Indexed OCR Text
Pages 241-260
ربع العبادات كتاب العلم لهُ؟)) قالَ: ما شاءَ اللهُ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((اذهبْ فَأَحْكِمْ ما هنالكَ، ثُمَّ تعالَ .. نُعَلِّمْكَ مِنْ غرائبِ العلمِ))(١). بلْ ينبغي أنْ يكونَ التعلُّمُ مِنْ جنسٍ ما رُويَ عن حاتِمِ الأصمِّ تلميذِ شقيقٍ البلخيِّ رضيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ لهُ شقيقٌ: منذَ كمْ صحبتني ؟ قالَ حاتِمٌ : منذُ ثلاثٍ وثلاثينَ سنةً ، قالَ : فما تعلمتَ منِّي في هذهِ المدَّةِ ؟ قالَ : ثمانُ مسائلَ ، قالَ شقيقٌ لهُ: إنّا للهِ وإنَّا إليه راجعونَ ، ذهبَ عمري معكَ ولمْ تتعلَّمْ إلا ثمانيَ مسائلَ ! قالَ : يا أستاذُ ؛ لمْ أتعلَّمْ غيرَها، وإني لا أحبُّ أنْ أكذبَ ، فقالَ : هاتِ هذهِ الثمانيَ مسائلَ حتَّى أسمعَها ، قالَ حاتِمٌ : حن أمَّا الأولى : نظرتُ إلى هذا الخلقِ ، فرأيتُ كلَّ واحدٍ يحبُّ محبوباً فهوّ معَ محبوِبِهِ إلى القبرِ ، فإذا وصلَ إلى القبرِ .. فارقَهُ ، فجعلتُ الحسناتِ محبوبي ، فإذا دخلتُ القبرَ .. دخلَ محبوبي معي . فقالَ : أحسنتَ يا حاتِمُ ، فما الثانيةُ ؟ فقالَ : نظرتُ في قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَ ٤٠: فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾، فعلمتُ أنَّ قولَهُ سبحانَهُ هوَ الحقُّ ، فأجهدتُ نفسي في دفع الهوىُ حتَّى استقرَّتْ على طاعةِ اللهِ تعالى . الثالثةُ : أَنِّي نظرتُ إلى هذا الخلقِ، فرأيتُ كلَّ مَنْ مَعَهُ شيءٌ لهُ قيمةٌ (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٤/١)، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (١٢٢٢)، وانظر « الإتحاف)) (٣٧٩/١). ٢٤١ كتاب العلم ربع العبادات ومقدارٌ عندَهُ رفعَهُ وحِفِظَهُ، ثمَّ نظرتُ في قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ مَا ◌ِنْدَكُمْ يَنْفَذَّ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾، فكلَّما وقعَ معي شيءٌ لهُ قيمةٌ ومقدارٌ .. وجهتُّهُ إلى اللهِ ليبقى لي عندَهُ محفوظاً . الرابعةُ : أَنِّي نظرتُ إلى هذا الخلقِ ، فرأيتُ كلَّ واحدٍ منهُمْ يرجعُ إلى المالِ والحسبِ والشرفِ والنسبِ ، فنظرتُ فيها فإذا هيَ لا شيءَ ، ثمَّ نظرتُ إلى قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ﴾، فعملتُ في التقوى حتَّى أكونَ عندَ اللهِ كريماً . الخامسةُ : نظرتُ إلى هذا الخلقِ وهُمْ يطعنُ بعضُهُمْ في بعضٍ ويلعنُ بعضُهُمْ بعضاً ، وأصلُ هذا كلِّه الحسدُ، ثم نظرتُ إلى قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِ اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾، فتركتُ الحسدَ واجتنبتُ الخلقَ ، وعلمتُ أنَّ القَسْمَ مِنْ عندِ اللهِ سبحانَهُ ، فتركتُ عداوةَ الخلْقِ عِنِّي . ١٥٠٠ السادسةُ : نظرتُ إلى هذا الخلقِ يبغي بعضُهُمْ على بعضٍ ، ويقاتلُ بعضُهُمْ بعضاً ، فرجعتُ إلى قولِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُنْ عَدُوٌ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾، فعاديتُهُ وحدَهُ، واجتهدتُ في أخْذِ حذري منهُ ؛ لأنَّ اللهَ تعالى شهدَ عليهِ أنَّهُ عدوٍّ لي ، فتركتُ عداوةَ الخلْقِ غيرَهُ . السابعةُ : نظرتُ إلى هذا الخلقِ ، فرأيتُ كلَّ واحدٍ منهُمْ يطلبُ هذهِ الكسرةَ ، فيذلُّ نفسَهُ فيها ، ويدخلُ فيما لا يحلُّ لهُ ، ثمَّ نظرتُ إلى قولِهِ تعالى: ﴿ وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، فعلمتُ أنِّي واحدٌ مِنْ ٢٤٢ ربع العبادات كتاب العلم هذهِ الدوابِّ التي على اللهِ رزقُها ، فاشتغلتُ بما للهِ تعالى عليَّ، وتركتُ ما لي عندَهُ . الثامنةُ : نظرتُ إلى هذا الخلقِ ، فرأيتُهُمْ كلَّهُمْ متوكِّلينَ على مخلوقٍ ؛ هذا على ضيعَتِهِ ، وهذا على تجارتِهِ ، وهذا على صناعتِهِ ، وهذا على