Indexed OCR Text

Pages 221-240

ربع العبادات
کتاب العلم
وقالَ الفضيلُ بنُ عياضٍ رحمهُ اللهُ: ( إنِّي لأرحمُ ثلاثةً : عزيزَ قومٍ
ذلَّ، وغنياً افتقرَ ، وعالماً تلعبُ بهِ الدنيا)(١) .
وقالَ الحسنُ : ( عقوبةُ العلماءِ موتُ القلبِ ، وموتُ القلبِ طلبُ الدنيا
بعملِ الآخرةِ )(٢).
وأنشدوا (٣):
[من الطويل]
وَمَنْ يَشْتَرِي دُنْيَاهُ بِالدِّينِ أَعْجَبُ
عَجِبْتُ لِمُبْتَاعِ الضَّلالَةِ بِأَلْهُدَى
بِدُنْيَا سِوَاهُ فَهْوَ مِنْ ذَيْنِ أَعْجَبُ
وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَيْنِ مَنْ بَاعَ دِينَهُ
وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ العالِمَ لَيُعَذَّبُ عذاباً يَطِيفُ بهِ أهلُ
النَّارِ اسْتِعْظاماً لشدَّةِ عذابِهِ)) (٤)، أرادَ بهِ العالمَ الفاجرَ.
وقالَ أسامةُ بنُ زيدٍ : سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ :
((يُؤْتَى بالعالِمِ يومَ القيامةِ، فَيُلقَى في النارِ ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ، فيدورُ بها كما
يدورُ الحمارُ بالرَّحَى، فيطيفُ بهِ أهلُ النارِ فيقولونَ : ما لكَ؟ فيقولُ :
كنتُ آمرُ بالخيرِ ولا آتِيهِ ، وأنهَى عنِ الشرِّ وآتيهِ))(٥).
(١) المدخل إلى السنن الكبرى (٥٧٦) وله روايات في المرفوع .
١٠٪
(٢) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٦٩٦)، وابن المبارك في ((الزهد)) (١٥١٤).
٤٠٠٠
(٣) البيتان لمالك بن دينار، انظر ((ربيع الأبرار)) (١٨٥/٤)، و(( وفيات الأعيان))
(١٧٠/٦)، و((حياة الحيوان)) (٤٢٢/١)، و((زهر الأكم)) (٢٨٨/١).
١٠٠٪
(٤) قال الحافظ الزبيدي : ( قال العراقي : لم أجده بهذا اللفظ ، وهو بمعنى حديث
أسامة بن زيد الآتي بعده ) .
(٥) رواه البخاري (٣٢٦٧)، ومسلم (٢٩٨٩)، والأقتاب : الأمعاء.
٢٢١

كتاب العلم
.٦*
ربع العبادات
وإنَّما يُضاعفُ عذابُ العالم في معصيتِهِ لأَنَّهُ عصَىُ عنْ علم ، ولذلكَ
قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ : ﴿إِنَّ الُْفِقِينَ فِ الذَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾؛ لأنَّهِمْ جحدُوا
بعدَ العلمِ .
وجعلَ اليهودَ شرّاً مِنَ النصارىُ معَ أنَّهُمْ ما جعلوا للهِ سبحانَهُ ولداً
ولا قالوا : إنَّهُ ثالثُ ثلاثةٍ ، ولكنْ أنكروا بعدَ المعرفةِ ؛ إذْ قالَ تعالى :
﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَ هُمْ﴾(١)، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم ◌َا عَرَفُواْ
كَفَرُواْبِةٍ ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾.
وقال تعالى في قصَّةِ بَلْعَامَ بنِ باعوراءَ: ﴿وَآَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ
ءَايَِنَا فَأَفْسَلَخَ مِنْهَا﴾ حتَّى قَالَ: ﴿فَثَلُهُ كَمَثَلِ اَلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ
يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾، وكذلكَ العالمُ الفاجرُ، فإنَّ بَلْعَامَ أوتيَ
كتابَ اللهِ تعالى ، فأخلدَ إلى الشهواتِ ، فشُبَّهَ بالكلبِ ؛ أي : سواءٌ أُوتِيَ
الحكمةَ أوْ لمْ يُؤْتَ . . فهوَ يلهثُ إلى الشهواتِ .
وقالَ عيسى عليهِ السلامُ : ( مثلُ علماءِ السوءِ كمثلٍ صخرةٍ وقعتْ على
فمِ النهرِ ، لا هيَ تشربُ الماءَ ، ولا هيَ تتركُ الماءَ يخلصُ إلى الزرع ،
ومثلُ علماءِ السوءِ مثلُ قناةِ الحُشِّ ، ظاهرُها حَصٌّ وباطنُها نتنٌ ، ومثلُ
القبورِ ، ظاهرُها عامرٌ وباطنُها عظامُ الموتى)(٢).
(١) أي : يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم بأنه رسول الله دون أدنى ريبة .
(٢) قوت القلوب (١/ ١٤١).
٢٢٢

