Indexed OCR Text

Pages 261-280

ربع العبادات
كتاب العلم
غايةِ الضرِّ، فأهداهُ إلى آخرَ ، وأهداهُ الآخرُ إلى آخرَ ، وهكذا دارَ بينهُمْ
حتَّى رجعَ إلى الأولِ(١) .
فانظرِ الآنَ كيفَ انعكسَ أمرُ العلماءِ ، فصارَ المهروبُ عنهُ مطلوباً ،
والمطلوبُ مهروباً عنهُ .
ويشهدُ لحسنِ الاحترازِ مِنْ تقلُّدِ الفتوى ما رُوِيَ مسنداً أنَّهُ قالَ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ : (( لا يفتي الناسَ إلا ثلاثةٌ: أميرٌ، أوْ مأمورٌ، أوْ متكلِّفٌ)) (٢).
وقالَ بعضُهُمْ : ( كانَ الصحابةُ يتدافعونَ أربعةَ أشياءَ : الإمامةَ،
والوصيةَ، والوديعةَ ، والفتيا )(٣).
وقالَ بعضُهُمْ : ( كانَ أسرعُهُمْ إلى الفتيا أقلَّهُمْ علماً ، وأشدُّهُمْ دفعاً لها
أورعَهُمْ) (٤) .
وكانَ شغلُ الصحابة والتابعينَ رضيَ اللهُ عنهُمْ في خمسةِ أشياءَ : قراءةٍ
القرآنِ ، وعمارةِ المساجدِ ، وذكرِ اللهِ تعالى، والأمرِ بالمعروفِ ، والنهيِ عنِ
المنكرِ ؛ وذلكَ لما سمعوهُ مِنْ قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( كلُّ كلام ابنِ آدمَ
(١) وإنما أورد المصنف هذه القصة هنا ليقاس عليه أمر الفتوى حتى يعيدها إلى الآخر.
((إتحاف)) ( ١ /٣٩٨ ) .
(٢) كذا في ((القوت)) (١٣١/١) حيث قال: (وقد روينا مسنداً) وذكره ، وقد رواه
بنحوه أحمد في ((المسند)) (٢٢/٦)، والطبراني فى ((الكبير)) (٧٦/١٨)، وأوله :
(( لا يقصُّ إلا أمير ... ))، وله روايات أخرى.
(٣) قوت القلوب (١٣٢/١).
(٤) جامع بيان العلم وفضله (١٥٢٥)، وكذا في ((قوت القلوب)) (١٣٢/١).
٢٦١

كتاب العلم
ربع العبادات
عليهِ لا لهُ إلا ثلاثةً: أمرٌ بمعروفٍ، أَوْ نهيٌ عنْ منكرٍ، أَوْ ذكرُ اللهِ تعالى))(١).
وقال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجُوَدُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ
أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِ﴾ الآيَةَ.
ورأىُ بعضُ العلماءِ بعضَ أصحابِ الرأيِ مِنْ أهلِ الكوفةِ في المنامِ ،
فقالَ : ما رأيتَ فيما كنتَ عليهِ منَ الفتيا والرأي ؟ فكرهَ وجهَهُ وأعرضَ
عنهُ، وقالَ : ما وجدناهُ شيئاً ، وما حمدْنا عاقبتَهُ(٢).
وقالَ أبو حَصِينِ : ( إنَّ أحدَهُمْ ليفتي في مسألةٍ لوْ وردتْ على عمرَ بنِ
الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ لجمعَ لها أهلَ بدرٍ ! )(٣).
٦٥٠
فلمْ يزلِ السكوتُ دأبَ أهلِ العلمِ إلا عندَ الضرورةِ ، وفي الخبرِ: (( إذا
رأيتمُ الرجلَ قدْ أُوتِيَ صمتاً وزهداً .. فاقتربُوا منهُ؛ فإنَّهُ يُلَقَّى الحكمةَ)) (٤)
وقيلَ: العالمُ: إِمَّا عالمُ عامَّةٍ ، وهوَ المفتي ، وهُمْ أصحابُ
الأساطينِ ، أَوْ عالمُ خاصَّةٍ ، وهوَ العالمُ بالتوحيدِ وأعمالِ القلوبِ ، وهُمْ
أصحابُ الزوايا المنفردونَ(٥) .
(١) رواه الترمذي (٢٤١٢)، وابن ماجه (٣٩٧٤) بنحوه .
(٢) قوت القلوب (١٣٢/١) بنحوه.
(٣) رواه البيهقي في ((المدخل)) (٨٠٣)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق))
(٣٨ /٤١٠ ) .
(٤) رواه ابن ماجه ( ٤١٠١ ).
(٥) قوت القلوب (١/ ١٤٢)، والأساطين: جمع أسطوانة ، وهي هنا السارية تكون في
المسجد .
٢٦٢

ربع العبادات
کتاب العلم
وكانَ يُقالُ : ( مثلُ أحمدَ ابنِ حنبلِ مثلُ دِجلةَ ، كلُّ أحدٍ يغترفُ منها ،
ومثلُ بشْرِ بنِ الحارثِ مثلُ بئرِ عذبةٍ مغطّاةٍ ، لا يقصدُها إلا واحدٌ بعدَ
واحدٍ)(١) .
وكانوا يقولونَ : فلانٌ عالمٌ ، وفلانٌ متكلِّمٌ، وفلانٌ أكثرُ كلاماً ، وفلانٌ
أكثرُ علماً(٢).
وقالَ أبو سليمانَ : ( المعرفةُ إلى السكوتِ أقربُ منها إلى الكلام )(٣)
وقالَ بعضُهُمْ: ( إذا كثرَ العلمُ .. قلَّ الكلامُ) (٤) .
وكتبَ سلمانُ إلى أبي الدرداءِ رضيَ اللهُ عنهُما وكانَ قدْ آَخِى بِينَهُما
رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(٥) : ( يا أخي ؛ بلغني أنَّكَ أُقْعدتَ طبيباً
تداوي المرضى، فانظرْ فإنْ كنتَ طبيباً .. فتكلَّمْ؛ فإنَّ كلامَكَ شفاءٌ ، وإنْ
كنتَ مُتَطَيِّباً .. فاللهَ اللهَ، لا تقتلْ مسلماً)، فكانَ أبو الدرداءِ يتوقَّفُ بعدَ
ذلكَ إذا سُئِلَ(٦) .
وكان أنسُ بنُ مالكِ رضيَ اللهُ عنهُ إذا سُئِلَ يقولُ: (سَلُوا مولانا الحسنَ)(٧).
(١) قوت القلوب (١ / ١٤٢).
(٢) قوت القلوب (٤٢/١)، وإنما أراد التفرقة بين العلم والكلام.
(٣) قوت القلوب (١٤٢/١).
(٤) قوت القلوب (١٤٢/١)، وفي (هـ) زيادة: ( إذا كثر الكلام .. قل العلم ) .
(٥) كما جاء ذلك في (( البخاري)) ( ١٩٦٨ ).
(٦) قوت القلوب (١/ ١٤٧).
(٧) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ( ٣٦٧٤٥) .
٢٦٣