صحَّةٍ بدنِهِ ، وكلُّ مخلوقٍ متوكِّلٌ على مخلوقٍ مثلِهِ ، فرجعتُ إلى قولِهِ تعالى: ﴿وَمَن يَنَّوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، فتوكلتُ على اللهِ عزَّ وجلَّ، فهوَ حسبي . قالَ شقيقٌ: يا حاتِمُ ؛ وفَّقَكَ اللهُ تعالى ، فإنِّي نظرتُ في علومِ التوراةِ والإنجيلِ والزبورِ والقرآنِ العظيمِ ، فوجدتُ جميعَ أنواع الخيرِ والديانةِ ، وهيَ تدورُ على هذهِ الثمانِ مسائلَ ، فَمَنِ استعملَها .. فقدِ استعملَ الكتبَ الأربعةَ(١) . فههذا الفنُّ مِنَ العلمِ لا يهتمُّ بإدراكِهِ والتفطَّنِ لهُ إلَّ علماءُ الآخرةِ ، أمَّا علماءُ الدنيا .. فيشتغلونَ بما يتيسَّرُ بهِ اكتسابُ المالِ والجاهِ ، ويهملونَ أمثالَ هذهِ العلوم التي بها بعثَ اللهُ الأنبياءَ كلَّهُمْ عليهِمُ السلامُ . وقالَ الضخَاكُ بنُ مزاحم : ( أدركتُهُمْ وما يتعلّمُ بعضُهُمْ مِنْ بعضٍ إلا الورعَ، وهمُ اليومَ ما يتعلَّمونَ إلَّ الكلامَ)(٢). (١) رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء)) (٧٩/٨) بنحوها. (٢) قوت القلوب (٩٦/١) . ٢٤٣ كتاب العلم ربع العبادات ومنها : أَنْ يكونَ غيرَ مائلٍ إلى الترفَّهِ في المطعمِ والمشربِ ، والتنعمِ في الملبسِ ، والتجمُّلِ في الأثاثِ والمسكنِ : بلْ يؤثرُ الاقتصادَ في جميعِ ذلكَ ، ويتشبَّهُ فيهِ بالسلفِ رحمهُمُ اللهُ تعالى، ويميلُ إلى الاكتفاءِ بالأقلِّ في جميع ذلكَ، وكلَّما زادَ إلى طرفِ القَلَّةِ ميلُهُ .. ازدادَ مِنَ اللهِ قربُهُ ، وارتفعَ في علماءِ الآخرةِ حزبُهُ . ويشهدُ لذلكَ ما حُكِيَ عنْ أبي عبدِ اللهِ الخوَّاصِ وكانَ مِنْ أصحابٍ حاتِمٍ الأصمِّ ، قالَ : دخلتُ معَ حاتِمِ الرَّيَّ ومعنا ثلاثُ مئةٍ وعشرونَ رجلاً نريدُ الحجّ وعليهِمُ الزُّرَنْبَانِقَاتُ(١) ، وليسَ معَهُمْ جِرابٌ ولا طعامٌ ، فدخلْنا على رجلٍ مِنَ التجَّارِ متقشِّفٍ يحبُّ المساكينَ ، فأضافَنَا تلكَ الليلةَ ، فلمَّا كانَ مِنَ الغدِ .. قالَ لحاتم : ألكَ حاجةٌ ؟ فإنِّي أريدُ أنْ أعودَ فقيهاً لنا هوَ عليلٌ ، قالَ حاتمٌ : عيادةُ المريضِ فيها فضلٌ ، والنظرُ إلى الفقيهِ عبادةٌ ، وأنا أيضاً أجيءُ معكَ، وكانَ العليلُ محمدَ بنَ مقاتلٍ قاضيَ الرَّيِّ ، فلمَّا جئنا إلى البابِ .. فإذا هوَ يشرقُ حسناً ، فبقيَ حاتمٌ متفكراً يقولُ: بابُ عالمٍ على هذِهِ الحالِ ! ثُمَّ أذنَ لهُمْ فدخلوا، فإذا دارٌ حسناءُ قوراءُ، واسعةٌ نزِهَةٌ ، وإذا بزَّةٌ وأمتعةٌ وستورٌ ، فبقيَ حاتِمٌ متفكِّراً ، ثمَّ دخلوا إلى المجلسِ الذي هوَ فيهِ ، فإذا بفُرْشٍ وطيئَةٍ وهوَ راقدٌ عليها ، وعندَ رأسِهِ غلامٌ وبيدِهِ مِذْبَةٌ ، فقعدَ الزائُر عندَ رأسِهِ وسألَ عنْ حالِهِ وحاتمٌ قائمٌ، فأومأ إليهِ ابنُ مقاتلٍ أنِ ـجر (١) الزرنبانقات: جُبَب الصوف. ٢٤٤ ربع العبادات کتاب العلم اجلسْ، فقالَ: لا أجلسُ ، فقالَ : لعلَّ لكَ حاجةٌ ، قالَ : نعمْ ، فقالَ: وما هيَ ؟ قال : مسألةٌ أسألُكَ عنها ، قال: سلني، قالَ : قمْ فاستوِ جالساً حتَّى أسألَكَ ، فاستوى جالساً . قالَ حاتمٌ : علمُكَ هذا مِنْ أينَ أخذتَهُ ؟ قالَ : مِنَ الثقاتِ حدَّثوني بهِ ، قالَ : عمَّنْ؟ قالَ : عَنْ أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قالَ : وأصحابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عمَّنْ؟ قالَ : عَنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، قالَ: ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عمَّنْ ؟ قالَ: عَنْ جبريلَ عليهِ السلامُ عَنِ اللهِ سبحانَهُ وتعالى . قالَ حاتمٌ : ففيما أدّاهُ جبريلُ عليهِ السلامُ عَنِ اللهِ تعالىُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وأدّاهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى أصحابِهِ ، وأصحابُهُ إلى الثقاتِ، وأدَّاهُ الثقاتُ إليكَ: هلْ سمعتَ فيهِ : مَنْ كانَ في دارِهِ أميراً وكانتْ سعتُهُ أكثرَ .. كانَ لهُ عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ المنزلةُ أكبرَ ؟ قالَ : لا ، قالَ : فكيف سمعتَ ؟ قالَ : سمعتُ : أنَّهُ مَنْ زهدَ في الدنيا ورغبَ في الآخرةِ وأحبَّ المساكينَ وقدَّمَ لآخرتِهِ .. كانتْ لهُ عندَ اللهِ المنزلةُ . قالَ لهُ حاتمٌ : فأنتَ بمنِ اقتديتَ؟ أبالنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأصحابِهِ رضيَ اللهُ عنهُمْ والصالحينَ، أمْ بفرعونَ ونمروذَ أوَّلِ مَنْ بَنَى بالجصِّ والآجرِّ ؟! يا علماءَ السوءِ ؛ مثلُكُمْ يراهُ الجاهلُ المتكالبُ على الدنيا الراغبُ فيها ٢٤٥ كتاب العلم ربع العبادات فيقولُ : العالمُ على هذهِ الحالةِ ، لا أكونُ أنا شرّاً منهُ! وخرجَ مِنْ عندِهِ . فازدادَ ابنُ مقاتلٍ مرضاً . وبلغَ أهلَ الرَّيِّ ما جرى بينهُ وبينَ ابنِ مقاتلٍ ، فقالوا لهُ : إنَّ الطَّنافِسيَّ بقزوينَ أكثرُ توسُّعاً منهُ ، فسارَ حاتمٌ إليهِ متعمداً ، فدخلَ عليهِ ، فقالَ : رحمَكَ اللهُ؛ أنا رجلٌ أعجميٌّ أحبُّ أنْ تعلِّمَني مبتدأ ديني ومفتاحَ صلاتي كيفَ أتوضأُ للصلاةِ ، قال : نعمْ وكرامةً ، يا غلامُ ؛ هاتِ إناءً فيه ماءٌ ، فأُتيَ بهِ ، فقعدَ الطنافسيُّ فتوضَّأَ ثلاثاً ثلاثاً ثمّ قالَ: هكذا فتوضَّأْ . فقالَ حاتمٌ : مكانَكَ حتَّى أَتوضَّأَ بينَ يديكَ فيكونَ أوكدَ لما أريدُ ، فقامَ الطنافسيُّ وقعدَ حاتمٌ فتوضأً، ثمَّ غسلَ ذراعيهِ أربعاً أربعاً ، فقالَ لهُ الطنافسيُّ : يا هذا ؛ أسرفتَ ، قالَ لهُ حاتمٌ : في ماذا ؟ قالَ : غسلتَ ذراعيكَ أربعاً . فقالَ حاتمٌ : يا سبحانَ اللهِ العظيمِ! أنا في كفٍّ مِنْ ماءِ أسرفْتُ، وأنتَ في جميع هذا كلِّهِ لمْ تسرفْ ؟! فعلمَ الطنافسيُّ أنَّهُ قصدَ ذلكَ دونَ التعلُّمِ ، فدخلَ إلى البيتِ فلمْ يخرجْ إلى الناسِ أربعينَ يوماً . فلمَّا دخلَ حاتمٌ بغدادَ .. اجتمعَ إليهِ أهلُ بغدادَ ، فقالوا : يا أبا عبدٍ الرحمنِ ؛ أنتَ رجلٌ ألْكنُ أعجميٌّ وليسَ يكلِّمُكَ أحدٌ إلا قطعتَهُ ! قالَ : معي ثلاثُ خصالٍ بهنَّ أظهرُ على خصمي : أفرحُ إذا أصابَ :G ٢٤٦ T ربع العبادات كتاب العلم خصمِي ، وأحزنُ إذا أخطأَ ، وأحفظُ نفسي ألاَّ أجهلَ عليهِ . فبلغَ ذلكَ أحمدَ ابنَ حنبلٍ رضيَ اللهُ عنهُ فقالَ : سبحانَ اللهِ ، ما أعقلَهُ ! قوموا بنا إليه . فلما دخلوا عليهِ .. قالَ لهُ : يا أبا عبد الرحمنِ ؛ ما السلامةُ مِنَ الدنيا ؟ قال : يا أبا عبدِ اللهِ؛ لا تسلَمُ مِنَ الدنيا حتَّى يكونَ معكَ أربعُ خصالٍ : تغفرُ للقوم جهلَهُمْ ، وتمنعُ جهَلَكَ منهُمْ ، وتبذلُ لهُمْ شيئَكَ ، وتكونُ مِنْ شيئِهِمْ آيساً ، فإذا كنتَ هكذا .. سلمتَ . ثُمَّ سارَ إلى المدينةِ ، فاستقبلَهُ أهلُ المدينةِ ، فقالَ : يا قوم ؛ أيَّةُ مدينةٍ هذهِ ؟ قالوا : مدينةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قالَ : فأينَ قصْرُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حتَّى أصلِّيَ فيهِ؟ قالوا: ما كانَ لهُ قصرٌ ، إنَّما كانَ لهُ بيتٌ لاِىءٌ بالأرضِ، قالَ : فأينَ قصورُ أصحابِهِ رضيَ اللهُ عنهُمْ ؟ قالوا : ما كانَ لهمْ قصورٌ ، إنَّما كانَ لهُمْ بيوتٌ لاطئَةٌ بالأرضِ . فقالَ حاتمٌ : يا قومُ ؛ فهذهِ مدينةٌ فرعونَ ! فأخذوهُ وذهبوا بهِ إلى السلطانِ ، وقالوا : هذا العجميُّ يقولُ: هذهِ مدينةُ فرعونَ ، قَالَ الوالي : ولِمَ ذلكَ ؟ قالَ حاتمٌ : لا تعجَلْ عليَّ ، أنا رجلٌ أعجميٌّ غريبٌ ، دخلتُ البلدَ فقلتُ: مدينةٌ مَنْ هذهِ ؟ فقالوا : مدينةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقلتُ: فأينَ قصرُهُ ... وقصَّ القصَّةَ، ثمَّ قالَ: وقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَّكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾، فأنتمْ ٢٤٧ كتاب العلم ربع العبادات بِمَنْ تأسَّيْتُمْ؟ أبرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، أمْ بفرعونَ أوَّلِ مَنْ بنى بالجصِّ والآجرِّ ؟! فخلوا عنهُ وتركوه(١) . فهذهِ حكايةُ حاتِم الأصمِّ رحمهُ اللهُ تعالى ، وسيأتي مِنْ سيرةِ السلفِ في البذاذةِ وتركِ التجمُّلِ ما يشهدُ لذلكَ في مواضعِهِ . والتحقيقُ فيهِ : أنَّ التزيُّنَ بالمباحِ ليسَ بحرامٍ ، ولكنَّ الخوضَ فيهِ يوجبُ الأنْسَ بهِ حتَّى يشقَّ تركُهُ، واستدامةُ الزينةِ لا تمكنُ إلا بمباشرةِ أسبابٍ في الغالبِ يلزمُ مِنْ مراعاتِها ارتكابُ المعاصي ؛ مِنَ المداهنةِ ، ومراعاةِ الخلْقِ ومراءاتِهِمْ ، وأمورٍ أخرَ هيَ محظورةٌ ، والحزمُ اجتنابُ ذلكَ؛ لأنَّ مَنْ خاضَ في الدنيا لا يسلمُ منها ألْبتةَ ، ولوْ كانتِ السلامةُ مبذولةٌ معَ الخوضِ فيها .. لكانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لا يبالغُ في تركِ الدنيا، حتَّى نزعَ القميصَ المُطَرَّزَ بالعَلَمِ(٢) ، ونزعَ خاتمَ الذهبِ في أثناءِ الخطبةِ (٣) ، إلى غيرِ ذلكَ ممَّا سيأتي بيانُهُ. وقد حُكِيَ أنَّ يحيى بنَ يزيدَ النوفليَّ كتبَ إلى مالكِ بنِ أنسٍ رضيَ اللهُ عنهُمَا : (١) رواها أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٨٠/٨). (٢) فقد روى البخاري ( ٣٧٣)، ومسلم (٥٥٦) واللفظ له : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة لها أعلام وقال: (( شغلتني أعلام هذه ، فاذهبوا بها إلى أبي جهم وأتوني بأنبجانية )) . (٣) ففي (( البخاري)) ( ٥٨٦٧)، و((مسلم)) (٢٠٩١): كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس خاتماً من ذهب، فنبذه فقال: (( لا ألبسه أبداً )) فنبذ الناس خواتيمهم. ٢٤٨ ربع العبادات كتاب العلم بِسِْلِهِ الرَّمنِ الرَّحِيَِّ وصَّاللهُ عَلَى رَسُولِهِمُحَدٍ فِي الأَولِينَ وَالآخِرِينَ مِنْ يحيى بنِ يزيدَ بنِ عبدِ الملكِ إلى مالكِ بنِ أنسٍ . أمَّا بعدُ : فقدْ بلغني أنَّكَ تلبسُ الدِّقاقَ، وتأكُلُ الرُّقاقَ(١) ، وتجلسُ على الوطاءِ ، وتجعلُ على بابِكَ حاجباً ، وقدْ جلستَ مجلسَ العلمِ ، وضُرِبَتْ إليكَ المطيُّ، وارتحلَ إليكَ الناسُ ، واتخذوكَ إماماً ، ورضوا بقولِكَ ، فاتقِ اللهَ تعالى يا مالكُ ، وعليكَ بالتواضعِ . كتبتُ إليكَ بالنصيحةِ مِنِّي كتاباً ما اطلعَ عليهِ إلا اللهُ تعالى ، والسلامُ . فكتبَ إليهِ مالكٌ : بِسِْاللهِ الرَّحْمِ الرَّحِيَّمِ وصَلَّاللهُ عَلى مُحَدٍ وَآلِهِ وصحِهِ وسلَّمَ مِنْ مالكِ بنِ أنسٍ إلى يحيى بنِ يزيدَ ، سلامُ اللهِ عليكَ . أمَّا بعدُ : فقدْ وصلَ إليَّ كتابُكَ، فوقعَ منِّي موقعَ النصيحةِ في الشفقةِ والأدبِ ، أمتعَكَ اللهُ بالتقوى ، وجزاكَ بالنصيحةِ خيراً ، وأسألُ اللهَ تعالى التوفيقَ ، :95 (١) الدقاق: الثياب الرفيعة ، وهي دق الثياب من كتان وقطن ، والرقاق: بضم الراء، الخبز المرفق الذي عجن من دقيق منخول. ((إتحاف)) (٣٨٥/١). ٢٤٩ جر علان كتاب العلم ربع العبادات ولا حولَ ولا قوَّةً إلا باللهِ العليِّ العظيمِ . فأمَّا ما ذكرتَ لي أنِّي آكلُ الرُّقاقَ وألبسُ الدِّقَاقَ وأحتجبُ وأجلسُ على الوطاء .. فنحنُ نفعلُ ذلكَ ونستغفرُ اللهَ تعالى، وقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِىَّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَِّبَتِ مِنَ الْرِّزْقِ﴾، وإِنِّي لأعلمُ أنَّ تركَ ذلكَ خيرٌ مِنَ الدخولِ فيهِ ، ولا تدعْنا منْ كتابِكَ ، فلسنا ندعُكَ مِنْ كتابِنا ، والسلامُ . فانظرْ إلى إنصافِ مالكٍ إِذِ اعترفَ أنَّ تركَ ذلكَ خيرٌ منَ الدخولِ فیهِ ، وأفتى بأنَّهُ مباحٌ ، وقدْ صدقَ فيهما جميعاً . ومثلُ مالكِ في منصبهِ إذا سمحتْ نفسُهُ بالإنصافِ والاعترافِ في مثلٍ هذهِ النصيحةِ .. فتقوى أيضاً نفسُهُ على الوقوفِ على حدودِ المباحِ، حتَّى لا يحملُهُ ذلكَ على المراءاةِ والمداهنةِ ، والتجاوزِ إلى المكروهاتِ ، وأمَّا