Indexed OCR Text
Pages 141-160
ربع العبادات كتاب العلم نفسِهِ حقٌّ ولكنَّهُ لمْ ينطقْ بهِ الشرعُ؛ كَمَنْ يضَعُ في كلِّ مسألةٍ يراها حقّاً حديثاً عَنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وذلكَ ظلمٌ وضلالٌ، ودخولٌ في الوعيدِ المفهوم مِنْ قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ كذبَ عَلَيَّ مُتَعَمّداً .. فَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ )) (١) ، بلِ الشرُّ في تأويلِ هذهِ الألفاظِ أطمُّ وأعظمُ ؛ لأنَّها مبطِلَةٌ للثّقةِ بالألفاظِ ، وقاطعةٌ طريقَ الاستفادةِ والفهْمِ مِنَ القرآنِ بالكليَّةِ . فقدْ عرفتَ كيفَ صرفَ الشيطانُ دواعيَ الخلقِ عنِ العلومِ المحمودةِ إلى المذمومةِ ، وكلُّ ذلكَ بتلبيسِ علماءِ السوءِ بتبديلِ الأسامي ، فإن اتبعتَ هؤلاءِ اعتماداً على الاسمِ المشهورِ مِنْ غيرِ التفاتِ إلى ما عُرِفَ في العصرِ الأوَّلِ .. كنتَ كمَنْ طلبَ الشرفَ بالحكمةِ باتباع مَنْ يسمَّى حكيماً، فإنَّ اسمَ الحكيمِ صارَ يُطلَقُ على الطبيبِ والشاعرِ والمنجِّمِ في هذا العصرِ ، وذلكَ بالغفلةِ عنْ تبديلِ الألفاظِ . اللفظُ الخامسُ : الحكمةُ : فإنَّ اسمَ الحكيمِ صارَ يطلقُ على الطبيبِ والشاعرِ والمنجِّمٍ ، حتَّى على الذي يدحرِجُ القرعةَ على أكفِّ السواديَّةِ في شوارع الطرقِ (٢). .- (١) رواه البخاري (١١٠)، ومسلم (٣) . (٢) السوادية : الأكارون - المزارعون - نسبوا إلى سواد الأرض وريفها لملازمتهم له . ((إتحاف)) (٢٦٣/١ ). ١٤١ كتاب العلم ربع العبادات والحكمةُ هيَ التي أثنى اللهُ عزَّ وجلَّ عليها فقالَ: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوْتِىَ خَيْرَاً كَثِيرًا﴾. وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((كلمةٌ مِنَ الحكمةِ يتعلَّمُها الرجلُ خيرٌ لهُ مِنَ الدنيا وما فيها))(١) . فانظرْ ما الذي كانتِ الحكمةُ عبارةً عنهُ، وإلى ماذا نُقِلَ ! وقِسْ بهِ بقيَّةً الألفاظِ ، واحترزْ عنِ الاغترارِ بتلبيساتِ علماءِ السوءِ ؛ فإنَّ شرَّهمْ أعظمُ على الدينِ مِنْ شرِّ الشياطينِ ؛ إذِ الشيطانُ بواسطتِهِمْ يتذرَّعُ إلى انتزاعِ الدينِ مِنْ قلوبِ الخلقِ ، ولهذا لمَّا سُئِلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عَنْ شرِّ الخلقِ .. أَبَى وقالَ: ((اللَّهُمَّ؛ غَفْراً))، حتَّى كُرِّرَ عليهِ، ثمَّ قالَ: ((همْ عُلماءُ السُّوءِ))(٢) .. فقدْ عرفتَ العلمَ المحمودَ والمذمومَ ومثارَ الالتباسِ ، وإليكَ الخِيرةُ في أنْ تنظرَ لنفسِكَ، فتقتديَ بالسلفِ ، أوْ تتدلّى بحبْلِ الغرورِ وتتشبَّهَ بالخلفِ ، فكلُّ ما ارتضاهُ السلفُّ مِنَ العلوم قدِ اندرسَ ، وما أكبَّ الناسُ عليهِ فأكثرُهُ مبتدَعٌ محدَثٌ ، وقدْ صحَّ قولُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( بَدَأَ الإسلامُ غرِيباً، وسيعُودُ غريباً كما بَدَأَ، فطُوبَى لِلْغُرَباءِ)) فقيلَ: ومَنِ الغرباءُ؟ قالَ: ((الذينَ يُصْلِحُونَ ما أفسدَهُ الناسُ مِنْ سُنَّتِي، والذينَ يُحيُّونَ ما أماتُوهُ مِنْ سُنَّتِي))(٣). سفري (١) انظر ((الإتحاف)) (١/ ٢٦٤). (٢) روى بنحوه الدارمي في ((سننه)) (٣٨٢). (٣) رواه مسلم (١٤٦)، وبتمامه الترمذي (٢٦٣٠). ١٤٢ ربع العبادات كتاب العلم وفي خبرٍ آخرَ : ((همُ المُتَمَسِّكُونَ بما أنتمْ عليهِ اليومَ))(١). وفي حديثٍ آخرَ : (( الغُرباءُ ناسٌ قليلٌ صالحونَ بينَ ناسِ كثيرٍ ، مَنْ يُنْغِضُهُمْ أكثرُ ممَّنْ يحبُّهُمْ))(٢) . وقدْ صارتْ تلكَ العلومُ غريبةً بحيثُ يُمقَتُ ذاكرُها ، ولذلكَ قالَ الثوريُّ رحمهُ اللهُ: ( إذا رأيتَ العالمَ كثيرَ الأصدقاءِ .. فاعلمْ أنَّهُ مخلُّطٌ)(٣)؛ لأنَّهُ إِنْ نطقَ بالحقِّ .. أبغضوهُ . (١) كذا أورده صاحب ((القوت)) (١٤٣/١)، وقد روى بنحوه ابن وضاح في ((البدع)) ( ٧٢ ) . (٢) رواه أحمد (٢/ ١٧٧) بنحوه . (٣) قوت القلوب (١٤٣/١). ١٤٣ كتاب العلم ربع العبادات بيان القدر المحمود من العلوم المحمودة اعلمْ : أنَّ العلمَ بهذا الاعتبارِ ثلاثةُ أقسامٍ : قسمٌ هوَ مذمومٌ قليلُهُ وكثيرُهُ . وقسمٌ هوَ محمودٌ قليلُهُ وكثيرُهُ ، وكلَّما كانَ أكثرَ .. كانَ أحسنَ وأفضلَ . وقسمٌ يحمدُ منهُ مقدارُ الكفايةِ ، ولا يحمدُ الفاضلُ عليهِ والاستقصاءُ فیهِ . وهوَ مثلُ أحوالِ البدنِ ؛ فإنَّ منها ما يحمدُ قليلُهُ وكثيرُهُ ؛ كالصحّةِ والجمالِ ، ومنها ما يذمُ قليلُهُ وكثيرُهُ ؛ كالقبْح وسوءِ الخُلُقِ ، ومنها ما يحمدُ الاقتصادُ فيهِ ؛ كبذْلِ المالِ ؛ فإنَّ التبذيرَ لا يحمدُ فيهِ وهوَ بذلٌ ، وكالشجاعةِ ؛ فإنَّ التهوُّرَ لا يحمدُ فيها وإنْ كانَ مِنْ جنسِ الشجاعةِ ، فكذلكَ العلمُ . فالقسمُ المذمومُ قليلُهُ وكثيرُهُ : ما لا فائدةَ فيهِ في دينٍ ولا دنیا ، أَوْ فيهِ ضررٌ يغلبُ نفعَهُ ؛ كعلم السخْرِ والطَّلَّسْماتِ والنجوم، فبعضُهُ لا فائدةَ فيهِ أصلاً ، وصرفُ العمرِ الذي هوَ أنفسُ ما يملكُهُ الإنسانُ إليهِ إضاعةٌ ، وإضاعةُ النفائسِ مذمومةٌ . ١٤٤ ربع العبادات كتاب العلم ومنهُ ما فيهِ ضررٌ يربي على ما يظنُّ أنَّهُ يحصلُ بهِ مِنْ قضاء وطرٍ في الدنيا ؛ فإنَّ ذلكَ لا يعتدُّ بهِ بالإضافةِ إلى الضررِ الحاصلِ منهُ . ـكن وأمَّا القسمُ المحمودُ إلى أقصى غاياتِ الاستقصاءِ : فهوَ العلمُ باللهِ تعالى وبصفاتِهِ وأفعالِهِ ، وسنَّتِهِ في خلقِهِ ، وحكمتِهِ في ترتيبِ الآخرةِ على الدنيا ؛ فإنَّ هذا علْمٌ مطلوبٌ لذاتِهِ ، وللتوصُّلِ بهِ إلى سعادةِ الآخرةِ ، وبذلُ المقدورِ فيهِ إلى أقصى الجهدِ قصورٌ عنْ حدِّ الواجبِ ؛ فإنَّهُ البحرُ الذي لا يدركُ غورُهُ ، وإنَّما يحومُ الحائمونَ على سواحلِهِ وأطرافِهِ بقدْرِ ما يُسِّرَ لهمْ، وما خاضَ أطرافَهُ إلا الأنبياءُ والأولياءُ والراسخونَ في العلمِ على اختلافِ درجاتِهِمْ ، بحسَبِ اختلافِ قوَّتِهِمْ وتفاوتِ تقديرِ اللهِ تعالى في حقُّهِمْ . وهذا هوَ العلمُ المكنونُ الذي لا يسطّرُ في الكتبِ ، ويعينُ على التنبُّهِ لهُ التعلُّمُ ومشاهدةُ أحوالِ علماءِ الآخرةِ كما سيأتي علامتُهُمْ، هذا في أوَّلِ الأمرِ . ويعينُ عليهِ في الآخرِ المجاهدةُ والرياضةُ ، وتصفيةُ القلْبِ وتفريغُهُ عنْ علائقِ الدنيا ، والتشبُّهُ فيها بأنبياءِ اللهِ وأوليائِهِ ؛ ليتضحَ منهُ لكلِّ ساعٍ إلى طلبهِ بقدْرِ الرِزْقِ لا بقدْرِ الجُهْدِ ، ولكنْ لا غِنَى فيهِ عن الاجتهادِ ، فالمجاهدةُ مفتاحُ الهدايةِ ، لا مفتاحَ لها سواها . ١٤٥ حجز كتاب العلم ربع العبادات وأمَّا العلومُ التي لا يحمدُ منها إلا مقدارٌ مخصوصٌ : فهيَ العلومُ التي أوردْناها في فروضِ الكفاياتِ ؛ فإنَّ في كلِّ علْم منها اقتصاراً هوَ الأقلُّ ، و واقتصاداً هوَ الوسطَ، واستقصاءً وراءَ الاقتصادِ لا مردّ لهُ إلى آخرِ العمرِ . فكنْ أحدَ رجلينٍ : إمَّا مشغولاً بنفسِكَ ، وإمَّا متفرِّغاً إلى غيرِكَ بعدَ الفراغ مِنْ نفسِكَ ، وإيّاكَ أنْ تشتغلَ بما يصلِحُ غيرَك قبلَ إصلاحِ نفسِكَ ، فإنْ كنتَ المشغولَ بنفسِكَ .. فلا تشتغلْ إلا بالعلمِ الذي هوَ فرضُ عينِكَ بحسَبِ ما يقتضيهِ حالُكَ ، وما يتعلَّقُ منهُ بالأعمالِ الظاهرةِ ؛ مِنْ تعلّمِ الصلاةِ ، والطهارةِ ، والصومِ . وإنَّما الأهمُّ الذي أهملَهُ الكلُّ علمُ صفاتِ القلبِ ، وما يحمدُ منها وما يدُّ ؛ إذْ لا ينفكُ بَشَرٌ عنِ الصفاتِ المذمومةِ ؛ مِنَ الحرْصِ ، والحسدِ ، والرياءِ ، والكِبْرِ ، والعُجْبِ ، وأخواتِها ، وجميعُ ذلكَ مهلكاتٌ ، وإهمالُها معَ الاشتغالِ بالأعمالِ الظاهرةِ يضاهي الاشتغالَ بطلاءٍ ظاهرِ البدنِ عندَ التأذِّي بالجرَبِ والدماميلِ ، والتهاونَ بإخراج الماذَّةِ بالفصْدِ والإسهالِ . وحَشْويةُ العلماءِ(١) يشيرونَ بالأعمالِ الظاهرةِ كما يشيرُ الطَّرُقِيَّةُ مِنَ الأطباءِ (٢) بطلاءٍ ظاهرٍ البدنِ، وعلماءُ الآخرةِ لا يشيرونَ إلا بتطهيرِ الباطنِ (١) وهم الذين يقتنعون بالقشر عن اللباب ، وينظرون إلى ظاهر الأمور دون الاطلاع على الأسرار الباطنة. ((إتحاف)) (٢٦٩/١). (٢) وهم الذين يجلسون على الطرق ويداوون الناس على جهلٍ منهم. ((إتحاف)) (٢٦٩/١ ) . ١٤٦ ربع العبادات كتاب العلم وقطع موادِّ الشرِّ ؛ بإفسادِ منابتِها ، وقلْع مغارسِها ، وهيَ في القلبِ ، وإنَّما فَزِعَ الأكثرونَ إلى الأعمالِ الظاهرةِ عنْ تطهيرِ القلوبِ لسهولةِ أعمالِ الجوارحِ ، واستصعابِ أعمالِ القلوبِ ؛ كما يفزعُ إلى طلاءِ الظاهرِ مَنْ يستصعِبُ شُرْبَ الأدويةِ المرّةِ المَقِرَةِ (١) ، فلا يزالُ يتعبُ في الطلاءِ ويزيدُ في الموادِّ ، وتتضاعفُ بهِ الأمراضُ . فإنْ كنتَ مريداً للآخرةِ ، وطالباً للنجاةِ ، وهارباً مِنْ هلاك الأبدِ .. فاشتغلْ بعلّم العلَلِ الباطنةِ وعلاجِها ، على ما فصَّلْناهُ في ربع المهلكاتِ . ثمَّ ينجزُّ بكَ ذلكَ إلى المقاماتِ المحمودةِ المذكورةِ في ربع المنجياتِ لا محالةَ ؛ فإنَّ القلبَ إذا فُرِّغَ مِنَ المذموم .. امتلأَ بالمحمودِ، والأرضَ إذا نُقْيَتْ منَ الحشيشِ .. نبتَتْ فيها أصنافُ الزروع والرياحينِ ، وإنْ لمْ يفرَّغْ مِنْ ذلكَ .. فلا تشتغلْ بفروض الكفاياتِ(٢)، لا سيَّما وفي زمرةِ الخلْقِ مَنْ قدْ قامَ بهِ ، فإنَّ مُهلِكَ نفسِهِ في طلبٍ صلاحٍ غيرِهِ سفيةٌ ، فما أشدَّ حماقةَ مَنْ دخلتِ الأفاعي والعقاربُ داخلَ ثيابِهِ وهمَّتْ بقتلِهِ وهوَ يطلبُ مِذْبَّةٌ(٣) يدفعُ بها الذبابَ عَنْ غيرِهِ ممَّنْ لا يغنيهِ ، ولا ينجيهِ ممَّا يلاقيهِ مِنْ تلكَ الحِيَّاتِ والعقارب إذا هممنَ بهِ ! جالب. مان (١) المقرة: المرّة، والمَقِر: هو الصَّبِرُ نفسه، أو هو السم. (٢) أي : إن لم يخلُ القلب من ذلك .. فلا تشتغل بفروض الكفايات اشتغالاً كلِّياً . («إتحاف)) (٢٦٩/١) . (٣) المذبَّة: ما يتَّخَذ من شعر ذنب الفرس أو نحوه لدفع الذباب. ١٤٧ کتاب العلم ربع العبادات وإنْ تفرَّغْتَ مِنْ نفسِكَ وتطهيرِها ، وقَدَرْتَ على ترْكِ ظاهرِ الإثْمِ وباطنِهِ ، وصارَ ذلكَ ديدناً لكَ وعادةً متيسرةٌ فيكَ - وما أبعدَ ذلكَ منكَ - فاشتغلْ بفروضِ الكفاياتِ ، وراعٍ التدريجَ فيها : فابتدِىءُ بكتابِ اللهِ تعالى، ثمَّ بسنَّةِ رسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ثمّ بعلّمِ التفسيرِ وسائرٍ علومِ القرآنِ ؛ مِنْ علْمِ الناسخِ والمنسوخِ ، والمفصولِ والموصولِ ، والمحكَمِ والمتشابِهِ . وكذلكَ في السنةِ . ثُمَّ اشتغلْ بالفروع ، وهوَ علْمُ المذهبِ منْ علْمِ الفقهِ دونَ الخلافِ ، ثمَّ بأصولِ الفقهِ ، وهكذا إلى بقيّةِ العلومِ على ما يتسعُ لهُ العمُرُ ، ويساعدُ فيهِ الوقتُ . ولا تستغرقْ عمرَكَ في فنٍّ واحدٍ منها طالباً للاستقصاءِ ؛ فإنَّ العلمَ كثيرٌ والعمرَ قصيرٌ، وهذهِ العلومُ آلاتٌ ومقدماتٌ ، وليستْ مطلوبةً لعينِها بلْ لغيرِها، وكلُّ ما يطلبُ لغيرِهِ . . فلا ينبغي أنْ يُنسىُ فيهِ المطلوبُ ويُستكثرَ منهُ. فاقتصرْ مِنْ شائع علم اللغةِ على ما تفهمُ بهِ كلامَ العربِ وتنطقُ بهِ ، ومنْ غريبِهِ على غريبِ القرآنِ وغريبِ الحديثِ ، ودع التعمُّقَ فيهِ . واقتصرْ مِنَ النحوِ على ما يتعلَّقُ بالكتابِ والسنَّةِ ، فما مِنْ علْمٍ إلا ولهُ اقتصارٌ واقتصادٌ واستقصاءٌ ، ونحنُ نشيرُ إليها في الحديثِ والتفسيرِ والفقْهِ والكلام لتقيسَ بها غيرَها : ـتدم ١٤٨ مجم ربع العبادات كتاب العلم تر فالاقتصارُ في التفسيرِ : ما يبلُغُ ضعفَ القرآنِ في المقدارِ ، كما صنَّفَهُ عليٌّ الواحديُّ النيسابوريُّ وهوَ «الوجيزُ))، والاقتصادُ ما يبلغُ ثلاثةَ أضعافِ القرآنِ كما صنَّفَهُ مِنَ ((الوسيطِ)» فيهِ ، وما وراءَ ذلكَ استقصاءٌ مستغنىّ عنهُ ، ولا مردّ لهُ إلى انتهاءِ العمرِ . وأمَّا الحديثُ : فالاقتصارُ فيهِ تحصيلُ ما في (( الصحيحينِ )) بتصحيحٍ نسخةٍ على رجلٍ خبيرٍ بعلمٍ متْنِ الحديثِ . وأمَّا حفظُ أسامي الرجالِ .. فقدْ كفيتَ فيهِ بما تحمَّلَهُ عنكَ مَنْ قبلَكَ ، ولكَ أنْ تعوِّلَ على كتبهِمْ، وليسَ يلزمُكَ حفظُ متونِ (( الصحيحين))، ولكنْ تحصِّلُهُ تحصيلاً تقدرُ منهُ على طلبٍ ما تحتاجُ إليهِ عندَ الحاجةِ . وأمَّا الاقتصادُ فيهِ .. فأنْ تضيفَ إليهما ما خرجَ عنهما ممَّا أُورِدَ في المسنداتِ الصحيحةِ . وأمَّا الاستقصاءُ .. فما وراءَ ذلكَ إلى استيعابٍ كلِّ ما نُقِلَ منَ الضعيفِ والقويِّ ، والصحيح والسقيمِ ، معَ معرفةِ الطرقِ الكثيرةِ في النقلِ ، ومعرفةٍ أحوالِ الرجالِ وأساميهِمْ وأوصافِهِمْ . وأمَّا الفقهُ: فالاقتصارُ فيه على ما يحويهِ مختصرُ المزنيِّ رحمَهُ اللهُ ، وهوَ الذي رتبناهُ في ((خلاصةُ المختصرِ)) (١)، والاقتصادُ فيهِ ما يبلغُ ثلاثةَ (١) ويسمَّى (( خلاصة المختصر ونقاوة المعتصر)) وقد صدر عن دار المنهاج بحمد الله تعالى . ١٤٩ کتاب العلم ٢/١. ربع العبادات أمثالِهِ ، وهوَ القدْرُ الذي أوردناهُ في ((الوسيطَ مِنَ المذهبِ))، والاستقصاءُ ما أوردناهُ في (( البسيطَ))، إلى ما وراءَ ذلكَ مِنَ المطولاتِ. وأما الكلامُ : فمقصودُهُ حمايةُ المعتقداتِ التي نقلَها أهلُ السنَّةِ مِنَ السلفِ الصالح لا غيرَ ، وما وراءَ ذلكَ طلبٌ لكشْفِ حقائقِ الأمورِ مِنْ غيرِ طريقِهِ . ومقصودُ حفْظِ السنَّةِ تحصُلُ رتبةُ الاقتصارِ منهُ بمعتقدٍ مختصرٍ ، وهوَ القدْرُ الذي أوردْناهُ في كتابِ قواعد العقائد من جملةِ هذهِ الكتبِ(١)، والاقتصادُ فيهِ ما يبلغُ قدْرَ مئةٍ ورقةٍ ، وهوَ الذي أوردناهُ في كتابِ (( الاقتصادُ في الاعتقادِ )) ، ويُحتاجُ إليهِ لمناظرةِ مبتدِعٍ ومعارضةِ بدعتِهِ بما يفسدُها وينزعُها عنْ قَلْبِ العاميِّ، وذلكَ لا ينفعُ إلا معَ العوامِ قبلَ اشتدادِ تعصُّبِهِمْ . أما المبتدِعُ بعدَ أنَّ يعلمَ مِنَ الجدلِ ولوْ شيئاً يسيراً .. فقلَّما ينفعُ معهُ الكلامُ ؛ فإنَّكَ إنْ أفحمتَهُ .. لمْ يتركْ مذهبَهُ، وأحالَ بالقصورِ على نفسِهِ ، وقدَّرَ أنَّ فيهِ عندَهُ جواباً هوَ عاجزٌ عنهُ، وإنَّما أنتَ ملبٌِّ بقوَّةِ المجادلةِ عليهِ . وأمَّا العاميُّ إذا صُرِفَ عنِ الحقِّ بنوع جدلٍ .. فيمكنُ أنْ يُرَدَّ إلیهِ بمثلِهِ قبلَ أنْ يشتدَّ التعصُّبُ للأهواءِ ، فإذا اشتدَّ تعصُبُهمْ .. وقعَ اليأسُ عنهُمْ ؛ إذِ التعصُّبُ سببٌ يرسِّخُ العقائدَ في النفوسِ ، وهذا أيضاً من آفاتِ العلماءِ (١) أي: من الكتب الأربعين من ((الإحياء))، وكتاب ( قواعد العقائد ) هو الكتاب الثاني منها . ١٥٠ ربع العبادات كتاب العلم السوءِ ؛ فإنَّهُمْ يبالغونَ في التعصُّبِ للحقِّ ، وينظرونَ إلى المخالفينَ بعينِ الازدراءِ والاستحقارِ ، فينبعثُ منهُمُ الدواعي بالمكافأةِ والمقابلةِ ، وتتوفّرُ بواعثُهُمْ على طلبِ نصرةِ الباطلِ ، ويقوَى غرضُهُمْ في التمسُّكِ بما نُسبوا إليهِ ، ولوْ جاؤوا مِنْ جانبِ اللطفِ والرحمةِ والنصْح في الخلوةِ لا في معرضِ التعصُّبِ والتحقيرِ .. لأنجحوا فيهِ . ولكنْ لمَّا كانَ الجاهُ لا يقومُ إلا بالاستتباعِ ، ولا يستميلُ الأتباعَ مثلُ التعصُّبِ واللعْنِ والشتمِ للخصوم .. اتخذوا التعصُّبَ عادتَهُمْ وآلتَهُمْ، وسمَّوهُ ذبّاً عنِ الدينِ ونضالاً عنِ المسلمينَ ، وفيهِ على التحقيقِ هلاكُ الخلْقِ ورسوخُ البدعةِ في النفوسِ . وأما الخلافياتُ(١) التي أُحدثتْ في هذهِ الأعصارِ المتأخرةِ ، وأُبدعَ فيها مِنَّ التحريراتِ والتصنيفاتِ والمجادلاتِ ما لمْ يعهدْ مثلُها في السلفِ .. فإِيَّاكَ وأنْ تحومَ حولَها ، واجتنبْها اجتنابَ السمِّ القاتلِ ؛ فإنَّها الداءُ العضالُ، وهوَ الذي ردَّ الفقهاءَ كلَّهُمْ إلى طلبِ المنافسةِ والمباهاةِ ، على ما سيأتيكَ تفصيلُ غوائِلها وآفاتِها . وهذا الكلامُ ربَّما يسمعُ مِنْ قائِلِهِ فيقالُ: ( الناسُ أعداءُ ما جهلوا) ، فلا تظنَّنَّ ذلكَ ، فعلى الخبيرِ سقطتَ ، فاقبلْ هذهِ النصيحةَ ممَّنْ ضيّعَ العمرَ فيهِ زماناً ، وزادَ فيهِ على الأوَّلينَ تصنيفاً وتحقيقاً وجدلاً وبياناً ، ثمَّ ٤٦٠٠٠ (١) وهي المسائل التي فيها خلاف المذاهب. ((إتحاف)) (٢٧٥/١) . ١٥١ كتاب العلم ربع العبادات ألهمَهُ اللهُ رشدَهُ وأطلعَهُ على عيبهِ ، فهجرَهُ واشتغلَ بنفسهِ . ولا يغرنَّكَ قولُ مَنْ يقولُ : ( الفتوى عمادُ الشرْعِ ، ولا تُعرفُ عللُهُ إلا بعلمِ الخلافِ ) ؛ فإنَّ عللَ المذهبِ مذكورةٌ في المذهبِ ، والزيادةُ عليها مجادلاتٌ لمْ يعرفُها الأوَّلونَ ولا الصحابةُ ، وكانوا أعلمَ بعللِ الفتاوىُ مِنْ غيرِهِمْ ، بلْ هيَ معَ أنَّها غيرُ مفيدةٍ في علمِ المذهبِ .. ضارَّةٌ مفسِدةٌ الذوقِ الفقهِ ؛ فإنَّ الذي يشهدُ لهُ حدسُ المفتي إذا صحَّ ذوقُهُ في الفقهِ .. لا يمكنُ تمشيتُهُ على شروطِ الجدلِ في أكثرِ الأمرِ ، فَمَنْ ألفَ طبعُهُ رسومَ الجدلِ .. أذعنَ ذهنُهُ لمقتضياتِ الجدلِ ، وجبنَ عنِ الإذعانِ الذوقِ الفقهِ ، وإنَّما يشتغلُ بهِ مَنْ يشتغلُ لطلبِ الصيتِ والجاهِ ، ويتعلَّلُ بأنَّهُ يطلبُ علَ المذهبِ ، وقدْ ينقضي عليهِ العمرُ ولا يصرفُ همَّتَهُ إلى علم المذهب . فَكُنْ مِنْ شياطينِ الجنِّ في أمانٍ ، واحترزْ مِنْ شياطينِ الإنسِ ؛ فإنَّهِمْ أراحوا شياطينَ الجنِّ مِنَ التعبِ في الإغواءِ والإضلالِ . وبالجملةِ : فالمرضِيُّ عندَ العقلاءِ أنْ تقدِّرَ نفسَكَ في العالَمِ وحدَكَ معَ اللهِ ، وبينَ يديكَ الموتُ والعرْضُ والحسابُ والجنَّةُ والنارُ ، وتأمَّلْ فيما يعنيكَ ممَّا بينَ يديكَ ، ودعْ عنكَ ما سواهُ ، والسلامُ. تارخ وقدْ رأى بعضُ الشيوخِ بعضَ العلماءِ في المنامِ ، فقالَ لهُ : ما خبرُ تلكَ العلومِ التي كنتَ تجادلُ فيها وتناظرُ عليها ؟ فبسطَ يدَهُ ونفخَ فيها وقالَ : ١٥٢ ـ5فى ربع العبادات كتاب العلم طاحتْ كلُّها هباءً منثوراً ، وما انتفعتُ إلا بركعتينِ خلَصتا لي في جوفِ الليلِ !(١) . وفي الحديثِ : (( ما ضَلَّ قومٌ بعدَ هُدىّ كانُوا عليهِ إِلَّ أُوتُوا الْجَدَلَ))(٢)، ثمَّ قرأ: ﴿ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلْا بَلْ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ﴾ . وفي الحديثِ في معنى قولِهِ تعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغُ﴾ الآية: هُمْ أهلُ الجدلِ الذينَ عناهُمُ اللهُ تعالى بقولِهِ: ﴿فَأَحْذَرْهُمْ﴾(٣). وقالَ بعضُ السلفِ : ( يكونُ في آخرِ الزمانِ قومٌ يغلقُ عنهُمْ بابُ العملِ ، ويفتحُ عليهِمْ بابُ الجدلِ )(٤). وفي بعضِ الأخبارِ : ( إنَّكم في زمانٍ أُلهمتُمْ فيهِ العملَ ، وسيأتي قومٌ يُلْهَمُونَ الجدلَ )(٥). (١) قوت القلوب (١٣٢/١)، و((حلية الأولياء)) (٢٥٧/١٠). (٢) رواه الترمذي (٣٢٥٣)، وابن ماجه ( ٤٨). (٣) روى البخاري (٤٥٤٧)، ومسلم (٢٦٦٥) مرفوعاً: (( إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه .. فأولئك الذين سَمَّى الله ، فاحذروهم)) . (٤) قوت القلوب ( ١٣٨/١). (٥) قوت القلوب (١٣٨/١)، وقول الحافظ العراقي: ( لم أجده ) في (( تخريجه)) فعلى احتمال رفعه ، ولكن الأمر ليس كذلك ، وهو قريب من قول الأوزاعي كما في ((اقتضاء العلم العمل)) (١٢٢): (إذا أراد الله بقوم شراً .. فتح عليهم الجدل ومنعهم العمل ) . ١٥٣ 52 جيـ ٠٠بال . جمزى كتاب العلم ربع العبادات وفي الخبرِ المشهورِ: (( أبغضُ الخلقِ إلى اللهِ تعالى الأَلَدُّ الْخَصِمُ)) (١) . وفي الخبرِ: (( ما أُوتِيَ قومٌ المنطقَ إلَّ مُنِعُوا العملَ))(٢)، واللهُ أعلمُ . دالى (١) رواه البخاري (٢٤٥٧)، ومسلم ( ٢٦٦٨) . (٢) قال صاحب ((القوت)) (١٣٨/١): (روى الحكم بن عيينة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما أوتي ... ))) وشواهده ما سبق . ١٥٤ نوع ربع العبادات كتاب العلم البَابُ الرَّابِعُ في سبب قبال الخلق على علم الخلاف وتفصيل آفات المناظرة والجدل وشروط إباحتها اعلمْ : أنَّ الخلافةَ بعدَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تولاها الخلفاءُ الراشدونَ المهديُّونَ، وكانوا أئمّةً علماءَ باللهِ تعالى، وفقهاءَ في أحكامِهِ ، ومستقلينَ بالفتاوى في الأقضيةِ ، فكانوا لا يستعينونَ بالفقهاءِ إلا نادراً ، في وقائعَ لا يُستغنى فيها عنِ المشاورةِ ، فتفرَّغَ العلماءُ لعلْمِ الآخرةِ وتجرَّدوا لها ، وكانوا يتدافعونَ الفتاوى وما يتعلَّقُ بأحكام الخلْقِ مِنَ الدنيا ، وأقبلوا على اللهِ تعالىُ بَكُنْهِ اجتهادِهِمْ، كما نُقِلَ منْ سيرِهِمْ(١). فلمَّا أفضتِ الخلافةُ بعدَهُمْ إلى أقوامِ تولَّوها بغيرِ استحقاقٍ ، ولا استقلالَ لَهُمْ بعلمِ الفتاوى والأحكام .. اضطَرُوا إلى الاستعانةِ ٩ بالفقهاءِ ، وإلى استصحابِهِمْ في جميع أحوالِهِمْ ؛ لاستفتائِهِمْ في مجاري أحكامِهِمْ . (١) كما في ((سنن الدارمي)) ( ١٣٧): قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: (لقد أدركت في هذا المسجد عشرين ومئة من الأنصار ، وما منهم أحد يحدِّث بحديث إلا ودَّ أن أخاه كفاه الحديث ، ولا يسأل عن فتيا إلا ودَّ أن أخاه كفاه الفتيا ) . ١٥٥ ايجـ كتاب العلم ربع العبادات وكانَ قدْ بقيَ مِنْ علماءِ التابعينَ مَنْ هوَ مستمُّ على الطرازِ الأوَّلِ ، وملازمٌ صفوَ الدينِ ، ومواظبٌ على سمتِ علماءِ السلفِ ، فكانوا إذا طُلبوا .. هربوا وأعرضوا، فاضطرَّ الخلفاءُ إلى الإلحاحِ في طلبِهِمْ لتوليةٍ القضاءِ والحكوماتِ . فرأىُ أهلُ تلكَ الأعصارِ عِزَّ العلماءِ وإقبالَ الأئمَّةِ والولاةِ عليهِمْ مِعَ إعراضِهِمْ عنهُمْ، فاشرأتُوا لطلبِ العلمِ ، توصُّلاً إلى نيلِ العزِّ ودرْكِ الجاهِ مِنْ قِبَلِ الولاةِ ، فأكبُّوا على علْمِ الفتاوى ، وعَرَضوا أَنفسَهُمْ على الولاةِ ، وتعرَّفوا إليهِمْ ، وطلبوا الولاياتِ والصلاتِ منهُمْ، فمنهُمْ مَنْ حُرِمَ ومنهُمْ مَنْ أَنْجَحَ ، والمنجِحُ لمْ يخلُ عَنْ ذلِّ الطلبِ ومهانةِ الابتذالِ ، فأصبحَ الفقهاءُ بعدَ أنْ كانوا مطلوبينَ طالبينَ ، وبعدَ أنْ كانوا أعزَّةً بالإعراضِ عنِ السلاطينِ أذلَّةً بالإقبالِ عليهِمْ ، إلا مَنْ وَفَّقَهُ اللهُ تعالى في كلِّ عصْرٍ مِنْ علماءِ دينه . وقدْ كانَ أكثرُ الإقبالِ في تلكَ الأعصارِ على علَّمِ الفتاوى والأقضيةِ ؛ لشدَّةِ الحاجةِ إليها في الولاياتِ والحكوماتِ . ثُمَّ ظهرَ بعدَهُمْ منَ الصدورِ والأمراءِ مَنْ سَمِعَ مقالاتِ الناسِ في قواعدِ العقائدِ، ومالتْ نفسُهُ إلى سماع الحُجَجِ فيها ، فغلبَتْ رغبتُهُ إلى المناظرةِ والمجادلةِ في الكلام ، فأكبَّ الناسُ على علمِ الكلام ، وأكثروا فيهِ التصانيفَ، ورتَبوا فيه طرقَ المجادلاتِ ، واستخرجوا فنونَ المناقضاتِ في ١٥٦ ربع العبادات كتاب العلم المقالاتِ ، وزعموا : أنَّ غرضَهُمْ الذتُّ عنْ دينِ اللهِ ، والنضالُ عنِ السنَّةِ ، وقمعُ المبتدعةِ ؛ كما زعمَ مَنْ قبلَهُمْ أنَّ غرضَهُمُ بالاشتغالِ بالفتاوى الدينُ ، وتقلُّدُ أحكام المسلمينَ ؛ إشفاقاً على خلْقِ اللهِ ونصيحةٌ لُهُمْ . ثمَّ ظهرَ بعدَ ذلكَ منَ الصدورِ مَنْ لمْ يستصوبِ الخوضَ في الكلامِ وفَتْحَ بابِ المناظرةِ فيهِ ؛ لما كانَ قدْ تولَّدَ مِنْ فتح بابِهِ منَ التعصُّباتِ الفاحشةِ والخصوماتِ الفاشيةِ المفضيةِ إلى إحراقِ الدماءِ وتخريبِ البلادِ ، ومالتْ نفسُهُ إلى المناظرةِ في الفقْهِ ، وبيانِ الأَوْلى مِنْ مذهبِ الشافعيِّ وأبي حنيفةً رضيَ اللهُ عنهُما على الخصوصِ ، فتركَ الناسُ الكلامَ وفنونَ العلمِ ، وانثالوا على المسائلِ الخلافيةِ بينَ الشافعيِّ وأبي حنيفةَ رضيَ اللهُ عنهُما على الخصوصِ ، وتساهلُوا في الخلافِ معَ مالكٍ وسفيانَ الثوريِّ وأحمدَ وغيرِهِمْ رحمهُمُ اللهُ تعالى ، وزعموا أنَّ غرضَهُمُ استنباطُ دقائقِ الشرع وتقريرُ عللٍ المذهبِ ، وتمهيدُ أصولِ الفتاوى ، وأكثروا فيها التصانيفَ والاستنباطاتِ ، ورتّبُوا فيها أنواعَ المجادلاتِ والتصنيفاتِ ، وهُمْ مستمرُونَ عليهِ إلى الآنَّ(١)، ولسنا ندري ما الذي