کتاب العلم
غير
ربع العبادات
وكانَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما إذا سئلَ يقولُ: (سَلُوا جابرَ بنَ زيدٍ)(١).
وكانَ ابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما يقولُ : ( سَلُوا سعيدَ بنَ المسيَّبِ)(٢).
وحُكِيَ أنَّهُ روى صحابيٌّ في حضرةِ الحسنِ عشرينَ حديثاً ، فسُئِلَ عنْ
تفسيرِها فقالَ : ما عندي إلا ما رويتُ ، فأخذُ الحسنُ في تفسيرِها حديثاً
حديثاً ، فتعجَّوا مِنْ حسنِ حفظِهِ وحسنٍ تفسيرِهِ ، فأخذ الصحابيُّ كفّاً مِنْ
حصىٌ ورماهُمْ بهِ وقالَ: تسألوني عنِ العلمِ وهذا الحبرُ بينَ أظهرِكُمْ؟! (٣).
ومنها : أنْ يكونَ أكثرُ اهتمامِهِ بعلم الباطنِ ومراقبةِ القلبِ ، ومعرفةٍ
طريقِ الآخرةِ وسلوكِهِ(٤) ، وصدقِ الرجاءِ في انكشافِ ذلكَ : منَ المجاهدةِ
والمراقبةِ ؛ فإنَّ المجاهدةَ تفضي إلى المشاهدةِ في دقائقِ علومِ القلوبِ
وتتفجرُ بها ينابيعُ الحكمةِ مِنَ القلبِ ، وأمَّا الكتبُ والتعليمُ .. فلا تفي
بذلكَ ، بلِ الحكمةُ الخارجةُ عنِ الحصْرِ والعدِّ إنَّما تنفتحُ بالمجاهدةِ
والمراقبةِ ، ومباشرةِ الأعمالِ الظاهرةِ والباطنةِ ، والجلوسِ معَ اللهِ تعالى في
الخلوةِ معَ حضورِ القلبِ بصافي الفكرِ ، والانقطاع إلى اللهِ تعالى عمَّا
سواهُ ، فذلكَ مفتاحُ الإلهامِ ، ومنبعُ الكشْفِ .
ـدن
(١) قوت القلوب (١٤٧/١).
(٢) رواه ابن سعد في ((طبقاته)) ( ١٤٠/٧).
(٣) قوت القلوب (١٤٧/١) بنحوه .
(٤) بواسطة مرشد كامل أو عارف حاذق يستفيد ذلك بمجالسته. ((إتحاف)) (٤٠٢/١).
٢٦٤
-

ربع العبادات
كتاب العلم
فكمْ مِنْ متعلُّم طالَ تعلُّمُهُ ولمْ يقدِرْ على مجاوزةٍ مسموعِهِ بكلمةٍ ، وکمْ
مِنْ مقتصرٍ على المهمِّ في التعلُّمِ ومتوفِّرٍ على العملِ ومراقبةِ القَلْبِ فَتَحَ اللهُ لهُ
مِنْ لطائفِ الحكمِ ما تحارُ فيهِ عقولُ ذوي الألبابِ !
ولذلكَ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ عملَ بما علمَ ..
وَرَّثَهُ اللهُ عَلْمَ ما لمْ يعلمْ))(١) .
وفي بعضِ الكتبِ السالفةِ : ( يا بني إسرائيلَ ؛ لا تقولوا : العلمُ في
السماءِ مَنْ ينزلُ بهِ ، ولا في تُخُومِ الأرضِ مَنْ يصعدُ بهِ ، ولا مِنْ وراءِ
البحارِ مَنْ يعبرُ يأتي بهِ ، العلْمُ مجعولٌ في قلوبِكُمْ ، تأذَّبوا بين يديّ بآدابِ
الروحانيينَ ، وتخلَّقُوا لي بأخلاقِ الصدِّيقينَ .. أُظهِرِ العلمَ في قلوبِكُمْ حَتَّى
يغطيَّكُمْ ويغمرَكُمْ )(٢).
وقالَ سهلُ بنُ عبدِ اللهِ التُّسْتَرِيُّ رحمهُ اللهُ: ( خرجَ العلماءُ والعبَّادُ
والزهَّادُ مِنَ الدنيا وقلوبُهُمْ مقفلةٌ، ولمْ تُفتحْ إلا قلوبُ الصدِّيقينَ والشهداءِ،
ثمَّ تلا قولَهُ تعالى: ﴿ وَعِندَهُ: مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ الآيةَ)(٣).
ولولا أنَّ إدراكَ قلبٍ مَنْ لهُ قلبٌ بالنورِ الباطنِ حاكمٌ على علْمِ الظاهرِ .. لما
قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أَسْتَفْتِ قلبَكَ وإنْ أَفتَوكَ وأفتَوكَ وأَفْتَوَكَ))(٤).
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٤/١٠).
(٢) قوت القلوب (١٣٧/١).
(٣) قوت القلوب (١/ ١٥٢).
(٤) رواه أحمد في (( مسنده)) (٢٢٨/٤)، وهذا مخصوص لمن كان له قلب وألقى سمعه، =
٢٦٥
درة

