١)، وتركُ المفهومِ بأقلَّ
مِنَ الأدلَّةِ التي ذكرناها ممكنٌ .
وقولُهُ: ((لا يحملُ خبئاً)): ظاهرُهُ نفيُّ الحمْلِ؛ أي : يقلبُهُ إلى صفةِ
نفسِهِ ؛ كما يقالُ : المملحة لا تحملُ كلباً ولا غيرَهُ ؛ أي : ينقلبُ ؛ وذلك
لأنَّ الناسَ قد يستنجونَ في المياهِ القليلةِ في الغدرانِ ويغمسونَ الأوانيَ
النجسةَ فيها ، ثمَّ يتردّدونَ في أنَّها تغيَّرَتْ تغيراً مؤثِّراً أم لا، فبيَّنَ أنَّهُ إذا كانَ
قلَّتينِ .. لا يتغيّرُ بهذهِ النجاساتِ المعتادةِ.
فإن قلت: فقدْ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لمْ يحملْ خَبَئاً))،
ومهما كثرتْ .. حملَها ، فهذا ينقلبُ عليكَ؛ فإنَّها مهما كثرَت .. حملَها
أيضاً حكماً كما حملَها حسّاً ، فلا بدَّ مِنَ التخصيصِ بالنجاساتِ المعتادةِ
على المذهبينِ جميعاً(٢) .
(١) فإنه يحمل خبثاً، دلّ الحديث بمفهومه على ذلك. ((إتحاف)) (٣٣٣/٢).
(٢) مذهب الإمامين مالك والشافعي رضي الله عنهما. ((إتحاف)) (٣٣٤/٢).
٤٨١

كتاب أسرار الطهارة
ربع العبادات
وعلى الجملةِ : فميلي في أمورِ النجاساتِ إلى المساهلةِ فهماً مِنْ سيرةِ
الأوَّلينَ ، وحسماً لمادةِ الوسواسِ ، وبذلكَ أفتيتُ بالطهارةِ فيما وقعَ
الخلافُ فيهِ مِنْ هذِهِ المسائلِ(١).
الطرفُ الثالثُ في كيفيةِ الإزالةِ :
والنجاسةُ إنْ كانتْ حكميَّةً وهيَ التي ليسَ لها جِرْمٌ محسوسٌ .. فيكفي
إجراءُ الماءِ على جميعِ مواردِها .
وإنْ كانتْ عينِيَّةً .. فلا بدَّ مِنْ إزالةِ العينِ ، وبقاءُ الطعمِ يدلُّ على بقاءِ
(١) يرى القارىء الكريم رجوع المصنف في مسائل الطهارة لما كان قد اعتمده وقرره في كتبه
الفقهية ، وذلك بحسب ما ظهر له وأداه اجتهاده كما ذكر ذلك الحافظ الزبيدي في
((إتحافه)) (٢/ ٣٣١)، واستدل بذلك على آخرية تأليف ((الإحياء)).
وهذا لا يعني بحال تخلي الإمام الغزالي عن مذهب إمامه الشافعي ، ولكنه دليل جزم على
إمامته واجتهاده ضمن المذهب ، وأنه لم يكن مجرَّد مدافع عما يقوله الإمام ، قال الحافظ
الزبيدي في ((إتحافه)) (٣٣٤/٢): ( والمصنف رحمه الله كان ممن سُلِّم له دعوى
الاجتهاد ؛ أي : في المذهب ، كما ينبئه كلام كثير من أئمة مذهبه ، ولعل من نظر إلى ظاهر
سياقه هذا في هذا الكتاب .. جزم بأنه رجع في آخر عمره مالكياً ، وليس كذلك ، وذكر
الشيخ زروق في (( شرحه على قواعد العقائد)) للمصنف ما نصه: ((سمعت أبا عبد الله
القوري يقول : قال ابن العربي في كتاب (( الاقتراب شرح الجلاب)): لما تغلغل شيخنا
أبو حامد في العلوم .. ترك العناد ورجع إلى المقصود من مذهب مالك)) ، وقال به سيدي
أحمد زروق: (( ولا يخفى ما في هذا الكلام من الحروشة والضعف والله أعلم))، قلت :
ابن العربي كان ممن شاهد المصنف وأخذ عنه ، وكأنه أشار بكلامه المذكور إلى هذا الذي
أورده المصنف هنا ، ولا يلزم من مخالفته لإمامه في مسألة من المسائل أن يكون خرج عن
مذهبه بالكلية ، هذا لا يقول به أحد ) .
جنيه
٠حرم
٤٨٢
ـدرة
قا

ربع العبادات
كتاب أسرار الطهارة
حن
العينِ ، وكذا بقاءُ اللونِ ، إلاَّ فيما يلتصقُ بهِ ، فهوَ معفوٌّ عنهُ بعدَ الحتِّ
والقرْصِ .
وأمَّا الرائحةُ .. فبقاؤُها يدلُّ على بقاءِ العينِ ، ولا يعفى عنها إلاَّ إذا كانَ
الشيءُ لهُ رائحةٌ فائحةٌ تعسرُ إزالتُها ، فالدلكُ والعصرُ مرَّاتٍ متوالياتٍ يقومُ
مقامَ الحتِّ والقرْصِ في اللونِ .
والمزيلُ للوسواسِ أنْ يعلمَ أنَّ الأشياءَ خلقتْ طاهرةً بيقينٍ ، فما
لا يشاهدُ عليهِ نجاسةٌ ولا يعلمُها يقيناً .. يصلَّى معهُ، ولا ينبغي أنْ يتوصَّلَ
بالاستنباطِ إلى تقديرِ النجاساتِ .
٤٨٣
ـحرف