ربع العبادات
كتاب العلم
فهذهِ الأخبارُ والآثارُ تبيَّنُ أنَّ العالمَ الذي هوَ مِنْ أبناءِ الدنيا أخسُّ حالاً وأشدُ
عذاباً مِنَ الجاهلِ، وأنَّ الفائزينَ المقرَّبينَ همْ علماءُ الآخرةِ، ولهمْ علاماتٌ:
فمنها : ألا يطلبَ الدنيا بعلمِهِ : فإنَّ أقلَّ درجاتِ العالِمِ أنْ يدركَ حقارةً
الدنيا وخسَّتَها وكدورتَها وانصرامَها ، وعِظَمَ الآخرةِ ودوامَها وصفاءَ نعيمِها
وجلالةَ ملِكِها ، ويعلمَ أنَّهما متضادتانِ ، وأنَّهما كالضرَّتينِ ؛ مهما أرضيتَ
إحداهما .. أسخطتَ الأخرى ، وأنَّهما ككفَّتي الميزانِ ؛ مهما رجحتْ
إحداهما .. خفَّتِ الأخرى ، وأنَّهما كالمشرقِ والمغربِ ؛ مهما قربتَ مِنْ
أحدِهما .. بعدتَ عنِ الآخرِ ، وأنَّهما كقدحينِ أحدُهما مملوءٌ، والآخرُ
فارغٌ؛ فبقدرِ ما تصبُّ منهُ في الآخِرِ حتَّى يمتلىءَ .. يفرُّغُ الآخرُ .
فإِنَّ مَنْ لا يعلمُ حقارةَ الدنيا وكدورتَها وامتزاجَ لذّتِها بألمِها ثمَّ انصرامَ
ما يصفو منها .. فهوَ فاسدُ العقلِ ؛ فإنَّ المشاهدةَ والتجرِبةَ ترشدُ إلى ذلكَ ،
فكيفَ يكونُ مِنَ العلماءِ مَنْ لا عقلَ لهُ ؟!
ومَنْ لا يعلمُ عِظَمَ أمرِ الآخرةِ ودوامَها .. فهوَ كافرٌ مسلوبُ الإيمانِ ،
فكيفَ يكونُ مِنَ العلماءِ مَنْ لا إيمانَ لهُ ؟!
ومَنْ لا يعلمُ مضادَّةَ الدنيا للآخرةِ ، وأَنَّ الجمعَ بينَهما طمعٌ في غيرِ
مطمعٍ .. فهوَ جاهلٌ بشرائع الأنبياءِ كلِّهِمْ ، بلْ هوَ كافرٌ بالقرآنِ كلِّهِ مِنْ أوَّلِهِ
إلى آخرِهِ ، فكيفَ يُعدُّ مِنْ زمرةِ العلماءِ ؟!
ومَنْ علمَ هذا كلَّهُ، ثمَّ لمْ يؤثرِ الآخرةَ على الدنيا .. فهوَ أسيرُ
٢٢٣

كتاب العلم
ربع العبادات
الشيطانِ ، قدْ أهلكتْهُ شهوتُهُ ، وغلبتْ عليهِ شِقوتُهُ ، فكيفَ يُعدُّ مِنْ حزبِ
العلماءِ مَنْ هذهِ درجتُهُ ؟!
وفي أخبارِ داوودَ عليهِ السلامُ حكايةً عنِ اللهِ تعالى : ( إنَّ أدنى ما أصنعُ
بالعالِمِ إذا آثرَ شهوتَهُ على محبَّتي أنْ أحرمَهُ لذيذَ مناجاتي ، يا داوودُ ؛
لا تسألنْ عنِّي عالماً قدْ أسكرَتْهُ الدنيا فيصدَّكَ عنْ طريقِ محبََّي ، أولئكَ
قطَّاعُ الطريقِ على عبادي ، يا داوودُ ؛ إذا رأيتَ لي طالباً .. فكنْ لهُ خادماً ،
يا داوودُ؛ مَنْ رَدَّ إليَّ هارباً .. كتبتُهُ جِهْبذاً، ومَنْ كتبتُهُ جِهْبذاً .. لمْ أعذبْهُ
أبداً )(١) .
ولذلكَ قالَ الحسنُ رحمهُ اللهُ : ( عقوبةُ العلماءِ موتُ القلبِ ، وموتُ
القَلْبِ طلبُ الدنيا بعملِ الآخرةِ)(٢).
ولذلكَ قالَ يحيى بنُّ معاذٍ الرازيُّ: (إنَّما يذهبُ بهاءُ العلمِ والحكمةِ إذا
طُلِبَ بهما الدنيا)(٣).
وقالَ سعيدُ بنُ المسيَّبِ رحمَهُ اللهُ: ( إذا رأيتمُ العالمَ يغشَى الأمراءَ ..
فهوَ لصٌّ)(٤).
8
(١) قوت القلوب (١٤١/١)، والقطعة الأخيرة روى بنحوها أحمد في ((الزهد)) (٩٧٧).
(٢) جامع بيان العلم وفضله ( ١١٦٥).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٤٧٦) منسوباً لأحد الحكماء .
(٤) رواه ابن الطيوري في ((الطيوريات)) (٦٩٠) من طريق سعيد بن المسيب عن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه .
٢٢٤

ربع العبادات
:٥٠
٢٠
کتاب العلم
وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( إذا رأيتمُ العالمَ محبّاً للدنيا .. فاتهموهُ على
دِينِكُمْ؛ فإنَّ كلَّ محبٌّ يخوضُ فيما أحبَّ )(١) .
وقالَ مالكُ بنُ دينارٍ رحمهُ اللهُ: ( قرأتُ في بعضِ الكتبِ السالفةِ أنَّ اللهَ
تعالى يقولُ: إنَّ أهونَ ما أصنعُ بالعالمِ إذا أحبَّ الدنيا أنْ أخرجَ حلاوةَ
مناجاتي مِنْ قلبهِ)(٢) .
وكتبَ رجلٌ إلى أخ لهُ : إنَّكَ قدْ أوتيتَ علماً، فلا تطفِئَنَّ نورَ علمِكَ
بظلمةِ الذنوبِ فتبقى في الظلمةِ يومَ يسعى أهلُ العلمِ في نورٍ علمِهِمْ(٣).
وكانَ يحيى بنُ معاذٍ الرازيُّ رحمهُ اللهُ يقولُ لعلماءِ الدنيا : ( يا أصحابَ
العلمِ؛ قصورُكُمْ قَيْصَرِيَّةٌ، وبيوتُكُمْ كِسْرَوِيَّةٌ، وأثوابُكُمْ طاهِرِيَّةٌ(٤)،
وأخفافُكُمْ جالُوتِيَّةٌ، ومراكبُكُمْ قارونِيَّةٌ، وأوانيكُمْ فِرِعَونِيَّةٌ، ومآتمُكُمْ
جاهليّةٌ ، ومذاهبُكُمْ شيطانيَّةٌ ، فأينَ الشريعةُ المحمديةُ؟! )(٥).
قالَ الشاعرُ(٦):
[من الوافر]
وَرَاعِي الشَّاةِ يَحْمِي الذَّتْبَ عَنْهَا فَكَيْفَ إِذا الرُّعاةُ لَهَا ذِئابُ
(١) جامع بيان العلم وفضله ( ١١٧٤) من قول جعفر بن محمد بنحوه .
(٢) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٢/ ٣٦٠) بنحوه .
(٣) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (١٤٦/٩).
(٤) طاهرية : منسوبة إلى عبد الله بن طاهر بن الحسين الوزير ، وكان يتغالى في الثياب .
(«إتحاف)) (٣٥٨/١) .
(٥) رواه الحافظ السلفي في ((معجم السفر)) (٨٠٤).
(٦) سراج الملوك (٢١١/١) .
طاز)
٢٢٥