كتاب العلم
ربع العبادات
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ فيما يرويهِ عنْ ربَّهِ: ((لا يزالُ العبدُ يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافِلِ
حتَّى أحبَّهُ، فإذا أحببتُهُ .. كنتُ سمعَهُ الذي يسمعُ بهِ ... )) الحديثَ(١).
فكمْ مِنْ معانٍ دقيقةٍ مِنْ أسرارِ القرآنِ تخطرُ على قلْبِ المتجرِّدِينَ للذكرِ
والفكرِ تخلو عنها كتبُ التفاسيرِ ولا يطلعُ عليها أفاضلُ المفسرينَ ! وإذا
انكشفَ ذلكَ للمريدِ المراقبِ وعُرِضَ على المفسرينَ(٢) .. استحسنوهُ،
وعلموا أنَّ ذلكَ مِنْ تنبيهاتِ القلوبِ الزكيةِ، وألطافِ اللهِ تعالى بالهممِ العاليةِ
المتوجهةِ إليهِ ، وكذلكَ في علومِ المكاشفةِ وأسرارٍ علومِ المعاملةِ ودقائقِ
خواطرِ القلوبِ ؛ فإنَّ كلَّ علْمٍ مِنْ هذهِ العلوم بحرٌ لا يُدركُ عمقُهُ، وإنَّما
يخوضُهُ كلُّ طالبٍ بقدْرِ ما رُزِقَ منهُ ، وبحسَبٍ ما وُفَّقَ لَهُ مِنْ حُسْنِ العملِ .
وفي وصفِ هؤلاءِ العلماءِ قالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ في حديثٍ طويلٍ :
( القلوبُ أوعيةٌ ، وخيرُها أوعاها ، والناسُ ثلاثةٌ: عالمٌ ربانيٌّ، ومتعلُّمٌ
على سبيلِ النجاةِ، وهَمَجٌ رَعاعٌ أتباعُ كلِّ ناعقٍ ، يميلونَ معَ كلِّ ریحِ ، لِمْ
يستضيئوا بنورِ العلمِ ، ولمْ يلجؤوا إلى ركنٍ وثيقٍ ، العلمُ خيرٌ مِنَ المالِ ،
العلمُ يحرسُكَ وأنتَ تحرسُ المالَ ، والعلمُ يزكو على الإنفاقِ والمالُ تنقصُهُ
النفقةُ ، محبَّةُ العالم دينٌ يدانُ بهِ ، تُكتسبُ بهِ الطاعةُ في حياتِهِ ، وجميلٌ
وشهد قيام شاهده ، وعري عن شهواته ومعهوده ؛ لأن الفقه ليس من وصف اللسان .
=
((إتحاف)) (٤٠٣/١ ) .
٤١٧٨٠٠
(١) رواه البخاري ( ٦٥٠٢).
(٢) المنصفين المحفوظين من علائق الشهوة. ((إتحاف)) (٤٠٤/١).
٢٦٦

ربع العبادات
ـية
كتاب العلم
الأحدوثةِ بعدَ موتِهِ ، العلمُ حاكمٌ والمالُ محكومٌ عليهِ ، ومنفعةُ المالِ تزولُ
بزوالِهِ، ماتَ خُزَّانُ الأموالِ وهمْ أحياءٌ ، والعلماءُ باقونَ ما بقيَ الدهرُ .
ثُمَّ تنفَّسَ الصعداءَ وقالَ : هاهٍ! إنَّ ههنا علْماً جمّاً لوْ وجدتُ لهُ حملةً،
بلْ أجدُ طالباً غيرَ مأمونٍ يستعملُ آلةَ الدينِ في طلبِ الدنيا ، ويستطيلُ بِنِعَمِ اللهِ
على أوليائِهِ ، ويستظهرُ بحُجَجِهِ على خلقِهِ ، أَوْ منقاداً لأهلِ الحقِّ، لكنْ ينزرعُ
الشكُّ في قلبِهِ بأوَّلِ عارضٍ مِنْ شبهَةٍ، لا بصيرةَ لهُ، لا ذا ولا ذاكَ، أوْ منهوماً
باللذَّاتِ سلسَ القيادِ في طلبِ الشهواتِ ، أوْ مغرى بجمْع الأموالِ والادخارِ ،
منقاداً لهواهُ ، أقربُ شَبَهاً بهما الأنعامُ السائمةُ(١).
٨
اللهمَّ ؛ هكذا يموتُ العلْمُ إذا ماتَ حاملوهُ، بلْ لا تخلو الأرضُ مِنْ
قائمٍ للهِ بحجَّةٍ ، إمَّا ظاهرٌ مكشوفٌ، وإمَّا خائفٌ مقهورٌ؛ لئلا تبطُلَ
حججُ اللهِ تعالى وبيَِّاتُهُ، وكمْ وأينَ .. أولئكَ همُ الأقلُّونَ عدداً، الأعظمونَ
قدْراً ؟! أعيانُهُمْ مفقودةٌ ، وأمثالُهُمْ في القلوبِ موجودةٌ ، يحفظُ اللهُ تعالى
بِهِمْ حججَهُ حتَّى يُودِعُوها نظراءَهُمْ ، ويزرعُوها في قلوبِ أشباهِهِمْ ، هجَمَ
بهمُ العلْمُ على حقيقةِ الأمرِ ، فباشروا رُوحَ اليقينِ ، فاستلانوا ما استوعرَ منهُ
المترفونَ ، وأَنِسُوا بما استوحشَ منهُ الغافلونَ ، صَحِبوا الدنيا بأبداٍ
أرواحُها معلّقةٌ بالمحلِّ الأعلى ، أولئكَ أولياءُ اللهِ عزَّ وجلَّ مِنْ خلقِهِ ،
وأمناؤُهُ وعمالُهُ في أرضِهِ ، والدعاةُ إلى دينِهِ .
(١) قوله : ( بهما ) المنهوم باللذة ، والمغرى بجمع الأموال .
٢٦٧

کتاب العلم
ربع العبادات
ثمَّ بكى وقالَ : واشوقاهُ إلى رؤيتِهِمْ)(١).
فهذا الذي ذكرَهُ آخراً هوَ وصْفُ علماءِ الآخرةِ ، وهوَ العلمُ الذي يُستفادُ
أكثرُهُ مِنَ العملِ والمواظبةِ على المجاهدةِ .
ومنها : أنْ يكونَ شديدَ العنايةِ بتقويةِ اليقينِ : فإنَّ اليقينَ هوّ رأسُ مالٍ
الدينِ ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((اليقينُ الإيمانُ كلُّهُ))(٢).
ولا بدَّ منْ تعلُّمِ علْمِ اليقينِ ، أعني أوائلَهُ ، ثمَّ ينفتحُ للقلبِ طريقُهُ ،
ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((تعلَّمُوا اليقينَ))(٣)، ومعناهُ: جالسوا
الموقنينَ ، واسمعوا منهُمْ علْمَ اليقينِ ، وواظبوا على الاقتداءِ بِهِمْ ؛ ليقوىُ
يقينُكُمْ كما قويَ يقينُهُمْ ، وقليلٌ منَ اليقينِ خيرٌ مِنْ كثيرٍ مِنَ العملِ .
قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمَّا قيلَ لهُ : رجلٌ حسنُ اليقينِ كثيرُ الذنوبِ ،
ورجلٌ مجتهدٌ في العبادةِ قليلُ اليقينِ ؟ فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما مِنْ
آدميٌّ إلاَّ ولهُ ذنوبٌ، ولكنْ مَنْ كانَ غريزتُهُ العقلَ وسجيتُهُ اليقينَ .. لمْ تضرُّهُ
ئن
ـون
-3م
(١) أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٧٩/١ - ٨٠)، والخطيب في (( تاريخ بغداد ))
(٣٧٦/٦)، وانظر ((قوت القلوب)) (١٤٢/١-١٤٣)، و((إتحاف السادة المتقين))
(٤٠٦/١ ) .
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٤/٥)، والبيهقي في ((الشعب)) (٩٢٦٥).
(٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٩٥/٦)، وابن أبي الدنيا في ((اليقين)) ( ٧).
٢٦٨