كتاب أسرار الطهارة
ربع العبادات
الْقِسْمُالثَّاني
طهارة الأحداث
وفيها : الوضوءُ، والغسلُ، والتيُّمُ ، ويتقدَّمُها الاستنجاءُ .
فنوردُ كيفيتَها على الترتيبِ معَ آدابِها وسننِها ، مبتدئينَ بسببِ الوضوءِ ،
وهوَ قضاءُ الحاجةِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى .
بابُ آداب قضاء الحاجة
ينبغي أنْ يبعدَ عَنْ أعينِ الناظرينَ في الصحراءِ ، وأنْ يستترَ بشيءٍ إنْ
وجدَهُ، وألاَّ يكشفَ عورتَهُ قبلَ الانتهاءِ إلى موضع الجلوسِ ، وألاَّ يستقبلَ
الشمسَ والقمرَ ، وألاَّ يستقبلَ القبلةَ ولا يستدبرَها إلا إذا كانَ في بناءٍ ،
والعدولُ عنها أيضاً في البناءِ أحبُّ ، وإنِ استترَ في الصحراءِ براحلتِهِ ..
جازَ، وكذلكَ بذيلِهِ (١) ، وأنْ يتقيَ الجلوسَ في متحدَّثِ الناسِ ، وألَّ يبولَ
في الماءِ الراكدِ ، ولا تحتَ الشجرةِ المثمرةِ ، ولا في الجُحْرِ ، وأنْ يتقيَ
الموضعَ الصلْبَ ومهابَّ الرياحِ في البولِ استنزاهاً مِنْ رشاشِهِ ، وأنْ يتكىءَ
جن
عن
حن
(١) بأن يترك طرف ثوبه مرخىّ على الأرض.
٤٨٤

ربع العبادات
كتاب أسرار الطهارة
في جلوسِهِ على الرجْلِ اليسرى ، وإنْ كانَ في بنيانٍ .. يقدِّمُ الرجْلَ اليسرى
في الدخولِ واليمنى في الخروجِ .
ولا يبولُ قائماً ؛ قالتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : ( مَنْ حدَّثَكُمْ أنَّ النبيَّ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يبولُ قائماً .. فلا تصدّقوهُ)(١).
وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : رآني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأنا أبولُ
قائماً ، فقالَ: (( يا عمرُ؛ لا تبلْ قائماً)) قالَ عمرُ: فما بلتُ قائماً بعدُ(٢).
وفيهِ رخصةٌ ؛ إذْ روى حذيفةُ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ بالَ
قائماً ، قالَ : فأتيتُهُ بوضوءٍ، فتوضَّأَ ومسحَ على خفيهِ(٣).
ولا يبولُ في المغتَسَلِ ؛ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( عامَّةُ الوسواسِ
منهُ))(٤)، وقالَ ابنُ المباركِ: (إنْ كانَ الماءُ جارياً .. فلا بأسَ)(٥) .
ولا يستصحبُ شيئاً عليهِ اسمُ اللهِ عزَّ وجلَّ، أَوْ رسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ،
ولا يدخلُ بيتَ الماءِ حاسرَ الرأسِ ، وأنْ يقولَ عندَ الدخولِ : ( باسمِ اللهِ ،
أعوذُ باللهِ مِنْ الرجسِ النجسِ الخَبيثِ المُخْبِثِ، الشيطانِ الرجيمِ)(٦)، وعندَ
(١) رواه الترمذي (١٢)، والنسائي (٢٦/١)، وابن ماجه (٣٠٧).
(٢) رواه الترمذي (١٢)، وابن ماجه (٣٠٨).
(٣) رواه البخاري (٢٢٤)، ومسلم ( ٢٧٣).
(٤) رواه أبو داوود (٢٧)، والترمذي (٢١)، والنسائي (١٩/١)، وابن ماجه
( ٣٠٤ ) .
(٥) رواه الترمذي ( ٢١) .
(٦) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٤).
٤٨٥

كتاب أسرار الطهارة
ربع العبادات
الخروج : ( الحمدُ للهِ الذي أذهبَ عنِّي ما يؤذيني وأبقى عليَّ
ما ينفعُني)(١) ، ويكونُ ذلكَ خارجاً عنْ بيتِ الماءِ ، وأنْ يُعِدَّ النََّلَ قبلَ
الجلوس (٢)، وألا يستنجيَ بالماءِ في موضع الحاجةِ، وأنْ يستبرىءَ مِنَ
البولِ بالتنحنحِ والنشْرِ ثلاثاً وإمرارِ اليدِ على أسفلِ القضيبِ، ولا يكثرَ التفكّرَ
في الاستبراءِ فيتوسوسَ ويشقَّ عليهِ الأمرُ ، وما يحسُّ بهِ مِنْ بللٍ فليقدِّرْ أنَّهُ
بقيةُ الماءِ ، فإنْ كانَ ذلكَ يؤذيهِ .. فليرشَّ عليهِ الماءَ حتَّى يقوى في نفسِهِ
ذلكَ ، ولا يتسلطَ عليهِ الشيطانُ بالوسواسِ ، وفي الخبرِ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ فَعَلَهُ ؛ أعني رَشَّ الماءِ(٣)، وقدْ كانَ أخفُّهُمُ استبراءً أفقهَهُمْ، فتدلُّ
الوسوسةُ فيهِ على قلَّةِ الفقْهِ .
وفي حديثٍ سلمانَ رضيَ اللهُ عنهُ: ( علَّمَنا رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ كلَّ شيءٍ حتَّى الخِراءَةَ ، فأمرَنا ألاَّ نستنجيَ بعظم ولا روثٍ ، ونهانا
أنْ نستقبلَ القبلةَ بغائطٍ أوْ بولٍ ) (٤) .
وقالَ رجلٌ لبعضِ الصحابةِ مِنَ الأعرابِ وقدْ خاصمَهُ : لا أحسِبُكَ
تحسِنُ الخِراءةَ ، قالَ : بلى وأَبِيكَ ؛ إنِّي لأحسنُها ، وإنِّي بها الحاذقٌ ؛ أُبعِدُ
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٢ ).
(٢) النَّبَل: هي الحجارة الصغار المعدَّة للاستنجاء.
(٣) وهو النضح، رواه أبو داوود (١٦٦)، والنسائي (٨٦/١)، وابن ماجه ( ٤٦١).
(٤) رواه مسلم ( ٢٦٢ ) .
٤٨٦

