Indexed OCR Text

Pages 281-300

ربع العبادات
كتاب العلم
تعالى ببغضِهِ ؛ فإنَّهُ مقيتٌ في السماءِ والأرضِ)(١) .
ورُوِيَ في الإسرائيلياتِ : أنَّ حكيماً صنَّفَ ثلاثَ مئةٍ وستينَ مصحفاً في
الحكمةِ حتَّى وُصِفَ بالحكيمِ ، فأوحى اللهُ تعالى إلى نبيِّهِمْ: قَلْ لفلانٍ :
ملأتَ الأرضَ نفاقاً ولمْ تردني بشيءٍ مِنْ ذلكَ ، وإنِّي لا أقبلُ مِنْ نفاقِكَ
شيئاً ، فندمَ الرجلُ وتركَ ذلكَ ، وخالطَ العامَّةَ ، ومشىُ في الأسواقِ ،
وواكلَ بني إسرائيل ، وتواضعَ في نفسِهِ ، فأوحى اللهُ تعالى إلى نبيِّهِمْ : قَلْ
لهُ: الآنَ وافقتَ رضائي(٢).
وحكَى الأوزاعيُّ رحمهُ اللهُ عنْ بلالِ بنِ سعدٍ أنَّهُ كانَ يقولُ : ( ينظرُ أحدُكُمْ
إلى الشرطيِّ فيستعيذُ باللهِ منهُ، وينظرُ إلى علماءِ الدنيا المتصنّعينَ للخلقِ
المتشوِّفينَ إلى الرئاسةِ فلا يمقتُهُمْ، وهُمْ أحقُّ بالمقْتِ مِنْ ذلكَ الشرطيِّ)(٣).
ورُوِيَ أنَّهُ قيلَ: يا رسولَ اللهِ؛ أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قالَ: ((اجتنابُ
المحارمِ، ولا يزالُ فُوكَ رَطباً مِنْ ذكرِ اللهِ تعالى))، قيلَ: فأيُّ الأصحابِ
خيرٌ؟ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((صاحبٌّ إنْ ذَكرتَ .. أعانَكَ، وإنْ
نسيتَ . . ذَكَّرَكَ))، قيلَ: فَأَيُّ الأصحابِ شرٍ؟ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((صاحبٌ إنْ نسيتَ .. لمْ يذكرْكَ، وإنْ ذكرتَ .. لمْ يُعِنْكَ))، قيلَ: فأيُّ
الناسِ أعلمُ؟ قالَ: ((أشدُّهُم للهِ خشيةً))، قالوا: فأخبرنا بخيارِنا ..
(١) قوت القلوب (١٤١/١).
(٢) قوت القلوب (١٤١/١)، وأصله في (( الحلية)) (٢٣٧/٥) .
(٣) قوت القلوب (١٤١/١).
٢٨١

كتاب العلم
ربع العبادات
نجالسْهُمْ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الذين إذا رُؤُوا .. ذُكِرَ اللهُ
تعالى))، قالوا: فأيُّ الناسِ شرٌّ؟ قالَ: «اللهُمَّ ؛ غَفْراً)) ، قالوا: أخبرْنا
يا رسولَ الله، قالَ: ((العلماءُ إذا فسدوا)) (١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( إنَّ أكثرَ الناسِ أماناً يومَ القيامةِ أكثرُهُمْ
فِكراً في الدنيا ، وأكثرَ الناسِ ضحكاً في الآخرةِ أكثرُهم بكاءً في الدنيا ،
وأشدَّ الناسِ فرحاً في الآخرةِ أطولُهُمْ حزناً في الدنيا))(٢).
وقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ في خطبِهِ : ( ذمَّتِي رهينةٌ وأنا بهِ زعيمٌ ، إنَّهُ
لا يهيجُ على التقوىُ زرعُ قوم ، ولا يظمَأُ على الهدى سِنْخُ أصلٍ ، وإنَّ
أجهلَ الناسِ مَنْ لا يعرفُ قَدْرَهُ، وإنَّ أبغضَ الخلْقِ إلى اللهِ تعالى رجلٌ قَمَشَ
علماً أغارَ بهِ في أغباشِ الفتنةِ ، سمَّاه أشباهٌ لهُ مِنَ الناسِ وأرذالُهُمْ عالماً ،
ولمْ يُعْنَ في العلْمِ يوماً سالماً ، بَكَّرَ فاستكثرَ ، فما قلَّ منهُ خيرٌ ممَّا كَثُرَ ،
حتَّى إذا ارتوىُ مِنْ ماءٍ آجنٍ ، وأكثرَ مِنْ غيرِ طائلٍ .. جلسَ للناسِ مفتياً
لتخليصِ ما التبسَ على غيرِهِ ، فإنْ نزلتْ بهِ إحدى المهمَّاتِ .. هيَّأَ حشْوَ
الرأيٍ مِنْ رأيِهِ ، فهوَ مِنْ قطع الشبهاتِ في مثلِ غزْلِ العنكبوتِ ، لا يدري
أخطأَ أمْ أصابَ ، ركَّابُ جهالاتٍ ، خبّاطُ عشواتٍ، لا يعتذرُ ممَّا لا يعلمُ
(١) رواه صاحب ((القوت)) (١٤٢/١) قال: ( وقد روينا حديثاً حسناً مقطوعاً، عن
سفيان، عن مالك بن مغول قال ... ) وذكره. انظر ((الإتحاف)) (١ / ٤٢٢).
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٩٣/٢) بنحوه، ولفظ المصنف عند صاحب ((القوت))
(١٥٢/١ ) .
٢٨٢

ربع العبادات
كتاب العلم
فيسلَمُ ، ولا يعضُّ على العلْمِ بضرسٍ قاطع فيغنمُ ، تيكي منهُ الدماءُ ،
وتُستحلُّ بقضائِهِ الفروجُ الحرامُ ، لا مَلِىءٌ واللّهِ بِإِصدارِ ما وردَ عليهِ ،
ولا هوَ أهلٌ لما فُوِّضَ إليهِ ، أولئكَ الذينَ حلَّتْ عليهمُ المَثُلاتُ ، وحقَّتْ
عليهِمُ النياحةُ والبكاءُ أيامَ حياةِ الدنيا )(١) .
وقالَ عليٍّ أيضاً رضيَ اللهُ عنهُ: ( إذا سمعتُمُ العلمَ .. فاكِظِمُوا عليهِ
ولا تخلِطُوهُ بهزْلٍ فتمجَّهُ القلوبُ )(٢) .
وقالَ بعضُ السلفِ : ( العالمُ إذا ضَحِكَ ضَحْكَةً .. مَجَّ مِنَ العلمِ
مَجَّةً )(٣).
وقيلَ : ( إذا جمعَ المعلِّمُ ثلاثاً .. تمَّتِ النعمةُ بهِ على المتعلِّمِ :
الصبرَ، والتواضعَ ، وحسنَ الخلقِ ، وإذا جمعَ المتعلُّمُ ثلاثاً .. تمتٍ
النعمةُ بهِ على المعلِّم : العقلَ ، والأدبَ ، وحسنَ الفهم )(٤) .
وعلى الجملةِ : فالأخلاقُ التي وردَ بها القرآنُ لا ينفكُّ عنها علماءُ
(١) رواه وكيع في ((أخبار القضاة)) (٣٢/١)، وابن قتيبة في ((عيون الأخبار))
(٦٠/١)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٥٠٤/٤٢) كلهم بنحوه ، وهو في
((القوت)) (١٤٢/١)، ويهيج : بيبس ويصفر، والسَّنْخ : الأصل من كل شيء،
وقمشَ : جَمَعَ ، وأغباش : جمع غَبْش ، وهي الظلمة آخر الليل .
(٢) رواه البيهقي في (( المدخل)) (٣٨٨)، وتمجّه : تلفظه وتأباه .
(٣) رواه الدارمي في (( سننه)) (٦٠٣)، وأبو نعيم في (( الحلية)) (١٣٣/٣) عن علي بن
حسين رحمه الله ، ونسبه ابن عبد البر في ( جامع بيان العلم وفضله)) ( ٩٤٠ ) لسيدنا
علي من تتمة القول السابق .
(٤) قوت القلوب (١٤٥/١).
٢٨٣

كتاب العلم
ربع العبادات
الآخرةِ ؛ لأنَّهِمْ يتعلمونَ القرآنَ للعملِ لا للرئاسةِ .
وقالَ ابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما : ( لقدْ عشْنا برهةٌ مِنَ الدهرِ وإنَّ أحدَنا
يُؤْتِى الإيمانَ قبلَ القرآنِ ، وتَنْزِلُ الشُّورةُ فيتعلَّمُ حلالَها وحرامَها ، وآمرَها
وزاجرَها ، وما ينبغي أنْ يقفَ عندَهُ منها ، ولقد رأيتُ رجالاً يُؤتى أحدُهُمُ
القرآنَ قبلَ الإيمانِ ، فيقرأُ ما بينَ فاتحتِهِ إلى خاتمتِهِ لا يدري ما آمرُهُ
وما زاجرُهُ، وما ينبغي أنْ يقفَ عندَهُ، يَنثرُهُ نَثْرَ الذَّقَلِ)(١) .
وفي خبرٍ آخرَ بمثلِ معناهُ : ( كَّ - أصحابَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ - أوتينا الإيمانَ قبلَ القرآنِ ، وسيأتي بعدَكُمْ قومٌ يُؤْتَونَ القرآنَ قبلَ
الإيمانِ ، يُقيمونَ حروفَهُ ويضيِّعُونَ حدودَهُ ، يقولونَ : قرأْنَا فَمَنْ أقرأُ مِنَّا ؟
وعَلِمْنا فَمَنْ أعلمُ منَّا؟ فذلكَ حظَّهُمْ ) ، وفي لفظٍ آخرَ : ( أولئكَ شرارٌ
هذهِ الأمَّةِ )(٢).
وقيلَ : خمسٌ مِنَ الأخلاقِ هيَ مِنْ علاماتِ علماءِ الآخرةِ مفهومةٌ مِنْ
خمْسٍ آيَاتٍ مِنْ كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ : الخشيةُ ، والخشوعُ ، والتواضعُ ،
وحسنُ الخلقِ ، وإيثارُ الآخرةِ على الدنيا وهوَ الزهدُ :
أمَّا الخشيةُ: فمِنْ قولهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُاْ
٠
(١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣٥/١)، والبيهقي في ((السنن الكبرى))
(١٢٠/٣)، الدَّقَل : أردأ التمر.
(٢) قوت القلوب (١٤٥/١)، وأصله عند ابن ماجه (٦١)، والبيهقي في « السنن
الكبرى» (١٢٠/٣ ).
٢٨٤

ربع العبادات
كتاب العلم
وأمَّا الخشوعُ: فمِنْ قولِهِ تعالى: ﴿خَشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِعَايَتِ اَللَّهِ
ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾.
وأمَّا التواضعُ: فمِنْ قولِهِ تعالى: ﴿ وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ أَنَّعَكَ مِنَ
اُلْمُؤْمِنِينَ﴾.
وأمَّا حسنُ الخلقِ : فمِنْ قولِهِ تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾.
وأمَّا الزهدُ: فمِنْ قولِهِ تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ نَوَابُ
اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾(١).
ولمّا تلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قولَهُ تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ
يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾ فقيلَ لهُ: ما هذا الشَّرْحُ؟ فقالَ: ((إنَّ النورَ
إذا قُذِفَ في القلبِ .. انشرحَ لهُ الصدرُ وانفسحَ))، قيلَ : فهلْ لذلكَ مِنْ
علامةٍ؟ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( نعمِ ؛ التجافي عَنْ دارِ الغرورِ ،
والإنابةُ إلى دارِ الخلودِ ، والاستعدادُ للموتِ قبلَ نزولِهِ))(٢).
ومنها : أنْ يكونَ أكثرُ بحثِهِ عَنْ علْم الأعمالِ ، وعمَّا يفسدُها ويشوِّشُ
القلوبَ ، ويهيِّجُ الوسواسَ ويثيرُ الشرّ : فإنَّ أصلَ الدينِ التوقّي مِنَ الشرِّ ،
(١) قوت القلوب (١٤٦/١).
(٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣١١/٤)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ١٠٠٦٨).
٢٨٥

كتاب العلم
ربع العبادات
ولذلكَ قيلَ(١) :
[من الهزج]
عَرَفْتُ الشَّرَّ لا لِلشَّرِّ لَكِنْ لِتَوَقِّهِ
وَمَنْ لا يَعْرِفُ الشَّرَّ مِنَ النَّاسِ يَقَعْ فِيهِ
ولأنَّ الأعمالَ الفعليةَ قريبةٌ ، وأقصاها بلْ أعلاها المواظبةُ على ذكْرِ اللهِ
تعالى بالقلبِ واللسانِ ، وإنَّما الشأنُ في معرفةِ ما يفسدُها ويشوِّشُها ، وهذا
ممَّا تكثرُ شعبُهُ ويطولُ تفريعُهُ ، وكلُّ ذلكَ ممَّا يغلبُ مسيسُ الحاجةِ إليهِ ،
وتعمُّ بهِ البلوىُ في سلوكِ طريقِ الآخرةِ .
وأمَّا علماءُ الدنيا : فإنَّهِمْ يتبعونَ غرائبَ التفريعِاتِ في الحكوماتِ
والأقضيةِ ، ويَتْعبونَ في وضع صورٍ تنقضي الدهورُ ولا تقعُ أبداً ، وإنْ
وقعتْ .. فإنَّما تقعُ لغيرِهِمْ لا لهُمْ، وإذا وقعتْ .. كانَ في القائمينَ بها
كثرةٌ ، ويتركونَ ما يلازمُهُمْ ويتكرّرُ عليهِمْ آناءَ الليلِ وأطرافَ النهارِ ، في
خواطرِهِمْ ووساوسِهِمْ وأعمالِهِمْ .
وما أبعدَ عنِ السعادةِ مَنْ باعَ مهمَّ نفسِهِ اللازمَ بمهمٌّ غيرِهِ النادرِ ؛ إيثاراً
للقبولِ والتقرُّبِ مِنَ الخلقِ على القرْبِ مِنَ اللهِ تعالى، وشَرَهاً في أنْ يسمِّيَهُ
البطَّالونَ مِنْ أبناءِ الدنيا فاضلاً محقِّقاً عالماً بالدقائقِ !
117
وجزاؤُهُ مِنَ اللهِ ألّ ينتفعَ في الدنيا بقبولِ الخلْقِ ، بلْ يتكذَّرُ عليهِ صفوُهُ
بنوائبِ الزمانِ ، ثمَّ يرِدُ القيامةَ مفلساً متحسِّراً على ما يشاهدُهُ مِنْ ربْحِ
(١) البيتان لأبي فراس الحمداني في ((ديوانه)) (ص ٣٥٢).
٢٨٦

ربع العبادات
كتاب العلم
العاملينَ وفوزِ المقرَّبينَ ، وذلكَ هوَ الخسرانُ المبينُ .
ولقدْ كانَ الحسنُ البصريُّ رحمَهُ اللهُ أشبهَ الناسِ كلاماً بكلام الأنبياءِ عليهِمُ
الصلاةُ والسلامُ، وأقربَهُمْ هَدْياً مِنَ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ (١) ، اتفقتِ الكلمةُ
في حقِّهِ على ذلكَ ، وكانَ أكثرُ كلامِهِ في خواطرِ القلوبِ ، وفسادِ الأعمالِ ،
ووساوسِ النفوسِ ، والصفاتِ الخفيّةِ الغامضةِ مِنْ شهواتِ النفسِ .
وقدْ قيلَ لهُ : يا أبا سعيدٍ ؛ إنَّكَ تتكلَّمُ بكلام لا يُسمِعُ مِنْ غيرِكَ ، فَمِنْ
أينَ أخذتَهُ ؟ قالَ : مِنْ حذيفةَ بنِ اليمانِ(٢).
وقيلَ لحذيفةَ : نراكَ تتكلَّمُ بكلام لا يُسمعُ مِنْ غيرِكَ مِنَ الصحابةِ ، فمنْ
أينَ أخذتَهُ؟ قَالَ : خصَّني بهِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، كانَ الناسُ
يسْألونَهُ عنِ الخيرِ وكنتُ أسْأَلُهُ عنِ الشرِّ مخافةَ أنْ أقعَ فيهِ ، وعَلِمتُ أنَّ الخيرَ
لا يسبقني (٣).
وقالَ مرَّةً : فعلمتُ أنَّ مَنْ لا يعرفُ الشرّ لا يعرفُ الخيرَ ، وفي لفظٍ
آخرَ : كانَ الناسُ يقولونَ: يا رسولَ اللهِ ؛ ما لِمَنْ عملَ كذا وكذا؟ يسألونَهُ
عنْ فضائلِ الأعمالِ ، وكنتُ أقولُ : يا رسولَ اللهِ ؛ ما يفسدُ كذا وكذا ؟
فلما رآني أسألُهُ عنْ آفاتِ الأعمالِ .. خصَّني بهذا العلمِ .
(١) هذياً: سيرةً وطريقاً؛ يقال: هُدِي هذيّ فلان؛ أي : سار سيرته .
(٢) قوت القلوب (١/ ١٥٠).
(٣) رواه البخاري (٣٦٠٦)، ومسلم ( ١٨٤٧) بأصله ، وألفاظه هنا وردت بسياقها في
((القوت)) (١ /١٥٠) .
٢٨٧

كتاب العلم
ربع العبادات
وكانَ حذيفةُ رضيَ اللهُ عنهُ أيضاً قدْ خُصَّ بعلْم المنافقينَ ، وأُفْرِدَ بمعرفةٍ
عِلْمِ النفاقِ وأسبابِهِ ودقائقِ الفتنِ ، فكانَ عمرُ وعثمانُ وأكابرُ الصحابةِ
رضيَ اللهُ عنهُمْ يسألونَهُ عنِ الفتنِ العامَّةِ والخاصَّةِ .
وكانَ يُسألُ عنِ المنافقينَ فيخبرُ بأعدادِ مَنْ بقيَ منهُمْ ، ولا يخبرُ
بأساميهِمْ(١).
وكانَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ يسألُهُ عنْ نفسِهِ : هلْ يعلمُ بهِ شيئاً مِنَ النفاقِ ؟
فبرَّأَهُ مِنْ ذلكَ(٢) .
وكانَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ إذا دُعيَ إلى جنازةٍ ليصلَّيَ عليها .. نظرَ : فإِنْ
حضرَ حذيفةُ .. صلَّى عليها، وإلا .. تركَ .
وكانَ يُسمَّى : صاحبَ السِّرِّ(٣).
فالعنايةُ بمقاماتِ القلبِ وأحوالِهِ هوَ دأبُ علماءِ الآخرةِ ؛ لأنَّ القلبَ هوَ
الساعي إلى قرْبِ اللهِ تعالى .
وقدْ صارَ هذا الفنّ غريباً مندرساً، وإذا تعرَّضَ العالمُ لشيءٍ منهُ ..
استُغربَ واستُبعدَ ، وقيلَ : هذا تزويقُ المذكِّرِينَ ، فأينَ التحقيقُ ؟ ويرونَ
التحقيقَ في دقائقِ المجادلاتِ .
%
(١) قوت القلوب (١٥٠/١).
(٢) رواه وكيع في (( الزهد)) (٤٧٧)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٧٦/١٢)
بنحوه .
(٣) رواه البخاري ( ٣٧٤٣).
٢٨٨

