Indexed OCR Text

Pages 201-220

ربع العبادات
كتاب العلم
وراءَ علَمِ سلامةِ البدنِ ومساعدةِ أسبابِ الصحةِ ، وسلامةُ البدنِ بالاجتماع
والتظاهرِ والتعاونِ الذي يُتوصَّلُ بهِ إلى الملبسِ والمطعمِ والمسكنِ ، وهوَ
منوطٌّ بالسلطانِ وقانونِهِ في ضبْطِ الناسِ على نهْجِ العدلِ والسياسةِ في ناصيةٍ
الفقيهِ .
ـكن
وأمَّا أسبابُ الصحةِ .. ففي ناصيةِ الطبيبِ، ومَنْ قالَ: ( العلمُ
علمانِ : علمُ الأبدانِ، وعلمُ الأديانِ ) وأشارَ بهِ إلى الفقهِ .. أرادَ بهِ العلومَ
الظاهرةَ الشائعةَ ، لا العلومَ العزيزةَ الباطنةَ(١).
فإنْ قلتَ : لِمَ شبهتَ علمَ الفقهِ والطبِّ بإعدادِ الزادِ والراحلةِ ؟
فاعلمْ : أنَّ الساعيَ إلى اللهِ تعالى لينالَ قربَهُ هوَ القلبُ دونَ البدنِ ،
ولستُ أعني بالقلبِ اللحْمَ المحسوسَ ، بلْ هوَ سزٍّ مِنْ أسرارِ اللهِ عزَّ وجلَّ
لا يدركُهُ الحسُّ، ولطيفةً منْ لطائفِهِ تارةً يُعبَّرُ عنهُ بالروحِ ، وتارةً بالنفسِ
المطمئنةِ، والشرعُ يعبِّرُ عنهُ بالقلبِ ؛ لأنَّهُ المطيةُ الأولى لذلكَ السرِّ ،
وبواسطتِهِ صارَ جميعُ البدنِ مطيةٌ وآلةٌ لتلكَ اللطيفةِ .
وكشفُ الغطاءِ عَنْ ذلكَ السرِّ مِنْ علْمِ المكاشفةِ ، وهوَ مضنونٌ بهِ ، بلْ
لا رخصةً في ذكرِهِ ، وغايةُ المأذونِ فيهِ أنْ يقالَ : هوَ جوهرٌ نفيسٌ ودرّ عزيزٌ
أشرفُ مِنْ هذهِ الأجرام المرئيةِ ، وإنَّما هوَ أمْرٌ إلهيٌّ ؛ كما قال تعالى :
(١) والقول للإمام الشافعي رحمه الله تعالى، كما في ((حلية الأولياء)) (١٤٢/٩).
٢٠١
حن

کتاب العلم
ربع العبادات
﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ قُلِ الزُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ﴾ .
وكُّ المخلوقاتِ منسوبةٌ إلى اللهِ تعالى ، ولكنَّ نسبتَهُ أشرفُ مِنْ نسبةِ
سائرٍ أعضاءِ البدنِ ، فللّهِ الخَلْقُ والأمْرُ جميعاً ، والأمرُ أعلى مِنَ الخلْقِ ،
وهذهِ الجوهرةُ النفيسةُ الحاملةُ لأمانةِ اللهِ تعالى المتقدمةُ بههذهِ الرتبةِ على
السماواتِ والأرضينَ والجبالِ إذْ أَبَيْنَ أنْ يحملْنَها وأشفقْنَ منها .. هيَ مِنْ
عالَمِ الأمرِ .
ولا تفهمْ مِنْ هذا تعريضاً بقِدَمِهِ ، فالقائلُ بقِدَمِ الأرواحِ مغرورٌ جاهلٌ
لا يدري ما يقولُ(١).
فلنقبضْ عِنانَ البيانِ عنْ هذا الفنِّ ، فهوَ وراءَ ما نحنُ بصددِهِ .
والمقصودُ : أنَّ هذهِ اللطيفةَ هيَ الساعيةُ إلى قرْبِ الربِّ ؛ لأنَّها مِنْ أَمْرِ
الربِّ، فمنهُ مصدرُها ، وإليهِ مرجعُها ، وأمَّا البدنُ .. فمطيّتُها التي تركبُها
وتسعى بواسطتِها ، فالبدنُ لها في طريقِ اللهِ تعالى كالناقةِ للبدنِ في طريقٍ
الحجِّ ، وكالراويةِ الحاويةِ للماءِ الذي يفتقرُ إليهِ البدنُ .
فكلُّ علْمٍ مقصدُهُ مصلحةُ البدنِ .. فهوَ مِنْ جملةِ مصالح المطيّةِ ،
ولا يخفى أنَّ الطبَّ كذلكَ ؛ فإنَّه قدْ يُحتاجُ إليهِ في حفْظِ الصحةِ على
البدنِ، ولوْ كانَ الإنسانُ وحدَهُ .. لاحتاجَ إليهِ، والفقهُ يفارقُهُ في أنَّهُ لوْ كانَ
(١) كالفلاسفة ومن على قدمهم. ((إتحاف)) (٣٣٢/١).
٢٠٢