ربع العبادات
كتاب العلم
الذنوبُ؛ لأنَّهَ كلَّما أذنبَ .. تابَ واستغفرَ وندمَ ، فتُكفَّرُ ذنوبُهُ، ويبقى لهُ
فضْلٌ يدخلُ بهِ الجنةً))(١) .
ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مِنْ أقلِّ ما أُوتيتمُ اليقينُ وعزيمةٌ
الصبرِ، ومَنْ أُعْطيَ حَظَّهُ منهما .. لمْ يُبَالِ ما فاتَهُ مِنْ قيامِ الليلِ وصيامٍ
النهارِ))(٢) .
وفي وصيةٍ لقمانَ لابنِهِ : ( يا بنيَّ ؛ لا يُستطاعُ العملُ إلا باليقينِ ،
ولا يعمَلُ المرءُ إلا بقدْرٍ يقينِهِ، ولا يقصِّرُ عاملٌ حتَّى ينقصَ يقينُهُ)(٣).
وقالَ يحيى بنُ معاذٍ : ( إنَّ للتوحيدِ نوراً، وللشرْكِ ناراً ، وإنَّ نورَ
التوحيدِ أحرقُ لسيئاتِ الموحدينَ منْ نارِ الشرْكِ لحسناتِ المشركينَ )(٤)،
وأرادَ بهِ اليقينَ .
(١) الحديث عند الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) (ص ٢٤٢)، وهو في ((القوت))
(١٣٥/١)، وانظر ((المطالب العالية)) (٢٦٦/٧، ٢٦٩)، و((الإتحاف))
(٤٠٩/١ ) .
(٢) قال صاحب ((القوت)) (١٩٤/١): (وأخبر عليه الصلاةُ والسلام أن الصبر كمال
العمل والأجر ، فقال في حديث يرويه شهربن حوشب الأشعري ، عن أبي أمامة
الباهلي، عن النبي صلى الله عليه وسلم ... ) وذكره، قال ملا علي في ((الأسرار
المرفوعة)) : ( قلت : وهو مستفاد من قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾،
وأما عزيمة الصبر في العمل .. فكذا قليل كما قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِّ وَقَلِلٌ مَّاهُمْ﴾ ) .
(٣) قوت القلوب (١٣٥/١) .
(٤) قوت القلوب (١٣٦/١).
٢٦٩

كتاب العلم
ربع العبادات
وقدْ أشارَ اللهُ تعالى في القرآنِ إلى ذكرِ الموقنينَ في مواضعَ دلَّ بها على
أنَّ اليقينَ هوَ الرابطةُ للخيراتِ والسعاداتِ .
فإنْ قلتَ : فما معنى اليقينِ ، وما معنى قوتِهِ وضعفِهِ ؟ فلا بدَّ مِنْ فهمِهِ
أولاً ، ثمَّ الاشتغالِ بطلبِهِ وتعلُّمِهِ ؛ فإنَّ ما لا تُفْهَمُ صورتُهُ لا يمكنُ طلبُهُ .
فاعلمْ : أنَّ اليقينَ لفظٌ مشتركٌ يطلقُهُ فريقانِ لمعنيينِ مختلفينِ :
أمَّا النظَّارُ والمتكلمونَ: فيعبِّرُونَ بهِ عن عدمَ الشكِّ(١)؛ إذْ ميلُ النفسِ
إلى التصديقِ بالشيءٍ لهُ أربعُ مقاماتٍ :
الأولُ : أَنْ يعتدلَ التصديقُ والتكذيبُ ، ويُعبَّرُ عنهُ بالشكِّ، كما إِذا
سُئِلتَ عنْ شخصٍ معيَّنِ أنَّ اللهَ تعالى يعاقبُهُ أمْ لا وهوَ مجهولُ الحالِ
عندَكَ .. فإنَّ نفسَكَ لا تميلُ إلى الحكْمِ فيهِ بإثباتٍ ولا نفي ، بلْ يستوي
عندَك إمكانُ الأمرينِ ، فيسمَّى هذا شكّاً .
الثاني : أنْ تميلَ نفسُكَ إلى أحدِ الأمرينِ معَ الشعورِ بإمكانِ نقيضِهِ ،
ولكنَّهُ إمكانٌ لا يمنعُ ترجيحَ الأوَّلِ ، كما إذا سُئِلتَ عنْ رجلٍ تعرِفُهُ بالصلاح
والتقوى أنَّهُ بعينِهِ لوْ ماتَ على هذهِ الحالةِ هلْ يُعاقبُ ؟ فإنَّ نفسَكَ تميلُ إلى
أنَّهُ لا يُعاقبُ أكثرَ مِنْ ميلِها إلى العقابِ ، وذلكَ لظهورِ علاماتِ الصلاحِ ،
ومعَ هذا فأنتَ تجوِّزُ اختفاءَ أمرٍ موجبٍ للعقابِ في باطنِهِ وسريرتِهِ ، فهذا
(١) فالشكُّ نقيضه، وهذا هو مذهب أهل اللغة. («إتحاف)) (٤١٠/١).
٢٧٠