ربع العبادات
كتاب أسرار الطهارة
الأثرَ وأُعِدُّ المدَرَ ، وأستقبلُ الشِيحَ ، وأستدبرُ الريحَ ، وأقعي إقعاءَ الظبي ،
وأَجِفُلُ إجفالَ النعامِ .
الشيخُ : نبتٌ طيِّبُ الرائحةِ بالباديةِ ، والإقعاءُ ههنا : أنْ يستوفزَ على
صدورٍ قدميهِ ، والإجفالُ : أنْ يرفعَ عجزَهُ .
ومِنَ الرخصةِ : أنْ يبولَ الإنسانُ قريباً مِنْ صاحبهِ مستتراً عنهُ ، فعلَ ذلكَ
رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ معَ شدّةٍ حيائِهِ ؛ ليبيِّنَ للناسِ ذلكَ(١) .
كيفية الاستنجاء
ثُمَّ يستنجي لمقعدتِهِ بثلاثةِ أحجارٍ ، فإنْ أنقى بها .. كفى، وإلاَّ ..
استعملَ رابعاً، فإنْ أنقىُ .. استعملَ خامساً؛ لأنَّ الإنقاءَ واجبٌ والإيتارَ
مستحبٌّ ؛ قالَ عليه الصلاةُ والسلامُ: ((مَنِ استجمرَ .. فليوترْ))(٢).
٠/٥٠ ٠ ٢٨٥٠٠/٦٥+
ويأخذُ الحجرَ بيسارِهِ ويضعُهُ على مقدَّم المقعدةِ قَبْلَ موضع النجاسةِ
a
وَيُمِرُّهُ بالمسحِ ، والإدارةِ إلى المؤخرِ ، ويأخذُ الثانيَ ويضعُهُ على المؤخرةِ
كذلكَ، ويُمِرُّهُ إلى المقدمةِ، ويأخذُ الثالثَ فيديرُهُ حولَ المَسْرَبةِ إدارةً(٣)،
(١) كما جاء ذلك من وصف الصحابة له عند بوله قائماً كما سبق ، وفيه: ( فتنحيت ،
فدعاني وكنت عند عقبيه حتى فرغ ، ثم توضأ ومسح على خفيه ) .
(٢) رواه البخاري (١٦١)، ومسلم ( ٢٣٧).
(٣) المسربة : هي بوزان مقعدة ، مجرى الغائط ومخرجه ، سميت بذلك لانسراب الخارج
منها. ((إتحاف)) ( ٢ / ٣٤٣ ) .
٤٨٧

كتاب أسرار الطهارة
خر
ربع العبادات
وإنْ عسرتِ الإدارةُ ومسحَ مِنَ المقدمةِ أوِ المؤخرةِ .. أجزأَهُ، ثمَّ يأخذُ
حجراً كبيراً بيمينهِ والقضيبَ بيسارِهِ ويمسحُ الحجرَ بقضيبِهِ ويحرِّكُ اليسارَ ،
فيمسحُ ثلاثاً في ثلاثةِ مواضعَ ، أَوْ في ثلاثةِ أحجارٍ ، أَوْ في ثلاثةِ مواضعَ مِنْ
جدارٍ ، إلى ألاَّ يرى الرطوبةَ في محلِّ المسح ، فإِنْ حصلَ ذلكَ بمرتينٍ ..
أتى بالثالثةِ ، ووجبَ ذلكَ إنْ أرادَ الاقتصارَ على الحجرِ ، وإنْ حصلَ
بالرابعةِ .. استحبَّتِ الخامسةُ للإيتارِ . ثمَّ ينتقلُ مِنْ ذلكَ الموضعِ إلى موضعٍ
آخرَ ، ويستنجي بالماءِ ؛ بأنْ يفيضَهُ باليمنى على محلِّ النجْوِ ، ويدلكَ
باليسرىُ حتَّى لا يبقى أثرٌ لذلكَ يدركُهُ الكفُّ بحسِّ اللَمْسِ، ويتركُ
الاستقصاءَ فيهِ بالتعرُّضِ للباطنِ ؛ فإنَّ ذلكَ منبعُ الوسواسِ .
وليعلمْ أنَّ كلَّ ما لا يصلُ إليهِ الماءُ .. فهوَ باطنٌ ، ولا يثبتُ حكمٌ
النجاسةِ للفضلاتِ الباطنةِ ما لمْ تبرزْ ، وكلُّ ما هوَ ظاهرٌ وثبتَ لهُ حكمٌ
النجاسةِ فحدُّ ظهورِهِ أنْ يصلَ الماءُ إليهِ فيزيلَهُ ، فلا معنى للوسواسِ .
ويقولُ عندَ الفراغ مِنَ الاستنجاءِ : اللَّهُمَّ ؛ طهِّرْ قلبي مِنَ النفاقِ ،
وحصِّنْ فرجي مِنَ الفواحشِ(١).
ويدلكُ يدَهُ بحائطٍ أوْ بالأرضِ إزالةً للرائحةِ إِنْ بقيتْ ، والجمعُ بينَ الماءِ
والحجرِ مستحبٌّ ؛ فقدْ رُوِيَ أنَّهُ لمَّا نزلَ قولُهُ تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ
أَنْ يَتَطَهَرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُقَطَِّرِينَ﴾ .. قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
(١) قوت القلوب (٩٢/٢)، وكذا هو في ((بداية الهداية)) (ص٧٨).
٤٨٨