كتاب العلم
ربع العبادات
وقالَ آخرُ (١):
[من الرجز]
يا مَعْشَرَ أَلْقُرَّاءِ يا مِلْحَ الْبَلَدْ ما يُصْلِحُ الْمِلْحَ إِذا أَلْمِلْحُ فَسَدْ
وقيلَ لبعضٍ العارفينَ : أترىُ أنَّ مَنْ تكونُ المعاصي قرَّةَ عِينِهِ
لا يعرفُ اللهَ؟ قالَ: ما أشكُّ أنَّ مَنْ تكونُ الدنيا عندَهُ آثرَ مِنَ الآخرةِ أنَّهُ
لا يعرفُ اللهَ تعالى، وهذا دونَ ذلكَ بكثيرٍ (٢).
ولا تظنَّنَّ أنَّ تركَ المالِ يكفي في اللحوقِ بعلماءِ الآخرةِ ؛ فإنَّ الجاهَ أضرُ
مِنَ المالِ، ولذلكَ قالَ بشرٌ: ( ((حدَّثَنَا)) بابٌ مِنْ أبوابِ الدنيا ، فإذا
سمعتَ الرجلَ يقولُ: ((حدَّثَنَا)) .. فإنَّما يقولُ: أَوْسِعوا لي)(٣).
ودفنَ بشْرُ بنُّ الحارثِ بضعةَ عشرَ ما بينَ قمطرٍ وقوصرةٍ مِنَ الكتبِ، وكانَ
يقولُ: ( أنا أشتهي أنْ أحدِّثَ، ولوْ ذهبتْ عني شهوةُ الحديثِ .. لحدَّثْتُ)(٤).
وقالَ هوَ وغيرُهُ : (إذا اشتهيتَ أنْ تحدِّثَ .. فلا تحدِّثْ، وإذا لمْ
تشتهِ .. فحدِّثْ)(٥) .
وهذا لأنَّ التلذُّذَ بجاهِ الإفادةِ ومنصبِ الإرشادِ أعظمُ لذّةً مِنْ كلِّ تنهُّمِ
في الدنيا ، فمنْ أجابَ شهوتَهُ فيهِ .. فهوَ مِنْ أبناءِ الدنيا ، ولذلكَ قالَ
حز
(١) عجائب المقدور (٤٨٥ ) .
(٢) حلية الأولياء (٢٧٩/٦) بنحوه .
(٣) قوت القلوب (١٣٥/١) .
(٤) قوت القلوب (١٥٦/١).
(٥) قوت القلوب (١٥٦/١)، وشرف أصحاب الحديث (٢٣٠) بنحوه .
عيب
٢٢٦

ربع العبادات
كتاب العلم
الثوريُّ : ( فتنةُ الحديثِ أشدُّ مِنْ فتنةِ الأهلِ والمالِ والولدِ ، وكيفَ
لا تُخافُ فتنتُهُ وقدْ قِيلَ لسيِّدِ المرسلينَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ﴿وَلَوْلَا أَنْ
ثَبَّنْنَكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾؟!)(١).
وقالَ سهلٌ رحمهُ اللهُ: ( العلْمُ كلُّهُ دنيا ، والآخرةُ منهُ العملُ بهِ ،
والعملُ كلُّهُ هباءٌ إلا الإخلاصَ)(٢).
وقالَ: ( الناسُ كلَّهمْ موتى إلا العلماءَ، والعلماءُ سُكارى إلا العاملينَ ،
والعاملونَ مغرورونَ إلا المخلصينَ، والمخلِصُ على وجلٍ حتَّى يختمَ لهُ بهِ)(٣).
٤ من.
وقالَ أبو سليمان الدارانيُّ : ( إذا طلبَ الرجلُ الحديثَ أَوْ تزوَّجَ أَوْ سافرَ
في طلبِ المعاشِ .. فقدْ ركنَ إلى الدنيا)(٤).
."V
وإنَّما أرادَ بهِ طلبَ الأسانيدِ العاليةِ ، أو طلبَ الحديثِ الذي لا يحتاجُ
إليهِ في طريقِ الآخرةِ .
وقالَ عيسى عليهِ السلامُ : ( كيفَ يكونُ مِنْ أهلِ العلمِ مَنْ مصيرُهُ إلى
آخرتِهِ وهوَ مقبلٌ على دنياهُ ؟! وكيفَ يكونُ مِنْ أهلِ العلمِ مَنْ يطلبُ الكلامَ
ليخبرَ بهِ لا ليعملَ بهِ ؟! )(٥) .
(١) قوت القلوب (١٥٦/١) .
(٢) اقتضاء العلم العمل (٢٠).
(٣) قوت القلوب (١٥٨/١)، واقتضاء العلم العمل (٢٢) بنحوه .
(٤) قوت القلوب (١٣٥/١).
(٥) سنن الدارمي (٣٨٠) ضمن حديث طويل عنه عليه السلام .
٢٢٧

کتاب العلم
93
ربع العبادات
وقالَ صالحُ بنُ حسانَ البصريُّ : ( أدركتُ الشيوخَ وهمْ يتعوَّذُونَ باللهِ مِنَ
الفاجرِ العالمِ بالسنةِ)(١).
وروى أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ : ((مَنْ طلبَ عِلماً ممَّا يُبْتَغَى بهِ وجهُ اللهِ تعالىُ لِيُصِيبَ بهِ عرضاً مِنَ
الدنيا .. لمْ يَجِدْ عَرْفَ الجنةِ يومَ القيامةِ)) (٢).
وقدْ وصفَ اللهُ تعالى علماءَ السوءِ بأكْلِ الدنيا بالعلمِ ، ووصفَ علماءَ
الآخرةِ بالخشوع والزهدِ ؛ فقالَ عزَّ وجلَّ في علماءِ الدنيا : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ
مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ إلى قولِهِ: ﴿ ثَمَنَّا قَلِيلًا ﴾، وقالَ
تعالى في علماءِ الآخرةِ : ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِالَّهِ﴾ إلى
قولِهِ : ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾(٣).
وقالَ بعضُ السلفِ : ( العلماءُ يُحشرونَ في زمرةِ الأنبياءِ ، والقضاةُ
يُحشرونَ في زمرةِ السلاطينِ )(٤).
وفي معنى القضاةِ : كلُّ فقيهٍ قصْدُهُ طلبُ الدنيا بعلمِهِ .
(١) قوت القلوب (١/ ١٤١).
(٢) رواه أبو داوود (٣٦٦٤)، وابن ماجه ( ٢٥٢).
(٣) وتمام الأولى: ﴿ وَإِذْأَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَمُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ
ظُهُورِهِمْ وَأَشْتَرَوَاْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾، والثانية: ﴿وَإِنَّمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَهَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِقَايَتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا
أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
(٤) قوت القلوب (١/ ١٥٧) .
٢٢٨

ربع العبادات
كتاب العلم
وروى أبو الدرداءِ رضيَ اللهُ عنهُ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ :
(( أوحَى اللهُ عزَّ وجَلَّ إلى بعضِ الأنبياءِ : قُلْ للذينَ يتفقَّهونَ لغيرِ الدِّينِ ،
ويتعلَّمُونَ لغيرِ العملِ ، ويطلبونَ الدنيا بعملِ الآخرةِ ، يلبَسُونَ للناسِ مُسُوكَ
الكِباشِ وقلوبُهُمْ كقلوبِ الذئابِ ، ألسِنْتُهُمْ أحْلَى مِنَ العسلِ ، وقلوبُهُمْ أمرٌ
مِنَ الصَّبْرِ ، إِيَّايَ يخادعونَ ، وبي يستهزئونَ ، لأفتحَنَّ لهُمْ فتنةً تَذَرُ الحليمَ
حَيرانَ))(١) .
وروى الضحّاكُ عنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُمَا، قالَ : قالَ رسولُ الله
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((علماءُ هذهِ الأمَّةِ رجلانٍ :
رجلٌ آتاهُ اللهُ علماً ، فبَذَلَهُ للناسِ ، ولمْ يأخذْ عليهِ طَمَعاً ، ولمْ يشترِ بهِ
ثمناً ؛ فذلكَ يُصلِّي عليهِ طيرُ السماءِ وحيتانُ الماءِ ودواتُ الأرضِ والكرامُ
الكاتبُونَ ، يقدَمُ على اللهِ عزَّ وجلَّ يومَ القيامةِ سَيِّداً شريفاً حتَّى يرافِقَ
المرسلينَ .
ورجلٌ آتاهُ اللهُ علماً في الدنيا ، فضَنَّ بهِ على عبادِ اللهِ ، وأخذَ عليهِ
طَمَعاً ، واشترىُ بهِ ثمناً ؛ فذلكَ يأتي يومَ القيامةِ مُلْجَماً بلجامِ مِنْ نارٍ ،
ينادي مُنادٍ على رُؤوسِ الخلائِقِ : هذا فلانُ بنُ فلانٍ ، آتاهُ اللهُ علماً في
(١) رواه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (١١٣٩)، والخطيب في (( الفقيه
والمتفقه)) (١٠٦٨)، وأصله عند الترمذي (٢٤٠٤)، والمسوك: جمع مَسْك،
وهو الجلد ؛ إشارة إلى لبس الصوف .
٢٢٩

كتاب العلم
ربع العبادات
الدنيا فضَنَّ بِهِ عَلى عبادِ اللهِ ، وأخذ بهِ طمعاً ، واشترىُ بهِ ثمناً ، فيُعذّبُ
حتَّى يفرغَ مِنْ حسابِ الناسِ »(١) .
وأشدُّ مِنْ هذا ما رُوِيَ أَنَّ رجلاً كانَ يخدمُ موسى عليهِ السلامُ ، فجعلَ
يقولُ : ( حدَّثَنِي موسى صفيُّ اللهِ ، حدَّثَنِي موسى نجيُّ اللهِ ، حدَّثَنَي موسى
كليمُ اللهِ ) حتىْ أَثْرَىُ وكثرَ مالُه ، ففقدَهُ موسى عليهِ السلامُ ، فجعلَ يسألُ
عنهُ فلا يحسنُّ لهُ خبراً ، حتَّى جاءَهُ رجلٌ ذاتَ يومٍ وفي يدِهِ خنزيرٌ وفي عنقِهِ
حبلٌ أسودُ ، فقالَ لهُ موسى عليهِ السلامُ : أتعرفُ فلاناً ؟ قالَ : نعمْ ، هوَ
هذا الخنزيرُ ، فقالَ موسى: يا ربِّ؛ أسألُكَ أنْ تردَّهُ إلى حالِهِ حتَّى أسألَهُ
بِمَ أصابَهُ هذا؟ فأوحى اللهُ عزَّ وجلَّ إليهِ : لوْ دعوتَني بالذي دعاني بهِ آدمُ
فمَنْ دونَهُ .. ما أجبتُكَ فِيهِ ، ولكنْ أخبرُكَ لمَ صنعتُ هذا بهِ : لأنَّهُ كانَ
يطلبُ الدنيا بالدينِ(٢) .
وأغلظُ مِنْ هذا ما رويَ عنْ معاذِ بنِ جبلٍ رضيَ اللهُ عنهُ موقوفاً ومرفوعاً
في روايةٍ: أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: (( مِنْ فتنةِ العالمِ أنْ
يكونَ الكلامُ أحبَّ إليهِ مِنَ الاستماع ، وفي الكلام تنميقٌ وزيادةٌ ، ولا يُؤْمَنُ
ـو
على صاحبهِ الخطأ ، وفي الصمتِ سلامةٌ وعلمٌ، ومِنَ العلماءِ مَنْ يَخْزُنُ
علمَهُ فلا يحبُّ أنْ يوجدَ عندَ غيرِهِ ؛ فذلكَ في الدَّرْكِ الأوَّلِ مِنَ النارِ ، ومنَ
العلماءِ مَنْ يكونُ في علمِهِ بمنزلةِ السلطانِ، فإنْ رُدَّ عليهِ شيءٌ مِنْ علمِهِ ، أو
(١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) ( ٧١٨٣).
(٢) تاريخ دمشق (١٥٢/٦١)، وقوت القلوب (١٤٤/١).
٢٣٠

ربع العبادات
كتاب العلم
تُهُوونَ بشيءٍ مِنْ حقِّهِ .. غضبَ ؛ فذلكَ في الدركِ الثاني مِن النارِ ، ومِنَ
العلماءِ مَنْ يجعلُ عِلْمَهُ وغرائبَ حَدِيثِهِ لأهلِ الشرفِ واليسارِ ولا يرى أهلَ
الحاجَةِ لهُ أهلاً ؛ فذلكَ في الدركِ الثالثِ مِنَ النارِ ، ومِنَ العلماءِ مَنْ ينصبُ
نفسَهُ للفتيا فيفتي بالخطأِ ، واللهُ تعالى يبغضُ المتكلِّفينَ ؛ فذلكَ في الدركِ
الرابعِ مِنَ النارِ ، ومِنَ العلماءِ مَنْ يتكلّمُ بكلام اليهودِ والنصارىُ ليغْزُرَ بهِ
علمُّهُ ؛ فذلكَ في الدركِ الخامسِ مِنَ النّارِ ، ومِنَ العلماءِ مَنْ يتخذُ علمَهُ
مروءةً ونُبْلاً وذكراً في الناسِ ؛ فذلكَ في الدركِ السادسِ مِنَ النارِ ، ومِنَ
العلماءِ مَنْ يستفِزُّهُ الزهْوُ والعُجْبُ، فإنْ وعظَ .. عَنَّفَ، وإنْ وُعِظَ ..
أَنِفَ ؛ فذلكَ في الدركِ السابعِ مِنَ النّارِ .
فن
وعليكَ بالصمتِ ؛ فبهِ تغلبُ الشيطانَ ، وإِيَّاكَ أنْ تضحكَ مِنْ غيرِ
عَجَبٍ ، أَوْ تمشيَ في غيرِ أَرَبٍ)) (١) .
وفي خبرٍ آخرَ : (( إنَّ العبدَ لَيْشَرُ لهُ مِنَ الثناءِ ما بينَ المشرقِ
(١) قال أبو طالب في ((القوت)) (١٤٤/١): (وقد روينا في مقامات علماء السوء حديثاً
شديداً نعوذ بالله من أهله ، ونسأله ألا يبلونا بمقام منه ، فرويناه مرة مسنداً من طريق ،
ورويناه موقوفاً على معاذ بن جبل رضي الله عنه ، وأنا أذكره موقوفاً أحب إلي ، حدثونا
عن منذر بن علي ، عن أبي نعيم الشامي ، عن محمد بن زياد ، عن معاذ بن جبل يقول
فيه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووافقته أنا على معاذ ) وذكره بلفظه هنا ،
وأصله عند ابن المبارك في ((الزهد)) (٤٨)، وانظر (( جامع بيان العلم وفضله))
(٩١٠، ٩١١ ) .
٢٣١

كتاب العلم
ربع العبادات
والمغربِ، وما يزنُ عندَ اللهِ جناح بعوضةٍ))(١) .
ورُوِيَ أنَّ الحسنَ انصرفَ مِنْ مجلسِهِ ، فحملَ إليهِ رجلٌ مِنْ خراسانَ
كيساً فيهِ خمسةُ آلافِ درهم وعشرةُ أثوابٍ مِنْ رقيقِ البزِّ وقالَ: يا أبا سعيدٍ ؛
هذهِ نفقةٌ وهذهِ كُسوةٌ ، فقالَ الحسنُ : عافاكَ اللهُ تعالى، ضُمَّ إليكَ نفقتَكَ
وكُسْوتَكَ ، فلا حاجةَ لنا بذلكَ ؛ إنَّهُ مَنْ جلسَ مثلَ مجلسي هذا وقَبِلَ مِنَ
الناسِ مثلَ هذا .. لقيَ اللهَ تعالى يومَ القيامةِ ولا خلاقَ لهُ (٢).
ورويَ عنْ جابرِ رضيَ اللهُ عنهُ موقوفاً ومرفوعاً إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: (( لا تجلسوا عندَ كلِّ عالمٍ إلا عالمٍ يدعوكُمْ مِنْ خمسٍ
إلى خمسٍ : مِنَ الشكِّ إلى اليقينِ ، ومِنَ الرياءِ إلى الإخلاصِ ، ومِنَ الرغبةِ
إلى الزهدِ ، ومِنَ الكِبْرِ إلى التواضع، ومِنَ العداوةِ إلى النصيحةِ))(٣).
وقالَ اللهُ تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، فِ زِينَتِهِ، قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا
يَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوْقِىَ قَدرُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍ عَظِيمٍ : ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ
(١) كذا أورده في ((القوت)) (١٤٤/١)، وفي (( البخاري)) (٤٧٢٩)، ومسلم
(٢٧٨٥) مرفوعاً: ((إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح
بعوضة ، قال : اقرؤوا : ﴿فَلَ نُقِيُ ◌َهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنَّ﴾)).
(٢) قوت القلوب (١٤٤/١).
(٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٧٢/٨)، وارتضى أبو طالب وقفه في ((القوت))
(١٤٤/١) على جابر رضي الله عنه، وقال الحافظ الزيدي في (( الإتحاف))
(٣٦٧/١) بعد أن جمع له طرقاً : ( فبهذه الطرق يتقوى جانب الرفع ) .
٢٣٢