يحدثُ اللهُ فيما بعدَنا مِنَ الأعصارِ . فهذا هوَ الباعثُ على الإكبابِ على الخلافياتِ والمناظراتِ لا غيرَ، ولوْ مالتْ نفوسُ أربابِ الدنيا إلى الخلافِ معَ إمامٍ آخرَ مِنَ الأئمَّةِ ، أو إلى علْمِ (١) أي: إلى زمن تأليف الكتاب، وهو سنة ثمان وتسعين وأربع مئة. ((إتحاف)) (١ / ٢٨٢ ) . ١٥٧ كتاب العلم ٢٢٦ ربع العبادات آخرَ مِنَ العلوم .. لمالوا أيضاً معهُمْ، ولمْ يسكتُوا عنِ التعلُّلِ بأنَّ ما اشتغلوا بهِ هوَ علمُ الدينِ ، وأنْ لا مطلبَ لهُمْ سوى التقرُّبِ إلى ربِّ العالمينَ . CES ١٥٨ ربع العبادات كتاب العلم بيان لبيس في مشبي خذه المناظرات بمشاورات الصحابة ومفاوضات التلف اعلمْ : أنَّ هؤلاءِ قدْ يستدرجونَ الناسَ إلى ذلكَ بأنَّ غرضَنا مِنَ المناظراتِ المباحثةُ عنِ الحقِّ ليتضحَ ؛ فإنَّ الحقَّ مطلوبٌ ، والتعاونَ على النظرِ في العلمِ وتواردَ الخواطرِ مفيدٌ ومؤثرٌ، وهكذا كانَ عادةُ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ في مشاوراتِهِمْ ؛ كتشاورِهِمْ في مسألةِ الجدِّ والإخوةِ ، وحدٌ شرْبِ الخمْرِ ، ووجوبِ الغرْمِ على الإمام إذا أخطأ ؛ كما نُقْلَ مِنْ إجهاضِ المرأةِ جنينَها خوفاً مِنْ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ، وكما نُقِلَ مِنْ مسائلِ الفرائضِ وغيرِها، وما نُقِلَ عنِ الشافعيِّ وأحمدَ ومحمدِ بنِ الحسنِ ، ومالكٍ وأبي يوسفَ ، وغيرِهم مِنَ العلماءِ رحمهُمُ اللهُ تعالى . ويطلعُكَ على هذا التلبيسِ ما أذكرُهُ، وهوَ أنَّ التعاونَ على طلبِ الحقِّ مِنَ الدينِ ، ولكنْ لهُ شروطٌ وعلاماتٌ ثمانٍ : الأوّلُ: ألَّ يشتغلَ بهِ وهوَ مِنْ فروضِ الكفاياتِ مَنْ لمْ يتفرَّغُ مِنْ فروضِ الأعيانِ: ومَنْ عليهِ فرضُ عينٍ فاشتغلَ بفرضِ الكفايةِ ، وزعمَ أنَّ مقصودَهُ الحقُّ .. فهوَ كذَّابٌ، ومثالُهُ مثالُ مَنْ يتركُ الصلاةَ في نفسِهِ ويتَّجِرُ في تحصيلِ الثيابِ ونسْجِها ويقولُ : غَرضي بهِ سترُ عورةٍ مَنْ يصلِّي عُرِياناً ولا يجدُ ثوباً ! ٢٧٥٠ ١٥٩ کتاب العلم ربع العبادات فإنَّ ذلكَ ربَّما يتفقُ، ووقوعُهُ ممكنٌ ، كما يزعمُ الفقيهُ أنَّ وقوعَ النوادرِ التي عنها البحثُ في الخلافِ ممكنٌ ، والمشتغلونَ بالمناظرةِ مهملونَ لأمورٍ هيَ فرضُ عينٍ بالاتفاقِ . ومَنْ توجَّهَ عليهِ ردُ وديعةٍ في الحالِ ، فقامَ وتحرَّمَ بالصلاةِ التي هيَ أقربُ القرباتِ إلى اللهِ تعالى .. عصىُ ربَّهُ بذلكَ، فلا يكفي في كونٍ الشخصِ مطيعاً كونُ فعلِهِ منْ جنْسِ الطاعاتِ ما لمْ يراع فيهِ الوقتَ والشرطَ والترتيبَ . الثاني : ألَّ يرى فرضَ كفايةٍ أَهمَّ مِنَ المناظرةِ : فإنْ رأى ما هوَ أهمُّ وفعلَ غيرَه .. عصى بفعلِهِ، وكانَ مثالُهُ مثالَ مَنْ يرى جماعةٌ مِنَ العطاشِ أشرفوا على الهلاكِ وقدْ أهملَهُمُ الناسُ وهوَ قادرٌ على إحيائِهم بأنْ يسقيَهم الماءَ ، فاشتغلَ بتعلُّم الحجامةِ وزعمَ أنَّهُ منْ فروضِ الكفاياتِ ، ولوْ خلا البلدُ عنها .. لهلكَ الناسُ ، وإذا قيلَ : في البلدِ جماعةٌ مِنَ الحِجَّامينَ وفيهِمْ غنيةٌ .. فيقولُ: وهذا لا يُخرِجُ هذا الفعلَ عنْ کونِهِ فرضَ کفایةٍ . مشرم فحالُ مَنْ يفعلُ هذا ويهملُ الاشتغالَ بالواقعةِ الملمَّةِ بجماعةِ العطاشِ مِنَ المسلمينَ .. كحالِ المشتغلِ بالمناظرةِ وفي البلدِ فروضُ كفاياتٍ مهملَةٌ لا قائمَ بها . ١٦٠ ٠٠٠ ٫٫٠٫٫