ربع العبادات
کتاب العلم
التجويزُ مساوقٌ لذلكَ الميلِ ، ولكنَّه غيرُ دافع رجحانَهُ ، فهذهِ الحالةُ تُسمَّى
ظنّاً .
.
الثالثُ : أنْ تميلَ النفسُ إلى التصديقِ بشيءٍ بحيثُ يغلبُ عليها
ولا يخطرُ بالبالِ غيرُهُ، ولَوْ خطرَ بالبالِ .. لنَبَتِ النفسُ عنْ قبولِهِ ، ولكنْ
ليسَ ذلكَ عنْ معرفةٍ محقَّقٍ ؛ إذْ لوْ أحسنَ صاحبُ هذا المقام التأمُّلَ
والإصغاءَ إلى التشكيكِ والتجويزِ .. لا تسعتْ نفسُهُ للتجويزِ، وهذا يسمَّى
اعتقاداً مقارباً لليقين ، وهوَ اعتقادُ العوامِّ في الشرعياتِ كلُّها ؛ إذْ رسخَ في
نفوسِهِمْ بمجرَّدِ السماع ، حتَّى إنَّ كلَّ فرقةٍ تثقُ بصخَّةِ مذهبها وإصابةِ إمامِها
ومتبوعِها ، ولوْ ذُكِرَ لأحدِهمْ إمكانُ خطأٍ إمامِهِ .. نفرَ عنْ قبولِهِ (١) .
الرابعُ : المعرفةُ الحقيقيةُ الحاصلةُ بطريقِ البرهانِ الذي لا يُشكُّ فيهِ ،
ولا يُتصوَّرُ الشكُّ فِيهِ ، فإذا امتنعَ وجودُ الشكِّ وإمكانُهُ .. يسمَّى يقيناً عندَ
هؤلاءِ .
ماك
ومثالُهُ : أَنَّهُ إذا قيلَ للعاقلِ : هلْ في الوجودِ شيءٌ هوَ قديمٌ؟ فلا يمكنُهُ
التصديقُ بهِ بالبديهةِ ؛ لأنَّ القديمَ غيرُ محسوسٍ ، لا كالشمس والقمرِ ؛ فإنَّهُ
يصدقُ بوجودِهِما بالحسِّ ، وليسَ العلمُ بوجودِ شيءٍ قديمٍ أزليٍّ ضرورياً
مثلَ العلمِ بأنّ الاثنينِ أكثرُ مِنَ الواحدِ ، بلْ مثلَ العلمِ بأنَّ حدوثَ حادثٍ بلا
سببٍ محالٌ ، فإنَّ هذا أيضاً ضروريٍّ ، فحقُّ غريزةِ العقلِ أنْ تتوقّفَ عنِ
(١) انظر ((الاقتصاد في الاعتقاد)) (ص٢٢٨)، وفصَّل تفصيلاً حسناً.
٢٧١

كتاب العلم
ربع العبادات
التصديقِ بوجودِ القديمٍ على طريقِ الارتجالِ والبديهةِ .
ثُمَّ مِنَ الناسِ مَنْ يسمعُ ذلكَ ويصدِّقُ بالسماع تصديقاً جزماً ويستمرّ
عليهِ ، وذلكَ هوَ الاعتقادُ ، وهوَ حالُ جميع العوامِّ ، ومِنَ الناسِ مَنْ يصدِّقُ
بهِ بالبرهانِ وهوَ أنْ يُقالَ لهُ : إنْ لمْ يكنْ في الوجودِ قديمٌ .. فالموجوداتُ
كلُّها حادثةٌ ، فإنْ كانتْ كلُّها حادثةً .. فهيَ حادثةٌ بلا سببٍ ، أوْ فيها حادثٌ
بلا سببٍ ، وذلكَ محالٌ ؛ فالمؤذِّي إلى المحالِ محالٌ ، فيلزمُ في العقلِ
التصديقُ بوجودِ شيءٍ قديمٍ بالضرورةِ ؛ لأنَّ الأقسامَ ثلاثةٌ : وهيَ أنْ تكونَ
الموجوداتُ كلُّها قديمةٌ ، أوْ كلُّها حادثةً ، أوْ بعضُها قديمةً وبعضُها حادثةً .
فإنْ كانتْ كلُّها قديمةً .. فقدْ حصلَ المطلوبُ ؛ إذْ ثبتَ على الجملةِ
قديمٌ ، وإنْ كانَ الكلُّ حادثاً .. فهوَ محالٌ؛ إذْ يؤدِّي إلى حدوثٍ بغيرِ
سببٍ ، فثبتَ القسمُ الثالثُ أوِ الأولُ .
وكلُّ عِلْمٍ حصلَ على هذا الوجهِ يسمَّى يقيناً عندَ هؤلاءِ ، سواءً حصلَ
بنظرٍ مثلٍ ما ذكرناهُ ، أَوْ حصلَ بحسِّ أَوْ بغريزةِ العقلِ ؛ كالعلْمِ باستحالةِ
حادثٍ بلا سببٍ ، أوْ بتواترٍ ؛ كالعلْمِ بوجودِ مَكَّةً ، أوْ بتجرِبةٍ ؛ كالعلْمِ بأنَّ
المطبوخَ مسهلٌ (١) ، أوْ بدليلٍ كما ذكرْنا .
فشرطُ إطلاقِ هذا الاسمِ عندَهُمْ عدمُ الشكِّ ، فكلُّ علْم لا شكَّ فيهِ
(١) والمطبوخ هنا: كل دواء طبخ لقصد الإسهال. ((إتحاف)) (٤١٣/١).
٢٧٢

ربع العبادات
كتاب العلم
يُسمَّى يقيناً عندَ هؤلاءِ، وعلى هذا: لا يُوصفُ اليقينُ بالضعْفِ ؛ إذْ
لا تفاوتَ في نفيِ الشكِّ .
الاصطلاحُ الثاني اصطلاحُ الفقهاءِ والمتصوِّفَةِ وأكثرِ العلماءِ : وهوَ ألا
يلتفتَ فيهِ إلى اعتبارِ التجويزِ والشكِّ ، بلْ إلى استيلائِهِ وغلبتِهِ على القلْبِ ،
حتَّى يُقالُ : فلانٌ ضعيفُ اليقينِ بالموتِ معَ أنَّهُ لا يشكُّ فيهِ ، ويُقالُ : فلانٌ
قويُّ اليقينِ في إتيانِ الرِزْقِ معَ أنَّهُ قدْ يجوزُ أنَّهُ لا يأتيهِ .
فمهما مالتِ النفسُ إلى التصديقِ بشيءٍ ، وغلبَ ذلكَ على القلبِ ،
واستولى حتَّى صارَ هوَ المتحكِّمَ والمتصرِّفَ في النفسِ بالتجويزِ والمنعِ ..
سُمِّيَ ذلكَ يقيناً .
ولا شكّ في أنَّ الناسَ مشتركونَ في القطع بالموتِ والانفكاكِ عنِ الشِّ
فيهِ ، ولكنْ فيهِمْ مَنْ لا يلتفتُ إليهِ ، ولا إلى الاستعدادِ لَهُ، وكأنَّهُ غيرُ موقنٍ
بهِ ، ومنهُمْ مَنِ استولى ذلكَ على قلبِهِ حتَّى استغرقَ جميعَ همِّهِ بالاستعدادِ لهُ
ولمْ يغادرْ فيهِ متَّسعاً لغيرِهِ ، فيعبَّرُ عنْ مثلِ هذهِ الحالةِ بقوَّةِ اليقينِ ، ولذلكَ
قالَ بعضُهُمْ : ( ما رأيتُ يقيناً لا شكَّ فيهِ أشبهَ بشكِّ لا يقينَ فيهِ مِنَ
الموتِ )(١).
وعلى هذا الاصطلاحِ يُوصفُ اليقينُ بالضعْفِ والقوّةِ .
ونحْنُ إنَّما أردْنا بقولِنا : ( إنَّ مِنْ شأنِ علماءِ الآخرةِ صَرْفَ العنايةِ إلى
(١) رواه أبو نعيم عن سلمة بن دينار في ((الحلية)) (٢٣٢/٣).
٢٧٣

كتاب العلم
تقويةِ اليقينِ ) المعنيينِ جميعاً ، وهوَ نفيُ الشكِّ، ثمَّ تسليطَ اليقينِ على
م
ربع العبادات
النفسِ حتَّى يكونَ هوَ الغالبَ المتحكِّمَ وهوَ المتصرِّفَ .
فإذا فهمتَ هذا .. علمتَ أنَّ المرادَ مِنْ قولِنا : ( إنَّ اليقينَ ينقسمُ ثلاثةَ
أقسام ) بالقوَّةِ والضعفِ ، والقلَّةِ والكثرةِ ، والخفاءِ والجلاءِ .
فأمَّا بالقوَّةِ والضعفِ : فعلى الاصطلاحِ الثاني ؛ وذلكَ في الغلبةِ
والاستيلاءِ على القلبِ ، ودرجاتُ اليقينِ في القوَّةِ والضعفِ لا تتناهى ،
وتفاوتُ الخلقِ في استعدادِهِمْ للموتِ بحسَبِ تفاوتِ اليقينِ بهذهِ المعاني .
وأمَّا التفاوتُ بالخفاءِ والجلاءِ : فلا يُنكرُ أيضاً ؛ أمَّا فيما يتطرّقُ إليهِ
التجويزُ .. فلا ينكرُ ؛ أعني الاصطلاحَ الثانيَ ، وفيما انتفى الشكُّ عنهُ
أيضاً .. لا سبيلَ إلى إنكارِهِ؛ فإنَّكَ تدركُ تفرقةً بينَ تصديقِكَ بوجودِ مَكَّةً
ووجودٍ فَدَكَ مثلاً ، وبينَ تصديقِكَ بوجودِ موسى ووجودِ يوشعَ عليهما
السلامُ معَ أنَّكَ لا تَشُكُ في الأمرينِ جميعاً؛ إذْ مستندُهُما التواترُ جميعاً ،
ولكنْ ترى أحدَهُما أجَلَى وأوضحَ في قلبِكَ مِنَ الثاني ؛ لأنَّ السببَ في
أحدِهما أقوى ، وهوَ كثرةُ المخبرينَ ، وكذلكَ يدركُ الناظرُ هذا في
النظرياتِ المعلومةِ بالأدلّةِ ؛ فإنَّهُ ليسَ وضوحُ ما لاحَ لهُ بدليلٍ واحدٍ کوضوحٍ
ما لاحَ لهُ بأدلةٍ كثيرةٍ معَ تساويهما في نفي الشكِّ، وهذا قدْ ينكرُهُ المتكلِّمُ
و
الذي يأخذُ العلْمَ مِنَ الكُتبِ والسماع ولا يراجعُ نفسَهُ فيما يدركُهُ مِنْ تفاوتِ
الأحوالِ .
٢٧٤

ربع العبادات
كتاب العلم
وأمَّا القلَّةُ والكثرةُ : فذلكَ بكثرةِ متعلقاتِ اليقينِ ؛ كما يُقالُ : فلانٌ أكثرُ
علماً ؛ أي : معلوماتُهُ أكثرُ ، ولذلكَ قدْ يكونُ العالِمُ قويّ اليقينِ في جميعِ
ما وردَ الشرعُ بهِ ، وقدْ يكونُ قويَّ اليقينِ في بعضِهِ .
فإنْ قلتَ : فقدْ فهمتُ اليقينَ وقوَّتَهُ وضعفَهُ، وكثرتَهُ وقَلَّتَهُ ، وجلاءَهُ
وخفاءَهُ ، بمعنى نفي الشكِّ، أو بمعنى الاستيلاءِ على القلبِ ، فما متعلقاتُ
اليقينِ ومجاريهِ ، وفي ماذا يُطلبُ اليقينُ ؟ فإنِّي ما لمْ أعرفْ ما يُطلبُ فيهِ
اليقينُ .. لمْ أقدرْ على طلبِهِ .
فاعلمْ : أنَّ جميعَ ما وردَ بهِ الأنبياءُ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِمْ مِنْ أَوَّلِهِ
إلى آخرِهِ هوَ مِنْ مجاري اليقينِ ؛ فإنَّ اليقينَ عبارةٌ عنْ معرفةٍ مخصوصةٍ ،
ومتعلقَهُ المعلوماتُ التي وردتْ بها الشرائعُ ، فلا مطمعَ في إحصائِها ،
ولكنِّي أشيرُ إلى بعضِها وهيَ أمهاتُها :
فمنْ ذلكَ التوحيدُ : وهوَ أنْ يرى الأشياءَ كلَّها مِنْ مسبِّبِ الأسبابِ ،
ولا يلتفتَ إلى الوسائطِ ، بلْ يرى الوسائطَ مسخرةً لا حكمَ لها ، فالمصدِّقُ
بهذا مؤمنٌ ، فإنِ انتفى عنْ قلبهِ معَ الإيمانِ إمكانُ الشِّ .. فهوَ موقنٌ بأحدٍ
المعنيينِ ، فإنّ غلبَ على قلبِهِ معَ الإيمانِ غلبةٌ أزالَ عنهُ الغضبَ على
الوسائطِ ، والرضاعنهُمْ والشكرَ لهمْ، ونزَّلَ الوسائطَ في قلبِهِ منزلةَ القلمِ
واليدِ في حقِّ المنعمِ بالتوقيع ، فإنَّهُ لا يشكرُ القلمَ ولا اليدَ ولا يغضبُ
عليهما ، بلْ يراهما آلتينِ مسخَّرتينِ وواسطتينٍ .. فقدْ صارَ موقناً بالمعنى
٢٧٥
ـقود

كتاب العلم
ربع العبادات
الثاني ، وهوَ الأشرفُ ، وهوَ ثمرةُ اليقينِ الأوَّلِ وروحُهُ وفائدتُهُ .
0
ومهما تحقَّقَ أنَّ الشمس والقمر والنجومَ والجمادَ والنبات والحيوانَ وكلَّ
مخلوقٍ فهيَ مسخراتٌ بأمرِهِ حسَبَ تسخُرِ القلمٍ في يدِ الكاتبِ ، وأنَّ القدرةَ
الأزليَّةَ هيَ المصدرُ للكلِّ .. استولى على قلبهِ غلبةُ التوكُّلِ والرضا
والتسليمُ(١)، وصارَ موقناً بريئاً مِنَ الغضبِ والحقدِ والحسدِ وسوءِ الخلقِ ،
فهذا أحدُ أبوابِ اليقينِ .
ومِنْ ذلكَ الثقةُ بضمانِ اللهِ سبحانَهُ بالرزقِ في قولِهِ تعالى: ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ
فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، واليقينُ بأنَّ ذلكَ يأتيهِ ، وأنَّ ما قُدِّرَ لهُ سينساقُ
إليهِ ، ومهما غلبَ ذلكَ على قلبهِ .. كانَ مجمِلاً في الطلبِ ، ولمْ يشتدَّ
حرصُهُ وشرهُهُ وتأسُّفُهُ على ما يفوتُهُ ، وأثمرَ هذا اليقينُ أيضاً جملةً مِنَ
الطاعاتِ والأخلاقِ الحميدةِ .
ومِنْ ذلكَ أنْ يغلبَ على قلبِهِ أنَّ مَنْ يعملْ مثقال ذرةٍ خيراً .. يرَهُ، ومَنْ
يعملْ مثقال ذرةٍ شراً .. يرَهُ: وهوَ اليقينُ بالثوابِ والعقابِ ، حتَّى يرى نسبةَ
الطاعاتِ إلى الثوابِ كنسبةِ الخبزِ إلى الشبع ، ونسبةَ المعاصي إلى العقابِ
كنسبةِ السموم والأفاعي إلى الهلاكِ ، فكما يحرِصُ على التحصيلِ للخبزِ
طلباً للشبع فيحفظُ قليلَهُ وكثيرَهُ .. فكذلكَ يحرِصُ على الطاعاتِ كلِّها
قليلِها وكثيرِها ، وكما يتجنَّبُ قليلَ السموم وكثيرَها .. فكذلكَ يجتنبُ
سكرى .
١٩
(١) وهذه الثلاثة من مقامات اليقين التسعة على ما يأتي بيانها في مواضعها.
٢٧٦

ربع العبادات
كتاب العلم
المعاصيَ ؛ قليلَها وكثيرَها ، وصغيرَها وكبيرَها .
واليقينُ بالمعنى الأوَّلِ قدْ يوجدُ لعموم المؤمنينَ ، أمَّا بالمعنى الثاني ..
فيختصُّ بهِ المقربونَ .
وثمرةُ هذا اليقينِ : صدْقُ المراقبةِ في الحركاتِ والسكناتِ
والخطراتِ ، والمبالغةُ في التقوى ، والاحترازُ عنِ كلِّ السيئاتِ ، وكلَّما
كانَ اليقينُ أغلبَ .. كانَ الاحترازُ أشدَّ والتشقُّرُ أبلغَ .
ومِنْ ذلكَ اليقينُ بأنَّ اللهَ تعالى مطلعٌ عليكَ في كلِّ حالٍ ، ومشاهدٌ
لهواجسٍ ضميرٍكَ وخفايا خواطرِكَ وفكرِكَ : وهذا متيقَّنُ عندَ كلِّ مؤمنٍ
بالمعنى الأولِ ، وهوَ عدمُ الشكِّ، وأمَّا بالمعنى الثاني - وهوَ المقصودُ - فهوَ
عزيزٌ يختصُّ بهِ الصدِّيقونَ .
وثمرتُهُ : أنْ يكونَ الإنسانُ في خلوتِهِ متأدباً في جميع أحوالِهِ وأعمالِهِ ؛
كالجالسِ بمشهَدِ ملكِ معظّمٍ ينظرُ إليهِ ، فإنَّه لا يزالُ مطرقاً متأدِّباً في جميع
أعمالِهِ ، متماسكاً محترزاً عنْ كلِّ حركةٍ تخالفُ هيئةَ الأدبِ ، ويكونُ في
فكرتِهِ الباطنةِ كهوَ في أعمالِهِ الظاهرةِ(١)؛ إذْ يتحقَّقُ أنَّ اللهَ تعالى مطلعٌ على
سريرتِهِ كما يطلعُ الخلقُ على ظاهرِهِ، فتكونُ مبالغتُهُ في عمارةِ باطنِهِ وتطهيرِهِ
وتزيينهِ لعينِ اللهِ تعالى الكالِئَةِ أشدَّ مِنْ مبالغتِهِ في تزيينِ ظاهرِهِ لسائرِ الناسِ .
(١) أي: تكون أعماله الظاهرة مساوية لأعماله الباطنة في صدق الإخلاص والخضوع
للمولى بحيث لا يميز أحدهما عن الآخر. («إتحاف)) (٤١٨/١).
٢٧٧

