Indexed OCR Text
Pages 461-480
كرز ڪْكِتَابُ أشرارُ الطَّهَارِ وَمُهِمَاتِهَا وهو الكتاب الثالث من ربع العبادات من كتب إحياء علوم الدين ٤٦١ ربع العبادات كتاب أسرار الطهارة ـحن كتاب أسرار الطهارة ومهماتها بِسِْلهِ الرَّمِ الرّحَيَّةِ الحمدُ للهِ الذي تلطّفَ بعبادِهِ فتعبَّدَهُمْ بالنظافةِ ، وأفاضَ على قلوبِهِمْ تزكيةً لسرائرِهِمْ أنوارَهُ وألطافَهُ ، وأعدَّ لظواهرِهِمْ تطهيراً لها الماءَ المخصوصَ بالرقّةِ واللطافةِ . والصلاةُ على محمدٍ المستغرقِ بنورِ الهدى أطرافَ العالمِ وأكنافَهُ ، وعلى آلِهِ الطيِّبِينَ الطاهرينَ صلاةً تحمينا بركاتُها يومَ المخافةِ ، وتنتصبُ جُنَّةً بينا وبينَ كلِّ آفةٍ . أما بعد: فقدْ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((بُنِيَ الدينُ على النظافةِ))(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مفتاحُ الصلاةِ الظُّهُورُ))(٢). وقالَ اللهُ تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ اَلْمُطَّهِرِينَ﴾. (١) رواه الرافعي في ((التدوين في أخبار قزوين)) (١٧٦/١) بلفظ: ((فإن الله بنى الإسلام على النظافة ))، وعند الترمذي (٢٧٩٩): ((إن الله طيب يحب الطيب ، نظيف يحب النظافة . .. )) . (٢) رواه أبو داوود (٦١)، والترمذي (٣)، وابن ماجه (٢٧٥). ٤٦٣ إبمــ كتاب أسرار الطهارة ربع العبادات وقالَ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الطُّهُورُ نصفُ الإيمانِ))(١) وقالَ اللهُ تعالى: ﴿ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجِ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ . فتفطنَ ذوو البصائرِ بهذهِ الظواهرِ أنَّ أهمّ الأمورِ تطهيرُ السرائرِ ؛ إذْ يبعدُ أنْ يكونَ المرادُ بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الطَّهورُ نصفُ الإيمانِ)) عمارةَ الظاهرِ بالتنظيفِ بإفاضةِ الماءِ وإلقائِهِ ، وتخريبَ الباطنِ وإبقاءَهُ مشحوناً بالأخباثِ والأقذارِ ، هيهات هيهاتَ ! والطهارةُ لها أربعُ مراتبَ : الأولىُ : تطهيرُ الظاهرِ عنِ الأحداثِ وعنِ الأخباثِ والفَضَلاتِ . والثانيةُ: تطهيرُ الجوارحِ عنِ الجرائمِ والآثامِ . والثالثةُ : تطهيرُ القلبِ عَنِ الأخلاقِ المذمومةِ والرذائلِ الممقوتةِ . والرابعةُ : تطهيرُ السرِّ عمَّا سوى اللهِ تعالى، وهيَ طهارةُ الأنبياءِ والصدِّيقينَ . والطهارةُ في كلِّ رتبةٍ نصفُ العملِ الذي فيها ؛ فإنَّ الغايةَ القصوى في عملِ السرِّ أنْ ينكشفَ لهُ جلالُ اللهِ تعالى وعظمتُهُ، ولن تحلَّ معرفةُ اللهِ تعالى بالحقيقةِ في السرِّ ما لمْ يرتحلْ ما سوى اللهِ تعالى عنهُ، ولذلكَ ٢ ـتن حن: (١) رواه الترمذي (٣٥١٩) . ـحن ٤٦٤ ربع العبادات ـحار كتاب أسرار الطهارة قالَ اللهُ تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾؛ لأنَّهُما لا يجتمعانِ في قلبٍ ، وما جعلَ اللهُ لرجلٍ مِنْ قلبينٍ في جوفِهِ . ـحرف وأمَّا عملُ القلبِ .. فالغايةُ القصوى عمارتُهُ بالأخلاقِ المحمودةِ والعقائدِ المشروعةِ ، ولنْ يتصفَ بها ما لمْ ينظَفْ عنْ نقائضِها ؛ من العقائدِ الفاسدةِ والرذائلِ المذمومةِ ، فتطهيرُهُ أحدُ الشطرينِ ، وهوَ الشطرُ الأوَّلُ الذي هوَ شرطٌ في الثاني(١)، فكانَ الطَّهُورُ شطرَ الإيمانِ بهذا المعنى، وكذلكَ تطهيرُ الجوارحِ عنِ المناهي أحدُ الشطرينِ ، وعمارتُها بالطاعاتِ الشطر