Indexed OCR Text
Pages 421-440
ربع العبادات ... كتاب قواعد العقائد الأصلُ السادسُ : أنَّ الجنَّةَ والنَّارَ مخلوقتانِ : قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. ـدن فقولُهُ تعالى: ﴿أُعِدَّتْ﴾ دليلٌ على أنَّها مخلوقٌ، فيجبُ إجراؤُهُ على الظاهرِ ؛ إذْ لا استحالةَ فيهِ . مكان ولا يُقالُ : لا فائدةَ في خلقِهِما قبلَ يوم الجزاءِ ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لا يُسألُ عمَّا يفعلُ وهمْ يُسْألونَ. الأصلُ السابعُ : أَنَّ الإمامَ الحقَّ بعدَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أبو بكرٍ ، ثمَّ عمرُ ، ثمَّ عثمانُ ، ثمَّ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُمْ : ولمْ يكنْ نصَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على إمام أصلاً(١)؛ إذْ لوْ كانَ .. لكانَ أولى بالظهورِ مِنْ نصبِهِ آحادَ الولاةِ والأمراءِ على الجنودِ في البلادِ ، ولمْ يخْفَ ذلكَ، فكيفَ خَفِيَ هذا؟ وإنْ ظهرَ .. فكيفَ اندرسَ حتَّى لمْ يُنقَلْ إلينا ؟! فلمْ يكنْ أبو بكرٍ إماماً إلا بالاختيارِ والبيعةِ ، وأمَّا تقديرُ النصِّ على غيرِهِ .. فهوَ نسبةُ الصحابةِ كلَّهِمْ إلى مخالفةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ (١) أي : نصّاً جلياً قطعي الدلالة . ٤٢١ حر مون كتاب قواعد العقائد ربع العبادات وسلَّمَ، وخرقٌ للإجماع، وذلكَ ممَّا لا يستجرِىءُ على اختراعِهِ إلا الروافضُ(١). واعتقادُ أهلِ السنَّةِ تزكيةُ جميع الصحابةِ والثناءُ عليهمْ؛ كما أثنى اللهُ سبحانَهُ ورسولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عليهِمْ، وما جرى بينَ معاويةَ وعليٍّ رضيَ اللهُ عنهُما كانَ مبنياً على الاجتهادِ ، لا منازعةً مِنْ معاويةً في الإمامةِ ؛ إذْ ظنَّ عليّ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ تسليمَ قتلةِ عثمانَ رضيَ اللهُ عنهُ معَ كثرةٍ عشائِرِهِمْ واختلاطِهِمْ بالعسكرِ يؤدِّي إلى اضطرابِ أمرِ الإمامةِ في بدايتها ، فرأى التأخيرَ أصوبَ ، وظنَّ معاويةُ أنَّ تأخيرَ أمرِهِمْ معَ عِظْمٍ جنابِهِمْ يوجبُ الإغراءَ بالأئمَّةِ ، ويعرِّضُ الدماءَ للسفكِ . وقدْ قالَ أفاضلُ العلماءِ : ( كلُّ مجتهدٍ مصيبٌ ) ، وقالَ قائلونَ : ( المصيبُ واحدٌ )، ولمْ يذهب إلى تخطئَةِ عليٍّ ذو تحصيلِ أصلاً (٢). به. (١) وسموا رافضة لأنهم تركوا زيد بن علي حين نهاهم عن سبِّ الصحابة ، فلما عرفوا مقالته، وأنه لا يتبرأ من الشيخين .. رفضوه. ((إتحاف)) (٢٢٣/٢). (٢) بل كان رضي الله عنه هو المصيب في اجتهاده رضي الله عنه ، وقد نقل الحافظ الزبيدي عن الشهاب السهروردي من رسالته المسماة: (( أعلام الهدى وعقيدة أرباب التقى )" ما بعضه : ( أيها المبرأ من الهوى والعصبية ؛ اعلم أن الصحابة مع نزاهة بواطنهم وطهارة قلوبهم كانوا بشراً ، وكانت لهم نفوس ، وللنفوس صفات تظهر ، فقد كانت نفوسهم تظهر بصفةٍ وقلوبهم منكرة لذلك ، فيرجعون إلى حكم قلوبهم ، وينكرون ما كان من نفوسهم ، فانتقل اليسير من آثار نفوسهم إلى أرباب نفوسٍ عدموا القلوب ، فما أدركوا قضايا قلوبهم ، وصارت صفات نفوسهم مدركة عندهم للجنسية النفسية ، فبنوا تصرف النفوس على الظاهر المفهوم عندهم ، ووقعوا في بدع وشبه أوردتهم كل =. من ٤٢٢ ربع العبادات کتاب قواعد العقائد الأصلُ الثامنُ : أنَّ فضْلَ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ على حَسبٍ ترتيِهِمْ في الخلافة : إِذْ حقيقةُ الفضْلِ ما هوَ فضلٌ عندَ اللهِ تعالى ، وذلكَ لا يطَّلعُ عليهِ إلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وقدْ وردَ في الثناءِ على جميعِهِمْ آيَاتٌ وأخبارٌ كثيرةٌ(١) ، وإنَّما يُدرِكُ الفضلَ والترتيبَ في ذلكَ المشاهدونَ للوحي والتنزيلِ بقرائنِ الأحوالِ ودقائقِ التفصيلِ، فلولا فهمُهُمْ ذلكَ .. لما رتَّبُوا الأمرَ كذلكَ ؛ إذْ كانُوا لا تأخذُهُمْ في اللهِ لومةُ لائمٍ ، ولا يصرفُهُمْ عنِ الحقِّ صارفٌ . -- الأصلُ التاسعُ : أنَّ شرائطَ الإمامةِ بعدَ الإِسلام والتكليفِ خمسةٌ : الذكورةُ ، والورعُ(٢) ، والعلْمُ ، والكفايةُ ، ونسبُ قريشٍ : مورد رديء، وجرعتهم كل شرب وبيء ... ، فإن قبلت النصح .. فأمسك عن == التصرف في أمرهم ، واجعل محبتك للكل على السواء ، وأمسك عن التفصيل ) . ((إتحاف)) (٢٢٩/٢). (١) كما روى البخاري ( ٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤٠) مرفوعاً: (( لا تسبوا أصحابي ، لا تسبوا أصحابي ، فوالذي نفسي بيده ؛ لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً .. ما أدرك مدَّ أحدهم ولا نصيفه))، وفي ((الترمذي)) (٣٨٦٢) مرفوعاً: (( الله الله في أصحابي ، لا تتخذوهم غرضاً بعدي ، فمن أحبهم .. فبحبي أحبهم ، ومن أبغضهم .. فيبغضي أبغضهم ، ومن آذاهم .. فقد آذاني، ومن آذاني .. فقد آذى الله ، ومن آذى الله .. يوشك أن يأخذه )) . (٢) أراد به العدالة، وبها عبر الأكثر. ((إتحاف)) (٢٣٠/٢). ٤٢٣ كتاب قواعد العقائد ربع العبادات لقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الأئمَّةُ مِنْ قريشٍ))(١)، وإذا اجتمعَ عددٌ مِنَ الموصوفينَ بهذهِ الصفاتِ .. فالإمامُ مَنِ انعقدَتْ لهُ البيعةُ مِنْ أكثرِ الخلقِ ، والمخالفُ للأكثرِ باغ يجبُ ردُّهُ إلى الانقيادِ إلى الحقِّ . الأصلُ العاشرُ : أنَّهُ لوْ تعذَّرَ وجودُ الورع والعلم فيمَنْ يتصدَّى للإمامةِ ، وكانَ في صرفِهِ إثارةُ فتنةٍ لا تُطاقُ . . حكمْنا بانعقادِ إمامتِهِ : لأنَّا بينَ أنْ نحرِّكَ فتنةٌ بالاستبدالِ ، فما يلقى المسلمونَ فيهِ مِنَ الضَّررِ يزيدُ على ما يفوتُهُمْ مِنْ نقصانِ هذهِ الشروطِ التي أُثبتتْ لمزيَّةِ المصلحةِ ، فلا يُهدمُ أصلُ المصلحةِ شغفاً بمزاياها ؛ كالذي يبني قصراً ويهدم مِصراً ، وبينَ أنْ نحكمَ بخلوِّ البلادِ عَنِ الإمامِ ، وبفسادِ الأقضيةِ ، وذلكَ محالٌ ، ونحنُ نقضي بنفوذِ قضاءِ أهلِ البغي في بلادِهِمْ لمسيسٍٍ حاجتِهِمْ ، فكيفَ لا نقضي بصحّةِ الإمامةِ عندَ الحاجة والضرورةِ ؟! حن فهذهِ الأركانُ الأربعةُ الحاويةُ للأصولِ الأربعينَ هيَ قواعدُ العقائِدِ ، فمَنِ اعتقدَها .. كانَ موافقاً لأهلِ السنَّةِ ومبايناً لرهْطِ البدعةِ ، واللهُ تعالى يسدِّدُنا بتوفيقِهِ، ويهدينا إلى الحقِّ وتحقيقِهِ ، بمنِّهِ وسَعَةِ جودِهِ وفضلِهِ، وصلَّى اللهُ على سيدنا محمدٍ وعلى آلِهِ وكلِّ عبدٍ مصطفىّ . (١) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) ( ٥٩٠٩). .G ٤٢٤ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد الفَصْلُ الرَّابِعُ مِنْ قَوَاعِدِ العَقَائِدِ في الإيمان والإسلام وما بينهما من الاتصال والانفصال وما يتطرق إليه من الزيادة والنقصان ووجداستثناءالسّلف فيه وفيه ثلاث مسائل مَثَالَّةٌ [هلِ الإِسلامُ هوَ الإيمانُ بعينِهِ أوْ غيرُهُ؟] اختلفوا في أنَّ الإسلامَ : هلْ هوَ الإيمانُ أوْ غيرُهُ ؟ وإنْ كانَ غيرَهُ : فهلْ هوَ منفصلٌ عنهُ يوجدُ دونَهُ، أوْ هوَ مرتبطٌ بهِ بلازمُهُ؟ فقيل: إنَّهُما شيءٌ واحدٌ . وقيلَ : إِنَّهُما شيئانِ لا يتواصلانِ . وقيلَ : إِنَّهُما شيئانِ ولكنْ يرتبطُ أحدُهُما بالآخرِ . وقدْ أوردَ أبو طالبٍ المكيُّ في هذا كلاماً شديدَ الاضطرابِ كثيرَ التطويلٍ (١)، فلنهجمِ الآنَ على التصريحِ بالحقِّ مِنْ غيرِ تعريجٍ على نقلٍ (١) قوت القلوب (١٢٩/٢). ٤٢٥ ن جن -- كتاب قواعد العقائد ربع العبادات ما لا تحصيلَ لهُ ، فنقولُ : في هذا ثلاثةُ مباحثَ : بحثٌ عنْ موجَبٍ اللفظينِ في اللغةِ ، وبحثٌ عَنِ المرادِ بهِما في إطلاقِ الشرع ، وبحثٌ عَنْ حكمِهِما في الدنيا والآخرةِ . والبحثُ الأوَّلُ لغويٌّ ، والثاني تفسيريٌّ ، والثالثُ فقهيٌّ شرعيٌّ . البحث الأوّل: في موجب اللّغة والحقُّ فيهِ أنَّ الإيمانَ عبارةٌ عَنِ التصديقِ ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَمَآ أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ أَنَا﴾ أيْ : بمصدِّقٍ . والإسلامُ عبارةٌ عنِ التسليمِ والاستسلام بالإذعانِ والانقيادِ ، وتركِ التمرُّدِ والإباءِ والعنادِ . وللتصديقِ محلٌّ خاصٌّ وهوَ القلبُّ ، واللسانُ ترجمانُهُ ، وأمَّا التسليمُ .. فإنَّهُ عامّ في القلبِ واللسانِ والجوارحِ ، فإنَّ كلَّ تصديقٍ بالقلبِ فهوَ تسليمٌ وتركُ الإباءِ والجحودِ ، وكذلكَ الاعترافُ باللسانِ ، وكذلكَ الطاعةُ والانقيادُ بالجوارحِ . فموجَبُ اللغةِ أنَّ الإسلامَ أعمُّ والإيمانَ أخصُّ ، وكأنَّ الإيمانَ عبارةٌ عنْ أشرفٍ أجزاءِ الإسلامِ . فإذاً ؛ كلُّ تصديقٍ تسليمٌ ، وليسَ كلُّ تسليمٍ تصديقاً . ٢ ٠٠٥ ٤٢٦ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد المبحث الثاني: عن الطلاق الشّرع ---- والحقُّ فيهِ أنَّ الشرعَ قدْ وردَ باستعمالِهِما على سبيلِ الترادفِ والتواردِ ، ووردَ على سبيلِ الاختلافِ ، ووردَ على سبيلِ التداخلِ : أمَّا الترادفُ: ففي قولِهِ تعالى: ﴿فَأَخْرَحْنَا مَن كَانَ فِيَهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ فَا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، ولمْ يكنْ بالاتفاقِ إلا بيتٌ واحدٌ. وقالَ تعالى: ﴿إِن كُمْءَامَنُثُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَُّواْ إِن كُنُمْ مُسْلِمِينَ﴾. وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( بُنيَ الإسلامُ على خمسٍ)»(١)، وسُئِلَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مرَّةً عَنِ الإيمانِ فأجابَ بهذِهِ الخمسِ (٢). الم. وأمَّا الاختلافُ : فقولُهُ تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾، ومعناهُ : استسلمْنا في الظاهرِ ، فأرادَ بالإيمانِ ههنا تصديقَ القلبِ فقطْ ، وبالإسلام الاستسلامَ ظاهراً باللسانِ والجوارحِ . وفي حديثٍ جبريلَ عليهِ السلامُ لمَّا سألَهُ عَنِ الإيمانِ فقالَ: (( أنْ تؤمنَ باللهِ وملائكتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليومِ الآخرِ وبالبعثِ بعدَ الموتِ وبالحسابِ وبالقدَرِ خيرِهِ وشرِّهِ))، فَقَالَ: فما الإسلامُ؟ فذكرَ الخصالَ الخمسَ(٣) ، (١) رواه البخاري (٨)، ومسلم (١٦). (٢) رواه البيهقي في (( السنن الكبرى)) (١٩٩/٤)، وهو بغير ذكر الحج عند البخاري (٥٣)، ومسلم (١٧) من حديث وفد عبد قيس عندهم . (٣) رواه مسلم (٨). ٤٢٧ كتاب قواعد العقائد ربع العبادات فعبَّرَ بالإسلامِ عَنْ تسليمِ الظاهرِ بالقولِ والعملِ . وفي حديثٍ سعدٍ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أعطى رجلاً عطاءً ولمْ يُعْطِ الآخرَ ، فقالَ لهُ سعدٌ : يا رسولَ اللهِ ؛ تركتَ فلاناً لمْ تعطِهِ وهوَ مؤمنٌ ، فقال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أوْ مسلمٌ))، فأعادَ عليهِ، فأعادَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(١). وأمَّا التداخلُ : فما رُوِيَ أيضاً أنَّهُ سُئِلَ فقيلَ لَهُ: أيُّ الأعمالِ أفضلُ ؟ فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الإسلامُ))، فقالَ: أيُّ الإسلام أفضلُ ؟ فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الإيمانُ))(٢). فت ۔۔ وهذا دليلٌ على الاختلافِ ، والتداخلِ ، وهوَ أوفقُ الاستعمالاتِ في اللغةِ(٣)؛ لأنَّ الإيمانَ عملٌ مِنَ الأعمالِ، وهوَ أفضلُها، والإسلامُ هوَ تسليمٌ ؛ إمَّا بالقلبِ ، وإمَّا باللسانِ ، وإما بالجوارحِ ، وأفضلُها الذي بالقلبِ ، وهوَ التصديقُ الذي يسمَّى إيماناً . والاستعمالُ لهُما على سبيلِ الاختلافِ ، وعلى سبيلِ التداخلِ ، وعلى سبيلِ الترادفِ .. كلُّهُ غيرُ خارجٍ عنْ طريقِ التجوُّزِ في اللغةِ . مكن أمَّا الاختلافُ : فهوَ أنْ يُجعَلَ الإيمانُ عبارةً عنِ التصديقِ بالقلبِ فقطْ ، ٢ (١) رواه البخاري (٢٧)، ومسلم (١٥٠). (٢) رواه أحمد في ((مسنده)) (٤/ ١١٤) . (٣) أي: وروده على سبيل التداخل هو أوفق الاستعمالات في اللغة. ((إتحاف)) (٢٣٩/٢ ) . ٤٢٨ حـ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد وهوَ موافقٌ للغةِ ، والإسلامُ عبارةً عَنِ التسليمِ ظاهراً ، وهوَ أيضاً موافقٌ للغةِ ؛ فإنَّ التسليمَ ببعضٍ محالِّ التسليمِ ينطلقُ عليهِ اسمُ التسليمِ ، فليسَ مِنْ شرطٍ حصولِ الاسمِ عمومُ المعنى لكلِّ محلٌّ يمكنُ أنْ يوجدَ المعنى فيهِ ؛ فإنَّ مَنْ لمسَ غيرَهُ ببعضٍ بدِنِهِ يُسمَّى لامساً وإنْ لمْ يستغرقْ جميعَ بدِنِهِ ، فإطلاقُ اسمِ الإسلامِ على التسليمِ الظاهرِ عندَ عدمٍ تسليمِ الباطنِ مطابقٌ للسانِ، وعلى هذا الوجهِ جرىُ قولُهُ تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾، وقولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : في حديث سعد : ((أَوْ مسلمٌ))؛ لأنَّهُ فضَّلَ أحدَهُما على الآخرِ ، ويريدُ بالاختلافِ تفاضلَ المسمَّيينِ . وأمَّا التداخلُ : فموافقٌ أيضاً للغةِ في خصوصِ الإيمانِ ، وهوَ أنْ يُجعلَ الإسلامُ عبارةً عنِ التسليمِ بالقلبِ والقولِ والعملِ جميعاً ، والإيمانُ عبارةً عنْ بعضٍ ما دخلَ في الإسلامِ ، وهوَ التصديقُ بالقلبِ ، وهوَ الذي عنيناهُ بالتداخلِ ، وهوَ موافقٌ للغةِ في خصوصِ الإيمانِ وعمومِ الإسلامِ للكلِّ ، وعلى هذا خُرِّجَ قولُهُ: (( الإيمانُ))، في جوابٍ قولِ السائلِ: أَيُّ الإسلامِ أفضلُ؟ لأنَّهُ جعلَ الإيمانَ خصوصاً مِنَ الإسلام ، فأدخلَهُ فیهِ . وأمَّا استعمالُهُ على سبيلِ الترادفِ : بأنْ يُجعلَ الإسلامُ عبارةً على التسليمِ بالقلبِ والظاهرِ جميعاً ، فإنَّ كلَّ ذلكَ تسليمٌ ، وكذا الإيمانُ ، ويكونُ التصرُّفُ في الإيمانِ على الخصوصِ بتعميمِهِ وإدخالِ الظاهرِ في معناهُ ، وهوَ جائزٌ ؛ لأنَّ تسليمَ الظاهرِ بالقولِ والعملِ ثمرةُ تصديقِ الباطنِ ونتيجتُهُ . - ٤٢٩ كتاب قواعد العقائد ربع العبادات وقدْ يُطلقُ اسمُ الشجرِ ويُرادُ بهِ الشجرُ معَ ثمرِهِ على سبيلِ التسامحِ ، فيصيرُ بهذا القدْرِ مِنَ التعميمِ مرادفاً لاسمِ الإسلامِ ومطابقاً لهُ ، فلا يزيدُ عليهِ ولا ينقصُ، وعليهِ خُرِّجَ قولُهُ: ﴿فَا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. البحث الثالث عن الحكم الشرعي وللإسلام والإيمانِ حكمانٍ ؛ أخرويٌّ ودنيويٌّ : أمَّا الأخرويُّ : فهوَ الإخراجُ مِنَ النارِ ، ومنعُ التخليدِ ؛ إذْ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( يخرجُ مِنَ النارِ مَنْ كانَ في قلبِهِ مثقالُ ذرَّةٍ مِن الإيمانِ )) (١) . وقدِ اختلفوا في أنَّ هذا الحكمَ على ماذا يترتَّبُ ، وعبَّروا عنهُ بأنَّ الإيمانَ ماذا ؟ فمنْ قَائلِ يقولُ : إنَّهُ مجرَّدُ العقْدِ (٢)، ومِنْ قائلِ يقولُ: إنَّهُ عقْدٌ بالقلبِ وشهادةٌ باللسانِ(٣)، ومِنْ قائلٍ يزيدُ ثالثاً، وهوَ العملُ بالأركانِ (٤). (١) رواه البخاري (٢٢)، ومسلم (١٨٣)، والترمذي (٢٥٩٨) واللفظ له . (٢) كما هو مختار الأشاعرة، وبه قال الماتريدية. ((إتحاف)) (٢٤١/٢). (٣) وهو منقول عن الإمام أبي حنيفة ، ومشهور أصحابه ، وعن بعض المحققين من الأشاعرة. ((إتحاف)) (٢٤١/٢). (٤) وهذا هو قول الخوارج ، وهذا جرَّهم لتكفير صاحب الذنب مطلقاً؛ لعدم تصور واسطة بين الكفر والإيمان. ((إتحاف)) (٢/ ٢٤٢) بتصرف . ٤٣٠ 1 ربع العبادات كتاب قواعد العقائد ونحنُ نكشفُ الغطاءَ عنهُ ونقولُ : مَنْ جمعَ بينَ هذهِ الثلاثِ .. فلا خلافَ في أنَّ مستقرّهُ الجنَّةُ ، وهذهِ درجةٌ . والدرجةُ الثانيةُ : أَنْ يوجدَ اثنانِ وبعضُ الثالثِ ، وهوَ القولُ والعقْدُ وبعضُ الأعمالِ ، ولكنِ ارتكبَ صاحبُهُ كبيرةٌ أَوْ بعضَ الكبائرِ ؛ فعندَ هذا قالتِ المعتزلةُ : خرجَ بهذا عنِ الإِيمانِ ولمْ يدخلْ في الكفْرِ ، بلِ اسمُهُ فاسقٌ ، وهوَ على منزلةٍ بينَ المنزلتينِ ، وهوَ مخلّدٌ في النارِ ، وهذا باطلٌ كما سنذكرُهُ . الدرجةُ الثالثةُ : أنْ يوجدَ التصديقُ بالقلبِ والشهادةُ باللسانِ دونَ الأعمالِ بالجوارحِ ، وقدِ اختلفوا في حكمِهِ . فقالَ أبو طالبِ المكيُّ : العملُ بالجوارحِ مِنَ الإيمانِ ولا يتمُّ دونَهُ ، وادَّعَى الإجماعَ فيهِ ، واستدلَّ بأدلَّةٍ تشعرُ بنقيضِ غرضِهِ ؛ كقولهِ تعالى : ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾؛ إذْ هذا يدلُّ على أنَّ العملَ وراءَ الإيمانِ لا مِنْ نفْسِ الإيمانِ ، وإلاَّ .. فيكونُ العملُ في حكمِ المعادِ . والعجبُ أنَّهُ ادَّعَى الإجماعَ في هذا، وهوَ معَ ذلكِ ينقلُ قولَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا يكفُرُ أحدٌ إلَّ بجحودِهِ لما أقرَّ بهِ)) (١)، وينكرُ على ٢٠٠٠ (١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٤٤٣٠). ٤٣١ كتاب قواعد العقائد ربع العبادات المعتزلةِ قولَهُمْ بالتخليدِ في النارِ بسببِ الكبائرِ !(١). والقائلُ بهذا قائلٌ بعينٍ مذهبِ المعتزلةِ ، إذْ يُقالُ لهُ : مَنْ صدَّقَ بقلبهِ وشهدَ بلسانِهِ وماتَ في الحالِ .. فهلْ هوَ في الجنَّةِ ؟ فلا بدَّ أنْ يقولَ : نعمُ ، وفيهِ حكمٌّ بوجودِ الإيمانِ دونَ العملِ ، فنزيدُ ونقولُ : لوْ بقيَ حيّاً حتَّى دخلَ عليهِ وقتُ صلاةٍ واحدةٍ فتركَها ثمَّ ماتَ ، أَوْ زنى ثمَّ ماتَ .. فهلْ يخلدُ في النارِ ؟ فإنْ قالَ : نعمْ .. فهوَ مرادُ المعتزلةِ، وإنْ قالَ : لا .. فهوَ تصريحٌ بأنَّ العملَ ليسَ ركناً مِنْ نفسِ الإيمانِ ، ولا شرطاً في وجودِهِ ، ولا في استحقاقِ الجنَّةِ بهِ . وإنْ قالَ : أردتُ بهِ أنْ يعيشَ مدَّةً طويلةً ولا يصلِّي ولا يقدِمُ على شيءٍ مِنَ الأعمالِ الشرعيةِ .. قلنا : فما ضبطُ تلكَ المدَّةِ ؟ وما عددُ تلكَ الطاعاتِ التي بتركِها يبطلُ الإيمانُ ؟ وما عددُ الكبائرِ التي بارتكابها يبطلُ الإيمانُ ؟ وهذا لا يمكنُ التحكّمُ بتقديرِهِ ، ولمْ يصرْ إليهِ صائرٌ أصلاً . الدرجةُ الرابعةُ : أنْ يوجدَ التصديقُ بالقلبِ ، فقبلَ أنْ ينطقَ باللسانِ أوْ يشتغلَ بالأعمالِ ماتَ ، فهلْ نقولُ : ماتَ مؤمناً بينَهُ وبينَ اللهِ تعالى ؟(٢). وهذا ممَّا اختُلِفَ فيهِ ، ومَنْ شَرطَ القولَ لتمام الإِيمانِ .. يقولُ : هذا محرم. (١) قوت القلوب (١٣٠/٢-١٣١). (٢) بناءً على أن التصديق القلبي كافٍ في مفهوم الإيمان. ((إتحاف)) (٢٤٥/٢). ٤٣٢ سي ربع العبادات حـ كتاب قواعد العقائد ماتَ قبلَ الإيمانِ، وهوَ فاسدٌ؛ إذْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( يَخْرُجُ مِنَ النارِ مَنْ كانَ في قلبهِ مثقالُ ذرَّةٍ مِنَ الإيمانِ)»(١) ، وهذا قلبُهُ طافحٌ بالإيمانِ ، فكيفَ يخلدُ في النارِ ولمْ يُشترَطْ في حديثٍ جبريلَ عليهِ السلامُ للإيمانِ إلاَّ التصديقُ باللهِ تعالى وملائكتِهِ وكتبهِ ورسلِهِ واليومِ الآخِرِ كما سبقَ ؟! ٩٠ الدرجةُ الخامسةُ : أنْ يصدِّقَ بالقلبِ ، ويساعدَهُ مِنَ العمرِ مهلةُ النطْقِ بكلمتي الشهادةِ ، وعَلِمَ وجوبَها ، ولكنَّهُ لمْ يَنطِقْ بها ؛ فيُحتمَلُ أنْ يُجعلَ امتناعُهُ عَنِ النطقِ كامتناعِهِ عَنِ الصلاةِ ، ونقولُ : هوَ مؤمنٌ غيرُ مخلَّدٍ في النارِ ، والإيمانُ هوَ التصديقُ المحضُ ، واللسانُ ترجمانُ الإيمانِ ، فلا بدَّ أنْ يكونَ الإيمانُ موجوداً بتمامِهِ قبلَ اللسانِ حتَّى يترجمَهُ اللسانُ، وهذا هوَ الأظهرُ ؛ إذْ لا مستندَ إلا اتباعُ موجَبِ الألفاظِ ووضْعُ اللسانِ أنَّ الإيمانَ هوَ عبارةٌ عَنِ التصديقِ بالقلبِ، وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( يَخرجُ مِنَ النارِ مَنْ كانَ في قلبِهِ مثقالُ ذرَّةٍ مِنَ الإيمانِ )» ، ولا ينعدمُ الإيمانُ مِنَ القلبِ بالسكوتِ عنِ النطقِ الواجبِ ، كما لا ينعدمُ بالسكونِ عنِ الفعلِ الواجبِ . حز وقالَ قائلونَ : القولُ ركنٌ ؛ إذْ ليسَ كلمتا الشهادةِ إخباراً عَنِ القلبِ ، بلْ هوَ إنشاءُ عقْدٍ آخرَ وابتداءُ شهادةٍ والتزام ، والأوَّلُ أظهرُ . وقدْ غلا في هذا طائفةُ المرجئةِ فقالوا : هذا لا