ربع العبادات
كتاب أسرار الطهارة
لأهل قُبَاءَ: ((ما هذهِ الطهارَةُ التي أثنى اللهُ بها عليكُمْ؟)) قالوا: إنَّا نجمعُ
بينَ الماءِ والحَجَرِ (١) .
ن:
كيفيّة الوضوء
إذا فرغَ مِنَ الاستنجاءِ .. اشتغلَ بالوضوءِ، فلمْ يُر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ قطُّ خارجاً مِنَ الغائطِ إلَّ توضَّأَ(٢) .
ويبتدِىءُ بالسواكِ، فقدْ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ
أفواهَكُمْ طُرُقُ القرآنِ ، فطيِّبُوها بالسواكِ))(٣) ، فينبغي أنَّ ينويَ عندَ السواكِ
تطهيرَ فمِهِ لقراءة الفاتحةِ وذكرِ اللهِ تعالى في الصلاةِ(٤) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( صلاةٌ على أثَرِ سواكِ أفضلُ مِنْ خمسٍ
وسبعينَ صلاةً بغيرِ سواكٍ ))(٥) .
(١) رواه البزار في ((مسنده)) كما في ((مجمع الزوائد)) (٢١٧/١).
(٢) رواه ابن ماجه (٣٥٤).
(٣) رواه ابن ماجه (٢٩١) موقوفاً على سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو عند
البزار في ((مسنده)) ( ٦٠٣) مرفوعاً بنحوه .
(٤) ولو قال: (لقراءة القرآن) .. لكان شاملاً للمذهبين؛ أي : إنه باستعماله السواك
لا يقتصر على نية إزالة الوسخ عن فمه ، بل ينوي بذلك ما ذكر حتى يثاب عليه .
((إتحاف)) (٣٤٨/٢) .
(٥) رواه أحمد في ((مسنده )) (٢٧٢/٦) بلفظ: (( فضل الصلاة بالسواك على الصلاة بغير
سواك سبعين ضعفاً))، وكذا وقع بنصب ( سبعين )، وانظر فيه (( فيض القدير ))
(٤٣١/٤)، وهو بلفظ المصنف عند ابن عدي في ((الكامل)) (٣١٦/٦).
٤٨٩
حر
فا

كتاب أسرار الطهارة
ربع العبادات
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( لولا أنْ أَشُقَّ على أمَّتي .. لأمرتُهُمْ
بالسواكِ عندَ كلِّ صلاةٍ)»(١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما لي أراكُمْ تدخلونَ عليَّ قُلْحاً ؟
استاكوا)»(٢) أي: صفْرَ الأسنانِ.
وكانَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ يستاكُ في الليلةِ مراراً(٣).
وعنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما أنَّهُ قالَ : ( لمْ يزلْ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ يأمرُنا بالسواكِ حتَّى ظنًّا أنَّهُ سينزلُ عليهِ فيهِ شيءٌ)(٤) .
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((عليكُمْ بالسواكِ ؛ فإنَّهُ مطْهَرَةٌ للفم ،
مَرْضَاءٌ للرَّبِّ))(٥) .
وقالَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ : ( السِّوَاكُ يزيدُ في الحفظِ ،
ويُذْهِبُ البلغمَ)(٦) .
(١) رواه البخاري (٨٨٧)، ومسلم (٢٥٢).
(٢) رواه أحمد في ((مسنده)) (٢١٤/١).
(٣) رواه مسلم ( ٧٦٣ ) .
رواه أحمد فى ( مسنده)) (٣٣٩/١).
(٤)
(٥) رواه ابن حبان في (صحيحه)) (١٠٧٠ )، وهو بنحوه عند البخاري تعليقاً ( كتاب
الصوم ، باب سواك الرطب واليابس للصائم ) .
(٦) وفي كتاب (( النوادر)) للترمذي الحكيم: السواك يزيد للحافظ حفظاً، وفي كلام ابن
عباس : في السواك عشر خصال ، فذكر منها أنه ينقي البلغم ، والبلغم أحد الأخلاط
الأربعة. ((إتحاف)) (٣٤٩/٢).
٤٩٠
J

ربع العبادات
كتاب أسرار الطهارة
وكانَ أصحابُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يروحونَ والسواكُ على
آذانِهِمْ(١).
وكيفيتُهُ : أَنْ يستاكَ بخشبِ الأراكِ أوْ غيرِهِ مِنْ قضبانِ الأشجارِ ممَّا
يخشنُ ويزيلُ القَلَحَ ، ويستاكُ عرضاً وطولاً ، وإنِ اقتصرَ .. فعرضاً .
ويستحبُّ السواكُ عندَ كلِّ صلاةٍ ، وعندَ كلِّ وضوءٍ وإنْ لمْ يصلِّ عَقيبَهُ ،
وعندَ تغيّرِ النَّكْهَةِ بالنومِ ، أَوْ طولِ الأَزْمِ(٢)، أوْ أكلِ ما تُكْرَهُ رائحتُهُ.
جن
ہہ
ثمَّ عندَ الفراغ مِنَ السواكِ يجلسُ للوضوءِ مستقبلَ القبلةِ ، ويقولُ :
( بسمِ اللهِ الرحمانِ الرحيم)؛ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا وضوءَ لِمَنْ
لمْ يسمِّ اللهَ تعالى))(٣) أي : لا وضوءَ كاملاً .
ويقولُ عندَ ذلكَ : ( أعوذُ بكَ مِنْ همزاتِ الشياطينِ ، وأعوذُ بكَ ربِّ أنْ
يحضرونِ )(٤) .
ثمَّ يغسلُ يديهِ ثلاثاً قبلَ أنْ يدخلَهما الإناءَ ، ويقولُ: ( اللَّهمَّ ؛ إنِّي
أسألُكَ اليُمْنَ والبركةَ ، وأعوذُ بكَ مِنَ الشؤم والهلكةِ ) .
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٨٠٥).
(٢) الأزْم : الإمساك عن الطعام والكلام .
(٣) رواه أبو داوود (١٠١)، والترمذي (٢٥)، وابن ماجه (٣٩٩) بلفظ: (( لا وضوء
لمن لم يذكر اسم الله عليه )) .
(٤) وقد أجاد البحث في دعاء الأعضاء العلامة المحدث ابن علان المكي في (( شرح
الأذكار)) (٢٧/٢ - ٣٠) فليراجع .
٤٩١
ـعر

كتاب أسرار الطهارة
ربع العبادات
٧
ثُمَّ ينوي رفعَ الحدثِ أوِ استباحةَ الصلاةِ ، ويستديمُ النيّةَ إلى غسْلِ
الوجهِ ، فإنْ نسيَها عندَ الوجهِ .. لمْ يُجزِهِ، ثمَّ يأخذُ غَرفةً لفيهِ فيتمضمضُ
بها ثلاثاً ويُغَرْغِرُ ؛ بأنْ يَرُدَّ الماءَ إلى الغَلْصَمَةِ (١)، إلاَّ أنْ يكونَ صائماً
فيرفقُ، ويقولُ : (اللَّهِمَّ ؛ أعِنِّي على تلاوةِ كتابِكَ وكثرةِ الذكرِ لكَ ) .
ثمّ يأخذُ غُرفةً لأَنفِهِ ويستنشقُ ثلاثاً، ويُصعدُ الماءَ بالنَّفَسِ إلى خياشيمِهِ ،
ويستنثرُ ما فيها ، ويقولُ في الاستنشاقِ: (اللَّهُمَّ ؛ أوجدني رائحةَ الجنَّةِ
وأنتَ عنِّي راضٍ )، وفي الاستئثارِ : ( اللَّهِمَّ؛ إنِّي أعوذُ بكَ مِن روائحِ
النارِ ، ومِنْ سوءِ الدارِ )؛ لأنَّ الاستنشاقَ إيصالٌ، والاستئثارَ إزالةٌ .
ـو
ثمَّ يغرفُ غَرفةً لوجهِهِ ، فيغسلُهُ مِنْ مبتدأٍ تسطيح الجبهةِ إلى منتهى
ما يقبلُ مِنَ الذَّقَنِ في الطولِ ، ومِنَ الأُذُنِ إلى الأُذُنِ في العرْضِ ، ولا يدخلُ
في حدِّ الوجهِ النَّزَعَتانِ اللتانِ على طرفي الجبينينِ ؛ فهما مِنَ الرأسِ (٢)،
ويوصلُ الماءَ إلى موضع التحذيفِ ، وهوَ ما يعتادُ النساءُ تنحيةَ الشعرِ عنهُ ،
وهوَ القذْرُ الذي يقعُ في جانبِ الوجهِ مهما وُضِعَ طرفُ الخيطِ على رأسِ
الأُذُنِ ، والطرفُ الثاني على زاويةِ الجبينِ ، ويوصلُ الماءَ إلى منابتِ الشعورِ
الأربعةِ : الحاجبانِ ، والشاربانِ ، والأهدابُ ، والعِذارانِ ؛ لأنَّها خفيفةٌ
في الغالبِ ، والعذارانِ : هما ما يوازي الأذنينِ مِنْ مبتدأِ اللحيةِ .
(١) الغلصمة : رأس الحلق.
(٢) التَّزَعَتان: مثنى نَزَعَة، وهما البياضان المكتنفان للناصية .
٤٩٢

ربع العبادات
كتاب أسرار الطهارة
ويجبُ إيصالُ الماءِ إلى منابتِ اللحيةِ الخفيفةِ ؛ أعني : ما يقبلُ مِنَ
الوجهِ، وأمَّا الكثيفةُ .. فلا، وحكمُ الْعَنْفَقَةِ (١) حكمُ اللحيةِ في الكثافةِ
والخفَّةِ ، ثمَّ يفعلُ ذلكَ ثلاثاً ، ويفيضُ الماءَ على ظاهرٍ ما استرسلَ مِنَ
اللحيةِ ، ويدخلُ الإصبعَ في محاجرِ العينينِ وموضع الرَّمَصِ ومجتمع الكُحْلِ
وينقِّيهما ؛ فقدْ رُويَ أنَّهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ فعلَ ذلكَ(٢) ، ويأملُ عندَ ذلكَ
خروجَ الخطايا مِنْ عينيهِ ، وكذلكَ عندَ كلِّ عضْوٍ ، ويقولُ عندَهُ : ( اللَّهِمَّ ؛
بيضْ وجهي بنورِكَ يومَ تبيضُّ وجوهُ أوليائِكَ، ولا تسوِّدْ وجهي بظلماتِكَ يومَ
تسودُ وجوهُ أعدائِكَ ) ، ويخللُ اللحيةَ الكثيفةَ عندَ غسْلِ الوجهِ ؛ فإِنَّهُ
مستحبٌّ .
ثمَّ يغسلُ يديهِ إلى مرفقيهِ ثلاثاً، ويحرِّكُ الخاتِمَ(٣) ، ويطيلُ الغُرَّةَ ويرفعُ
الماءَ إلى أعالي العضدِ ؛ فإنَّهُمْ يحشرونَ يومَ القيامةِ غُرّاً مُحَجَّلينَ مِنْ آثَارِ
الوضوءِ، كذلكَ وردَ الخبرُ ؛ قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : ((مَنِ استطاعَ منكمْ
أنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ .. فليفعلْ))(٤)، ورُويَ أنَّ الحليةَ تبلُغُ مواضعَ الوضوءِ (٥).
٠٫٨٥
٨٠٠
(١) العنفقة: الشعر النابت تحت الشفة السفلى، وقيل: هو ما بين الشفة السفلى والذَّقَن
سواء كان عليها شعر أم لا .
(٢) روى أحمد في ((مسنده)) (٢٥٨/٥) عن أبي أمامة رضي الله عنه: ( وكان رسول الله
صلى الله عليه وسلم يمسح المأقين ) .
(٣) وجوباً إن لم يصل الماء إلا بالتحريك، وندباً إن وصل .
(٤) رواه البخاري (١٣٦)، ومسلم (٢٤٦).
(٥) رواه مسلم ( ٢٥٠).
٤٩٣