ربع العبادات
كتاب العلم
ولقدْ صدقَ مَنْ قالَ(١):
[من البسيط]
وَأَلسَّالِكُونَ طَرِيقَ الْحَقِّ أَفْرَادُ
الطُّرْقُ شَتَّى وَطُرْقُ الْحَقِّ مُفْرَدَةٌ
فَهُمْ عَلَىْ مَهَلٍ يَمْشُونَ قُصَّادُ
لاَ يُعْرَفُونَ وَلاَ تُدْرَى مَقَاصِدُهُمْ
فَجُلُّهُمْ عَنْ سَبِيلِ الْحَقِّ رُقَّادُ
وَأَلنَّاسُ فِي غَفْلَةٍ عَمَّا يُرَادُ بِهِمْ
وعلى الجملةِ : فلا يميلُ أكثرُ الخلْقِ إلا إلى الأسهلِ والأوفَقِ لطباعِهِمْ ؛
فإنَّ الحقَّ مرِّ، والوقوفَ عليهِ صعبٌ، وإدراكَهُ شديدٌ، وطريقَهُ مستوعرٌ ،
ولا سيما معرفةُ صفاتِ القلبِ وتطهيرِهِ عنِ الأخلاقِ المذمومةِ ؛ فإنَّ ذلكَ
نزْعٌ للروحِ على الدوامِ ، وصاحبُهُ يُنزَّلُ منزلةَ شاربِ الدواءِ يصبرُ على مرارتِهِ
رجاءَ الشفاءِ ، ويُنزَّلُ منزلةَ مَنْ جعلَ مدَّةَ العمرِ صومَهُ ، فهوَ يقاسي الشدائدَ
ليكونَ فطرُهُ عندَ الموتِ ، ومتىُ تكثرُ الرغبةُ في مثلِ هذا الطريقِ ؟!
ولذلكَ قيلَ : إنَّهُ كانَ في البصرةِ مئةٌ وعشرونَ متكلِّماً في الوعظِ
والتذكيرِ ، ولمْ يكنْ مَنْ يتكلَّمُ في علمِ اليقينِ وأحوالِ القلوبِ وصفاتٍ
الباطنِ إلا ثلاثةٌ: سهلٌ التُّسْتَرِيُّ، والصُّبيحيُّ، وعبدُ الرحيم(٢) ، وكانَ
يجلسُ إلى أولئكَ الخلقُ الكثيرُ الذي لا يُحصى ، وإلى هؤلاءِ عددٌ يسيرٌ قلَّما
يجاوزُ العشرةَ ؛ لأنَّ النفيسَ العزيزَ لا يصلحُ إلا لأهلِ الخصوصِ ، وما يُبذلُ
للعموم فأمرُهُ قريبٌ .
(١) هو عبد الواحد بن زيد، كما في ((القوت)) (١٥٣/١)، و (( تاريخ بغداد)) (٢٣١/٥).
(٢) ابن يحيى الأسود، والنص في ((قوت القلوب)) (١٥٦/١).
٢٨٩
شارع

كتاب العلم
ربع العبادات
ومنها : أنْ يكونَ اعتمادُهُ في علومِهِ على بصيرتِهِ وإدراكِهِ بصفاءِ قلبِهِ ،
لا على الصحُفِ والكتبِ ، ولا على تقليدِ ما يسمعُهُ مِنْ غيرِهِ : وإنَّما المقلَّدُ
صاحبُ الشرع صلواتُ اللهِ عليهِ وسلامُهُ فيما أمرَ بهِ وقالَهُ، وإنَّما يُقلَّدُ
الصحابةُ رضيَ اللهُ عنهُمْ مِنْ حيثُ إنَّ فعلَهُمْ يدلُّ على سماعِهِمْ مِنْ رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .
ثمَّ إذا قلَّدَ صاحبَ الشرع صلواتُ اللهِ عليهِ وسلامُهُ في تلقي أقوالِهِ
وأفعالِهِ بالقبولِ .. فينبغي أنْ يكونَ حريصاً على فهْم أسرارِهِ ؛ فإنَّ المقلِّدَ
إنَّما يفعلُ الفعلَ لأنَّ صاحبَ الشرع صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فعلَهُ ، وفعلُهُ لا بدَّ
وأنْ يكونَ لسرٍّ فيهِ ، فينبغي أنْ يكونَ شديدَ البحثِ عنْ أسرارِ الأعمالِ
والأقوالِ؛ فإنَّهُ إنِ اكتفى بحفظِ ما يُقالُ .. كانَ وعاءً للعلمِ ولمْ يكنْ عالماً ،
ولذلكَ كانَ يُقالُ : فلانٌ مِنْ أوعيةِ العلمِ ، وكانَ لا يُسمَّى عالماً إذا كانَ شأنَهُ
الحفظُ مِنْ غيرِ اطلاعٍ على الحِكَمِ والأسرارِ .
ومَنْ كُشِفَ عنْ قلبهِ الغطاءُ واستنارَ بنورِ الهدايةِ .. صارَ في نفسِهِ متبوعاً
مقلَّداً، فلا ينبغي أنْ يقلِّدَ غيرَهُ(١) ، ولذلكَ قالَ ابنُ عباسِ رضيَ اللهُ
عنهما : ( ما مِنْ أحدٍ إلا يُؤخذُ مِنْ علمِهِ ويُثْرَكُ إلا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
(١) لأن الفقيه في العلماء هو الفقيه بفقه علمه وقلبه ، لا بحديث سواء ، ومثل العالم بعلم
غيره مثل الواصف لأحوال الصالحين العارف بمقامات الصديقين ولا حال له
ولا مقام ... ، فمثله كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا نَصِفُونَ﴾. ((إتحاف))
(١ /٤٣٢ ) .
٢٩٠