ربع العبادات
كتاب العلم
الإنسانُ وحدَهُ .. ربّما كانَ يستغني عنهُ، ولكنَّهُ خُلِقَ على وجهٍ لا يمكنُّهُ أنْ
يعيشَ وحدَهُ، إذْ لا يستقلُّ بالسعي في تحصيلٍ طعامِهِ بالحراثَةِ والزرْعِ
والخبزِ والطبخِ ، وفي تحصيلِ الملبسِ والمسكنِ ، وفي إعدادِ آلاتِ ذلكَ
كلِّهِ ، فاضطرَّ إلى المخالطةِ والاستعانةِ.
ومهما اختلطَ الناسُ وثارَتْ شهواتُهُمْ .. تجاذبوا أسبابَ الشهواتِ ،
وتنازعوا وتقاتلوا ، وحصلَ مِنْ قتالِهِمْ هلاكُهُمْ بسببِ التنافسِ مِنْ خارجٍ ،
كما يحصلُ هلاكُهُمْ بسببٍ تضادِّ الأخلاطِ مِنْ داخلٍ ، وبالطبِّ يُحفظَ
م
الاعتدالُ في الأخلاطِ المتنازعةِ مِنْ داخلٍ ، وبالسياسةِ والعدْلِ يُحفظُ
الاعتدالُ في التنافسِ مِنْ خارجٍ ، وعلمُ طريقِ اعتدالِ الأخلاطِ طبٍّ ، وعلْمُ
طريقِ اعتدالِ أحوالِ الناسِ في المعاملاتِ والأفعالِ فقْهُ ، وكلُّ ذلكَ يحفظُ
البدنَ الذي هوَ مطيةٌ .
فالمتجرِّدُ لعلم الفقهِ أوِ الطبِّ إذا لمْ يجاهدْ نفسَهُ ولمْ يصلحْ قلبَهُ ..
كالمتجرِّدِ لشراءِ الناقةِ وعلفِها وشراءِ الراويةِ وخرْزِها إذا لمْ يسلكْ باديةَ
الحجِّ ، والمستغرقُ عمرَهُ في دقائقِ الكلماتِ التي تُحرَّرُ في مجادلاتِ
الفقهِ .. كالمستغرقِ عمرَهُ في دقائقِ الأسبابِ التي بها تستحكمُ الخيوطُ التي
تُخرِزُ بها راويةُ الحجِّ .
ونسبةُ هؤلاءِ مِنَ السالكِ لطريقِ إصلاحِ القلبِ أوِ الواصلِ إلى علْمِ
المكاشفةِ .. كنسبةِ أولئكَ إلى سالكي طريقِ الحجِّ أَوْ مُلابسي أركانِهِ .
٢٠٣

كتاب العلم
﴾.
ربع العبادات
فتأملْ هذا أولاً ، واقبل النصيحةَ مجَّاناً ممَّنْ قامَ عليهِ ذلكَ غالباً ولمْ
يصلْ إليهِ إلا بعدَ جهْدٍ جهيدٍ ، وجَراءةٍ تامَّةٍ على مباينةِ الخلْقِ ؛ العامَّةِ
والخاصَّةِ في النزوعِ مِنْ تقليدِهِمْ بمجرَّدِ الشهوةِ .
فهذا القدْرُ كافٍ في وظائفِ المتعلُّم
قه
ـتء
. %
٠٢٧
ـن
فےٹ۔
٢٠٤

ربع العبادات
كتاب العلم
بيان وظائف المرشد المعلم
اعلمْ : أنَّ للإنسانِ في علمِهِ أربعةَ أحوالٍ ، كما لهُ في اقتناءِ الأموالِ ؛ إذْ
لصاحبِ المالِ حالُ استفادةٍ فيكونُ مكتسباً ، وحالُ ادخارٍ لما اكتسبَهُ فيكونُ
بهِ غنياً عنِ السؤالِ ، وحالُ إنفاقٍ على نفسِهِ فيكونُ بهِ منتفعاً ، وحالُ بذْلٍ
لغيرِهِ فيكونُ بهِ سخيّاً متفضِّلاً، وهوَ أشرفُ أحوالِهِ .
فكذلكَ العلْمُ يقتنى كالمالِ ، فلهُ حالُ طلبٍ واكتسابٍ ، وحالُ تحصيلٍ
يغني عنِ السؤالِ ، وحالُ استبصارٍ وهو التفكّرُ في المحصَّلِ والتمتُّعُ بهِ ،
وحالُ تبصيرٍ وهوَ أشرفُ الأحوالِ .
فمَنْ عِلِمَ وعملَ وعلَّمَ فهوَ الذي يُدعَى عظيماً في ملكوتِ السماءِ ؛ فإنَّهُ
كالشمسِ تضيءُ لغيرِها وهيَ مضيئةٌ في نفسِها ، وكالمسكِ الذي يطيِّبُ غيرَهُ
وهوَ طَيِّبٌ .
والذي يعلِّمُ ولا يعملُ بهِ كالدفترِ الذي يفيدُ غيرَهُ وهوَ خالٍ عن العلْمِ ،
وكالمِسَنِّ الذي يشحَذُ غيرَهُ ولا يقطعُ ، والإبرةِ التي تكسو غيرَها وهيَ
عاريةٌ، وذُبالةِ المصباح تضيءُ لغيرِها وهيَ تحترقُ، كما قيلَ (١): [من المسرح]
صِرْتُ كَأَنِّي ذُبالَةٌ وُقِدَتْ تُضِيءُ لِلنَّاسِ وَهْيَ تَخْتَرِقُ
(١) ديوان العباس بن الأحنف (ص٢٢١) .
٢٠٥

كتاب العلم
ربع العبادات
ومهما اشتغلَ بالتعليم .. فقدْ تقلَّدَ أمراً عظيماً وخطراً جسيماً ، فليحفظ
آدابَهُ ووظائِفَهُ .
الوظيفةُ الأولى: الشفقةُ على المتعلِّمِينَ، وأنْ يُجريَهُمْ مُجرى بَنِيهِ :
قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّما أنا لكُمْ مثلُ الوالدِ
لولدِهِ)» (١) ، فإنَّ قصدَهُ إنقاذُهُمْ مِنْ نارِ الآخرةِ، وهوَ أهمُّ مِنْ إنقاذِ الوالدينِ
ولدَهما مِنْ نارِ الدنيا .
ولذلكَ صارَ حقُّ المعلُّمِ أعظمَ مِنْ حقِّ الوالدينِ ؛ فإنَّ الوالدَ سببُ
الوجودِ الحاضرِ والحياةِ الفانيةِ، والمعلّمَ سببُ الحياةِ الباقيةِ ، ولولا
المعلِّمُ .. لساقَ ما حصلَ منْ جهةِ الأَبِ إلى الهلاكِ الدائمِ ، وإنَّما المعلِّمُ
هوَ المفيدُ للحياةِ الأخرويةِ الدائمةِ ؛ أعني معلِّمَ علومِ الآخرةِ ، أوْ علومٍ
الدنيا على قصْدِ الآخرةِ لا على قصْدِ الدنيا ، فأمَّا التعليمُ على قصْدِ الدنيا ..
فهوَ هلاكٌ وإهلاكٌ ، نعوذُ باللهِ منهُ .
وكما أنَّ حقَّ أبناءِ الرجلِ الواحدِ أنْ يتحابُّوا ويتعاونوا على المقاصدِ
كلِّها .. فكذلكَ حقُّ تلامذةِ الرجلِ الواحدِ التحابُّ والتواددُ ، ولا يكونُ إلا
كذلكَ إنْ كانَ مقصدُهُمُ الآخرةَ ، ولا يكونُ إلا التحاسدُ والتباغضُ إنْ كانَ
مقصدُهُمُ الدنيا .
(١) رواه أبو داوود (٨)، والنسائي (٣٨/١)، وابن ماجه (٣١٣).
٢٠٦
٠٠١٧ - ٠

ربع العبادات
كتاب العلم
فإِنَّ العلماءَ وأبناءَ الآخرةِ مسافرونَ إلى اللهِ تعالى، وسالكونَ إليهِ
الطريقَ مِنَ الدنيا ، وسِنُوها وشهورُها منازلُ الطريقِ ، والترافقُ في الطريقِ
بينَ المسافرينَ إلى الأمصارِ سببُ التوادِّ والتحابِّ ، فكيفَ السفرُ إلى
الفردوسِ الأعلىُ والترافقُ في طريقِهِ ؟!
ولا ضيقَ في سعاداتِ الآخرةِ ، فلذلكَ لا يكونُ بينَ أبناءِ الآخرةِ تنازعٌ ،
ولا سَعَةَ في سعاداتِ الدنيا ، فلذلكَ لا ينفكُ عنْ ضيقِ التزاحمِ .
٠٢٠
والعادلونَ إلى طلبِ الرئاسةِ بالعلومِ خارجونَ عنْ موجَبٍ قولِهِ تعالى :
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، وداخلونَ في مقتضى قولِهِ تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَيِدٍ
بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُنَّفِينَ﴾.
٩٠٠
الوظيفةُ الثانيةُ : أَنْ يقتديَ بصاحبِ الشرعِ صلواتُ اللهِ عليهِ وسلامُهُ :
فلا يطلبُ على إفاضةِ العلْم أجراً ، ولا يقصدُ بهِ جزاءً ولا شكراً ، بلْ يعلِّمُ
لوجْهِ اللهِ تعالى، وطلباً للتقرُّبِ إليهِ ، ولا يرى لنفسِهِ منٌَّ عليهِمْ وإنْ كانتِ المنَّةُ
لازمةً عليهِمْ، بلْ يرى الفضلَ لهُمْ ؛ إذ هَدَفوا قلوبَهُمْ لأَنْ تتقرَّبَ إلى اللهِ بزراعةِ
العلوم فيها (١)، كالذي يعيرُكَ الأرضَ لتزرعَ فيها لنفسِكَ زراعةً، فمنفعتُكَ بها
تزيدُ على منفعةِ صاحبِ الأرضِ ، فكيفَ تقدِّدُهُ منَّةً وثوائِكَ في التعليمِ أكثرُ مِنْ
ثوابِ المتعلّم عندَ اللهِ تعالى ، ولولا المتعلُّمُ . . ما نلتَ هذا الثوابَ ؟!
(١) هدفوا هنا : رموا ، كأنهم ألقوها ابتغاء القرب منه سبحانه ، أو عرَّضوها لذلك.
٢٠٧

كتاب العلم
ربع العبادات
فلا تطلبٍ الأجرَ إلا مِنَ اللهِ تعالى؛ كما قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ لَا
أَسْئَلُحِكُمْ عَلَيْهِ مَالَا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾؛ فإنَّ المالَ وما في الدنيا خادمُ
البدنِ ، والبدنُ مركبُ النفسِ ومطيُّها ، والمخدومُ هوَ العلْمُ ؛ إذْ بهِ شرفُ
النفسِ ، فَمَنْ طلبَ بالعلمِ المالَ .. كانَ كمنْ مسحَ أسفلَ مداسِهِ ونعِلِهِ
بمحاسِنِهِ لينظفَهُ(١)، فجعلَ المخدومَ خادماً والخادمَ مخدوماً ، وذلكَ هوَ
الانتكاسُ على أمّ الراسِ ، ومثلُهُ هوَ الذي يقومُ في العرْضِ الأكبرِ معَ
المجرمينَ ناكسي رؤوسِهِمْ عندَ ربِّهِمْ .
وعلى الجملةِ : فالفضلُ والمنّةُ للمعلِّمِ .
فانظرْ كيفَ انتهى أمرُ الدينِ إلى قوم يزعمونَ أنَّ مقصودَهُمُ التقرُّبُ إلى اللهِ
تعالى بما همْ فيهِ مِنْ علَّمِ الفقهِ والكلامِ والتدريسِ فيهما وفي غيرِهِما ؛ فإنَّهُمْ
يبذلونَ المالَ والجاهَ ، ويتحمَّلونَ أصنافَ الذلِّ في خدمةِ السلاطينِ لاستطلاقٍ
الجِراياتِ(٢) ، ولوْ تَركوا ذلكَ .. لتُركوا ولمْ يُخْتَلَفْ إليهِمْ .
ثمَّ يتوقَّعُ المعلِّمُ مِنَ المتعلِّمِ أنْ يقومَ لهُ في كلِّ نائبةٍ ، وينصرَ وليَّهُ ،
ويعاديَ عدوَّهُ ، وينتهضَ حماراً لهُ في حاجاتِهِ ، ومسخِّراً بينَ يديهِ في
أوطارِهِ ، فإنْ قصَّرَ في حقِّهِ .. ثارَ عليهِ، وصارَ مِنْ أعدى أعدائِهِ ، فأخْسِسْ
(١) في (ج) : ( كان كمن مسح أسفل نعله برِجْله من نجاسته لينظفه ) ، وفي بعض نسخ
الحافظ الزبيدي : ( بوجهه ) بدل ( بمحاسنه )، قال: ( وإليه يعود معنى
المحاسن ). («إتحاف)) (٣٣٨/١).
(٢) الجراية : ما يجري من الرواتب المعلومة على الإنسان من نقد وغلَّة وغير ذلك.
حن
٢٠٨