ربع العبادات
کتاب العلم
وَيَّلَكُمْ تَّوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَمَنَ﴾ الآيةَ، فَعرَّفَ أهلَ العلم بإيثارِ الآخرةِ على
الدنيا .
ومنها : ألا يخالفَ فعلُهُ قولَهُ : بلْ لا يأمرُ بالشيءِ ما لمْ يكنْ هوَ أولَ
عاملٍ بهِ .
قالَ اللهُ تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾.
وقال تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْنَا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.
وقالَ تعالى في قصَّةِ شعيبٍ: ﴿ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَدُكُمْ عَنْهُ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ
اُللَّهَ وَأَعْلَمُوا﴾، ﴿ وَأَتَّقُواْاَللَّهَ وَأَسْمَعُواْ﴾ .
وقالَ تعالى لعيسى عليه السلامُ: (( يا بنَ مريمَ ؛ عظْ نفسَكَ ، فإنِ
اتعظتَ .. فعظِ الناسَ، وإلا .. فاستحي منِّي)) (١) .
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مررتُ ليلةَ أُسْرِيَ بي بأقوامٍ
تُقْرَضُ شفاهُهُمْ بمقاريضَ مِنْ نارٍ ، فقلتُ : مَنْ أنتُمْ ؟ فقالوا : إنَّا كنَّا نأمرُ
بالخيرِ ولا نأتيهِ، وننهى عنِ الشرِّ ونأْتِيهِ))(٢) .
(١) رواه أحمد في ((الزهد)) (٣٠٠)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٨٢/٢).
(٢) رواه أحمد في ((مسنده)) (١٢٠/٣) بنحوه، وفي (ج): ( نأمر بالخير ولا نفعله ،
وننهى عن الشر ونفعله ) .
٢٣٣

کتاب العلم
ربع العبادات
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( هلاكُ أمَّتِي عالمٌ فاجرٌ وعابدٌ جاهلٌ ،
وشرُّ الشِّرارِ شرارُ العلماءِ، وخيرُ الخِيارِ خيارُ العلماءِ))(١).
وقالَ الأوزاعيُّ رحمهُ اللهُ: ( شكتِ النواويسُ(٢) ما تجدُ مِنْ نَتَنِ جيفٍ
الكفارِ ، فأوحى اللهُ إليها : بطونُ علماءِ السوءِ أنتنُ ممَّا أنْتُمْ فيهِ )(٣).
وقالَ الفضيلُ بنُ عياضٍ رحمهُ اللهُ: ( بلغني أنَّ الفسقةَ مِنَ العلماءِ يُبدأُ
بِهِمْ يومَ القيامةِ قبلَ عبدةِ الأوثانِ )(٤) .
وقالَ أبو الدرداءِ رضيَ اللهُ عنهُ : ( ويلٌ لمنْ لا يعلمُ مرَّةً، وويلٌ لمنْ
يعلَمُ ولا يعملُ سبعَ مرَّاتٍ )(٥) .
وقالَ الشعبيُّ : ( يطَّلِعُ قومٌ مِنْ أهلِ الجنَّةِ على قومٍ مِنْ أهلِ النّارِ فيقولونَ
لهُمْ : ما أدخلَكُمُ النارَ وإنَّما أدخلَنَا اللهُ الجنَّةَ بفضْلِ تأديبكُمْ وتعليمِكُمْ ؟
(١) علقه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (١١٦٢) من حديث ابن وهب
مرفوعاً ، والشطر الثاني منه عند الدارمي في «سننه)) (٣٨٢) ، قال الحافظ الزبيدي :
( ومن الشواهد للجملة الأولى ما أورده صاحب ((القوت)) (١/ ١٤٠): (( وروينا عن
عمر وغيره : كم من عالم فاجر وعابد جاهل ، فاتقوا الفاجر من العلماء ، والجاهل من
المتعبدين)))، وانظر ((الإتحاف)) (٣٦٩/١).
(٢)
النواويس : جمع ناووس ، وهي المقابر .
(٣) رواه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) ( ١١٦٣).
(٤) رواه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) ( ١١٦٤).
(٥) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٢١١/١)، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم
وفضله)) ( ١٢١٢ ) .
٢٣٤
............ .. * -*

ربع العبادات
كتاب العلم
فقالوا : إنَّا كنَّا نأمرُ بالخيرِ ولا نفعلُهُ)(١).
وقالَ حاتِمٌ الأصمُّ رحمهُ اللهُ: ( ليسَ في القيامةِ أشدَّ حسرةً مِنْ رجلٍ
علَّمَ الناسَ علماً فعملوا بهِ ولمْ يعملْ هوَ بهِ ، ففازوا بسببهِ وهلكَ هوَ )(٢).
وقالَ مالكُ بنُ دينارِ : ( إنَّ العالمَ إذا لم يعملْ بعلمِهِ .. زلَّتْ موعظتُهُ
عنِ القلوبِ كما يزلُّ القَطْرُ عنِ الصفا)(٣).
وأنشدوا(٤) :
[من البسيط]
إِذْ عِبْتَ مِنْهُمْ أُمُوراً أَنْتَ تَأْتِيهَا
يَا وَاعِظَ النَّاسِ قَدْ أَصْبَحْتَ مُنَّهَماً .
فَالْمُوبِقَاتُ لَعَمْرِي أَنْتَ جانِيها
أَصْبَحْتَ تَنْصَحُهُمْ بِالْوَعْظِ مُجْتَهِداً
وَأَنْتَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ رَغْبَةٌ فِيها
تَعِیبُ دُنْیا وَناساً راغِینَ بِها
وقال آخر(٥):
[من الكامل]
لاَ تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ
وقالَ إبراهيمُ بنُ أدهمَ رحمهُ اللهُ: ( مررتُ بحَجَرٍ مكتوبٍ عليهِ :
اقلبني .. تعتبرْ، فقلبتُهُ، فإذا عليهِ مكتوبٌ: أنتَ بما تعلَمُ لا تعملُ ،
فكيفَ تطلبُ علْمَ ما لمْ تعلَمْ؟! )(٦) .
(١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٦٤).
(٢) أخرج بنحوه ابن عساكر في ((تاريخه)) (١٣٧/٥١ -١٣٨).
(٣) رواه الخطيب في ((اقتضاء العلم العمل)) ( ٩٧ ).
(٤) البيت الأول لأبي العتاهية في ((ديوانه)) (ص ٤٢٥)، ولم نقف على نسبة البيتين الأخيرين.
(٥) البيت لأبي الأسود الدؤلي في (( ديوانه)) (ص ٤٠٤)، وانظر (خزانة الأدب)» (٥٦٤/٨).
(٦) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٣٥٨/٣) بنحوه.
٢٣٥