غيرُهُ .. فلا يقدرُ عليهِ . فالتعريجُ على التنعُّمِ في المباحِ خطرٌ عظيمٌ، وهوَ بعيدٌ مِنَ الخوفِ والخشيةِ، وخاصِّيَّةُ علماءِ اللهِ تعالى الخشيةُ، وخاصِّيَّةُ الخشيةِ التباعدُ مِنْ مظانِّ الخطرِ . ومنها : أنْ يكونَ منقبضاً عنِ السلاطينِ : فلا يدخلُ عليهِمْ ألبتةَ ما دامَ يجدُ إلى الفرارِ عنهُمْ سبيلاً ، بلْ ينبغي أنْ يحترزَ مِنْ مخالطتِهِمْ وإنْ جاؤُوا إليهِ ؛ فإنَّ الدنيا حلوةٌ خَضِرَةٌ ، وزمامُها بأيدي السلاطينِ ، والمخالطُ لهُمْ ٢٥٠ ربع العبادات كتاب العلم لا يخلو عَنْ تكلَّفٍ في طلبٍ مرضاتِهِمْ واستمالةِ قلوبِهِمْ معَ أنَّهُمْ ظَلَمٌ ، ويجبُ على كلِّ متديّنِ الإنكارُ عليهِمْ ، وتضييقُ صدورِهِمْ بإظهارِ ظلمِهِمْ وتقبيحٍ فعلِهِمْ . فالداخلُ عليهِمْ إِمَّا أنْ يلتفتَ إلى تجمُّلِهِمْ فيزدريَ نعمةَ اللهِ عليهِ ، أَوْ يسكتَ عنِ الإنكارِ عليهِمْ فيكونَ مداهناً لهُمْ ، أوْ يتكلَّفَ في كلامِهِ كلاماً المرضاتِهِمْ وتحسينِ حالِهِمْ وذلكَ هوَ البَهْتُ الصريحُ ، أَوْ أنْ يطمعَ في أنْ ينالَ مِنْ دنياهُمْ ، وذلكَ هوَ السُّحْتُ . وسيأتي في كتابِ الحلالِ والحرام ما يجوزُ أنْ يُؤخذَ مِنْ أموالِ السلاطينِ وما لا يجوزُ مِنَ الإدرارِ والجوائزِ وغيرِها . وعلى الجملةِ : فمخالطتُهُمْ مفتاحٌ للشُّرورِ ، وعلماءُ الآخرةِ طريقُهُمُ الاحتياطُ . وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((مَنْ بَدَا .. جَفا - يعني: مَنْ سكنَ الباديةَ .. جفا - ومَنِ اتبعَ الصيدَ .. غَفَلَ، ومَنْ أتى السلطانَ .. افتُتِنَ)) (١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( سيكونُ عليكُمْ أمراءُ تعرفونَ منهمْ وتنكرونَ ، فَمَنْ أنكرَ .. فقدْ بَرِىءَ، ومَنْ كَرِهَ .. فقدْ سَلِمَ ، ولكنْ مَنْ رَضِيَ وتابعَ .. أبعدَهُ اللهُ تعالى))، قيلَ: أفلا نقاتِلُهُمْ؟ قال: (( لا، ما صلَّوا))(٢). (١) رواه أبو داوود (٢٨٥٩). (٢) رواه مسلم ( ١٨٥٤) . ٢٥١ كتاب العلم ربع العبادات وقالَ سفيانُ: ( في جهنَّمَ وادٍ لا يسكنُهُ إلا القُرَّاءُ الزوَّارونَ للملوكِ )(١). وقالَ حذيفةُ: إِيَّاكُمْ ومواقفَ الفتنِ، قيلَ: وما هيَ؟ قالَ: أبوابُ الأمراءِ، يدخلُ أحدُكُمْ على الأميرِ فيصدِّقُهُ بالكذبِ ، ويقولُ فيهِ ما ليسَ فيهِ(٢). وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((العلماءُ أمناءُ الرسلِ على عبادِ اللهِ تعالى ما لمْ يُخالطوا السلطانَ ، فإذا فعلوا ذلكَ .. فقدْ خانوا الرسلَ ، فاحذروهُمْ واعْتَزِلُوهُمْ))، رواهُ أنسرٌ(٣). وقيلَ للأعمشِ : لقدْ أحييتَ العلمَ لكثرةِ مَنْ يأخُذُهُ عنكَ ، فقالَ : لا تعجلوا ؛ ثلثٌ يموتونَ قبلَ الإدراكِ ، وثلثٌ يلزمونَ أبوابَ السلاطينِ فُهُمْ شرٌّ الخلقِ ، والثلثُ الباقي لا يفلحُ منهُمْ إلا القليلُ (٤). ولذلكَ قالَ سعيدُ بنُ المسيَّبِ رحمهُ اللهُ تعالى : ( إذا رأيتمُ العالمَ يغشى الأمراءَ فاحترزوا منهُ ؛ فإنَّه لصٌّ )(٥). (١) رواه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) ( ١٠٩٧). (٢) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٣١٦/١١)، وأبو نعيم في (( الحلية)) (٢٧٧/١ ) . (تزئ (٣) رواه العقيلي كما في ((جامع بيان العلم وفضله)) (١١١٣)، والديلمي كما في ((مسند الفردوس )) (٤٢١٠)، وقال الحافظ المناوي في ((فيض القدير)) (٣٨٣/٤) نقلاً عن السيوطي : ( قوله - أي ابن الجوزي - : (( موضوع)) ممنوع ، وله شواهد فوق الأربعين ، فنحكم له على مقتضى صناعة الحديث بالحسن ) . (٤) أورده ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (١١١٥). (٥) وهذا الذي ذكره المصنف عن سعيد بن المسيب فقد ورد مرفوعاً عن أبي هريرة بلفظ : =. ٢٥٢ ربع العبادات كتاب العلم وقالَ الأوزاعيُّ : ( ما منْ شيءٍ أبغضَ إلى اللهِ تعالى منْ عالمٍ يزورُ عاملاً)(١). وقالَ رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( شرارُ العلماءِ الذينَ يأتونَ الأمراءَ، وخيارُ الأمراءِ الذينَ يأتونَ العلماءَ))(٢). وقالَ مكحولٌ الدمشقيُّ رحمهُ اللهُ: ( مَنْ تعلَّمَ القرآنَ وتفقَّهَ في الدينِ ثمَّ صحبَ السلطانَ تملَّقاً إليهِ وطمعاً فيما لديهِ .. خاضَ في نارٍ جهنَّمَ بعدَدِ خُطاهٌ)(٣). وقالَ سُحنونٌ : ( ما أسمجَ بالعالمِ أنْ يُؤتى إلى مجلسِهِ فلا يوجدُ ، فيُسألُ عنهُ، فيُقالُ: إنَّهُ عندَ الأميرِ! )(٤). ((إذا رأيتم العالم يخالط السلطان مخالطة كثيرة .. فاعلم أنه لص)) أخرجه الديلمي في = ((مسند الفردوس)) (١٠٧٧). ((إتحاف)) (٣٨٩/١). (١) وشاهده من حديث أبي هريرة رفعه، أخرجه ابن ماجه: ((إن أبغض الخلق إلى الله العالم يزور العمال)). ((إتحاف)) (٣٨٩/١)، وهذا الذي ذكره قد رواء الديلمي في ((مسند الفردوس)" (٨٢٢)، والرافعي في ((التدوين في أخبار قزوين)) ( ٤٥٠/٣). (٢) عند ابن ماجه (٢٥٦): ((وإن من أبغض القراء إلى الله الذين يزورون الأمراء))، وفي ((الحلية)) (٢٤٣/٣) من كلام سلمة بن دينار: ( إن خير الأمراء من أحب العلماء ، وإن شر العلماء من أحب الأمراء ) . (٣) وهذا قد روي مرفوعاً من حديث معاذ، أخرجه أبو الشيخ في كتاب (( الثواب)) له ، وكذا الحاكم في ((تاريخه)" بلفظ: ((إذا قرأ الرجل القرآن وتفقه في الدين ثم أتى باب السلطان تملقاً إليه ، وطمعاً لما في يديه .. خاض بقدر خطاه في نار جهنم). ((إتحاف)) (٣٩٠/١). (٤) ذكره ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) ( ١١١٧ ). 95 ٢٥٣ كتاب العلم ربع العبادات قالَ: وكنتُ أسمعُ أنَّهُ يُقالُ : ( إذا رأيتمُ العالمَ يحبُّ الدنيا .. فاتهمُوهُ على دينِكُمْ ) حتَّى جرَّبْتُ ذلكَ ؛ إذْ ما دخلتُ قطَّ على هذا السلطانِ إلا وحاسبتُ نفسي بعدَ الخروجِ، فأرى عليها الذَّرَكَ(١) ، وأنتمْ ترَوْنَ ما ألقاهُ بهِ مِنَ الغلظةِ والفظاظةِ وكثرةِ المخالفةِ لهواهُ ، ولودِدتُ أنْ أنجوَ مِنَ الدخولِ عليهِ كفافاً ، معَ أَنِّي لا آخذُ منهُ شيئاً ، ولا أشربُ لهُ شربةَ ماءِ ، ثمَّ قالَ : وعلماءُ زمانِنا شرٌّ مِنْ علماءِ بني إسرائيلَ ؛ يخبرونَ السلطانَ بالرُّخَصِ وبما يوافقُ هواهُ ، ولوْ أخبروهُ بالذي عليهِ وفيهِ نجاتُهُ .. لاستثقلَهُمْ، وكَرِهَ دخولَهُمْ عليهِ ، وكانَ ذلكَ نجاةً لُهُمْ عندَ ربِّهِمْ(٢) . وقالَ الحسنُّ : ( كانَ فيمِنْ كانَ قبلَكُمْ رجلٌ لَهُ قِدَمٌ في الإسلامِ وصحبةٌ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ - قالَ عبدُ اللهِ بنُ المباركِ : عنى بهِ سعدَ بنَ أبي وقاصٍ رضيَ اللهُ عنهُ - قالَ: وكانَ لا يغشى السلاطينَ ، وينفرُ عنهُمْ ، فقالَ لهُ بنوهُ : يأتي هؤلاءِ مَنْ ليسَ هوَ مثلَكَ في الصحبةِ والقِدَم في الإسلام ، فلوْ أتيتَهُمْ ! فقالَ : يا بَنِيَّ ؛ آتي جيفةً قدْ أحاطَ بها قومٌ ؟! واللهِ ؛ لئنِ استطعتُ لا شاركتهُمْ فيها . حيز» قالوا : يا أبانا ؛ إذاً نهلِكَ هزالاً . (١) الدرك : التبعة وما يلحق منها . (٢) ترتيب المدارك (٣٥٧/١). ٢٥٤ ربع العبادات كتاب العلم قالَ : يا بَنِيَّ ؛ لأنْ أموتَ مؤمناً مهزولاً أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أموتَ منافقاً سميناً(١) . ix قالَ الحسنُ : ( خصمَهُمْ واللهِ؛ إذْ عِلِمَ أنَّ الترابَ يأكلُ اللحمَ والسِمَنَ، دونَ الإيمانِ )(٢). وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ الداخلَ على السلطانِ لا يسلَمُ مِنَ النفاقِ ألبتةَ ، وهوَ مضافٌّ للإيمانِ . وقالَ أبو ذرّ لسلمةَ : ( يا سلمةُ؛ لا تغشَ أبوابَ السلاطينِ ؛ فإنَّك لا تصيبُ مِنْ دنياهُمْ شيئاً إلا أصابوا مِنْ دينِكَ أفضلَ منهُ)(٣). وهذهِ فتنةٌ عظيمةٌ للعلماءِ ، وذريعةٌ صعبةٌ للشيطانِ عليهِمْ ، لا سيما مَنْ لهُ لهجةٌ مقبولةٌ وكلامٌ حلْوٌ، إذْ لا يزالُ الشيطانُ يُلقي إليهِ أنَّ في وعظِكَ لهُمْ ودخولِكَ عليهِمْ ما يزجرُهُمْ عنِ الظلْمِ ويقيمُ شعائرَ الشرع، إلى أنْ يخيّلَ إليهِ أنَّ الدخولَ عليهِمْ مِنَ الدينِ ، ثمَّ إذا دخلَ .. لمْ يلبثْ أنْ يتلطّفَ في الكلامِ ويداهنَ ، ويخوضَ في الثناءِ والإطراءِ ، وفيهِ هلاكُ الدينِ . (١) فلم يزل رضي الله عنه في حال التقشف والصبر حتى لحق بربه معتزلاً في قصره بالعقيق في سنة خمس وخمسين على المشهور ، وحمل على الأعناق ودفن بالبقيع ، وهو آخر العشرة موتاً ، فهو قدوةُ من ابتلي في حاله بالتلوين ، وحجةٌ من تحصن بالوحدة والعزلة من التفتين. ((إتحاف)) (٣٩١/١). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((العزلة)) (٢٠٢)، وحكى البلاذري في (( أنساب الأشراف)) (٣٨٩/١٢) هذا عن إياس بن قتادة ، وهو تابعي . (٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ( ٣٨٨٨٧). ٢٥٥ كتاب العلم ربع العبادات وكانَ يُقالُ: ( العلماءُ إذا علموا .. عملوا، فإذا عملوا .. شُغلوا، فإذا شُغلوا .. فُقدوا، فإذا فُقدوا .. طُلبوا، فإذا طُلبوا .. هَربوا)(١). وكتبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ إلى الحسنِ رحمَهُما اللهُ: أما بعدُ : فأشرْ عليَّ بقومٍ أستعينُ بِهِمْ على أمرِ اللهِ تعالى . فكتبَ إليهِ : أمَّا أهلُ الدينِ .. فلنْ يريدوكَ، وأمَّا أهلُ الدنيا .. فلنْ تريدَهُمْ، ولكنْ عليكَ بالأشرافِ ؛ فإنَّهُمْ يصونونَ شرفَهُمْ أنْ يدنِّسوهُ بالخيانةِ(٢) . هذا في عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ رحمَهُ اللهُ، وكانَ أزهدَ أهلِ زمانِهِ ، فإذا كانَ شرطُ أهلِ الدينِ الهربَ منهُ .. فكيفَ يستتبُّ طلبُ غيرِهِ ومخالطتُهُ ؟! ولمْ يزلِ السلفُ العلماءُ مثلُ الحسنِ والثوريِّ وابنِ المباركِ والفضيلِ وإبراهيمَ بنِ أدهمَ ويوسفَ بنِ أسباطٍ يتكلّمونَ في علماءِ الدنيا مِنْ أهلِ مَكَّةَ والشام وغيرهِمْ؛ إمَّا لميلِهِمْ إلى الدنيا، وإما لمخالطتِهِمُ السلاطينَ. ومنها : ألا يكونَ مسارعاً إلى الفتوى : بلْ يكونُ متوقِّفاً ومحترزاً ما وجدَ إلى الخلاصِ سبيلاً، فإنْ سُئِلَ عمَّا يعلمُهُ تحقيقاً بنصِّ كتابِ اللهِ أو بنصِّ (١) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٢٣٤/٥) عن يزيد بن ميسرة رحمه الله تعالى ، ومعنى ( شغلوا) أي: بالله تعالى ، وهو نتيجة العمل الصادق ، و(هربوا) أي : من الخلق ؛ سلامة لدينهم وجمعاً لخواطر قلوبهم. ((إتحاف)) (٣٩١/١). (٢) قوت القلوب (١/ ١٣٤). ٢٥٦ ربع العبادات كتاب العلم حديثٍ أوْ إجماع أوْ قياسِ جلِيٍّ .. أفتى، وإنْ سُئِلَ عمَّا يشكُ فيهِ .. قال : ے ( لا أدري )، وإنْ سُئِلَ عمَّا يظنُّهُ باجتهادٍ وتخمينِ .. احتاطَ ودفعَ عنْ نفسِهِ وأحالَ على غيرِهِ إنْ كانَ في غيرِهِ غُنِيةٌ . هذا هوَ الحزمُ ؛ لأنَّ تقلُّدَ خطرِ الاجتهادِ عظيمٌ . وفي الخبرِ : ( العلمُ ثلاثةٌ: كتابٌ ناطقٌ، وسنةٌ قائمةٌ ، ولا أدري )(١) . وقالَ الشعبيُّ: ( لا أدري نصفُ العلمِ)(٢). ومَنْ سكتَ حيثُ لا يدري للهِ تعالى .. فليسَ بأقلَّ أجراً ممَّنْ نطقَ ؛ لأنَّ الاعترافَ بالجهْلِ أشدُّ على النفسِ ، وهكذا كانتْ عادةُ الصحابةِ والسلفِ رضيَ اللهُ عنهُمْ . كانَ ابنُ عمرَ إذا سُئِلَ عنِ الفتوى .. قالَ : اذهبْ إلى هذا الأميرِ الذي تقلَّدَ أمورَ الناسِ فضَعْها في عنقِهِ (٣) . وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ : ( إنَّ الذي يفتي الناسَ في كلِّ ما يستفتونَهُ لَمجنونٌ )(٤). (١) هو من كلام ابن عمر رضي الله عنهما، رواه عنه الطبراني في ((الأوسط)) (١٠٠٥)، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) ( ١٣٨٧). (٢) رواه الدارمي في ((سننه)) ( ١٨٦). (٣) قوت القلوب (١/ ١٣١). (٤) رواه الدارمي في ((سننه)) ( ١٧٦ ). ٢٥٧ كتاب العلم ربع العبادات وقالَ : ( جُنَّةُ العالِم لا أدري، فإذا أخطأها .. أصيبتْ مقاتلُهُ)(١). 