Indexed OCR Text
Pages 441-460
٥٦ - كتاب البيعة (١) باب (١٧٨٠) حديث النبي ◌َّه فنزل، فأقبل حتى أتى النساء، فقال: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ﴾ الآية، ثم قال حين فرغ: أنتن على ذلك؟ قالت امرأة: نعم. قلت: ولفظ البخاري(١): فنزل نبي الله وَ لّ فكأني أنظر إليه حين يُجَلِّسُ الرجال بيده، ثم أقبل يَشُقُّهم، حتى أتى النساء مع بلال، فقال: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا جَآءَكَ الْمُؤْمِنَتُ﴾ حتى فرغ من الآية كلها، ثم قال حين فرغ: أنتُنَّ على ذلك؟ الحديث، فيه الأمر بالصدقة وأخذها بلال في ثوبه. وأخرج أحمد وأبو داود وأبو يعلى (٢) وغيرهم عن أم عطية قالت: لما قدم رسول الله ◌ّ﴿ المدينة جمع نساء الأنصار في بيت، فأرسل إليهن عمر بن الخطاب، فقام على الباب، فسلّم، فقال: أنا رسول رسول الله وله إليكن تبايعن على أن لا تشركن بالله، الحديث. وأخرج الحاكم وصححه عن فاطمة بنت عتبة أن أخاها أبا حذيفة أتى بها، وبهند بنت عتبة إلى رسول الله وَ ﴿ تبايعه، الحديث، وأخرج ابن سعد عن عاصم بن عمرو بن قتادة قال: أول من بايع النبي ◌ّ أم سعد بن معاذ كبشة بنت رافع، وأم عامر بنت يزيد بن السكن، وحواء بنت يزيد بن السكن، كذا في ((الدر المنثور))(٣). وفي ((الخازن)): قال المفسرون: لما فتح رسول الله وَّ مكة وفرغ من بيعة الرجال، وهو على الصفا أتته النساء يبايعنه، وعمر بن الخطاب أسفل منه يُبَلِّغُهن عنه، وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان مُتَنقبةٌ مُنْكِرَة مع النساء خوفاً من رسول الله ◌َ﴿ أن يعرفها، وكذا في ((الجمل))، وزاد: خوفاً من رسول الله وَ ل (١) ح (٤٨٩٥). (٢) أخرجه أحمد (٨٥/٥)، وأبو داود (١١٣٩)، وأبو يعلى (١٩٦/١) ح (٢٢٦). (٣) ((الدر المنثور)) (١٣٣/٨). ٤٤١ ٥٦ - كتاب البيعة (١) باب (١٧٨١) حديث إِنَّمَا قَوْلِيٍ لِمَاتَّةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ. أَوْ مِثْلِ قَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ)). أخرجه الترمذي في: ١٩ - كتاب السير عن رسول الله مَلو، ٣٧ - باب ما جاء في بيعة النساء. والنسائيّ في: ١٩ - كتاب البيعة، ١٨ - باب بيعة النساء. ٣/١٧٨١ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنَ دِينَارٍ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنِ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يُبَابِعُهُ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمُنِ الرَّحِيمِ. أن يعرفها لما صنعت بحمزة يوم [أحد] فقالت: والله إنك لتأخذ علينا أمراً ما رأيتك أخذته على الرجال، وكان قد بايع الرجال يومئذٍ على الإسلام والجهاد فقط ، اهـ. (إنما قولي لمائة امرأة) أو لأكثر منها (كقولي لامرأة واحدة) كذا في جميع النسخ المصرية وبعض الهندية، وفي بعضها بدله ((مرة واحدة)) بفتح الميم وشد الراء والوجه الأول (أو) للشك من الراوي يعني أو قال وَ ل (مثل قولي لامرأة واحدة) وهذا غاية الاحتياط من رواة الحديث لحفظ الروايات، وإلا فالمعنى واحد، والمراد أنه لا احتياج إلى المصافحة، ولا إلى تخصيص كل امرأة بالمبايعة برأسها، وإنما يكفي قولي لهم مرة واحدة. ٣/١٧٨١ - (مالك عن عبد الله بن دينار) العدوي (أن) مولاه (عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (كتب) مكتوباً (إلى) السلطان (عبد الملك بن مروان) في زمان سلطنته بعد شهادة ابن الزبير - رضي الله عنه - كما سيأتي مفصلاً (يبايعه) أي كتب مكتوبة المبايعة وبايعه بالكتابة، قال صاحب ((المحلى)): جملة حالية أو مستأنفة، ولفظ الثوري الآتي قريباً عن ابن دينار قال: شهدت ابن عمر حين اجتمع الناس، الحديث. (فكتب إليه) أي إلى عبد الملك فبدأ بلفظ (بسم الله الرحمن الرحيم) قال ٤٤٢ ٥٦ - كتاب البيعة (١) باب (١٧٨١) حدیث أَمَّا بَعْدُ. لِعَبْدِ اللهِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ سَلَامٌ عَلَيْكَ. فَإِنِي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللهَ الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ. وَأُقِرُّ الحافظ(١): وفي رواية الإسماعيلي من وجه آخر عن سفيان بلفظ: رأيت ابن عمر يكتب، وكان إذا كتب يكتب بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد. قال الباجي(٢): فيه دليل على أن العادة جارية في ذلك الزمان على استفتاح الكتب بالتسمية، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾﴾(٣) الآية، وكتب النبي ◌َيَّ إلى هرقل ((بسم الله الرحمن الرحيم السلام على من اتبع الهدى»، الحديث. (أما بعد) قال الباجي: هذا أيضاً مما يستفتح به الخطاب، وقال بعض المفسرين: هذا فصل الخطاب في قوله تعالى: ﴿ وَءَاتَيْنَهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ لُلْخِطَابِ﴾ وفي ((المحلى)): قال الحافظ: الصحيح أن أول من تكلم ((بأما بعد)) داود عليه السلام، رواه الطبراني عن أبي موسى الأشعري مرفوعاً (لعبد الله عبد الملك) قال الزرقاني(٤): لعله قدّم الوصف بعبد الله إشارة إلى أنه لا يغتر بالملك، ولا يتجبّر، فإنه من جملة عبيد الله، وإن ولي الملك، فهو من جملة النصيحة له. ثم عظّمه بالوصف بقوله: (أمير المؤمنين) إعظاماً له وإيماءً إلى قبول إمارته، (سلام عليك) كما هو المعروف في ابتداء المكاتب (فإني أحمد إليك الله) أي أنهي إليك حمد الله، وقد تقدم في ((جامع السلام)) قول رجل في سؤال عمر - رضي الله عنه -: أحمد الله إليك، وتقدم هناك شرحه (الذي لا إله إلا هو) وحده لا شريك له (وأَقرُّ) بضم الهمزة وكسر القاف وشد الراء أي (١) ((فتح الباري)) (١٩٤/١٣). (٢) ((المنتقى)) (٣٠٨/٧). (٣) سورة النمل: الآية ٣٠. (٤) (شرح الزرقاني)) (٣٩٩/٤). ٤٤٣ ٥٦ - كتاب البيعة (١) باب (١٧٨١) حديث لَكَ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ. عَلَى سُنَّةِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ. فِيمَا اسْتَطَعْتُ. أعترف (لك بالسمع) أي القبول (والطاعة) لك فيما تأمر أو تنهى عنه. قال الباجي(١): هذا لمن بايع طائعاً، وأما من بايع مكرهاً، ففي ((العتبية)» من رواية ابن القاسم عن مالك أن ذلك لا يلزمه، وقال الباجي: هذا عندي فيما يلزم مبايعته فتلزم المبائع طائعاً كان أو مكرهاً، اهـ. (على سنة الله وسنة رسوله فيما استطعت) زاد في النسخ الهندية بعد ذلك لفظ ((به))، وليس هذا في النسخ المصرية أي السمع والطاعة على قدر استطاعتي، قال الباجي: على حسب ما كان النبي قلّر أخذ عليهم من قوله ◌َليه: ((فيما استطعتم))، وأنه إذا التزم ذلك للنبي ولو بشرط الاستطاعة، فبأن يشترط ذلك لغيره أولى وأحرى، اهـ. وزاد الثوري في آخره: وإن بنيّ قد أَقَرُّوْا بمثل ذلك والسلام، قاله الزرقاني. وبسط الحافظ ألفاظ الإسماعيلي أخرجه البخاري بطريق يحيى عن سفيان ثنا عبد الله بن دينار، قال: شهدت ابن عمر حيث اجتمع الناس على عبد الملك، قال: كتب: إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله ما استطعت. وإن بَنيّ قد أَقرّوا بمثل ذلك، وبطريق آخر عن عبد الله بن دينار، قال: لما بايع الناس عبد الملك كتب إليه عبد الله بن عمر، فذكر نحوه. قال الحافظ(٢): قوله: حيث اجتمع الناس على عبد الملك المراد اجتماع الكلمة، وكانت قبل ذلك مفرقة، وكان في الأرض قبل ذلك اثنان، كل منهما يدّعي له بالخلافة، وهما عبد الملك بن مروان، وعبد الله بن زبير، فأما ابن الزبير - رضي الله عنه - فكان أقام بمكة، وعاذ بالبيت بعد موت معاوية (١) ((المنتقى)) (٣٠٨/٧). (٢) ((فتح الباري)) (١٣ /١٩٤). ٤٤٤ ٥٦ - كتاب البيعة (١) باب (١٧٨١) حديث - رضي الله عنه - وامتنع من البيعة ليزيد بن معاوية، فجهّز إليه يزيد الجيوش مرة بعد أخرى، فمات يزيد وجيوشه محاصرون ابن الزبير. ولم يكن ابن الزبير ادّعى الخلافة حتى مات يزيد في ربيع الأول سنة ٦٤هـ، فبايعه الناس بالخلافة بالحجاز، وبايع أهل الآفاق لمعاوية بن يزيد، فلم يعش