ربع العبادات
كتاب العلم
وسلَّمَ )(١) وقدْ كانَ تعلَّمَ مِنْ زيدِ بنِ ثابتِ الفقهَ ، وقرأْ على أبَيِّ بنِ كعبٍ ،
ثُمَّ خالفَهُما في الفقهِ والقراءةِ جميعاً .
وقالَ بعضُ السلفِ : ( ما جاءنا عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ..
قبلناهُ على الرأسِ والعينِ ، وما جاءَنا عنِ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ .. فنأخذُ
منهُ ونتركُ، وما جاءَنا عنِ التابعينَ .. فَهُمْ رجالٌ ونحنُ رجالٌ)(٢).
وإنَّما فضلَ الصحابةُ لمشاهدتِهِمْ قرائنَ أحوالِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ، واعتلاقٍ قلوبِهِمْ أموراً أُدركتْ بالقرائنِ ، فسدَّدَهُمْ ذلكَ إلى
الصوابِ مِنْ حيثُ لا يدخلُ في الروايةِ والعبارةِ ؛ إذْ فاضَ عليهِمْ مِنْ نورِ
النبوَّةِ ما يحرسُهُمْ في الأكثرِ عنِ الخطأِ .
وإذا كانَ الاعتمادُ على المسموعِ مِنَ الغيرِ تقليداً غيرَ مرضيٍّ .. فالاعتمادُ
على الكُتبِ والتصانيفِ أبعدُ ، بلِ الكتبُ والتصانيفُ محدَثَةٌ لمْ يكنْ شيءٌ
منها في زمنِ الصحابةِ وصدْرِ التابعينَ ، وإنَّما حدثتْ بعدَ سنةٍ مئةٍ وعشرينَ
مِنَ الهجرةِ وبعدَ وفاةِ جميع الصحابةِ وجِلَّةِ التابعينَ رضيَ اللهُ عنهُمْ ، وبعدَ
وفاةٍ سعيدِ بنِ المسيَّبِ والحسنِ وخيارِ التابعينَ ، بلْ كانَ الأوَّلُونَ يكرهونَ
كَتْبَ الأحاديثِ وتصنيفَ الكتبِ ؛ لئلا يشتغلَ الناسُ بها عنِ الحفظِ وعنِ
القرآنِ وعنِ التدثُرِ والتفكُّرِ ، وقالوا : احفظوا كما كنا نحفظُ(٣)
(١) رواه الطبراني في (( الكبير)) (٢٦٩/١١) من حديثه مرفوعاً.
(٢) رواه البيهقي في ((المدخل)) (٢٢) عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى بنحوه .
(٣) روى أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٦٣/٣) عن الزهري قوله: ( كنا نكره الكتب =
٢٩١

كتاب العلم
ربع العبادات
ولذلكَ كَرِهَ أبو بكرِ الصدِّيقُ وجماعةٌ مِنَ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ
تصحيفَ القرآنِ في مصحفٍ ، وقالوا : كيفَ نفعلُ شيئاً لمْ يفعلْهُ رسولُ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؟! وخافوا اتكالَ الناسِ على المصاحفِ ، وقالوا :
نتركُ القرآنَ يتلقَّاهُ بعضُهُمْ مِنْ بعضٍ بالتلقينِ والإقراءِ ؛ ليكونَ هوَ شغلَهُمْ
وهَمَّهُمْ ، حتَّى أشارَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ وبقيةُ الصحابةِ بِكَتْبِ القرآنِ ؛ خوفاً
مِنْ تخاذلِ الناسِ وتكاسلِهِمْ ، وحذراً مِنْ أنْ يقعَ نزاعٌ فلا يوجدَ أصلٌ يُرجعُ
إليهِ في كلمةٍ أوْ قراءةٍ مِنَ المتشابهاتِ ، فانشرحَ صدرُ أبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ
لذلكَ، فجمعَ القرآنَ في مصحفٍ واحدٍ (١).
وكانَ أحمدُ ابنُ حنبلِ ينكرُ على مالكِ تصنيفَهُ «الموطَّأَ))، ويقولُ :
ابتدعَ ما لمْ تفعلْهُ الصحابةُ رضيَ اللهُ عنهُمْ(٢).
وقيلَ : أوَّلُ كتابٍ صُنِّفَ في الإسلامِ كتابُ ابنِ جريجٍ في الآثارِ ، وحروفُ
التفاسيرِ عنْ مجاهدٍ وعطاءٍ وأصحابِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُمْ بمكَّةً، ثمَّ کتابُ
مَعْمَرِ بنِ راشدٍ الصنعانيِّ باليمنِ ، جمعَ فيهِ سُنناً منثورةٌ مبوَّبةٌ ، ثمَّ كتابُ
((الموطأُ)) بالمدينةِ لمالكِ بنِ أنسٍ، ثمَّ جامعُ سفيان الثوريّ(٣).
٠٠٠
= حتى أكرهنا عليه السلطان، فكرهنا أن نمنعه الناس)، وروي أنه كان أول من دوّن العلم.
(١) قوت القلوب (١٥٩/١).
(٢) ولعل هذا الإنكار كان في مبادىء أمره، وإلا .. فقد جمع حديثه بنفسه على المسانيد ،
وذلك لما رأى احتياج الناس لذلك. ((إتحاف)) (١/ ٤٣٤).
(٣) قوت القلوب (١٥٩/١)، وانظر ((فتح الباري)) (المقدمة/٦).
٢٩٢
أ