الثاني . وهذهِ مقاماتُ الإيمانِ ، ولكلِّ مقام طبقةٌ ، ولنْ ينالَ العبدُ الطبقةَ العاليةَ إلا أنْ يجاوزَ الطبقةَ السافلةَ ، فلا يصلُ إلى طهارةِ السرِّ عَنِ الصفاتِ المذمومةِ وعمارتِهِ بالمحمودةِ مَنْ لمْ يَفْرَغْ عنْ طهارةِ القلبِ عَنِ الخلقِ المذموم وعمارتِهِ بالمحمودِ ، ولنْ يصلَ إلى ذلكَ مَنْ لمْ يفرغْ عنْ طهارةِ الجوارحِ عنِ المناهي وعمارتِها بالطاعاتِ ، وكلَّما عزَّ المطلبُ وشَرُفَ .. صَعُبَ مسلكُهُ وطالَ طريقُهُ وكثرتْ عقباتُهُ ، فلا تظنَّنَّ أنَّ هذا الأمرَ يدركُ بالمنى وينالُ بالهُوَيْنا . نعم ، مَنْ عميتْ بصيرتُهُ عنْ تفاوتِ هذهِ الطبقاتِ .. لمْ يفهمْ مِنْ مراتبٍ الطهارةِ إلا الدرجةَ الأخيرةَ التي هيَ كالقشرِ الأخيرِ بالإضافةِ إلى اللبِّ (١) الشطر جزء الماهية ، منه قوامها ، والشرط خارج عنها، يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته . ٤٦٥ كتاب أسرار الطهارة ربع العبادات المطلوبِ ، فصارَ يمعنُ فيها ، ويستقصي في مجاريها ، ويستوعبُ جميعَ أوقاتِهِ في الاستنجاءِ ، وغسلِ الثيابِ ، وتنظيفِ الظاهرِ ، وطلبِ المياهِ الجاريةِ الكثيرةِ ؛ ظنّاً منهُ بحكمِ الوسوسةِ وخبلِ العقلِ أنَّ الطهارةَ المطلوبةَ المشرّفةَ هيَ هذهِ فقطْ، وجهلاً بسيرةِ الأوَّلينَ واستغراقِهِم جميعَ الهمِّ والوَكَدِ(١) في تطهيرِ القلوبِ، وتساهلِهِمْ في أمرِ الظاهرِ ؛ حتَّى إنَّ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ معَ علوٍّ منصبِهِ توضَّأَ بماءٍ في جرَّةِ نصرانيَّةٍ(٢) ، وحتَّى إِنَّهم ما كانوا يغسلون اليدَ مِنَ الدسوماتِ والأطعمةِ ، بل كانوا يمسحونَ أصابعَهُمْ بأخمص أقدامِهِمْ، وعدُّوا الأُشْنانَ مِنَ البدعِ المحدثةِ(٣). ولقدْ كانوا يصلُّونَ على الأرضِ في المساجدِ ، ويمشونَ حفاةً في الطرقاتِ ، ومَنْ كانَ لا يجعلُ بينَهُ وبينَ الترابِ حاجزاً في مضجعِهِ .. كانَ مِنْ أكابرِهِمْ، وكانوا يقتصرونَ على الحجارةِ في الاستنجاءِ . وقالَ أبو هريرةَ وغيرُهُ مِنْ أهلِ الصفَّةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ: ( كَّا نأكلُ الشِّواءَ ، فتقامُ الصلاةُ ، فنُدْخِلُ أصابِعَنا في الحصباءِ ، ثمَّ نفرُكَها بالترابِ و ونكبٌِّ)(٤) . (١) الوَكَد : التأكيد . (٢) رواه البيهقي في (( السنن الكبرى)) (٣٢/١)، وعلّقه البخاري قبل الحديث (١٩٣) إذ قال : ( باب وضوء الرجل مع امرأته وفضلٍ وضوء المرأة ، وتوضأ عمر بالحميم من بيت نصرانية ) . والحميم : الماء الساخن . (٣) الأشنان : عشب الغاسول ، وهو الذي يغسل به الأيدي ، فارسي معرب . (٤) رواه ابن ماجه ( ٣٣١١). ٤٦٦ ربع العبادات كتاب أسرار الطهارة وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( ما كنَّا نعرفُ الأُشنانَ في عصرِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وإنما كانتْ مناديلُنا بطونَ أرجلِنا ، كنَّا إذا أكلْنا الغَمَرَ .. مسحْنا بها)(١). ويقالُ : ( أوَّلُ ما ظهرَ مِنَ البدع بعدَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أربعةٌ: المناخلُ، والأُشنانُ، والموائدُ، والشبعُ)(٢). فكانتْ عنايتُهُمْ كلُّها بنظافةِ الباطنِ ، حتَّى قالَ بعضُهُمُ : الصلاةُ في النعلينِ أفضلُ(٣) ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمَّا نزِعَ نعليهِ في صلاتِهِ إِذْ أخبرَهُ جبريلُ عليهِ السلامُ أنَّ بهما نجاسةً وخلعَ الناسُ نعالَهُمُ .. فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لِمَ خلعتُمْ نعالَكُمْ؟!))