كتاب العلم
ربع العبادات
وقالَ ابنُ السماكِ رحمهُ اللهُ : ( كمْ مِنْ مذكِّرٍ بالله ناسٍ للهِ ، وكمْ منْ مخوِّفٍ
باللهِ جِرِيءٌ على اللهِ، وكمْ منْ مقرِّبٍ إلى اللهِ بعيدٌ منَ اللهِ، وَكمْ منْ داع إلى الهِ
فارٌّ منَّ اللهِ ، وكمْ منْ تالٍ لكتابِ اللهِ منسلخٌ منْ آيَاتِ اللهِ!)(١) .
وقالَ إبراهيمُ بنُ أدهمَ رحمهُ اللهُ: ( لقدْ أعربْنا في كلامِنا فلمْ نلحَنْ ،
ولحنًّا في أعمالِنا فلمْ نعربْ )(٢) .
وقالَ الأوزاعيُّ : ( إذا جاءَ الإعرابُ .. ذهبَ الخشوعُ)(٣).
وروى مكحولٌ عَنْ عبدِ الرحمنِ بنِ غَنْمِ أنَّهُ قالَ : حدَّثني عشرةٌ مِنْ
أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالُوا : كنَّا ندرسُ العلمَ في مسجدٍ
قُباءَ، إذْ خرج علينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: (( تَعَلَّمُوا ما شئتُمْ
أنْ تَعَلَّمُوا، فلنْ يأْجُرَكُمُ اللهُ حتَّى تعملُوا))(٤).
وقالَ عيسى عليه السلامُ : ( مثلُ الذي يتعلَّمُ العلْمَ ولا يعملُ بهِ كمثلٍ امرأةٍ
زنتْ في السرِّ فحمَلَتْ، فظهرَ حملُها فافتضحتْ ، فكذلكَ مَنْ لا يعملُ بعلمِهِ
يفضحُهُ اللهُ تباركَ وتعالى يومَ القيامةِ على رؤوس الأشهادِ )(٥) .
(١) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٤٥١/٣).
بان
(٢) رواه الخطيب في ((اقتضاء العلم العمل)) (١٥١) بنحوه .
(٣) قوت القلوب (١٦٦/١) بنحوه .
(٤) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٣٦/١)، والخطيب في ((اقتضاء العلم العمل))
(٨)، وأوقفه الدارمي في ((سننه)) (٢٦٦) على معاذ رضي الله عنه .
(٥) نسبه الحافظ الزبيدي لصاحب ((القوت)) نقلاً.
٢٣٦
٠ ٫٠٠
.. ..... ---

ربع العبادات
كتاب العلم
وقال معاذٌ رحمهُ اللهُ : ( احذروا زَلَّةَ العالِم؛ لأنَّ قدرَهُ عندَ الخلْقِ عظيمٌ
فيتبعونَهُ على زلَّتِهِ ) .
وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( إذا زلَّ العالِمُ .. زلَّ بزلَّتِهِ عالَمٌ مِنَ الخلقِ)(١).
وقالَ : ( ثلاثٌ بهنَّ ينهدمُ الزمانُ: إحداهنَّ زلَّةُ العالِمِ)(٢).
وقالَ ابنُ مسعودٍ : ( سيأتي على الناس زمانٌ تملُحُ فيهِ عذوبةُ القلوبِ ، فلا
ينتفعُ يومئذٍ بالعلمِ عالمُهُ ولا متعلِّمُهُ، فتكونُ قلوبُ علمائِهِمْ مثلَ السباخِ مِنْ
ذواتِ الملْح ، ينزلُ عليها قطْرُ السماءِ فلا يوجدُ لها عذوبةٌ ، وذلكَ إذا مالتْ
قلوبُ العلماءِ إلى حبِّ الدنيا وإيثارِها على الآخرةِ ، فعندَ ذلكَ يسلبُها اللهُ تعالى
ينابيعَ الحكمةِ، ويطفىءُ مصابيحَ الهدىُ مِنْ قلوبِهِمْ، فيخبرُكَ عالمُهُمْ حينَ
تلقاهُ أنَّهُ يخشى اللهَ بلسانِهِ والفجورُ بيِّنٌ في عملِهِ ، فما أخصبَ الألسنَ يومئذٍ
وما أجدبَ القلوبَ ! فواللهِ الذي لا إلهَ إلا هوَ ؛ ما ذلكَ إلا لأنَّ المعلمينَ
علَّموا لغيرِ اللهِ ، والمتعلِّمينَ تعلَّموا لغيرِ اللهِ تعالى)(٣).
وفي الإنجيلِ مكتوبٌ : ( لا تطلبوا علمَ ما لمْ تعلموا حتَّى تعملوا بما
عِلِمْتُمْ )(٤).
وقالَ حذيفةُ رضيَ اللهُ عنهُ: (إنَّكمْ في زمانٍ مَنْ تركَ فيهِ عُشرَ ما يعلمُ .. هلكَ،
(١) روى بنحوه على لسان سيدنا عيسى عليه السلام ابنُ المبارك في ((الزهد)) (١٤٧٤).
(٢) رواه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) ( ١٨٦٧).
(٣) انظر ((الإتحاف)) (٣٧٤/١).
(٤) قوت القلوب (١٣٨/١).
٢٣٧

كتاب العلم
ربع العبادات
وسيأتي زمانٌ مَنْ عملَ فيهِ بُعُشْرِ ما يعلَمُ .. نجا، وذلكَ لكثرةِ البطَّالينَ)(١).
واعلمْ : أنَّ مثلَ العالمِ مثلُ القاضي ، وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((القضاةُ ثلاثةٌ: قاضٍ قَضَى بالحقِّ وهوَ يعلمُ ، فذاكَ في الجنةِ ، وقاضٍ
قَضَى بالجورِ وهوَ يعلمُ أوْ لا يعلمُ ، فهوَ في النارِ ، وقاضٍ قضى بغيرِ
ما أمرَ اللهُ بِهِ ، فهوَ بالنارِ))(٢) .
وقالَ كعبٌ رحمهُ اللهُ : ( يكونُ في آخرِ الزمانِ علماءُ يزهِّدونَ الناسَ في
الدنيا ولا يزهدونَ ، ويخوِّفونَ الناسَ ولا يخافونَ ، وينهَوْنَ عنْ غشيانِ الولاةِ
ويأتونَهُمْ، ويؤثرونَ الدنيا على الآخرةِ ، يأكلونَ بألسنتِهِمْ ، يقرِّبونَ الأغنياءَ
دونَ الفقراءِ ، يتغايرونَ على العلمِ كما تتغايرُ النساءُ على الرجالِ ، يغضبُ
أحدُهُمْ على جليسِهِ إذا جالسَ غيرَهُ)(٣) ، أولئكَ الجبّارونَ أعداءُ الرحمنِ.
وقدْ رُوِيَ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: ((إنَّ الشيطانَ ربّما
يسبقُكُمْ بالعلمِ))، فقيلَ: يا رسولَ اللهِ؛ وكيفَ ذلكَ؟ قالَ: «يقولُ:
اطلبِ العلمَ ولا تعملْ حتَّى تعلمَ ، فلا يزالُ للعلمِ قائلاً وللعملِ مسوِّفاً حتَّى
يموتَ وما عملَ))(٤) .
.من
(١) قوت القلوب (١٣٨/١)، وروي مرفوعاً كذلك كما في ((الترمذي)) ( ٢٢٦٧).
(٢) رواه الترمذي (١٣٢٢)، وأبو داوود (٣٥٧٣)، وابن ماجه (٢٣١٥).
(٣) قوت القلوب (١٤٠/١).
(٤) رواه الخطيب في (( الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)) (١/ ١٣٢) بنحوه، وانظر
((الإتحاف)) (٣٧٦/١).
٢٣٨

ربع العبادات
كتاب العلم
وقالَ سَرِيٌّ السقَطيُّ : ( اعتزلَ للتعبُّدِ رجلٌ كانَ حريصاً على طلبٍ علْمِ
الظاهرِ ، فسألتُهُ فقالَ : رأيتُ في النوم قائلاً يقولُ لي : إلى كمْ تضيِّعُ العلمَ
ضيَّعَكَ اللهُ! فقلتُ: إنِّي لأحفظُهُ، فقالَ: إنَّ حفظَ العلم العملُ بهِ ،
فتركتُ الطلبَ وأقبلتُ على العملِ )(١) .
وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: ( ليسَ العلمُ بكثرةِ الروايةِ ، إنَّما العلمُ
الخشيةٌ)(٢) .
وقالَ الحسنُ : ( اعلموا ما شئتُمْ أنْ تعلموا ، فواللهِ ؛ لا يأجرُكُمُّ اللهُ
حتَّى تعملوا، فإنَّ السفهاءَ همتُهُمُ الروايةُ، والعلماءَ همْتُهُمُ الرعايةُ)(٣).
٧٥٠
وقالَ مالكٌ رحمهُ اللهُ: ( إنَّ طلبَ العلمِ لحسنٌ ، وإنَّ نشرَهُ لحسنٌ إذا
صحَّتْ فيهِ النيةُ ، ولكنِ انظرْ ما يلزمُكَ مِنْ حينٍ تصبحُ إلى حينٍ تمسي ، فلا
تؤثرنَّ عليهِ شيئاً )(٤) .
وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: ( أُنزلَ القرآنُ ليُعملَ بهِ ، فاتخذتُمْ
دراستَهُ عملاً، وسيأتي قومٌ يثقفونَهُ مثلَ القناةِ ، ليسوا بخيارِكُمْ ، والعالِمُ
(١) قوت القلوب (١٣٣/١).
(٢) رواه أحمد في (( الزهد)» ( ٨٦٧ ).
(٣) روي هذا الخبر مرفوعاً وموقوفاً ومقطوعاً، وانظر ((القوت)) (١٣٣/١)،
و((الإتحاف)) (١/ ٣٧٧).
(٤) ما رواه الأكابر عن مالك (٣٧)، وانظر ((قوت القلوب)) (١٣٥/١)، و(حلية
الأولياء)» (٣١٩/٦).
٢٣٩

كتاب العلم
ـحرب
ربع العبادات
الذي لا يعملُ كالمريضِ الذي يصفُ الدواءَ ، والجائع الذي يصفُّ لذائذَ
الأطعمةِ ولا يجدُها ، وفي مثلِهِ قولُهُ تعالى: ﴿ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا نَصِفُونَ﴾﴾(١).
وفي الخبرِ: (( مِمَّا أخافُ على أُمتي زَلَّةُ عالمٍ وجدالُ منافقٍ في
القرآنِ))(٢).
ومنها : أنْ تكونَ عنايتُهُ بتحصيلِ العلم النافع في الآخرةِ : المرغُّبِ في
الطاعةِ ، مجتنباً للعلوم التي يقلُّ نفعُها ، ويكثرُ فيها الجدالُ والقيلُ والقالُ.
فمثالُ مَنْ يعرضُ عَنْ علْمِ الأعمالِ ويشتغلُ بالجدالِ مثالُ رجلٍ مریضٍ بهِ
عللٌ كثيرةٌ ، وقدْ صادفَ طبيباً حاذقاً في وقتٍ ضيِّقٍ يُخشى فواتُهُ ، فاشتغلَ
بالسؤالِ عنْ خاصيَّةِ العقاقيرِ والأدويةِ وغرائبِ الطبِّ ، وتركَ مهمَّهُ الذي هوَ
مؤاخذٌ بهِ ، وذلكَ محضُ السفهِ .
وقدْ رُوِيَ : أنَّ رجلاً جاءَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: علّمني
مِنْ غرائبِ العلْمِ، فقالَ لهُ: (( ما صنعتَ في رأسِ العلمِ ؟ » فقالَ:
وما رأسُ العلمِ؟ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((هلْ عرفتَ الربَّ تعالى؟)) قالَ:
نعمْ ، قالَ: ((فما صنعتَ في حقِّهِ؟ )) قالَ: ما شاءَ اللهُ، فقالَ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ : ((هل عرفتَ الموتَ؟)) قالَ: نعمْ، قال: ((فما أَعْدَدْتَ
(١) قوت القلوب (١٤٥/١)، ورواه بنحوه الآجريُّ في ((أخلاق حملة القرآن)) (٣١)
عن الفضيل بن عياض .
(٢) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٣٨/٢٠).
٢٤٠