ربع العبادات
كتاب العلم
ثمَّ في القرْنِ الرابع حدثتْ مصنَّفَاتُ الكلام ، وكَثُرَ الخوضُ في
الجدالِ ، والغوصُ في إبطالِ المقالاتِ ، ثمَّ مالَ الناسُ إليهِ وإلى القصصِ
والوعظِ بها ، فأخذَ علمُ اليقينِ في الاندراسِ مِنْ ذلكَ الزمانِ ، فصارَ بعدَ
ذلكَ يُستغربُ علمُ القلوبِ ، والتفتيشُ عَنْ صفاتِ النّفْسِ ومكايدِ الشيطانِ ،
وأعرضَ عَنْ ذلكَ إلا الأقلُّونَ ، فصارَ يُسمَّى المجادلُ المتكلِّمُ عالماً ،
والقاصُّ المزخرفُ كلامَهُ بالعباراتِ المسجّعةِ عالماً ، وهذا لأنَّ العوامَ هُمُ
المستمعونَ إليهِمْ، فكانَ لا يتميَّزُ لهُمْ حقيقةُ العلْمِ عنْ غيرِهِ ، ولمْ تكنْ
سيرةُ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ وعلومُهُمْ ظاهرةَ عندَهُمْ ، حتَّى كانوا يعرفونَ
بها مباينةَ هؤلاءِ لهُمْ، فاستمرَّ عليهِمُ اسمُ العلماءِ ، وتوارثَ اللقبَ خلفٌ
عنْ سلفٍ ، وأصبحَ علمُ الآخرةِ مطويّاً ، وغابَ عنهُمُ الفرقُ بينَ العلمِ
والكلام إلا عنِ الخواصِّ منهُمْ ؛ كانَ إذا قيلَ لهُمْ : فلانٌ أعلمُ أمْ فلانٌ ؟ ..
يُقالُ : فلانٌ أكثرُ علماً ، وفلانٌ أكثرُ كلاماً ، فكانَ الخواصُّ يدركونَ الفرْقَ
بينَ العلمِ وبينَ القدرة على الكلامِ .
هكذا ضَعُفَ الدينُ في قرونٍ سالفةٍ ، فكيفَ الظُّ بزمانِكَ هذا وقدِ انتهى
الأمرُ إلى أنَّ مُظهِرَ الإنكارِ يَسْتَهْدِفُ للنسبةِ إلى الجنونِ ؟!
فالأولى أنْ يشتغلَ الإنسانُ بنفسِهِ ويسكتَ .
ومنها : أنْ يكونَ شديدَ التوقي مِنْ محدثاتِ الأمورِ وإِنِ اتفقَ عليها
٢٩٣

كتاب العلم
ربع العبادات
الجمهورُ : فلا يغرَّنَّهُ إطباقُ الخلْقِ على ما أُحدثَ بعدَ الصحابةِ رضيَ اللهُ
عنهُمْ ، وليكنْ حريصاً على التفتيشِ عنْ أحوالِ الصحابةِ وسيرتِهِمْ
وأعمالِهِمْ، وما كانَ فيهِ أكثرُ همِّهِمْ : أكانَ في التدريسِ والتصنيفِ
والمناظرة والقضاءِ والولايةِ وتولِّي الأوقافِ والوصايا ومالِ الأيتام ومخالطةٍ
السلاطينِ ومجاملتِهِمْ في العِشْرةِ ، أمْ كانَ في الخوفِ والحزنِ والتفكّرِ
والمجاهدةِ ومراقبةِ الباطنِ والظاهرِ واجتنابِ دقيقِ الإثمِ وجليلِهِ والحرصِ
على إدراكِ خفايا شهواتِ النفسِ ومكايدِ الشيطانِ ، إلى غيرِ ذلكَ مِنْ علومِ
الباطنِ ؟
واعلمْ تحقيقاً : أنَّ أعلمَ أهلِ الزمانِ وأقربَهُمْ إلى الحقِّ أشبهُهُمْ بالصحابةِ
وأعرِفُهُمْ بطريقِ السلفِ ، فمنهُمْ أُخِذَ الدينُ ، ولذلكَ قالَ عليٍّ رضيَ اللهُ
عنهُ: ( خيرُنا أتبعُنا لهذا الدينِ) لمَّا أنْ قيلَ لهُ : خالفتَ فلاناً(١) .
نتائ
فلا ينبغي أنْ يكترثَ بمخالفةِ أهلِ العصرِ في موافقةِ أهلِ عصرِ رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؛ فإنَّ الناسَ رأوا رأياً فيما هُمْ فيهِ لميلِ طباعِهِمْ إليهِ ،
ولمْ تسمحْ نفوسُهُمْ بالاعترافِ بأنَّ ذلكَ سببُ الحرمانِ مِنَ الجنةِ ، فَادَّعَوا أنَّه
لا سبيلَ إلى الجنَّةِ سواءُ .
ولذلكَ قالَ الحسنُ : ( محدثانِ أُحدثا في الإسلام : رجلٌ ذو رأيٍ سوءٍ
زعمَ أنَّ الجنَّةَ لمنْ رأىُ مثلَ رأيِهِ ، ومُتْرَفِ يعبدُ الدنيا ، لها يغضبُ ولها
(١) رواه البزار كما في ((البحر الزخار)) ( ٨٧٧ ).
٢٩٤

ربع العبادات
كتاب العلم
يرضى وإِيَّاها يطلبُ، فارفضوهُما إلى النارِ ، إنَّ رجلاً أصبحَ في هذه الدنيا
بينَ مترفٍ يدعوهُ إلى دنياهُ ، وصاحبٍ هوى يدعوهُ إلى هواهُ، قدْ عصمَهُ اللهُ
تعالى منهما ، يحنُّ إلى السلفِ الصالح ، يسألُ عنْ أفعالِهِمْ ويقتصُّ
آثارَهمْ .. متعرِّضٌ لأجرٍ عظيمٍ ، فكذلكَ كونوا)(١) .
وقدْ رُوِيَ عنِ ابنِ مسعودٍ موقوفاً ومسنداً أنَّهُ قالَ: (( إنَّما هما اثنانِ :
الكلامُ والهَدْيُ ، فأحسنُ الكلام كلامُ اللهِ تعالى ، وأحسنُ الهدْىِ هديُ
رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، ألا وإِيَّاكمْ ومحدثاتِ الأمورِ ؛ فإنَّ شرّ
الأمورِ محدثاتُها ، إنَّ كلَّ محدثَةٍ بدعةٌ ، وإنَّ كلَّ بدعةٍ ضلالةٌ ، ألا
لا يطولَنَّ عليكُمُ الأمدُ فتقسوَ قُلُوبُكُمْ، ألا كلُّ ما هوَ آتٍ قريبٌ ، ألا إنَّ
البعيدَ ما ليسَ بآتٍ))(٢) .
وفي خطبةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((طُوبى لمَنْ شغلَهُ عيبُهُ عنْ
عيوبِ الناسِ ، وأنفقَ مِنْ مالٍ اكتسَبَهُ مِنْ غيرِ معصيةٍ ، وخالطَ أهلَ الفقهِ
والحكمةِ ، وجانبَ أهلَ الزللِ والمعصيةِ ، طُوبَى لمَنْ ذَلَّ في نفسِهِ وحسنتْ
خليقتُهُ ، وصلحتْ سريرتُهُ ، وعَزَلَ عنِ الناسِ شرَّهُ ، طُوبى لمَنْ عملَ بعلمِهِ
وأنفقَ الفضْلَ مِنْ مالِهِ وأمْسَكَ الفضلَ مِنْ قولِهِ ، ووسعتُهُ السنَّةُ ولمْ يعدُها
إلى بدعةٍ))(٣).
(١) قوت القلوب (١٦١/١).
(٢) رواه ابن ماجه (٤٦).
(٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٠٢/٣)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٠٠٧٩).
٢٩٥