(٤). وقالَ النخعيُّ في الذينَ يخلعونَ نعالَهُمْ: (وددتُ لو أنَّ محتاجاً جاءَ إليها فأخذَها ؛ منكراً لخلْعِ النعالِ )(٥) . فهكذا كانَ تساهلُهُمْ في هذهِ الأمورِ ، بلْ كانوا يمشونَ في طينِ الشوارع حفاةً ، ويجلسونَ عليها ، ويصلُّونَ في المساجدِ على الأرضِ ، ويأكلونَ مِنْ (١) قوت القلوب (١٤٢/٢)، والغَمَر: هو الدسم، أو زنخ اللحم، كتّى به عنه . (٢) قوت القلوب (١٤٢/٢)، والمراد بالموائد: الأكل على الخُوان، واستكثار استعماله ، وهذه البدع دليل دخول الكلفة والغفلة والبطالة . (٣) لأنها أقرب إلى التواضع والمسكنة، وأبعد من الترفه. ((إتحاف)) (٣٠٩/٢). (٤) رواه أبو داوود (٦٥٠)، ويلفظه عند أحمد في ((المسند)) (٢٠/٣). (٥) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ( ٧٩٦٤). ٤٦٧ نت كتاب أسرار الطهارة ربع العبادات دقيقِ البرِّ والشعيرِ وهوَ يداسُ بالدوابِّ وتبولُ عليهِ ، ولا يحترزونَ مِنْ عرقٍ الإبلِ والخيلِ معَ كثرةِ تمرُّغِها في النجاساتِ ، ولمْ يُنقلْ قطّ عنْ واحدٍ منْهُمْ سؤالٌ في دقائقِ النجاساتِ ، فهكذا كانَ تساهلُهُمْ فيها . وقد انتهتِ النوبةُ الآن(١) إلى طائفةٍ يسمُّونَ الرعونةَ نظافةً(٢) ، ويقولونَ : هيَ مبنى الدينِ ، فأكثرُ أوقاتِهِمْ في تزيينِهِمُ الظواهرَ ؛ كفعلِ الماشطةِ بعروسِها ، والباطنُ خرابٌ مشحونٌ بخبائثِ الكبْرِ والعجبِ والجهلِ والرياءِ والنفاقٍ ، ولا يستنكرونَ ذلكَ ولا يتعجَّبونَ منهُ، ولوٍ اقتصرَ مقتصرٌ على الاستنجاءِ بالحجرِ، أوْ مشى على الأرضِ حافياً ، أوْ صلَّى على الأرضِ أوْ على بواري المسجدِ مِنْ غيرِ سَجَّادةٍ مفروشةٍ (٣) ، أوْ مشى على الفرشِ مِنْ غيرِ غلافٍ للقدمِ مِنْ أُدُمِ ، أَوْ توضَّأَ مِنْ آنيةِ عجوزٍ أوْ رجلٍ غيرٍ متقشِّفٍ .. أقاموا عليهِ القيامةَ، وشدَّدوا عليهِ النكيرَ ، ولقَّبوهُ بالقَذِرِ ، وأخرجوهُ مِنْ زمرتِهِمْ ، واستنكفوا مِنْ مؤاكلتِهِ ومخالطتِهِ ، فسمَّوا البذاذةَ التي هيَ مِنَ الإِيمانِ قذارةً (٤) ، والرعونةَ نظافةً، فانظرْ كيفَ صارَ المنكرُ معروفاً والمعروفُ منكراً ، وكيفَ اندرسَ مِنَ الدينِ رسمُهُ كما اندرسَ تحقيقُهُ وعلمُهُ !! 55 (١) أي: في حدود الأربع مئة والتسعين (٤٩٠هـ). ((إتحاف)) (٣١٠/٢). (٢) الرعونة : الإفراط في الشيء مع جهالة ووسوسة لا أصل لها . (٣) البواري : جمع بوريا ، وهي الحصيرة ، فارسية معربة . (٤) فقد روى أبو داوود (٤١٦١): ((ألا تسمعون، ألا تسمعون؟ إن البذاذة من الإيمان))، والبذاذة : رثاثة الهيئة . ـدن ٤٦٨ ربع العبادات حن كتاب أسرار الطهارة فإنْ قلتَ : أفتقولُ : إِنَّ هذه العاداتِ التي أحدثَها الصوفيّةُ في هيئاتِهِمْ ونظافتِهِمْ مِنَ المحظوراتِ أوِ المنكراتِ ؟ فأقولُ : حاشَ للهِ أنْ أطلقَ القولَ فيهِ مِنْ غيرِ تفصيلٍ ، ولكنِّي أقولُ : هذا التكلُّفُ والتنظُّفُ، وإعدادُ الأواني والآلاتِ ، واستعمالُ غلافِ القدم والإِزارِ المتقنَّع بهِ لدفع الغبارِ ، وغيرُ ذلكَ مِنْ هذهِ الأسبابِ ؛ إِنْ وقعَ النظرُ إلى ذاتِها على سبيلِ التجرُّدِ .. فهيَ مِنَ المباحاتِ، وقدْ يقترنُ بها أحوالٌ ونِيَّاتٌ تُلْحِقُها تارةٌ بالمعروفاتِ ، وتارةٌ بالمنكراتِ . فأمَّا كونُهُ مباحاً في نفسِهِ : فلا يخفى ؛ إذْ صاحبُهُ متصرفٌ بهِ في مالِهِ وبدنِهِ وثيابِهِ ، فليفعلُ بهِ ما يريدُ إذا لمْ يكنْ فيهِ إضاعةٌ وإسرافٌ . وأما مصيرُهُ منكراً : فبأنْ يجعلَ ذلكَ من أصلِ الدينِ ، ومِنْ تفسيرِ قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( بُنِيَ الدينُ على النظافةِ)) (١)، حتَّى ينكرَ بهِ على مَنْ يتساهلُ فيهِ تساهلَ الأوَّلينَ ، وأنْ يكونَ القصدُ بهِ تزيينَ الظاهرِ للخلقِ ، وتحسينَ موقع نظرِهِمْ؛ فإنَّ ذلكَ هوَ الرياءُ المحذورُ ، فيصيرُ مُنْكَراً بهذينِ الاعتبارين . وأمَّا كونُهُ معروفاً: فبأنْ يكونَ القصدُ منهُ الخيرَ دونَ التزيُّنِ ، وألاَّ ينكرَ (١) رواه الرافعي في ((التدوين في أخبار قزوين)) (١٧٦/١) بلفظ: ((فإن الله بنى الإسلام على النظافة)) وعند الترمذي ( ٢٧٩٩): (( إن الله طيب يحب الطيب ، نظيف يحب النظافة . .. )) . ٤٦٩ حو كتاب أسرار الطهارة ربع العبادات على مَنْ تركَ ذلكَ، ولا يؤخِّرَ بسببهِ الصلاةَ عنْ أوائلِ الأوقاتِ ، ولا يشتغلَ بهِ عَنْ عملٍ هوَ أفضلُ منهُ، أوْ عنْ تربيةِ علمٍ (١) ، أوْ غيرِهِ ، فإذا لمْ يقترنْ بهِ شيءٌ مِنْ ذلكَ .. فهوَ مباحٌ يمكنُ أنْ يجعلَ قربةٌ بالنيَّةِ ، ولكنْ لا يتيسَّرُ ذلك إلا للبطَّالينَ الذينَ لوْ لمْ يشتغلوا بصرْفِ الأوقاتِ إليهِ .. لاشتغلوا بنومٍ أوْ حديثٍ فيما لا يعني ، فيصيرُ شغلُهُمْ بهِ أولى؛ لأنَّ التشاغلَ بالطهاراتِ يجدِّدُ ذكرَ اللهِ تعالى وذكرَ العباداتِ، فلا بأسَ بهِ إذا لمْ يُخْرِجْ إلى منكرٍ أوْ إسرافٍ . وأمَّا أهلُ العلمِ والعملِ .. فلا ينبغي أنْ ينصرفَ مِنْ أوقاتِهِمْ إليهِ إلا قدْرُ الحاجةِ ، والزيادةُ عليهِ منكرٌ في حقُّهِمْ، وتضييعُ العُمُرِ الذي هوَ أنفسُ الجواهرِ وأعزُّها في حقِّ مَنْ قَدَرَ على الانتفاع بهِ ، ولا يتعجّبُ مِنْ ذلكَ ؛ فإنَّ حسناتِ الأبرارِ سيئاتُ المقربينَ . ولا ينبغي للبطَّالِ أنْ يتركَ النظافةَ وينكرَ على المتصوِّفَةِ ويزعمَ أنَّهُ يتشبَّهُ بالصحابةِ ؛ إذْ التشبُّهُ بِهِمْ في ألاَّ يتفرَّغَ إلا لما هوَ أهمُّ منه؛ كما قيلَ لداوودَ الطائيّ: لِمَ لا تسرِّحُ لحِيتَكَ؟ قالَ : إِنِّي إذاً لَفَارِعٌ (٢) . فلهذا لا أرى للعالمٍ ولا للمتعلمٍ ولا للعاملِ أنْ يضيِّعَ وقتَهُ في غسْلٍ الثيابِ احترازاً مِنْ أَنْ يلبسَ الثيابَ المقصورةَ ، وتوهُّماً بالقَصَّارِ تقصيرَهُ في (١) أي : بالتعلم والتعليم، والمطالعة والمذاكرة ، والتصدي لتأليف ما هو نافع. ((إتحاف)) (٣١١/٢). (٢) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٣٣٩/٧). ٤٧٠ ربع العبادات كتاب أسرار الطهارة الغسلِ ، فقدْ كانوا في العصرِ الأوَّلِ يصلُّونَ في الفراءِ المدبوغةِ ، ولمْ يُعلمْ منهُمْ مَنْ فرَّقَ بينَ المدبوغةِ والمقصَّرةِ في الطهارةِ والنجاسةِ ، بلْ كانوا يجتنبونَ النجاسةَ إذا شاهدُوها ، ولا يدقُّقُونَ نظرَهُمْ في استنباطِ الاحتمالاتِ الدقيقةِ ، بلْ كانوا يتأمَّلونَ في دقائقِ الرياءِ والظلْمِ ، حتَّى قالَ سفيان الثوريُّ لرفيقٍ لهُ كانَ يمشي معَهُ فنظرَ إلى بابِ دارٍ مرفوع معمورٍ : لا تفعلْ ذلكَ ؛ فإنَّ الناسَ لوْ لمْ ينظروا إليهِ .. لكانَ صاحبُهُ لا يتعاطى هذا الإسرافَ ، فالناظرُ إليهِ مُعينٌ لهُ على الإسرافِ (١). وكانوا يُعِدُّونَ جِمامَ الذهنِ لاستنباطِ مثلِ هذهِ الدقائقِ(٢)، لا في احتمالِ النجاساتِ . ولوْ وجدَ العالمُ عامِّيّاً يتعاطى لهُ غسْلَ الثيابِ محتاطاً .. فهوَ أفضلُ ؛ فإنَّهُ بالإضافةِ إلى التساهلِ خيرٌ ، وذلكَ العاميُّ ينتفعُ بتعاطيهِ ؛ إذْ يشغلُ نفسَهُ الأمَّارةَ بالسوءِ بعملٍ مباحٍ في نفسِهِ ، فيمتنعُ عليهِ المعاصي في تلكَ الحالِ ، والنفسُ إنْ لمْ تُشغلْ .. شغلَتْ صاحبَها، وإذا قصدَ بهِ التقرُّبَ إلى العالم .. صارَ ذلكَ عندَهُ مِنْ أفضلِ القرباتِ ، فوقتُ العالمِ أشرفُ مِنْ أنْ يصرفَ إلى مثلِهِ ، فيبقى محفوظاً عليهِ ، وأشرفُ وقتِ العاميِّ أنْ يشتغلَ بمثلِهِ ، فيتوفّرُ الخيرُ عليهِ مِنْ كلِّ الجوانبِ . . وليتفطنْ بههذا المثالِ لنظائرِهِ مِنَ الأعمالِ ، وترتيبٍ فضائِلها ، ووجهِ (١) قوت القلوب (١٧٠/١). (٢) أي: في حفظ الباطن والظاهر. («إتحاف)» (٣١٢/٢). ٤٧١ كتاب أسرار الطهارة ربع العبادات تقديمِ البعض منها على البعضِ ، فتدقيقُ الحسابِ في حفْظِ لحظاتِ العمرِ بصرفِها إلى الأفضلِ أهمُّ مِنَ التدقيقِ في أموالِ الدنيا بحذافيرِها . وإذا عرفتَ هذهِ المقدمةَ ، واستبنتَ أنَّ الطهارةَ لها أربعُ مراتبَ .. فاعلمْ أنَّا في هذا الكتابِ لسنا نتكلّمُ إلا في المرتبةِ الرابعةِ ، وهيَ نظافةٌ الظاهرِ ؛ لأنَّا في الشطرِ الأوَّلِ مِنَ الكتابِ لا نتعرَّضُ قصداً إلا للظواهرِ . فنقولُ : طهارةُ الظاهرِ ثلاثةُ أقسام : طهارةٌ عَنِ الخبثِ ، وطهارةٌ عنِ الحدثِ ، وطهارةٌ عن فضلاتِ البدنِ ؛ وهيَ التي تحصلُ بالقلْم ، والاستحدادِ ، واستعمالِ النُّورةِ ، والختانِ ، وغيرِهِ . ٠٢ حن ٹن. جن ٤٧٢ ربع العبادات من كتاب أسرار الطهارة القِسْمُ الأَوَّلُ في طهارة النحيث والنظر فيه تعلق بالمؤال، والمُؤال به، والإزالة الطرفُ الأوَّلُ : في المزالِ : وهيَ النجاساتُ ، والأعيانُ ثلاثةٌ : جماداتٌ، وحيواناتٌ، وأجزاءُ حيواناتٍ . خن أمَّا الجماداتُ : فطاهرةٌ كلُّها إلا الخمرَ ، وكلَّ مشتدٍّ مسكرٍ . والحيواناتُ : طاهرةٌ كلُّها إلا الكلبَ والخنزيرَ وما تولَّدَ منهما أوْ مِنْ أحدهِمِا، فإذا ماتَتْ .. فكلُّها نجسةٌ إلا خمسةً: الآدميَّ، والسمكَ ، والجرادَ، ودودَ التفاح، وفي معناهُ(١) كلُّ ما تستحيلُ إليهِ الأطعمةُ، وكلَّ ما ليسَ له نَفْسٌ سائلةٌ؛ كالذبابِ ، والخُنفساءِ ، وغيرِهِما ، فلا ينجسُ الماءُ بوقوع شيءٍ منها فيهِ . وأمَّا أجزاءُ الحيواناتِ : فقسمانِ : co أحدُهما : ما يقطعُ منهُ، وحكمهُ حكْمُ الميتِ ، والشعرُ لا ينجسُ بالجزِّ والموتِ ، والعظُمُ ينجسُ . (١) أي: في معنى دود التفاح. ((إتحاف)) (٣١٥/٢). ٤٧٣ كتاب أسرار الطهارة ربع العبادات الثاني : الرطوباتُ الخارجةُ مِنْ باطنِهِ ، فكلُّ ما ليسَ مستحيلاً ولا لهُ مقرًّ(١) .. فهوَ طاهرٌ؛ كالدمع، والعرقِ، واللَّعابِ، والمخاطِ(٢) ، وما لهُ مقرٍّ وهوَ مستحيلٌ .. فنجسرٌ، إلاَّ ما هوَ مادَّةُ الحيوانِ ؛ كالمنيِّ ، والبيضِ . والقيحُ ، والدمُ ، والروثُ والبولُ نجسٌ مِنَ الحيواناتِ كلِّها . ١٥٠ ولا يعفى عنْ شيءٍ مِنْ هذهِ النجاساتِ قليلِها وكثيرِها إلاَّ عَنْ خمسةٍ : الأوَّلُ : أثرُ النجْوِ بعدَ الاستجمارِ بالأحجارِ يعفى عنهُ ما لمْ يعْدُ المخرجَ . الثاني : طينُ الشوارع وغبارُ الرؤْثِ في الطرقِ ، يعفى عنهُ معَ تيقُّنِ النجاسةِ بقدْرِ ما يتعذّرُ الاحترازُ عنهُ، وهوَ الذي لا يُنسَبُ المتلطّخُ بهِ إلى تفريطٍ أوْ سقطةٍ . الثالثُ : ما على أسفلِ الخفِّ مِنْ نجاسةٍ لا تخلو