كتاب أسرار الطهارة
ربع العبادات
ويبدأُ باليمنىُ ويقولُ : ( اللَّهُمَّ ؛ أعطني كتابي بيميني ، وحاسبني حساباً
يسيراً)، ويقولُ عندَ غسْلِ الشمالِ: ( اللَّهِمَّ؛ إنِّي أعوذُ بِكَ أنْ تُعطيني
كتابي بشِمالي أوْ مِنْ وراءِ ظهري ) .
.%5
ثمَّ يستوعبُ رأسَهُ بالمسْحِ ، بأنْ ييلَّ يديهِ ويلصقَ رؤوسَ أصابع اليمنىُ
باليسرى ويضعَهُما على مقدَّمةِ الرأسِ ، ويمرَّهما إلى القفا، ثمَّ يردّهُما إلى
المقدَّمةِ، وهذهِ مسحةٌ واحدةٌ ، يفعلُ ذلكَ ثلاثاً ، ويقولُ: ( اللَّهِمَّ ؛
غشِّني برحمتِكَ، وأنزلْ عَلَيَّ مِنْ بركاتِكَ، وأظلَّني تحتَ ظلِّ عرشِكَ يومَ
لا ظلَّ إلا ظلُّكَ ) .
ثمَّ يمسحُ أذنيهِ ظاهرَهُما وباطنَهُما بماءٍ جديدٍ ؛ بأنْ يدخلَ مسبِّحتيهِ في
صماخي أذنيهِ ، ويديرَ إبهاميهِ على ظاهرٍ أذنيهِ ، ثمَّ يضعُ الكفَّينِ على الأذنينِ
استظهاراً ويكرِّرُهُ ثلاثاً ، ويقولُ: (اللَّهُمَّ ؛ اجعلني مِنَ الذينَ يستمعونَ
القولَ فيتبعونَ أحسنَهُ ، اللَّهُمَّ ؛ أسمعني مناديَ الجنَّةِ معَ الأبرارِ ) .
ثُمَّ يمسحُ رقبتَهُ بماءٍ جديدٍ ؛ لقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مسحُ الرقيةِ
أمانٌّ مِنَ الغلِّ يومَ القيامةِ))(١) ، ويقول: ( اللَّهمَّ؛ فكَّ رقبتي مِنَ النارِ ،
وأعوذُ بكَ مِنَ السلاسلِ والأغلالِ ) .
ـجزء
متن
(١) ذهب المصنف رحمه الله في ((البسيط)) و((الوسيط)) (٢٨٨/١) و(( الوجيز)) كما في
((العزيز)) (١٢٩/١) و((الخلاصة)) (ص٦٦) و((بداية الهداية)) (ص٨٣) إلى سنيّة
مسح الرقبة، ووافقه الإمام الرافعي في (( العزيز)» (١٣٠/١). وانظر تخريج الحديث
وطرقه في (( تحفة الطلبة في تحقيق مسح الرقبة )) للعلامة عبد الحي اللكنوي .
ـجر
٤٩٤

ربع العبادات
كتاب أسرار الطهارة
ثمَّ يغسلُ رجْلَهُ اليمنى ثلاثاً، ويخلِّلُ باليدِ اليسرىُ مِنْ أسفلِ أصابعِ
الرجْلِ اليمنى، ويبدأُ بالخِنْصَرِ مِنَ الرجْلِ اليمنى ويختمُ بالخِنْصَرِ مِنَ الرجْلِ
اليسرى ، ويقولُ : ( اللَّهِمَّ ؛ ثبتْ قدمي على الصراطِ يومَ تزلُّ الأقدامُ في
النارِ ) ، ويقولُ عندَ غسْلِ اليسرى : (وأعوذُ بكَ أنْ تزلَّ قدمي عَنِ الصراطِ
يومَ تزلُّ أقدامُ المنافقينَ ) ، ويرفعُ الماءَ إلى أنصافِ الساقينِ .
فإذا فرغَ .. رفعَ رأسَهُ إلى السماءِ وقالَ: ( أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ،
وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُهُ ، سبحانَكَ اللَّهمَّ
وبحمدِكَ ، لا إلهَ إلا أنتَ ، عملتُ سوءاً وظلمتُ نفسي ، أستغفرُكَ وأتوبُ
إليكَ ، فاغفرْ لي وتبْ عليَّ، إنَّكَ أنتَ التَوَّابُ الرحيمُ ، اللَّهِمَّ ؛ اجعلني
مِنَ التَّابينَ ، واجعلني مِنَ المتطهِّرِينَ ، واجعلني مِنْ عبادِكَ الصالحينَ ،
واجعلني عبداً صبوراً شكوراً ، واجعلني أذكرُكَ ذكراً كثيراً، وأسبحُكَ بكرةً
وأصيلاً ) .
يُقالُ: إِنَّ مَنْ قالَ هذا بعدَ الوضوءِ .. خُتِمَ على وضوئِهِ بخاتَمٍ ، ورُفعَ
لهُ تحتَ العرشِ ، فلمْ يزلْ يسبِّحُ اللهَ تعالى ويقدِّسُهُ ، ويُكتبُ لهُ ثوابُ ذلكَ
إلى يومِ القيامةِ(١).
93
ويُكرَهُ في الوضوءِ أمورٌ : منها أنْ يزيدَ على الثلاثِ ، فمَنْ زادَ .. فقدْ
(١) قوت القلوب (٩٣/٢)، وأصله حديث رواه عبد الرزاق في (( المصنف))
(٣٧٨/٣)، وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٣٠).
٤٩٥