كتاب العلم
ربع العبادات
وكانَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ يقولُ: ( حُسنُ الهذي في آخرِ الزمانِ
خيرٌ مِنْ كثيرٍ مِنَ العملِ)(١) .
وقالَ : ( أنتمْ في زمانٍ خيرُكُمْ فيهِ المسارعُ في الأمورِ ، وسيأتي بعدَكُمْ
زمانٌ يكونُ خيرُهُمُ المتثبِّتَ المتوقَّفَ لكثرةِ الشبهاتِ )(٢) .
وقدْ صدقَ ؛ فمَنْ لمْ يتثبَّتْ في هذا الزمانِ ووافقَ الجماهيرَ فيما همْ
عليهِ ، وخاضَ فيما خاضوا .. هلكَ كما هلكوا .
وقالَ حذيفةُ : ( أعجبُ مِنْ هذا أنَّ معروفَكُمُ اليومَ منكرُ زمانٍ قَدْ
مضى، وأنَّ منكرَكُمْ اليومَ معروفُ زمانٍ قدْ أتى، وإنَّكُمْ لا تزالون بخيرٍ
ما عرفتمُ الحقَّ، وكانَ العالمُ فيكُمْ غيرَ مُستخَفٍّ بهِ)(٣) .
ولقدْ صدقَ ؛ فإنَّ أكثرَ معروفاتِ هذهِ الأعصارِ منكراتٌ في عصرِ الصحابةِ
رضيَ اللهُ عنهُمْ ؛ إذْ مِنْ غررِ المعروفاتِ في زمانِنا تزيينُ المساجدِ وتنجيدُها ،
وإنفاقُ الأموالِ العظيمةِ في دقائقِ عماراتِها ، وفرشُ البُسُطِ الرفيعةِ فيها .
ولقدْ كانَ يُعدُّ فرشُ البواري(٤) في المسجدِ بدعةً، وقيل : إنَّهُ مِنْ
(١) رواه البخاري في (( الأدب المفرد) (٧٨٩) بنحوه .
(٢) قوت القلوب (١٦١/١).
(٣) قوت القلوب (١٦١/١)، وقد رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٠ /٩١) عن
عدي بن حاتم رضي الله عنه .
(٤) البواري : جمع البُوريّ أو البارياء أو الباريَّة ؛ وهي الحصير المنسوج من قصب ،
فارسية معرّبة .
٢٩٦

ربع العبادات
كتاب العلم
محدثاتِ الحَجَّاجِ(١) ، فقدْ كانَ الأوَّلونَ قلَّما يجعلونَ بِينَهُمْ وبينَ الترابِ
حاجزاً(٢).
وكذلكَ الاشتغالُ بدقائقِ الجدَلِ والمناظرةِ مِنْ أجلِّ علومِ أهلِ الزمانِ ،
ويزعمونَ أنَّهُ مِنْ أعظم القرباتِ ، وقدْ كانَ ذلكَ مِنَ المنكراتِ .
ومِنْ ذلكَ التلحينُ في القرآنِ والأذانِ(٣).
ومِنْ ذلكَ التعسُّفُ في النظافةِ والوسوسةُ في الطهارةِ ، وتقديرُ الأسبابِ
البعيدةِ في نجاسةِ الثيابِ ، معَ التساهلِ في حلِّ الأطعمةِ وتحريمِها ، إلى
نظائرِ ذلكَ (٤).
.62
ولقدْ صدقَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ حيثُ قالَ : ( أنتمُ اليومَ في زمانٍ
الهوى فيهِ تابعٌ للعلمِ ، وسيأتي عليكُمْ زمانٌ يكونُ العلمُ فيهِ تابعاً للهوى )(٥) .
وكانَ أحمدُ يقولُ : ( تركوا العلمَ وأقبلوا على الغرائبِ ، ما أقلَّ الفقة
فِيهِمْ ، والله المستعانُ)(٦)
(١) كما روي أن قتادة سجد، فدخل في عينه قصبة وكان ضريراً، فقال: لعن الله
الحجاج ، ابتدع هذه البواري يؤذي بها المصلين. قوت القلوب ( ١٧١/١).
(٢) ويستحبون السجود عليه تواضعاً لله تعالى وتخشُّعاً وذلاً. ((إتحاف)) (٤٣٩/١).
(٣) حتى لا يفهم التلاوة، وحتى تجاوز إعراب القرآن والكلمة، بمدُّ المقصور وقصر
الممدود، وإدغام المظهر وإظهار المدغم. ((إتحاف)) (٤٤٠/١).
(٤)
انظر ((قوت القلوب)) (١٦٣/١)، و((الإتحاف)) (٤٤٠/١).
(٥) قوت القلوب (١٦٧/١).
(٦) رواه الخطيب في ((الكفاية)) (٣٨٨).
٢٩٧