الطرقُ عنها ، فيعفى عنهُ بعدَ الدلْكِ للحاجةِ . الرابعُ : دمُ البراغيثِ ، ما قلَّ منهُ أوْ كثرَ ، إلاَّ إذا جاوزَ حدَّ العادةِ ، ـون (١) أي: ليس له اجتماع واستحالة في الباطن، وإنما يرشح رشحاً. انظر (( العزيز)) (٣٥/١) . (٢) بل حكمه حكم الحيوان المترشح منه ؛ إن كان نجساً .. فهو نجس ، وإن كان طاهراً .. فهو طاهر. انظر ((العزيز)) (٣٥/١). ٤٧٤ 1 ربع العبادات ٥ كتاب أسرار الطهارة سواءٌ كَانَ في ثوبِكَ أوْ في ثوبٍ غيرِكَ فلبستَهُ . الخامسُ : دمُ البثَراتِ وما ينفصلُ منها مِنْ قيح وصديدٍ ، ودلكَ ابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ بثرةٌ على وجهِهِ ، فخرجَ منها الدمُ وصلَّى ولمْ يغسلْ(١). وفي معناهُ ما يترشَّحُ مِنْ لطخاتِ الدماميلِ التي تدومُ غالباً ، وكذلكَ أثرٌ الفصْدِ، إلَّ ما يقعُ نادراً مِنْ خُرَاجٍ أَوْ غيرِهِ ، فيلحقُ بدم الاستحاضةِ ، ولا يكونُ في معنى البثراتِ التي لا يخلو الإنسانُ عنها في أحوالِهِ (٢). ومسامحةُ الشرع في هذهِ النجاساتِ الخمسِ تعرفُكَ أنَّ أمرَ الطهاراتِ على التساهلِ ، وما ابتُدِعَ فيها وسوسةٌ لا أصلَ لها . الطرفُ الثاني : في المزالِ بهِ : وهوَ إِمَّا جامدٌ، وإمَّا مائعٌ : أمّا الجامدُ : فحجرُ الاستنجاءِ ، وهوَ مطهِّرٌ تطهيرَ تخفيفٍ ، بشرطِ أنْ يكونَ صَلْباً طاهراً منشِّفاً غيرَ محترمٍ . ٣٦٠٠ وأما المائعاتُ : فلا تُزالُ النجاسةُ بشيءٍ منها إلا بالماءِ ، ولا كلُّ ماءٍ ، (١) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٤١/١). (٢) وحكم دم الاستحاضة العفو، ولا يمنع الصلاة ، ويجب الوضوء لكل صلاة . انظر ((العزيز)) (٢٩٨/١)، قال المصنف في ((الوسيط)) (١٦٣/٢): ( وأما لطخات الدماميل والقروح والفصد : فما يدوم منها غالباً .. يلحق بدم الاستحاضة ، وما لا يدوم .. يلحق بدم الأجنبي ؛ لأن وقوعها نادر ) . ٤٧٥ كتاب أسرار الطهارة ربع العبادات بلِ الطاهرُ الذي لمْ يتفاحشْ تغيُّرُهُ بمخالطةِ ما يستغنى عنهُ . ويخرجُ الماءُ عَنِ الطهارةِ بأنْ يتغيّرَ بملاقاةِ النجاسةِ ؛ طعمُهُ ، أَوْ لونُهُ ، أوْ ريحُهُ ، فإنْ لمْ يتغيَّرْ وكانَ قريباً مِنْ مئتينٍ وخمسينَ مَنّاً وهوَ خمسُ مئةٍ رطلٍ برطلِ العراقِ .. لمْ ينجسْ؛ لقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا بلغَ الماءُ قُلْتَيْنِ .. لمْ يحملْ خبثاً))(١)، وإنْ كانَ دونَةً .. صارَ نجساً عندَ الشافعيِّ رضيَ اللهُ عنهُ ، هذا في الماءِ الراكدِ . وأمَّا الماءُ الجاري : إذا تَغيَّرَ بالنجاسةِ فالجريةُ المتغيرةُ نجسةٌ دونَ ما فوقَها وما تحتَها ؛ لأنَّ جرياتِ الماءِ متفاصلةٌ . وكذا النجاسةُ الجاريةُ إذا جرتْ بمَجرى الماءِ .. فالنجسُ موقعُها مِنَ الماءِ ، وما عَنْ يمينِها وشمالِها إذا تقاصرَ عنْ قلَّتينِ ، وإنْ كانَ جَرْيُ الماءِ أقوى منْ جري النجاسةِ .. فما فوقَ النجاسةِ طاهرٌ ، وما يسفلُ عنها فنجسٌ وإنْ تباعدَ وكثرَ ، إلاَّ إذا اجتمعَ في حوضٍ قَدْرَ قلَّتينِ . وإذا اجتمعَ قلَّانِ مِنْ ماءِ نجسٍ .. طهرَ ، ولا يعودُ نجساً بالتفريقِ ، هذا مذهبُ الشافعيِّ رضيَ اللهُ عنهُ(٢) . ـشن حن وكنت أودّ أنْ يكونَ مذهبُهُ كمذهبٍ مالكٍ رضيَ اللهُ عنهُ ؛ في أنَّ الماءَ (١) رواه أبو داوود (٦٣)، والترمذي (٦٧)، والنسائي (٤٦/١)، وابن ماجه ( ٥١٧ ) . (٢) وهذا مشروط بعدم التغيُّرِ عند الاجتماع. انظر ((الخلاصة)) (ص ٦٠)، و((العزيز)) (٤٩/١ ) . G ٤٧٦ --------- -- - ربع العبادات كتاب أسرار الطهارة وإنْ قلَّ فلا ينجسُ إلا بالتغيّرِ ؛ إذِ الحاجةُ ماسَةٌ إليهِ ، ومثارُ الوساوسِ اشتراطُ القَّتينِ ، ولأجلِهِ شقَّ على الناسِ ذلكَ ، وهوَ - لعمري - سببُ المشقّةِ ، ويعرفُهُ مَنْ يجرِّبُهُ ويتأمَّلُهُ . وممَّا لا أشكُّ فيهِ أنَّ ذلكَ لوْ كانَ مشروطاً .. لكانَ أولى المواضع بتعسُّرٍ الطهارةِ مكة والمدينةَ ؛ إذْ لا يكثرُ فيهما المياهُ الجاريةُ ولا الراكدةُ الكثيرةُ . مـ ومِنْ أوَّلِ عصْرِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى آخرِ عصرِ الصحابةِ لمْ تنقلْ واقعةٌ في الطهارةِ ، ولا سؤالٌ عَنْ كيفيةِ حفظِ الماءِ عنِ النجاساتِ ، وكانتْ أواني مياهِهِمْ يتعاطاها الصبيانُ والإماءُ الذينَ لا يحترزونَ عَنِ النجاساتِ . وقدْ توضَّأَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ بماءٍ في جرَّةِ نصرانيَّةٍ(١) ، وهذا كالصريح في أنَّهُ لمْ يعوِّلْ إلا على عدم تغيُّرِ الماءِ ، وإلاَّ .. فنجاسةُ النصرانيّةِ وإنائِها غالبةٌ تُعلمُ بظنِّ قريبٍ ، فإذاً عسرُ القيام بهذا المذهبِ وعدمُ وقوع السؤالِ في تلكَ الأعصارِ دليلٌ أوّلُ ، وفعلُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ دليلٌ ثانٍ . والدليلُ الثالثُ : إصغاءُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الإناءَ للهَّةِ(٢)، (١) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٢/١)، وعلقه البخاري قبل الحديث ( ١٩٣) إذ قال: ( باب وضوء الرجل مع امرأته وفضل وضوء المرأة ، وتوضاً عمر بالحميم من بيت نصرانية ) . (٢) رواه الدارقطني في ((سننه » (٧٠/١)، وهو عند أصحاب السنن الأربعة من فعل أبي قتادة ، وروى في آخره حديث: ((إنها ليست بنجس ؛ إنها من الطوافين عليكم والطوافات)) . ٤٧٧ كتاب أسرار الطهارة ربع العبادات وعدمُ تغطيتِهِمْ الأوانيَ منها بعدَ أنْ تُرى أنَّها تأكلُ الفأرةَ ، ولمْ يكنْ في بلادِهِمْ حياضٌ تلغُ السنانيرُ فيها ، وكانتْ لا تنزلُ الآبارَ . والرابعُ : أنَّ الشافعيَّ رضيَ اللهُ عنهُ نصَّ على أنَّ غسالةَ النجاسةِ طاهرةٌ إذا لمْ تتغيَّرْ ، ونجسةٌ إذا تغيَّرَتْ، وأيُّ فرْقٍ بينَ أنْ يلاقيَ الماءُ النجاسةَ بالورودِ عليها أوْ بورودِها عليهِ ؟! وأيُّ معنىً لقولِ القائلِ : إنَّ قوَّةَ الورودِ تدفعُ النجاسةَ معَ أَنَّ الورودَ لمْ يمنعْ مخالطةَ النجاسةِ ؟! وإنْ أحيلَ ذلكَ على الحاجةِ .. فالحاجةُ أيضاً ماسَّةٌ إلى هذا ، فلا فرقَ بينَ طرحِ الماءِ في إجَّانةٍ (١) فيها ثوبٌ نجسٌ، أوْ طرحِ الثوبِ النجسِ في الإجَّانةِ وفيها ماءٌ ، وكلُّ ذلكَ معتادٌ في غسْلِ الثيابِ والأواني . والخامسُ : أنَّهم كانوا يستنجونَ على أطرافِ المياهِ الجاريةِ القليلةِ ، ولا خلافَ في مذهبِ الشافعيِّ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ إذا وقعَ بولٌ في ماءٍ جارٍ ولمْ يتغيَّرْ أنَّهُ يجوزُ التوضُّؤُ بهِ وإنْ كانَ قليلاً ، وأيُّ فرْقٍ بينَ الجاري والراكدِ ؟! ـتم وليتَ شعري ؛ هلِ الحوالةُ على عدم التغيُّرِ أولى أوْ على قوَّةِ الماءِ بسببٍ الجريانِ ؟ ثمَّ ما حدُّ تلكَ القوةِ : أتجري في المياهِ الجاريةِ في أنابيبٍ الحماماتِ أمْ لا؟ فإنْ لمْ تجرِ .. فما الفرقُ؟ وإنْ جرتْ فما الفرقُ بينَ ما يقعُ فيها وبينَ ما يقعُ في مَجرى الماءِ مِنَ الأواني على الأبدانِ وهيَ أيضاً جاريةٌ ؟ ثمَّ البولُ أشدُّ اختلاطاً بالماءِ الجاري مِنْ نجاسةٍ جامدةٍ ثابتةٍ إذ قضي (١) الإجَّانة: إناء تغسل فيه الثياب ، فارسي معرب. ٤٧٨ ربع العبادات كتاب أسرار الطهارة بأنَّ ما يجري عليها وإنْ لمْ يتغيَّرْ نجسٌ إلى أنْ يجتمعَ في مستنقع قلَّانِ ، فأيُّ فرقٍ بينَ الجامدِ والمائع والماءُ واحدٌ والاختلاطُ أَشْدُّ من الجوارِ ؟!(١). والسادسُ : أَنَّهُ إذا وقعَ رطْلٌ مِنَ البولِ في قلتينِ ، ثمَّ فُرِّقتا . . فكلُّ كوزٍ يغترفُ منهُ طاهرٌ، ومعلومٌ أنَّ البولَ منتشرٌ فيهِ وهوَ قليلٌ ، فليتَ شعري ؛ هلْ تعليلُ طهارتِهِ بعدم التغيُّرِ أولى أو بقوَّةِ كثرةِ الماءِ بعدَ انقطاع الكثرةِ وزوالِها معَ تحقُّقِ بقاءِ أجزاءِ النجاسةِ فيها ؟! والسابعُ : أنَّ الحماماتِ لمْ تزلْ في الأعصارِ الخاليةِ يتوضَّأُ فيها المتقشِّفونَ (٢)، ويغمسونَ الأيديَ والأوانيَ في تلكَ الحياضِ معَ قلَّةِ الماءِ ، ومعَ العلمِ بأنَّ الأيديَ النجسةَ والطاهرةَ كانتْ تتواردُ عليها . فهذهِ الأمورُ معَ الحاجةِ الشديدةِ تقوِّي في النفسِ أنَّهُمْ كانوا ينظرونَ إِلى عدم التغيُّرِ، معوِّلينَ على قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( خُلِقَ الماءُ طهوراً لا يُنجِّسُهُ شيءٌ إلاَّ ما غيَّرَ طعمَهُ أوْ رِيحَهُ أَوْ لونَهُ)) (٣). وهذا فيهِ تحقيقٌ، وهوَ أنَّ طبعَ كلِّ مائع أنْ يقلبَ إلى صفةِ نفسِهِ كلَّ ٤٤٠ (١) ذكر الأصفهاني في (( كشف تعليل المحرر)) أن للشافعي قولاً قديماً أن الماء الجاري قليلاً أو كثيراً ، سريعاً أو بطيئاً لا ينجس بملاقاة النجاسة إلا بتغير أحد أوصافه . ((إتحاف)) (٣٣١/٢) . (٢) المتقشفون : خشنو العيش من أرباب الصلاح . (٣) رواه ابن ماجه (٥٢١ ). ٤٧٩ كتاب أسرار الطهارة ربع العبادات ما يقعُ فيهِ وكانَ مغلوباً مِنْ جهتِهِ ، فكما ترى الكلبَ يقعُ في المملحةِ(١)، فيستحيلُ ملحاً ، ويحكم بطهارته ؛ لصيرورتِهِ ملحاً وزوالٍ صفةِ الكلبيَّةِ عنهُ .. فكذلكَ الخلُّ يقعُ في الماءِ ، واللبنُ يقعُ فيهِ وهوَ قليلٌ فتبطلُ صفتُهُ ، ويتصوَّرُ بصفةِ الماءِ وينطبعُ بطبعِهِ ، إلَّ إذا كثرَ وغلبَ ، وتُعرفُ غلبتُهُ بغلبةٍ طعمِهِ أوْ لونِهِ أوْ ریحِهِ . فهذا المعيارُ(٢)، وقدْ أشارَ الشرعُ إليهِ في الماءِ القويِّ على إزالةِ النجاسةِ ، وهو جديرٌ بأنْ يعوَّلَ عليهِ ، فيندفعُ بهِ الحرجُ ، ويظهرُ بهِ معنى كونِهِ طَهوراً ؛ إذْ يَغْلبُ على غيرِهِ فيطهِّرُهُ، كما صارَ كذلكَ فيما بعدَ القلتينِ ، وفي الغسالةِ ، وفي الماءِ الجاري ، وفي إصغاءِ الإناءِ للهرَّةِ . ولا تظنَّنَّ أنَّ ذلكَ عَفْوٌ؛ إذْ لوْ كانَ كذلكَ .. لكانَ كأثرِ الاستنجاءِ ودم البراغيثِ، حتَّى يصيرُ الماءُ الملاقي لهُ نجساً ، ولا ينجسُ بالغسالةِ ، ولا بولوغِ السنَّورِ في الماءِ القليلِ . وأمَّا قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((لا يَحْمِلُ خبثاً))(٣) . . فهوَ في نفسِهِ مبهم(٤) ؛ فإنَّهُ يحملُ إذا تغيَّرَ . حن (١) المملحة: معدن الملح ؛ أي : منبته الذي يستخرج الملح منه ، ما يسمى اليوم بالمنجم . (٢) في ( أ): ( المعتاد ) بدل ( المعيار ) . (٣) رواه أبو داوود (٦٣)، والترمذي (٦٧)، والنسائي (٤٦/١)، وابن ماجه ( ٥١٧ ) . ے (٤) أي: يصعب على الفهم إدراكه. ((إتحاف)) (٣٣٣/٣). ٤٨٠