كتاب أسرار الطهارة
ربع العبادات
ظلمَ ، وأنْ يسرفَ في الماءِ ؛ توضَّأَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ثلاثاً ثلاثاً وقالَ :
((مَنْ زادَ .. فقدْ ظلمَ وأساءَ))(١)، وقالَ: ((سيكونُ قومٌ مِنْ هذهِ الأمَّةِ
يعتدونَ في الدعاءِ والطَّهُورِ))(٢) .
ويُقالُ: ( مِنْ وَهَنِ علمِ الرجُلِ ولوعُهُ بالماءِ في الطُّهُورِ )(٣).
وقالَ إبراهيمُ بنُ أدهمَ : ( يقالُ : إنَّ أوَّلَ ما يبدأُ الوسواس مِنْ قِبَلِ
الطُّهورِ )(٤) .
وقالَ الحسنُ : ( إنَّ شيطاناً يضحكُ بالناسِ في الوضوءِ يقالُ لهُ :
الولِّهان )(٥) .
٠٥٦
ويكرَهُ أنْ ينفضَ اليدَ فيرشَّ الماءَ ، وأنْ يتكلَّمَ في أثناءِ الوضوءِ ، وأنْ
يلطمَ وجهَهُ بالماءِ لطماً .
وكَرِهَ قومٌ التنشيفَ، وقالوا : ( الوضوءُ يوزنُ ) ، قالَهُ سعيدُ بنُ المسئَّبِ
والزهريُّ(٦)، لكنْ روى معاذٌ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ مسحَ
(١) رواه أبو داوود (١٣٥)، والنسائي (٨٨/١).
(٢) رواه أبو داوود (٩٦)، وابن ماجه (٣٨٦٤).
(٣) وظن العراقي أنه حديث ، فقال: ( لم أجد له أصلاً) ، وليس كذلك ، بل هو من كلام
بعض السلف. « إتحاف )) ( ٢/ ٣٧٠)، وهو من کلام محارب بن دثار یحکیه کما رواه
عنه القاسم بن سلام في كتاب ((الطهور)) ( ١٢٣).
35
(٤) رواه القاسم بن سلام في ((الطهور)) (١٢٤) عن إبراهيم التيمي رحمه الله تعالى.
(٥) رواه البيهقي في (( السنن الكبرى)) (١٩٧/١) عنه، وأصله في المرفوع كما رواه
الترمذي ( ٥٧)، وابن ماجه ( ٤٢١ ) .
(٦) كذا رواه عنهما الترمذي (٥٤).
٤٩٦

ربع العبادات
ـدن
كتاب أسرار الطهارة
وجهَهُ بطرَفِ ثوبِهِ (١) ، وروتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
كانتْ لهُ مِنْشفةٌ(٢) ، ولكنْ قدْ طعنَ في الروايةِ عَن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها (٣).
ويكرَهُ أنْ يتوضَّأَ مِنْ إناءِ صُفْرٍ(٤) ، وأنْ يتوضَّأَ بالماءِ المشمَّسِ ، وذلكَ
مِنْ جهةِ الطِّبِّ، وقدْ رُوِيَ عنِ ابنِ عمرَ وأبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُما كراهةٌ
الإناءِ الصفْرِ ، قالَ بعضُهُمْ : أخرجتُ لشعبةَ ماءً في إناءِ صِفْرٍ ، فأبى أنْ
يتوضَّأَ منهُ ، ونقلَ كراهيةَ ذلكَ عنِ ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما (٥) .
ومهما فرِغَ مِنْ وضوئِهِ وأقبلَ على الصلاةِ .. فينبغي أنْ يخطرَ ببالِهِ أنَّهُ
طهَّرَ ظاهرَهُ وهوَ موضعُ نظرِ الخلْقِ ، فينبغي أنْ يستحييَ مِنْ مناجاةِ اللهِ تعالى
مِنْ غيرِ تطهيرِ قلبِهِ وهوَ موضعُ نظرِ الربِّ سبحانَهُ .
وليتحققْ أنَّ طهارةَ القلبِ بالتوبةِ ، والخلوِّ عَنِ الأخلاقِ المذمومةِ ،
والتخلَّقِ بالأخلاقِ الحميدةِ .. أولى، وأنَّ مَنِ اقتصرَ على طهارةِ الظاهرِ كمَنْ
(١) رواه الترمذي (٥٤)، وعند أبي داوود (٢٤٥) من كلام إبراهيم بن خالد: ( كانوا
لا يرون بالمنديل بأساً ولكن كانوا يكرهون العادة ) .
(٢) رواه الترمذي ( ٥٣ ) .
(٣) أي: في هذا الحديث خاصة، والضعف جاء من أبي معاذ، سمَّاه الترمذي سليمان بن
الأرقم ، وقال عقب روايته : ( حديث عائشة ليس بالقائم ) ، والذي اختاره الإمام
النووي في ((شرح صحيح مسلم)) (٢٣٢/٣): (والثالث: أنه مباح ، يستوي فعله
وتركه ، وهذا هو الأظهر المختار ؛ فقد جاء هذا الحديث الصحيح في الإباحة ، ولم
يثبت في النهي شيء أصلاً ) .
(٤) الصُّفْر : النحاس ، وقيل : أجوده .
(٥) قوت القلوب (٩٣/٢) .
٤٩٧
ـيم
.والـ

كتاب أسرار الطهارة
ربع العبادات
أرادَ أنْ يدعوَ ملكاً إلى بيتِهِ ، فتركَهُ مشحوناً بالقاذوراتِ واشتغلَ بتجصيصٍ
ظاهرِ البابِ البرَّانِيِّ مِنَ الدارِ ، وما أجدرَ مثلَ هذا الرجلِ بالتعرُّضِ للمقتِ
والبوارِ ! واللهُ سبحانَهُ أعلمُ .
فضيلة الوضوء
قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «مَنْ توضَّأَ فأحسنَ الوضوءَ، وصلَّى
ركعتينٍ لمْ يُحَدِّثْ نفسَهُ فيهما بشيءٍ مِنَ الدنيا .. خرجَ مِنْ ذَوِهِ كيومَ ولدتُهُ
أُّهُ))، وفي لفظٍ آخرَ: (( ولمْ يَسْهُ فيهما .. غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ مِنْ ذنبهِ))(١).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أيضاً: ((ألا أنبِّئُكُمْ بما يكفِّرُ اللهُ بِهِ الخطايا ،
ويرفعُ بهِ الدرجاتِ؟ إسباغُ الوُضُوءِ على المكارهِ، ونقْلُ الأقدام إلى المساجدِ،
وانتظارُ الصلاةِ بعدَ الصلاةِ، فذلكُمُ الرباطُ )) ثلاثَ مراتٍ(٢).
وتوضَّأَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مرةً مرةً وقالَ: (( هذا وضوءٌ لا يقبلُ اللهُ
الصلاةَ إلا بهِ))، وتوضَّأَ مرَّتينِ مرَّتينٍ وقالَ: « مَنْ توضَّأْ مرَّتينِ مرَّتينٍ ..
آتاهُ اللهُ أجرَهُ مرَّتين)»، وتوضَّأَ ثلاثاً ثلاثاً وقالَ: (( هذا وضوئي ووضوءُ
الأنبياءِ مِنْ قبلي ووضوءُ خليلِ اللهِ إِبراهِيمَ عليهِ السلامُ))(٣).
ز
(١) كذا في ((القوت)) (٩١/٢)، وبنحوه عند البخاري (١٦٠)، ومسلم (٢٢٦)،
وأبي داوود ( ٩٠٥ ).
(٢) رواه مسلم (٢٥١)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢٤٨٣).
(٣) رواه ابن ماجه (٤٢٠)، والطبراني في ((الأوسط)) (٦٢٨٨).
٤٩٨