10. وقالَ إبراهيمُ بنُ أدهمَ رحمهُ اللهُ: ( ليسَ شيءٌ أشدَّ على الشيطانِ مِنْ عالمٍ يتكلّمُ بعلْم ويسكتُ بعلْم، يقولُ : انظروا إلى هذا ، سكوتُهُ أشدُ عليَّ مِنْ كلامِهِ)(٢). ووصفَ بعضُهُمُ الأبدالَ فقالَ: ( أكْلُهُمْ فاقةٌ، وكلامُهُمْ ضرورةٌ )(٣) أي : ما يتكلمونَ حتَّى يُسألوا، فإذا سُئِلوا ووجدوا مَنْ يكفيهِمْ .. سكتوا ، فإنِ اضطروا .. أجابوا، وكانوا يعدُّون الابتداءَ قبلَ السؤالِ مِنَ الشهوةِ الخفيّةِ للكلامِ . ومرَّ عليٍّ وعبدُ اللهِ رضيَ اللهُ عنهُما برجلٍ يتكلّمُ على الناسِ ، فقالا : ( هذا يقولُ: اعرفوني ) (٤). وقالَ بعضُهُمْ: ( إنَّما العالمُ الذي إذا سُئِلَ عنِ المسألةِ فكأنَّما يقلَعُ ضرسَهُ )(٥). (١) رواه الصنعاني في (( الأمالي في آثار الصحابة)) (١٦٢)، وهو مروي عن غيره من السلف . (٢) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٢٦/٨) بنحوه . (٣) قوت القلوب (١٥٤/١)، والواصف هو فزارة الشامي كما جاء في غير هذا الموضع . (٤) قوت القلوب (١٥٥/١)، وعبد الله هو ابن مسعود رضي الله عنه. (٥) قوت القلوب (١٥٥/١)، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (١٤٥٩) بنحوه. ٢٥٨ ربع العبادات ٢٧م كتاب العلم وكانَ ابنُ عمرَ يقولُ: ( تريدونَ أنْ تجعلونا جسراً تعبرونَ علينا إلى جهنَّمَ؟!)(١). وقالَ أبو حفصِ النيسابوريُّ : ( العالمُ هوَ الذي يخافُّ عندَ السؤالِ أنْ يُقالَ لهُ يومَ القيامةِ : مِنْ أينَ أجبتَ؟ )(٢). وكانَ إبراهيمُ التيميُّ إذا سُئِلَ عنْ مسألةٍ .. يبكي ويقولُ : لمْ تجدوا غيري حتَّى احتجتُمْ إليَّ؟(٣). وكانَ أبو العاليةِ الرياحيُّ وإبراهيمُ والثوريُّ وابنُ أدهمَ يتكلَّمونَ على الاثنينِ والثلاثةِ والنفرِ اليسيرِ ، فإذا كثروا .. انصرفوا (٤). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ما أدري أعزيرٌ نبيٌّ أمْ لا ، وما أدري أتُبَّعٌ ملعونٌ أمْ لا، وما أدري ذو القرنين نبيٌّ أَمْ لا))(٥) . ولمَّا سُئِلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنْ خيرِ البقاع في الأرضِ وشرِّها، قالَ: (( لا أدري))، حتَّىُ نزلَ عليهِ جبريلُ عليهِ السلامُ، فسألَهُ عنْ ذلكَ ، فقالَ : لا أدري ، إلى أنْ أَعْلَمَهُ اللهُ عزَّ وجلَّ أنَّ خيرَ (١) قوت القلوب (١٥٥/١). (٢) قوت القلوب (١٥٥/١) بنحوه. (٣) قوت القلوب (١٥٥/١). (٤) قوت القلوب (١٥٥/١)، وإبراهيم هو النخعي. (٥) رواه أبو داوود (٤٦٧٤)، والجملة الأخيرة عند الحاكم في ((المستدرك)) ( ٢ /١٤ ) . ٢٥٩ کتاب العلم ربع العبادات البقاع المساجدُ، وشرَّهَا الأَسْواقُ(١). وكانَ ابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما يُسألُ عنْ عشرِ مسائلَ ، فيجيبُ عنْ واحدةٍ ويسكتُ عنْ تسع(٢) . وكانَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما يجيبُ عنْ تسع ويسكتُ عنْ واحدةٍ(٣) . وكانَ في الفقهاءِ مَنْ يقولُ : ( لا أدري ) أكثرَ مِنْ أَنْ يقولَ : ( أدري ) ؛ منهمْ سفيانُ الثوريُّ، ومالكُ بنُ أنسٍ ، وأحمدُ ابنُ حنبلٍ ، والفضيلُ بنُ عياضٍ ، وبشرُ بنُ الحارثِ (٤). وقالَ عبدُ الرحمنِ بنُ أبي ليلى: ( أدركتُ في هذا المسجدِ مئةً وعشرينَ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ما منهُمْ أحدٌ يُسألُ عنْ حديثٍ أوْ فتوى إلا وَدَّ أنَّ أخاهُ كفاهُ ذلكَ )(٥). وفي لفظٍ آخرَ : ( كانتِ المسألةُ تعرضُ على أحدِهِمْ فيردُّها إلى الآخرِ ، ويردُّها الآخرُ إلى الآخرِ ، حتَّى تعودَ إلى الأولِ ) . ورُويَ أنَّ أصحابَ الصُّفَّةِ أُهديَ إلى واحدٍ منهمْ رأسٌ مشويٌّ وهوَ في ٢٠٠ (١) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (١٥٩٩)، والطبراني في ((الأوسط)) ( ٧١٣٦). (٢) قوت القلوب (١٣١/١). (٣) قوت القلوب (١٣١/١). (٤) قوت القلوب (١٣١/١). (٥) تاريخ دمشق (٨٧/٣٦)، وكذا في ((قوت القلوب)) (١٣١/١). ٢٦٠