ربع العبادات
كتاب العلم
حن
بعالمٍ يرضى لنفسِهِ بهذهِ المنزلةِ ثمَّ يفرحُ بها ، ثمَّ لا يستحيي مِنْ أنْ يقولَ :
غرضي مِنَّ التدريسِ نشرُ العلمِ تقرُّباً إلى اللهِ تعالى ونصرةً لدینِهِ !
فانظرْ إلى الأماراتِ حتَّى ترىُ صنوفَ الاغتراراتِ .
الوظيفةُ الثالثةُ: ألا يدَّخرَ مِنْ نصْحِ المتعلِّمِ شيئاً :
وذلكَ بأنْ يمنعَهُ مِنَ التصدِّي لرتبةٍ قبلَ استحقاقِها ، والتشاغلِ بعلم خفيٍّ
قبلَ الفراغ مِنَ الجليِّ، ثمَّ ينبهَهُ على أنَّ الغرضَ بطلبِ العلومِ القربُ مِنَ اللهِ
تعالى دونَ الرئاسةِ والمباهاةِ والمنافسةِ ، ويقدِّمَ تقبيحَ ذلكَ في نفسِهِ بأقصىُ
ما يمكنُ ، فليسَ ما يصلحُهُ العالمُ الفاجرُ بأكثرَ ممَّا يفسدُهُ .
فإِنْ عِلِمَ مِنْ باطِهِ أنَّهُ لا يطلبُ العلْمَ إلا للدنيا .. نظرَ إلى العلْمِ الذي
يطلبُهُ ، فإنْ كانَ هوَ علمَ الخلافِ في الفقهِ ، والجدلِ في الكلام ، والفتاوى
في الخصوماتِ والأحكام .. فيمنعُهُ مِنْ ذلكَ ؛ فإنَّ هذهِ العلومَ ليستْ مِنْ
علومِ الآخرةِ ولا مِنَ العلوم التي قيلَ فيها : ( تعلَّمْنا العلمَ لغيرِ اللهِ ، فأبى
العلمُ أنْ يكونَ إلا للهِ) ، وإنَّما ذلكَ علْمُ التفسيرِ وعلمُ الحديثِ ، وما كانَ
الأولونَ يشتغلونَ بهِ مِنْ علْمِ الآخرةِ ، ومعرفةِ أخلاقِ النفسِ وكيفيةٍ تهذيبها،
فإذا تعلَّمَهُ الطالبُ وقصدُهُ الدنيا .. فلا بأسَ أنْ يتركَهُ ؛ فإنَّهُ يتشمَّرُ لهُ طمعاً
في الوعْظِ والاستتباع ، ولكنْ قد يتنبّهُ في أثناءِ الأمرِ أوْ آخرِهِ ؛ إذْ فيهِ العلومُ
المخوِّفَةُ مِنَ اللهِ تعالى المحقِّرَةُ للدنيا المعظِّمَةُ للآخرةِ ، وذلكَ يوشِكُ أنْ
يردَّ إلى الصوابِ في الآخرةِ حتَّى يتعظَ بما يعظُ بهِ غيرَهُ ، ويجري حُبُّ القبولِ
٢٠٩

كتاب العلم
ربع العبادات
والجاهِ مَجرى الحَبِّ الذي يُنثرُ حوالَي الفخِّ ليُقتنصَ بِ الطيرُ، وقدْ فعلَ اللهُ
ذلكَ بعبادِهِ ، إذْ خلقَ الشهوةَ ليصلَ الخلقُ بها إلى بقاءِ النسلِ ، وخلقَ أيضاً
حُبَّ الجاهِ ليكونَ سبباً لإحياءِ العلومِ، وهذا متوقَّعٌ في هذهِ العلومِ .
فأمَّا الخلافُ المحضُ ومجادلةُ الكلام ومعرفةُ التفريعاتِ الغريبةِ .. فلا
يزيدُ التجزُّدُ لها معَ الإعراضِ عنْ غيرِها إلا قسوةً في القلبِ ، وغفلةً عنِ اللهِ
تعالى، وتمادياً في الضلالِ ، وطلباً للجاهِ ، إلا مَنْ تداركَهُ اللهُ تعالى برحمتِهِ ،
أوْ مزجَ بهِ غيرَهُ منَ العلومِ الدينيةِ ، ولا برهانَ على هذا كالتجربةِ والمشاهدةِ .
فانظرْ واعتبرْ ، واستبصرْ لتشاهدَ تحقيقَ ذلكَ في العبادِ والبلادِ ، واللهُ
المستعانُ .
وقدْ رُئِّيَ سفيانُ الثوريُّ رحمهُ اللهُ حزيناً ، فقيلَ لهُ : ما لكَ ؟ فقالَ :
صرْنا مَتْجراً لأبناءِ الدنيا ، يلزَمُنا أحدُهُمْ، حتَّى إذا تعلَّمَ .. جُعِلَ عاملاً أوْ
قاضياً أوْ قَهْرَماناً(١) .
الوظيفةُ الرابعةُ وهيَ مِنْ دقائقِ صناعةِ التعليم : أنْ يزجرَ المتعلُّمَ عنْ سوءِ
الأخلاقِ بطريقِ التعريضِ ما أمكنَ :
ولا يصرِّحَ ، وبطريقِ الرحمةِ لا بطريقِ التوبيخ ؛ فإنَّ التصريحَ يهتكُ
(١) قوت القلوب (١٣٣/١)، والقهرمان: المسيطر الحفيظ على من تحت يديه ، لفظة
فارسية معربة .
٢١٠

ربع العبادات
كتاب العلم
حجابَ الهيبةِ ، ويورثُ الجرأةَ على الهجومِ بالخلافِ ، ويهيِّجُ الحرصَ على
الإِصرارِ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهوَ مرشدُ كلِّ معلُّمِ: ((لوْ مُنِعَ الناسُ
عِنْ فَتِّ البَعْرِ .. لَفَتُّوهُ وقالوا: ما نُهِينا عنهُ إلا وفيهِ شيءٌ!))(١).
وينبهُكَ على هذا قصةُ آدَمَ وحواءَ عليهما السلامُ وما نهيا عنهُ، فما
ذكرتِ القصَّةُ معكَ لتكونَ سمراً ، بلْ لتتبَّهَ بها على سبيلِ العبرةِ .
ولأنَّ التعريضَ أيضاً يُميلُ النفوسَ الفاضلةَ والأذهانَ الذكيةَ إلى استنباطِ
معانيهِ ، فيفيدُ فرحَ التفطَّنِ لمعناهُ رغبةً في العلمِ بهِ ؛ ليعلمَ أنَّ ذلكَ ممَّا
لا يعزبُ عنْ فطنتِهِ .
٧٥٠
الوظيفةُ الخامسةُ : أنَّ المتكفِّلَ ببعضِ العلوم لا ينبغي أنْ يقبِّحَ في نفسٍ
المتعلِّمِ العلومَ التي وراءَهُ :
كمعلِّمِ اللغةِ ؛ إذْ عادتُهُ تقبيحُ الفقهِ ، ومعلِّمُ الفقهِ عادتُهُ تقبيحُ علْمِ
الحديثِ والتفسيرِ ، وأنَّ ذلكَ نقلٌ محضٌ وسماعٌ صرْفٌ وهوَ شأنُ العجائزِ ،
ولا نظرَ للعقلِ فيهِ ، ومعلِّمُ الكلام ينفِّرُ عنِ الفقهِ ويقولُ : ذلكَ فرِعٌ ، وهوَ
(١) قال الحافظ الزبيدي في ((الإتحاف)) (٣٤١/١): (قال العراقي: ((لم أجده إلا من
حديث الحسن مرسلاً وهو ضعيف ، رواه ابن شاهين )" اهـ ، قلت : ووجدت بخط
الداوودي ما نصه : ولفظ ابن شاهين: (( لو منع الناس فتَّ الشوك .. لقالوا : فيه
النَّدُّ))، وفي المعنى حديث أبي جحيفة: ((لو نهيتم أن تأتوا الحجون ..
لأتيتموها ))) .
٢١١

كتاب العلم
ربع العبادات
كلامٌ في حيضِ النِّسوانِ ، فأينَ ذلكَ مِنَ الكلامِ في صفةِ الرحمنِ ؟!
فهذهِ أخلاقٌ مذمومةٌ للمعلمينَ ينبغي أنْ تُجتنبَ ، بلِ المتكفِّلُ بعلْم
واحدٍ ينبغي أنْ يوسعَ على المتعلِّمِ طريقَ التعلُّمِ في غيرِهِ ، وإنْ كانَ متكفِّلاً
بعلوم .. فينبغي أنْ يراعيَ التدريجَ في ترقيةِ المتعلُّمِ مِنْ رتبةٍ إلى رتبةٍ .
الوظيفةُ السادسةُ : أنْ يقتصرَ بالمتعلِّم على قدْرٍ فهمِهِ :
فلا يُلقي إليهِ ما لا يبلغُهُ عقلُهُ فينفرَهُ أَوْ يخبطَ عليهِ عقلَهُ؛ اقتداءً في ذلكَ
بسيِّدِ البشرِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حيثُ قالَ: ((نحنُ - معاشرَ الأنبياءِ - أُمرنا
أَنْ نُنْزِلَ الناسَ منازلَهُمْ، ونُكَلِّمَهُمْ علىْ قَدْرِ عقولِهِمْ))(١).
فليبثَّ إليهِ الحقيقةَ إذا علمَ أنَّهُ يستقلُّ بفهمِها .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((ما أحدٌ يُحَدِّثُ قوماً بحديثٍ لا تبلغُهُ
عقولُهُمْ إلا كانَ فتنةً على بعضِهِمْ))(٢).
من
(١) هما حديثان، فروى أبو داوود (٤٨٤٢) مرفوعاً: ((أنزلوا الناس منازلهم))، وروى
العقيلي في ((الضعفاء)) (١٥٣٤/٤): (( إنا معشر الأنبياء كذلك أمرنا أن نكلم الناس
على قدر عقولهم))، ومعناه سبق في حديث البخاري (١٢٧) الموقوف على علي بن
أبي طالب رضي الله عنه : ( حدثوا الناس بما يعرفون ... ).
(٢) رواه العقيلي في ((الضعفاء)) (٩٣٧/٣) عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، ورواه
مسلم في مقدمة (( صحيحه)) (١١/١) موقوفاً على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .
٢١٢

1
ربع العبادات
كتاب العلم
وقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ وأشارَ إلى صدرِهِ : (إنَّ ههنا علوماً جمَّةً لوْ
وجدتُ لها حَمَلَةً )(١).
وصدقَ رضيَ اللهُ عنهُ، فقلوبُ الأبرارِ قبورُ الأسرارِ ، فلا ينبغي أنْ
يفشيَ العالمُ كلَّ ما يعلمُهُ إلى كلِّ أحدٍ ، هذا إذا كانَ يفهمُهُ المتعلِّمُ ولمْ يكنْ
أهلاً للانتفاع بهِ ، فكيفَ فيما لا يفهمُهُ ؟!
وقالَ عيسىُ عليهِ السلامُ : ( لا تعلَّقوا الجوهرَ في أعناقِ الخنازيرِ ، فإنَّ
الحكمةَ خيرٌ مِنَ الجوهرِ، ومَنْ كرهَها .. فهوَ شرّ منَ الخنازيرِ )(٢) .
ولذلكَ قيلَ : ( كِلْ لكلِّ عبْدٍ بمعيارِ عقلِهِ ، وزِنْ لهُ بميزانِ فهمِهِ ؛ حتَّى
تسلَمَ منهُ وينتفعَ بكَ ، وإلا .. وقعَ الإنكارُ لتفاوتِ المعيارِ )(٣) .
وسُئِلَ بعضُ العلماءِ عنْ شيءٍ فلمْ يجبْ ، فقالَ السائلُ : أما سمعتَ
رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: « مَنْ كتمَ علماً نافِعاً .. جاءَ يومَ القيامةِ
مُلْجماً بلجام مِنْ نارٍ ))(٤) ؟ فقالَ: اتركِ اللجامَ واذهبْ ؛ فإنْ جاءَ مَنْ نفعَهُ
وكتمْتُهُ .. فليلجمْني(٥) .
(١) رواه الخطيب في (( تاريخ بغداد)) (٣٧٦/٦) ضمن حديث كُميل المشهور والذي سبق
ذكره، وانظر ((قوت القلوب)) (١/ ١٣٤).
(٢) قوت القلوب (١٥٦/١)، وانظر ((تاريخ دمشق)) (٦٣/٦٨) ضمن حديث طويل.
(٣) هو من قول صاحب ((القوت)) (١٥٦/١)، وأصله من قول يحيى بن معاذ عنده :
( اغرف لكل واحد من نهره ، واسقه بكأسه ) .
ـرة
(٤) رواه ابن ماجه (٢٦٥) .
(٥) الذريعة (ص ١٨١).
٢١٣
دن

كتاب العلم
ربع العبادات
وقولُ اللهِ تعالى: ﴿ وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَلَكُمْ﴾ تنبيهٌ على أنَّ حفْظَ العلْمِ
ممَّنْ يفسدُهُ ويضرُّهُ أولى ، وليسَ الظلْمُ في إعطاءِ غيرِ المستحقِّ بأقلَّ مِنَ
الظلمِ في منْع المستحقِّ ، كما قيلَ(١) :
[من الطويل]
وَأُصْبِحُ مَحْزُوناً بِرَاعِيَةِ الْغَنَمْ
أَنْثُرُ دُرِّي بَيْنَ سَارِحَةِ النَّعَمْ
لِأَنَّهُمُ أَمْسَوْا بِجَهْلٍ لِقَدْرِهِ
فَلاَ أَنَا أُضْحِي أَنْ أُطَوِّقَهُ أَلْبَهَمْ
وَصَادَفْتُ أَهْلاً لِلْعُلُومِ وَلِلْحِكَمْ
فَإِنْ لَطَفَ اللهُ اللَّطِيفُ بِلُطْفِهِ
وَإِلاَّ فَمَخْزُونٌ لَدَيَّ وَمُكْتَتَمْ
نَشَرْتُ مُفِيداً وَأَسْتَقَدْتُ مَوَدَّةً
وَمَنْ مَنَعَ الْمُسْتَوْجِبِينَ فَقَدْ ظَلَمْ
فَمَنْ مَنَحَ الْجُهَّالَ عِلْماً أَضاعَهُ
الوظيفةُ السابعةُ : أنَّ المتعلِّمَ القاصرَ ينبغي أنْ يُلْقَىُ إليهِ الجلِيُّ اللائقُ بهِ ،
ولا يذكُرُّ لهُ أنَّ وراءَ هذا تدقيقاً وهوَ يدَّخِرُهُ عنهُ :
فإنَّ ذلكَ يفتِّرُ رغبتَهُ في الجليِّ، ويشوِّشُ عليهِ قلبَهُ، ويوهِمُ إليهِ البخلَ
بهِ عنهُ ؛ إذْ يظنُّ كلُّ أحدٍ أنَّهُ أهلٌ لكلِّ علْمٍ دقيقٍ ، فما مِنْ أحدٍ إلا وهوَ راضٍ
عنِ اللهِ سبحانَهُ في كمالِ عقلِهِ، وأشدُّهُمْ حماقةً وأضعفُهُمْ عقلاً هوَ أفرحُهُمْ
بکمالٍ عقلِهِ .
وبهذا يُعلّمُ : أنَّ مَنْ تقيَّدَ مِنَ العوامُّ بقيدِ الشرع ، ورسخَتْ في نفسِهِ
(١) الأبيات للإمام الشافعي في ((ديوانه)) (ص١٢٨ - ١٢٩)، والأبيات الأربع الأولى من
( ب) و(ق ) .
٢١٤

ربع العبادات
كتاب العلم
العقائدُ المأثورةُ عنِ السلفِ مِنْ غيرِ تشبيهٍ ومِنْ غيرِ تأويلٍ ، وحَسُنَ معَ ذلكَ
سريرتُهُ، ولمْ يحتملْ عقلُهُ أكثرَ مِنْ ذلكَ .. فلا ينبغي أنْ يشوِّشَ عليهِ
اعتقادَهُ ، بلْ ينبغي أنْ يُخلَّى وحرفتَهُ ؛ فإنَّهُ لوْ ذُكِرَ لهُ تأويلاتُ الظواهرِ ..
انحلَّ عنهُ قيدُ العوامٌ ولمْ يتيسَّرْ قيدُهُ بقيدِ الخواصِّ ، فيرتفعُ السدُّ الذي بينَهُ
وبينَ المعاصي ، وينقلبُ شيطاناً مريداً يهلكُ نفسَهُ وغيرَهُ .
بلْ لا ينبغي أنْ يُخاضَ بالعوامِّ في حقائقِ العلومِ الدقيقةِ ، بلْ يقتصرُ معهمْ
على تعليمِ العباداتِ ، وتعليمِ الأمانةِ في الصناعةِ التي هوَ بصددِها ، ويملأ
قلوبَهُمْ مِنَ الرغبةِ والرهبةِ بالجنَّةِ والنارِ كما نطقَ بهِ القرآنُ ، ولا يحرِّكُ عليهِمْ
شبهةً ؛ فإنَّهُ ربَّما تعلقَتِ الشبهةُ بقلبِهِ ويعسرُ عليهِ حلُّها ، فيشقَى ويهِلَّكُ .
وبالجملةِ : لا ينبغي أنَّ يفتحَ للعوامٌّ بابَ البحثِ ؛ فإنَّهُ يعطِّلُ عليهِمْ
صناعاتِهِمُ التي بها قوامُ الخلقِ ، ودوامُ عيشِ الخواصِّ .
الوظيفةُ الثامنةُ : أنْ يكونَ المعلِّمُ عاملاً بعلمِهِ :
فلا يكذِّبُ قولَهُ فعلُهُ ؛ لأنَّ العلْمَ يُدركُ بالبصائرِ والعملَ يُدركُ
بالأبصارِ ، وأربابُ الأبصارِ أكثرُ، فإذا خالفَ العملُ العلمَ .. منعَ الرشدَ ،
وكلُّ مَنْ تناولَ شيئاً وقالَ للناسِ : لا تتناولوهُ ؛ فإنَّهُ سمٌّ مهلكٌ .. سخرَ
الناسُ بهِ واتهموهُ، وزادَ حرصُهُمْ عليهِ ، فيقولونَ : لولا أنَّه أطيبُ الأشياءِ
وألذُّها .. لما كانَ يستأثرُ بهِ !
٢١٥

أ
كتاب العلم
ربع العبادات
ومَثلُ المعلِّم المرشدِ مِنَ المسترشدِ مثلُ النقْشِ مِنَ الطينِ والعودِ مِنَ
الظلِّ، فكيفَ ينتقشُ الطينُ بما لا نقشَ فيهِ ، ومتى استوى الظلُّ والعودُ
أعوجُ ؟! ولذلكَ قيلَ(١):
[من الكامل]
لاَ تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ
وقالَ اللهُ تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِ وَتَنْسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾
ولذلكَ كانَ وِزْرُ العالِمِ في معاصيهِ أكبرَ مِنْ وزْرِ الجاهلِ ؛ إذْ يزِلُّ بزَلَّتِهِ
عالَمٌ كثيرٌ ، فيقتدونَ بهِ ، و(( مَنْ سَنَّ سُنَّةَ سيِّئَةً .. فعليهِ وِزْرُها ووزْرُ مَنْ
عمِلَ بها))(٢).
ولذلكَ قالَ عليّ رضيَ اللهُ عنهُ : ( قَصَمَ ظهري رجلانِ : عالمٌ متهتَّكٌ ،
وجاهلٌ متنسِّكٌ ، فالجاهلُ يغرُّ الناسَ بتنشُّكِهِ، والعالِمُ ينفِّرُهُمْ بتهتُّكِهِ)(٣)،
واللهُ أعلمُ .
(١) البيت لأبي الأسود الدؤلي في ((ديوانه)) (ص٤٠٤)، وانظر (( خزانة الأدب))
(٥٦٤/٨ ) .
(٢) رواه مسلم ( ١٠١٧).
(٣) قوت القلوب (١/ ١٤٠) بنحوه .
٢١٦

ربع العبادات
كتاب العلم
البَابُ السَّادِسُ
في آفارت العلم
وبيان علامات علماء الآخرة والعلماء السوء
-------
قدْ ذكرْنا ما وردَ مِنْ فضائلِ العلْمِ والعلماءِ ، وقدْ وردَ في العلماءِ السوءِ
تشديداتٌ عظيمةٌ دَلَّتْ على أنَّهُمْ أشدُّ الخلْقِ عذاباً يومَ القيامةِ ، فَمِنَ
المهمَّاتِ العظيمةِ معرفةُ العلاماتِ الفارقةِ بينَ علماءِ الدنيا وعلماءِ الآخرةِ ،
ونعني بعلماءِ الدنيا العلماءَ السوءَ الذينَ قَصْدُهمْ مِنَ العلمِ التنعُمُ بالدنيا ،
والتوصُّلُ إلى الجاهِ والمنزلةِ عندَ أهلِها .
قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ أشدَّ الناسِ عذاباً يومَ القيامةِ عالمٌ لمْ
ينفعْهُ اللهُ بعلمِهِ))(١).
ويروى عنهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّه قالَ: (( لا يكونُ المرءُ عالماً حتَّى
يكونَ بعلْمِهِ عامِلاً))(٢).
حدي
(١) رواه الطبراني في ((الصغير)) (١٨٢/١)، والقضاعي في ((مسند الشهاب))
(١١٢٢)، والبيهقي في ((الشعب)، ( ١٦٤٢).
(٢) رواه الخطيب في ((اقتضاء العلم العمل)) (١٧) موقوفاً على أبي الدرداء رضي الله عنه
ويلفظ : ( ولا تكون بالعلم عالماً حتى تكون به عاملاً ) ، قال الحافظ الزبيدي : ( قال
العراقي في ((التخريج الكبير)): لم أجده مرفوعاً)، وانظر ((الإتحاف)) (٣٤٨/١).
٢١٧
نوادي :