ربع العبادات
كتاب أسرار الطهارة
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ ذكرَ اللهَ عندَ وضوئِهِ .. طهَّرَ اللهُ جسدَهُ
كُلَّهُ، ومَنْ لمْ يذكُرِ اللهَ .. لمْ يطهِّرْ مِنْهُ إلا ما أصابَ الماءُ)) (١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ توضَّأَ علىُ طُهْرٍ .. كتبَ اللهُلهُ بهِ عشرَ
حسناتٍ)) (٢) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( الوضوءُ على الوضوءِ نورٌ على
نورٍ))(٣)، وهذا كلُّهُ حتٌّ على تجديدِ الوضوءِ.
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( إذا توضَّأَ العبدُ المسلمُ فتمضمضَ ..
خرجتِ الخطايا مِنْ فِيهِ ، فَإِذا استنثرَ . . خرجتِ الخطايا مِنْ أنِفِهِ ، فإذا غسَلَ
وجهَهُ .. خرجتِ الخطايا مِنْ وجهِهِ حتَّى تخرُجَ مِنْ تحتِ أشفارٍ عينيهِ ، فإذا
غسلَ يديهِ .. خَرجتِ الخطايا مِن يديهِ حتَّى تخرجَ مِنْ تحتِ أظفارِ یدیهِ ،
فإذا مسحَ برأسِهِ .. خرجتِ الخطايا مِنْ رأسِهِ حتَّى تخرجَ مِنْ أذنيهِ ، فإذا
غسل رجليهِ .. خرجتِ الخطايا مِن رِجليهِ حتَّى تَخرِجَ مِن تحتِ أظفارٍ
رجلَيْهِ، ثمَّ كانَ مشيُّهُ إلى المسجدِ وصلاتُهُ نافلةٌ لهُ)) (٤).
(١) رواه الدارقطني في ((سننه)) (١/ ٧٤).
(٢) رواه أبو داوود (٦٢)، والترمذي ( ٥٩)، وابن ماجه (٥١٢ ).
(٣) قال الحافظ السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (١٢٦٤): (ذكره الغزالي في
(( الإحياء)) فقال مخرجه - الحافظ العراقي - : لم أقف عليه ، وسبقه لذلك المنذري ،
وأما شيخنا - ابن حجر - فقال: إنه حديث ضعيف رواه رزين في (( مسنده))، قلت : قد
تقدم في معناه حديث: (( من توضأ على طهر .. ))) الحديث السابق.
(٤) رواه مالك في الموطأ)) (٣١/١)، وهو كذلك عند النسائي (٧٤/١)، وابن ماجه (٢٨٢).
٤٩٩

كتاب أسرار الطهارة
ربع العبادات
ويُروىُ أنَّ الطاهرَ كالصائمِ(١).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((مَنْ توضَّأَ فأحسنَ الوضوءَ، ثمَّ رفعَ طَرْفَهُ
إلى السماءِ فقالَ : أشهدُ أنْ لا إِلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ ، وأشهدُ أنَّ
محمداً عبدُهُ ورسولهُ .. فتحتْ لهُ أبوابُ الجنةِ الثمانيةُ ، يدخلُ مِنْ أيُّها
شاءَ))(٢) .
وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( إنَّ الوضوءَ الصالحَ يطردُ عنكَ الشيطانَ ) .
وقالَ مجاهدٌ : ( مَنِ استطاعَ ألاَّ يبيتَ إلاَّ طاهراً ذاكراً مستغفراً ..
فليفعلْ ؛ فإنَّ الأرواحَ تبعثُ على ما قُبضتْ عليهِ )(٣) .
كيفيّة الغسل
وهوَ أنْ يضعَ الإناءَ عنْ يمينِهِ ، ثمَّ يسمِّيَ اللهَ تعالى ، ويغسلَ يديهِ ثلاثاً ،
ثُمَّ يستنجيَ كما وصفناهُ ، ويزيلَ ما على بدنِهِ مِنْ نجاسةٍ إنْ كانتْ ، ثمّ
يتوضَّأَ وضوءَهُ للصلاةِ كما سبقَ إلا غسْلَ قدميهِ ، فإنَّهُ يؤخِّرُهُما ؛ فإنَّ
غسلَهُما ثمَّ وضعَهُما على الأرضِ كالإضاعةِ للماءِ .
ثُمَّ يصبَّ الماءَ على شقِّهِ الأيمنِ ثلاثاً ، ثمَّ على شقِّهِ الأيسرِ ثلاثاً ، ثمَّ
(١) رواه الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٣٩٨١) وبلفظ: ((الطاهر النائم كالصائم القائم)).
كن
(٢) رواه أبو داوود (١٦٩)، وهو عند مسلم (٢٣٤) بنحوه .
(٣) رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (١٢٧٢)، وهو في (( الحلية)) (٢٩٥/٣) من قول
سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما .
فة
٥٠٠