يدخلُ النارَ أصلاً ، سے (١) رواه البخاري (٢٢)، ومسلم (١٨٤)، والترمذي (٢٥٩٨) واللفظ له . ٤٣٣ كتاب قواعد العقائد ربع العبادات وقالوا : إنَّ المؤمنَ وإنْ عصى فلا يدخلُ النارَ(١) ، وسنبطلُ ذلكَ عليهِمْ. الدرجةُ السادسةُ : أنْ يقولَ بلسانِهِ : ( لا إلهَ إلا اللهُ محمدٌ رسولُ اللهِ ) ، ولكنْ لمْ يصدِّقْ بقلبهِ ، فلا نشكُّ في أنَّ هذا في حكم الآخرةِ مِنَ الكفَّارِ ، وأنَّهُ مخلَّدٌ في النارِ ، ولا نشكُّ في أنَّهُ في حكمِ الدنيا الذي يتعلَّقُ بالأثمَّةِ والولاةِ .. مِنَ المسلمينَ ؛ لأنَّ قلبَهُ لا يُطَّلَعُ عليهِ، وعلينا أنْ نظنَّ بهِ أنَّهُ ما قالَهُ بلسانِهِ إلا وهوَ منطوٍ عليهِ في قلبِهِ ، وإنَّما نشكُّ في أمرٍ ثالثٍ ، وهوَ الحكمُ الدنيويُّ فيما بينَهُ وبينَ اللهِ تعالى ، وذلكَ بأنْ يموتَ لهُ في هذهِ الحالِ قريبٌ مسلِمٌ ثمَّ يصدّقُ بعدَ ذلكَ بقلبِهِ ، ثُمَّ يَستفتي ويقولُ : كنتُ غيرَ مصدِّقٍ بالقلبِ حالةَ الموتِ ، والميراثُ الآنَ في يدي ، فهلْ يحلُّ لي بيني وبينَ اللهِ تعالى ؟ أَوْ نكحَ مسلمةً ثمَّ صدَّقَ بقلبهِ هلْ يلزمُهُ إعادةُ النكاح ؟ هذا في محلِّ النظرِ ؛ فيحتملُ أنْ يُقالَ : أحكامُ الدنيا منوطةٌ بالقولِ الظاهرِ ظاهراً وباطناً ، ويحتملُ أنْ يُقالَ : تناطُ بالظاهرِ في حقِّ غيرِهِ ؛ لأنَّ باطنَهُ غيرُ ظاهرٍ لغيرِهِ ، وباطنُهُ ظاهرٌ لهُ في نفسِهِ بينَهُ وبينَ اللهِ تعالى . والأظهرُ - والعلمُ عندَ اللهِ - أنَّهُ لا يحلُّ لهُ ذلكَ الميراثُ ، ويلزمُّهُ إعادةُ النكاح ، ولذلكَ كانَ حذيفةُ رضيَ اللهُ عنهُ لا يحضرُ جنازةَ مَنْ يموتُ مِنَ المنافقينَ ، وعمرُ رضيَ اللهُ عنهُ كانَ يراعي ذلكَ منهُ ، فلا يحضرُ إذا لمْ (١) واشتهر قول هؤلاء: لا يضرّ مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة. ٤٣٤ --- ربع العبادات كتاب قواعد العقائد يحضرْ حذيفةُ رضيَ اللهُ عنهُ(١) ، والصلاةُ فعلٌ ظاهرٌ في الدنيا وإِنْ كانَ في العباداتِ ، والتوقي عَنِ الحرام أيضاً مِنْ جملةِ ما يجبُ للهِ ؛ كالصلاةِ لقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((طلبُ الحلالِ فريضةٌ بعدَ الفريضةِ))(٢) . وليسَ هذا مناقضاً لقولنا : إنَّ الإرثَ حكمُ الإسلام ، وهوَ الاستسلامُ ، بلِ الاستسلامُ التامُّ هوَ ما يشملُ الظاهر والباطنَ . وهذهِ مباحثُ فقهيةٌ ظنيَّةٌ ، تُبنى على ظواهرِ الألفاظِ والعموماتِ والأقيسةِ ، فلا ينبغي أنْ يظنَّ القاصرُ في العلوم أنَّ المطلبَ فيهِ القطعُ مِنْ حيثُ جرتِ العادةُ بإيرادِهِ في فنِّ الكلامِ الذي يُطلبُ فيهِ القطعُ ، فما أفلحَ مَنْ نظرَ إلى العاداتِ والمراسمِ في العلومِ . فإنْ قلتَ : فما شبهةُ المعتزلةِ والمرجئةِ ؟ وما حجَّةُ بطلانِ قولِهِمْ ؟ فأقولُ : شبهتُهُمْ عموماتُ القرآنِ : أما المرجئةُ .. فقالوا : لا يدخلُ المؤمنُ النارَ وإنْ أتى بكلِّ المعاصي ؛ لقولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ فَمَن يُؤْمِنُ بِرَبِّهِ، فَلَ يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾. ولقولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ الآيةَ. ولقولِهِ تعالى: ﴿كُلَّمَآ أَلْفِىَ فِيَهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنْهَا ﴾ إلى قولِهِ: ﴿فَكَذَّبَنَا وَقُلْنَامَا (١) رواه وكيع في ((الزهد)) (٤٧٧)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٢ /٢٧٦) بنحوه . (٢) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٧٤/١٠). ٤٣٥ حن كتاب قواعد العقائد ربع العبادات نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ﴾، فقولُهُ: ﴿كُلَّمَآ أُلْفِىَ﴾ عامٌ، فينبغي أنْ يكونَ كلُّ مَنْ أُلقيَ فيها مكذِّباً . اُلَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَى﴾ ، وهذا ولقولهِ تعالى: ﴿لَا يَصْلَنَهَا إِلَّا الْأَشْقَى" حصرٌ ، وإثباتٌ ونفيٌ . ولقولِهِ تعالى: ﴿مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعَ يَوْمَيِذٍ ءَامِنُونَ﴾، والإيمانُ رأسُ الحسناتِ . ولقولِهِ تعالى: ﴿ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. وقالَ تعالى: ﴿ إِنَّا لَا تُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾. ولا حجَّةَ لهمْ في ذلكَ ؛ فإنَّهُ حيثُ ذُكرَ الإيمانُ في هذهِ الآياتِ أُرِيدَ بهِ الإيمانُ معَ العملِ ؛ إذْ بيًَّّا أنَّ الإيمانَ قدْ يُطلقُ ويُرادُ بهِ الإسلامُ ، وهوَ الموافقةُ بالقلبِ والقولِ والعملِ . مه. ودليلُ هذا التأويلِ أخبارٌ كثيرةٌ في معاقبةِ العاصينَ ومقاديرِ العقابِ ، وقولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((يخرجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كانَ في قلبِهِ مثقال ذرَّةٍ مِنَ الإيمانِ)» ، فكيفَ يخرجُ إذا لمْ يدخلْ ؟ ومِنَ القرآنِ قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾، والاستثناءُ بالمشيئةِ يدلُّ على الانقسامِ (١). (١) أي: إلى صغيرة وكبيرة، ففيه تجويز العقاب على الصغيرة، سواء اجتنب مرتكبها الكبيرة أم لا ؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنِهَا﴾، والإحصاء إنما يكون السؤال والجزاء . ((إتحاف)) (٢٥١/٢) . ـكة ٤٣٦ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد وقولُهُ تعالى: ﴿ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾، وتخصيصُهُ بالكفْرِ تحكّمٌ . وقولُهُ تعالى: ﴿أَلَاَ إِنَّ الظَّالِمِينَ فِ عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾. وقالَ تعالى: ﴿ وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ﴾. فهذهِ العموماتُ في معارضةِ عموماتِهِمْ ، ولا بدَّ مِنْ تسليطِ التخصيصِ والتأويلِ على الجانبينِ ؛ لأنَّ الأخبارَ مصرحةٌ بأنَّ العصاةَ يُعذّبونَ(١) ، بلْ قولُهُ تعالى: ﴿وَإِن ◌ِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ كالصريح في أنَّ ذلكَ لا بدَّ منهُ للكلِّ ؛ إذْ لا يخلو مؤمنٌ عَنْ ذنبٍ يرتكبُهُ(٢). جــ حن وقولُهُ تعالى: ﴿لَا يَصْلَنَهَا إِلَّا الْأَثْقَى﴾ أرادَ بهِ مِنْ جماعةٍ مخصوصينَ ، أو أرادَ بالأشقى شخصاً معيَّناً أيضاً . وقولُهُ تعالى: ﴿كُلَّمَآ أُلْغِىَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ أي: فوجٌ مِنَ الكفَّارِ . وتخصيصُ العموماتِ قريبٌ ، ومنْ هذهِ الآيةِ وقعَ للأشعريِّ وطائفةٍ مِنَ (١) كما روى البخاري (٧٤٥٠) مرفوعاً: (( ليصيبن أقواماً سفع من النار بذنوب أصابوها عقوبةٌ ، ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته ، يقال لهم : الجهنميون )) . (٢) وورود الصراط هو ورود النار لكل أحد، وبهذا فسَّرَ الآيةَ ابنُ مسعود والحسن وقتادة ، ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ تُنَجِّى اَلَّذِينَ أَتَّقَواْ وَّنَدَرُ الَّلِمِينَ فِيَهَا جِنْيًا﴾، وبعضهم فسر الورود بالدخول ، كما في حديث جابر رفعه وزاد: (( لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها ، فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم ، حتى إن للنار لضجيجاً من بردهم ، ﴿ثُمَّ تَُجِى الَّذِينَ أَنَّقَواْ﴾ الآية))، رواه أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو يعلى والنسائي في ((الكنى)) والبيهقي وغيرهم، وهو حسن. ((إتحاف)) (٢٥١/٢). ٤٣٧ كتاب قواعد العقائد ربع العبادات المتكلمينَ إنكارُ صيغ العموم ، وأنَّ هذهِ الألفاظَ يتوقَّفُ فيها إلى أنْ تردَ قرینةٌ تدلُّ على معناها . وأما المعتزلةُ: فشبهتُهُمْ قولُهُ تعالى: ﴿ وَإِ لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ . وقولُهُ تعالى: ﴿وَالْعَصْرِّ ﴿ إِنَّ الْإِنِسَنَ لَفِى خُسْرٍ ﴾ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ . وقولُهُ تعالى: ﴿ وَإِن مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾، ثمَّ قال: ﴿ثُمَّ تَجِى الَّذِينَ أَتَّقَواْ﴾. وقولُهُ تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُنَارَجَهَنَّمَ﴾ وكلُّ آيَةٍ ذُكرَ العملُ الصالحُ مقروناً فيها بالإيمانِ . وقولُهُ تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَجِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا﴾ . وهذهِ العموماتُ أيضاً مخصوصةٌ؛ بدليل قولِهِ تعالى: ﴿وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾، فينبغي أنْ تبقى لهُ مشيئةٌ في مغفرةِ ما سوى الشركِ . وكذلكَ قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( يَخْرُجُ مِنَ النارِ مَنْ كَانَ فِي قلبِهِ مثقالُ ذرّةٍ مِنَ الإيمانِ)) (١). (١) رواه البخاري (٢٢)، ومسلم (١٨٤)، والترمذي (٢٥٩٨) واللفظ له . ٤٣٨ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد شن وقولُهُ تعالى: ﴿ إِنَّا لَا تُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾. وقولُهُ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾، فكيفَ يضيعُ أجرُ أصلِ الإيمانِ وجميعِ الطاعاتِ بمعصيةٍ واحدةٍ ؟! وقولُهُ تعالى: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ أي: لإيمانِهِ ، وقدْ وردَ على مثلِ هذا السببٍ(١). فإنْ قلتَ : فقدْ مالَ الاختيارُ إلى أنَّ الإيمانَ حاصلٌ دونَ العملِ ، وقدٍ اشتهرَ عنِ السلفِ قولُهُمْ : ( الإيمانُ عقْدٌ وقولٌ وعملٌ ) ، فما معناهُ ؟ قلنا : لا يبعدُ أنْ يُعَذَّ العملُ مِنَ الإيمانِ؛ لأنَّهُ مكمِّلٌ لهُ ومتمِّمٌ ، كما يُقالُ : الرأسُ واليدانِ مِنَ الإنسانِ ، ومعلومٌ أنَّهُ يخرجُ عنْ كونِهِ إنساناً بعدم الرأسِ ، ولا يخرجُ عنهُ بكونِهِ مقطوعَ اليدِ ، وكذلكَ يُقالُ : التسبيحاتُ والتكبيراتُ مِنَ الصلاةِ وإنْ كانتْ لا تبطلُ بفقدِها . فالتصديقُ بالقلبِ مِنَ الإِيمانِ كالرَّأْسِ مِنْ وجودِ الإنسانِ ؛ إذْ ينعدمُ بعدمِهِ ، وبقيةُ الطاعاتِ كالأطرافِ ، وبعضُها أعلى مِنْ بعضٍ ، وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا يزني الزاني حينَ يزني وهوَ مؤمنٌ))(٢)، والصحابةُ رضيَ اللهُ عنهُمْ ما اعتقدوا مذهبَ المعتزلةِ في الخروجِ عَنِ الإيمانِ (١) وقد نزلت في رجل ارتدَّ بعد قبوله دية أخيه، ثم قتل قاتله وفرّ إلى مكة، فكانت ردَّته سبب خلوده في جهنم أبداً. انظر ((الدر المنثور)) (٦٢٢/٢). (٢) رواه البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم ( ٥٧ ) . ٤٣٩ 1 كتاب قواعد العقائد ربع العبادات بالزنا ، ولكنْ معناهُ : غيرُ مؤمنٍ حقّاً إيماناً تامّاً كاملاً؛ كما يُقالُ للعاجزِ المقطوع الأطرافِ : هذا ليسَ بإنسانٍ ؛ أيْ : ليسَ لهُ الكمالُ الذي هوَ وراءَ حقيقةِ الإنسانيةِ(١). مَثْألَّةٌ [في زيادة الإيمانِ ونقصانِهِ] فإنْ قلتَ : فقدِ اتفقَ السلفُ على أنَّ الإيمانَ يزيدُ وينقصُ ؛ يزيدُ بالطاعةِ ، وينقصُ بالمعصيةِ ، فإذا كان التصديقُ هوَ الإيمانَ .. فلا يُتصوَّرُ فيهِ زيادةٌ ولا نقصانٌ . فأقولُ: السلفُ همُ الشهودُ العدولُ، وما لأحدٍ عَنْ قولِهِمْ عُدولٌ ، فما ذكروهُ حقٌّ، وإنَّما الشأنُ في فهمِهِ ، وفيهِ دليلٌ على أنَّ العملَ ليسَ مِنْ أجزاءِ الإيمانِ وأركانِ وجودِهِ ، بلْ هوَ مزيدٌ عليهِ يزيدُ بهِ ، والزائدُ موجودٌ ، والناقصُ موجودٌ ، والشيءُ لا يزيدُ بذاتِهِ ، فلا يجوزُ أنْ يُقالَ : الإنسانُ يزيدُ برأسِهِ ، بلْ يقالُ : يزيدُ بلحيتِهِ وسِمَنِهِ ، ولا يجوزُ أنْ يُقالَ : الصلاةُ تزيدُ بالركوع والسجودِ ، بلْ تزيدُ بالآدابِ والسننِ . ـكن (١) قال الإمام أبو طالب المكي في ((قوت القلوب)) (١٣٢/٢) معلقاً على الحديث المذكور : ( وفيه معنىّ لطيف ، كأنه يرتفع عنه إيمان الحياء ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( الحياء من الإيمان)) ، والمستحي لا يكشف عورته على حرام ، ويبقى إيمان الإسلام والتوحيد وإيجاب الأحكام ) . ٤٤٠