كتاب العلم
ربع العبادات
وقالَ مالكُ بنُ أنسٍ : ( لمْ يكنِ الناسُ فيما مضى يسألونَ عنْ هذهِ
الأمورِ كما يسألُ الناسُ اليومَ ، ولمْ يكنِ العلماءُ يقولونَ : حرامٌ
ولا حلالٌ، أدركتُهُمْ يقولونَ : مكروهٌ ومستحبٌ )(١) .
ومعناه : أنَّهِمْ كانوا ينظرونَ في دقائقِ الكراهيةِ والاستحبابِ ، فأمَّا
الحرامُ .. فكانَ فحشُهُ ظاهراً .
وكانَ هشامُ بنُ عروةَ يقولُ : ( لا تسألوهُمُ اليومَ عمَّا أحدثوا ؛ فإنَّهمْ قدْ
أعدُّوا لهُ جواباً ، ولكنْ سلوهُمْ عنِ السنَّةِ ؛ فإنَّهمْ لا يعرفونَها)(٢).
وكانَ أبو سليمانَ الدارانيُّ رحمهُ اللهُ يقولُ : ( لا ينبغي لمَنْ أُلهمَ شيئاً مِنَ
الخيرِ أنْ يعملَهُ حتَّى يسمعَ بهِ في الأثرِ ، فيحمدُ اللهَ تعالى إذْ وافقَ ما في
نفسِهِ)(٣).
وإنَّما قالَ هذا لأنَّ ما أُبدِعَ مِنَ الآراءِ قَدْ قَرَعَ الأسماعَ وعِلِقَ بالقلوبِ ،
فرتَما يشوِّشُ صفاءَ القلبِ ، فيُتخيّلُ بسببهِ الباطلُ حقّاً ، فيُحتاطُ فيهِ
بالاستظهارِ بشهادةِ الآثارِ .
ولهذا لما أحدثَ مروانُ المنبرَ في صلاةِ العيدِ عندَ المصلِّى .. قامَ إليهِ
أبو سعيد الخدريُّ رضيَ اللهُ عنهُ فقالَ: يا مروانُ؛ ما هذهِ البدعةُ ؟ فقالَ:
إنَّها ليستْ بدعةٌ، إنَّها خيرٌ ممَّا تعلمُ ، إنَّ الناسَ قدْ كثروا، فأردتُ أنْ
(١) قوت القلوب (١٦٧/١).
(٢) قوت القلوب (١٦٧/١).
(٣) رواه عنه ابنُ أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٧٤٥١)، وهو في ((القوت)) (١٦٧/١).
٢٩٨
وبدء

ربع العبادات
کتاب العلم
يبلغَهُمُ الصوتُ ، فقالَ أبو سعيدٍ : واللهِ ؛ لا تأتونَ بخيرِ ممَّا أعلمُ أبداً ،
وواللهِ لا صليتُ وراءَكَ اليومَ (١) .
وإنَّما أنكرَ ذلكَ لأَنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يتوكَأُ في خطبةٍ
العيدِ والاستسقاءِ على قوسٍ أوْ عصاً ، لا على المنبرِ(٢).
وفي الحديثِ المشهورِ: (( مَنْ أحدثَ في ديننا ما ليسَ منهُ .. فهوَ
ردٌّ ))(٣).
وفي خبرٍ آخرَ : (( مَنْ غَشَّ أمَّتِي .. فعليه لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ
أجمعينَ ))، قيلَ: يا رسولَ اللهِ؛ وما غشُّ أَمَّتِكَ؟ قالَ: ((أنْ يَبتدعَ بدعةٌ
يحمِلُ الناسَ عليها)) (٤) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ للهِ عزَّ وجلَّ ملكاً ينادي كلَّ يوم : مَنْ
خالفَ سنَّةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. لمْ تنلْهُ شفاعتُهُ))(٥) .
ومثالُ الجاني على الدينِ بإبداع ما يخالفُ السنَّةَ بالنسبةِ إِلى مَنْ يُذْنِبُ
ذنباً .. مثالُ مَنْ عصى الملِكَ في قَلْبِ دولتِهِ (٦) بالنسبةِ إلى مَنْ خالفَ أمرَهُ
(١) قوت القلوب (١٦٨/١).
(٢) رواه الطبراني في (( الكبير)) (٢٤/٢)، وأصل الاتكاء في الخطب عند أبي داوود
(١٠٩٦)، وابن ماجه ( ١١٠٧ ).
(٣) رواه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم ( ١٧١٨) .
(٤) قوت القلوب (١٧٤/١)، وأصله عند ابن بطة في ((الإبانة)) (٥١٩).
(٥) ذكره صاحب ((القوت)) (١٧٤/١)، وانظر ((الإتحاف)) (٤٤٤/١).
(٦) أي : في إزاحة مُلكه وهدم مملكته .
٢٩٩

كتاب العلم
ربع العبادات
في خدمةٍ معيَّنَةٍ ، وذلكَ قدْ يُغفَرُ ؛ فأمَّا قلْبُ الدولةِ .. فلا .
ـجري
٥
وقالَ بعضُ العلماءِ : ( ما تكلَّمَ فيهِ السلفُ .. فالسكوتُ عنهُ جفاءٌ ،
وما سكتَ عنهُ السلفُ .. فالكلامُ فيهِ تكلُّفٌ)(١) .
وقالَ آخرُ : ( الحقُّ ثقيلٌ، مَنْ جاوزَهُ .. ظَلَمَ، ومَنْ قصرَ عنهُ ..
عجَزَ ، ومَنْ وقفَ معهُ .. اكتفى)(٢) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((عليكُمْ بالنَّمَطِ الأوسطِ الذي يرجعُ إليهِ
العالي ، ويرتفعُ إليهِ التالي)» (٣).
وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما : ( إنَّ الضلالةَ لها حلاوةٌ في قلوبِ
أهلِها .
قالَ اللهُ تعالى: ﴿أَتَّخَذُوْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهُوَا﴾، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِنَ لَهُ
سُوْءُ عَمَلِهِ، فَرَءَاهُ حَسَنًا﴾) (٤).
ـدن
فكلُّ ما أُحدثَ بعدَ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ ممَّا جاوزَ قدْرَ الضرورةِ
والحاجةِ .. فهوَ مِنَ اللعبِ واللهوٍ .
وحُكِيَ عنْ إبليسَ لعنَهُ اللهُ أنَّهُ بثَّ جنودَهُ في وقتِ الصحابةِ رضيَ اللهُ
٢٠
(١) قوت القلوب (١٧٥/١) .
(٢) قوت القلوب (١٧٥/١).
(٣) رواه ابن أبي شيبة موقوفاً على علي رضي الله عنه في (( المصنف)) (٣٥٦٣٩)،
ويلفظ : ( خير الناس هذا النمط الأوسط ، يلحق بهم التالي ، ويرجع إليهم العالي ) .
(٤) قوت القلوب (١٧٥/١) .
٣٠٠