كتاب العلم
ربع العبادات
وقالَ أيضاً صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( العلمُ علمانِ: علمٌ على
اللسانِ فذلكَ حُجَّةُ اللهِ تعالى على ابنِ آدمَ ، وعلمٌ في القلبِ فذلكَ العلمُ
النافعُ))(١) .
وقالَ أيضاً صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( يكونُ في آخرِ الزمانِ عُبَّادٌ جُهَّالٌ
وعلماءُ فُسَاقٌ))(٢).
وقالَ أيضاً صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا تتعلَّمُوا العلمَ لتُباهوا بهِ العلماءَ ،
ولتماروا بهِ السفهاءَ، ولتصرِفوا وجوهَ الناسِ إليكُمْ ، فَمَنْ فعلَ ذلكَ .. فهوَ
في النارِ))(٣).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((مَنْ كتمَ علماً عندَهُ .. أَلْجِمَهُ اللهُ بلجامٍ مِنْ
نارٍ )»(٤).
وقالَ أيضاً صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لأَنَا مِنْ غيرِ الدَّجَّالِ أخوفُ عليكُمْ
منَ الدجّالِ)) فقيلَ: وما ذاكَ؟ فقالَ: (( مِنَ الأئمَّةِ المضلِّينَ))(٥).
(١) رواه الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (١٠٧/٥ - ١٠٨)، وابن عبد البر في
((جامع بيان العلم وفضله)) ( ١١٥١ ).
(٢) رواه الآجري في ((أخلاق العلماء)) (٦٨)، والحاكم في ((المستدرك)) (٣١٥/٤)،
وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٣١/٢).
(٣) رواه ابن ماجه (٢٥٩).
(٤) رواه ابن ماجه (٢٦٥).
(٥) رواه أحمد في ( مسنده)) (١٤٥/٥).
٢١٨

ربع العبادات
كتاب العلم
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنِ أزدادَ علماً ولمْ يَزْدَدْ هدَىّ .. لمْ يزدَدْ
مِنَ اللهِ إِلا بُعْداً)) (١) .
وقالَ عيسى عليهِ السلامُ : ( إلى متى تَصِفُونَ الطريقَ للمُدْلِجِينَ وأنتمْ
مقيمونَ معَ المتحيِّرِينَ؟! )(٢).
.٥-
فهذا وغيرُهُ مِنَ الأخبارِ يدلُّ على عظيمٍ خطرِ العلمِ ، وأنَّ العالِمَ إمَّا
متعرِّضٌ لهلاكِ الأبدِ ، أوْ لسعادةِ الأبدِ ، وأنَّهُ بالخوضِ في العلْمِ قدْ حُرِمَ
السلامةَ إنْ لمْ يدركِ السعادةَ .
وأمَّا الآثارُ :
فقدْ قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: إنَّ أخوفَ ما أخافُ على هذهِ الأُمَّةِ المنافقُ
العليمُ ، قالوا : وكيفَ يكونُ منافقاً عليماً ؟ قالَ : عليمَ اللسانِ جاهلَ القلبِ
والعملِ (٣).
وقالَ الحسنُ : ( لا تكنْ ممَّنْ يجمعُ علْمَ العلماءِ وطرائفَ الحكماءِ
(١) رواه الديلمي في ((مسند الفردوس)) ( ٥٨٨٧)، قال الحافظ الزبيدي نقلاً عن الحافظ
العراقي: ( والمشهور أن هذا الحديث من قول الحسن البصري )، وانظر (( الإتحاف »
(٣٥١/١ ) .
جيرة
6
(٢) اقتضاء العلم العمل (٦٠)، والمدلجون: السائرون بالليل، والمراد بهم : الزهاد
والسالكون إلى الله تعالى ، والمتحيرون : الواقفون .
(٣) أخرجه الضياء في ((الأحاديث المختارة)) (٢٣٦)، وأصله عند ((أحمد)) (٢٢/١).
٢١٩
@RS

كتاب العلم
ربع العبادات
ويجري في العملِ مَجرى السفهاء )(١).
وقالَ رجلٌ لأبي هريرةَ : أريدُ أنْ أتعلَّمَ العلْمَ وأخافُ أنْ أضيِّعَهُ ،
فقالَ : كفى بتركِكَ العلْمَ إضاعةٌ لهُ(٢).
وقيلَ لإبراهيمَ بنِ عيينةً : أيُّ الناسِ أطولُ ندامةً ؟ قالَ : أَمَّا في عاجلٍ
الدنيا .. فصانعُ المعروفِ إلى مَنْ لا يشكرُهُ، وأمَّا عندَ الموتِ .. فعالِمٌ
مفرِّطٌ .
وقالَ الخليلُ بنُ أحمدَ : ( الرجالُ أربعةٌ : رجلٌ يدري ويدري أنَّهُ يدري ؛
فذلكَ عالمٌ فاتبعوهُ ، ورجلٌ يدري ولا يدري أنَّهُ يدري ؛ فذلكَ نائِمٌ فأيقظوهُ ،
ورجلٌ لا يدري ويدري أنَّهُ لا يدري ؛ فذلكَ مسترشدٌ فعلُّموهُ، ورجلٌ لا يدري
ولا يدري أنَّهُ لا يدري ؛ فذلكَ جاهلٌ فارفضوهُ)(٣).
وقالَ سفيانُ الثوريُّ رحمهُ اللهُ: ( يهتفُ العلمُ بالعملِ ، فإنْ أجابَهُ ،
وإلا .. ارتحلَ )(٤).
وقال ابنُ المباركِ : ( لا يزالُ المرءُ عالماً ما طلبَ العلمَ ، فإذا ظنَّ أنَّهُ
قدْ عِلِمَ .. فقدْ جهلَ )(٥) .
(١) أورده ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (١٢٦٢).
(٢) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣٦٨/٦٧)، وفي ((البيان والتبيين))
(٢٥٧/١): (وقال أبو هريرة النحوي ) .
(٣) رواه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (١٥٣٨) بنحوه.
(٤) اقتضاء العلم العمل (٤١).
(٥) أورده ابن قتيبة غير منسوب في ((عيون الأخبار)) (١١٨/٢).
٢٢٠