کتاب العلم
ربع العبادات
وهذا المقامُ في اليقينِ يورثُ الحياءَ والخوفَ والانكسارَ ، والذلَّ
والاستكانةَ والخضوعَ ، وجملةً منَ الأخلاقِ المحمودةِ ، وهذهِ الأخلاقُ
تورثُ أنواعاً مِنَ الطاعاتِ رفيعةً .
فاليقينُ في كلِّ بابٍ مِنْ هذِهِ الأبوابِ مثلُ الشجرةِ ، وهذهِ الأخلاقُ في
القلبِ مثلُ الأغصانِ المتفرِّعةِ منها ، وهذهِ الأعمالُ والطاعاتُ الصادرةُ مِنَ
الأخلاقِ كالثمارِ والأنوارِ المتفرِّعةِ مِنَ الأغصانِ ، فاليقينُ هوَ الأصلُ
والأساسُ، ولهُ مجارٍ وأبوابٌ أكثرُ ممَّا عدَّدْناهُ ، وسيأتي ذلكَ في ربعٍ
المنجياتِ ، وهذا القدرُ كافٍ في تفهيمٍ معنى اللفظِ الآنَ .
ومنها : أنْ يكونَ حزيناً منكسراً مطرقاً صامتاً : يظهرُ أثرُ الخشيةِ على
هيئتِهِ وكسوتِهِ (١) ، وسيرتِهِ ، وحركتِهِ وسكونِهِ ، ونطقِهِ وسكوتِهِ ، لا ينظرُ
إليهِ ناظرٌ إلا وكانَ نظرُهُ مذكِّراً للهِ تعالى ، وكانتْ صورتُهُ دليلاً على عملِهِ ،
فالجوادُ عينُهُ فِرَارُهُ(٢) ، فعلماءُ الآخرةِ يُعرفونَ بسيماهُمْ في السكينةِ والذلَّةِ
والتواضع .
(١) بألا تكون من ثياب الشهرة ، ولا رفيعة الأثمان، ولا من دقِّ الثياب ؛ فإن كل ذلك
ليست من ثياب علماء الآخرة. ((إتحاف)) (٤١٨/١).
(٢) مثلٌ يضرب لمن يدل ظاهره على باطنه، والفرار - بتثليث الفاء - : النظر في أسنان الدابة
أو فى أوصافها لتعرف .
٢٧٨

ربع العبادات
کتاب العلم
وقدْ قيلَ : ما ألبسَ اللهُ تعالى عبداً لِبْسةً أحسنَ مِنْ خُشوع في سكينةٍ ،
ے
فهيَ لِبسةُ الأنبياءِ ، وسِيما الصالحينَ والصدِّيقينَ والعلماءِ.
فأمَّا التهافتُ في الكلام والتشدُّقُ ، والاستغراقُ في الضحكِ ، والحدَّةُ
في الحركةِ والنطقِ(١) .. فكلُّ ذلكَ مِنَ آثارِ البطرِ ، والأمنِ والغفلةِ عَنْ عظيمٍ
عقابِ اللهِ تعالى وشديدِ سخطِهِ ، وهوَ دأبُ أبناءِ الدنيا الغافلينَ عَنِ اللهِ دونَ
العلماءِ بهِ .
وهذا لأنَّ العلماءَ ثلاثةٌ كما قالَ سهلٌ التُّسْتَرِيُّ رحمهُ اللهُ: ( عالمٌ
بأمرِ اللّهِ لا بأيامِ اللهِ؛ وهُمُ المُفْتُونَ في الحلالِ والحرامِ ، وهذا العلمُ
لا يورثُ الخشيةَ، وعالمٌ باللهِ لا بأمرِ اللهِ ولا بأيامِ اللهِ ؛ وهُمْ عمومُ
المؤمنينَ ، وعالمٌ باللهِ وبأيامِ اللهِ وبأمرِ اللهِ، وهُمُ الصدِّيقونَ)(٢)، والخشيةُ
والخشوعُ إنَّما تغلبُ عليهِمْ .
وأرادَ بأيامِ اللهِ أنواعَ عقوباتِهِ الغامضةِ ونعمِهِ الباطنةِ التي أفاضَها على
القرونِ السالفةِ واللاحقةِ .
فَمَنْ أحاطَ علمُهُ بذلكَ .. عَظُمَ خوفُهُ وَظَهَرَ خشوعُهُ .
قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( تعلَّموا العلمَ ، وتعلَّموا للعلم السكينة والوقارَ
والحلمَ ، وتواضعُوا لمَنْ تتعلَّمونَ منهُ، وليتواضعْ لكُمْ مَنْ يتعلَّمُ منكُمْ،
(١) الحدَّة : العجلة.
(٢) قوت القلوب (١/ ١٤٠) بنحوه .
٢٧٩

كتاب العلم
ربع العبادات
ولا تكونوا مِنْ جبابرةِ العلماءِ ، فلا يقومُ علمُكُمْ بجهلِكُمْ)(١).
ويقالُ : ما آتَى اللهُ عبداً علماً إلا آتاهُ معَهُ حلماً وتواضعاً وحسنَ خلقٍ
ورفقاً ، فذلكَ هوَ العلمُ النافعُ(٢).
وفي الأثرِ : ( مَنْ آتَاهُ اللهُ علماً وزهداً وتواضعاً وحسنَ خلقٍ .. فهوَ إمامُ
المتقينَ )(٣).
وفي الخبرِ : ((إنَّ مِنْ خيارِ أمَّتي قوماً يضحكونَ جهراً مِن سَعَةِ
رحمةِ اللهِ ، ويبكون سِرّاً مِنْ خوفِ عذابِهِ ، أبدانُهُمْ في الأرضِ وقلوبُهُمْ في
السماءِ، أرواحُهُمْ في الدنيا وعقولُهُمْ في الآخرةِ ، يتمشَّونَ بالسكينةِ ،
ويتقرَّبُونَ بالوسيلةِ))(٤).
وقالَ الحسنُ : ( الحلْمُ وزيرُ العلمِ ، والرفْقُ أبوهُ ، والتواضعُ
سِرْبالُهُ)(٥) .
وقالَ بشرُ بنُ الحارثِ : ( مَنْ طلبَ الرئاسةَ بالعلمِ .. فتقرَّبْ إلى اللهِ
تر
(١) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (١١٩٧)، وكذا في ((قوت القلوب))
(١٤٠/١)، وانظر ((الإتحاف)) (٤٢٠/١).
(٢) قوت القلوب (١٤١/١) وأتبعه بالأثر الآتي ليؤكد معناه .
(٣) قال الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٤٢٠/١): (هكذا أورده صاحب «القوت))،
وتبعه المصنف ، ولم يتعرض له العراقي، ولا وجدته في غير كتاب ((القوت))) .
(٤) رواه الحاكم في (( المستدرك)) (١٧/٣)، والبيهقي في (( الشعب)) (٧٤٩).
(٥) قوت القلوب (١٤١/١).
٢٨٠