إلا نحو أربعين يوماً ومات، فبايع معظم الآفاق لابن الزبير، وانتظم له ملك الحجاز واليمن ومصر والعراق والمشرق كله، وجميع بلاد الشام حتى دمشق، ولم يتخلف عن بيعته إلا جميع بني أمية ومن يهوي هواهم، وكانوا بفلسطين، فاجتمعوا على مروان بن الحكم فبايعوه بالخلافة، وخرج بمن أطاعه إلى دمشق، والضحاك بن قيس قد بايع فيها لابن الزبير فاقتتلوا، فقتل الضحاك في ذي الحجة منها، وغلب مروان على الشام، ثم لما انتظم له ملك الشام كله توجه إلى مصر فحاصر بها عبد الرحمن بن جحدر عامل ابن الزبير، حتى غلب عليها في ربيع الآخر سنة ٦٥هـ. ثم مات في سنته، فكانت مدة ملكه ستة أشهر، وعهد إلى ابنه عبد الملك بن مروان، فقام مقامه، وكمل له ملك الشام ومصر والمغرب، ولابن الزبير الحجاز والعراق والمشرق إلا أن المختار بن أبي عبيد غلب على الكوفة، وأقام على ذلك سنتين، فسار إليه مصعب بن الزبير أمير البصرة لأخيه، فحاصره حتى قتله في شهر رمضان سنة ٦٧هـ، وانتظم أمر العراق كله لابن الزبير إلى سنة ٧١هـ، فسار عبد الملك إلى مصعب، فقاتله فقتله في جمادى الآخرة منها، وملك العراق كله، ولم يبق مع ابن الزبير إلا الحجاز واليمن فقط، فجهّز إليه عبد الملك الحجّاج، فحاصره في سنة ٧٢هـ إلى أن قتل ابن الزبير في جمادى الأولى سنة ٧٣هـ. وكان عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - امتنع في تلك المدة أن يبايع لابن الزبير أو لعبد الملك، كما كان امتنع أن يبايع لعلي أو معاوية، ثم بايع ٤٤٥ ٥٦ - كتاب البيعة (١) باب (١٧٨١) حديث لمعاوية لما اصطلح مع الحسن بن علي - رضي الله عنهما - واجتمع عليه الناس، وبايع لابنه يزيد بعد موت معاوية لاجتماع الناس عليه، ثم امتنع من المبايعة لأحدٍ حالَ الاختلاف إلى أن قتل ابن الزبير، وانتظم الملك كله لعبد الملك، فبايع له حينئذٍ. وهذا معنى قوله: لما اجتمع الناس على عبد الملك، وأخرج يعقوب بن سفيان في ((تاريخه)) من طريق سعيد بن حرب العبدي، قال: بعثوا إلى ابن عمر - رضي الله عنه - لما بويع(١) ابن الزبير، فمدّ يده، وهي ترعد، فقال: والله ما كنت لأعطي بيعتي في فرقة، ولا أمنعها من جماعة، ثم لم يلبث ابن عمر - رضي الله عنه - أن توفي في تلك السنة بمكة، وكان عبد الملك وصى الحجّاج أن يقتدي به في مناسك الحج، فدسّ الحجاج عليه الحربةَ المسمومة، فكان ذلك سبب موته، اهـ. (١) كذا في الأصل والظاهر لما قتل، اهــ ((ش)). ٤٤٦ ٥٧ - كتاب الكلام (١) باب (١٧٨٢) حديث بسم الله الرحمن الرحيم ٥٧ - كتاب الكلام (١) باب ما يكره من الكلام ١/١٧٨٢ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَ قَالَ: ((مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا گَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا (١) ما يكره من الكلام ببناء المجهول، أي الكلام المكروه ١/١٧٨٢ - (مالك عن عبد الله بن دينار) العدوي (عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - قال ابن عبد البر: رواه ابن وهب عن مالك عن نافع عن ابن عمر، وهو صحيح لمالك عنه وعن ابن دينار جميعاً، كذا في ((التنوير))(١)، والحديث أخرجه البخاري(٢) في ((باب من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال)) برواية إسماعيل عن مالك عن ابن دينار نحوه. (أن رسول الله (وَّليل قال: من قال لأخيه) في الإسلام، أي قال لأخيه المسلم (كافر) بالرفع والتنوين في جميع نسخ ((الموطأ)) على أنه خبر مبتدأ محذوف، وفي رواية البخاري المذكورة ((يا كافر)) بالنداء (فقد باء) بالموحدة في أوله والهمزة في آخره، أي رجع (بها) أي بكلمة الكفر، وفي البخاري (به)) بالتذكير أي بالكفر، وقال الحافظ(٣): الضمير رجع إلى التكفيرة الواحدة التي هي أقل ما يدل عليها لفظ كافر، ويحتمل أن يعود إلى الكلمة، اهـ. (١) ((تنوير الحوالك)) (ص٧٠٨). (٢) (٦١٠٤) من كتاب الأدب. (٣) ((فتح الباري)) (٥١٤/١٠). ٤٤٧ ٥٧ - كتاب الكلام (١) باب (١٧٨٢) حدیث أَحَدُهُمَا)) . أخرجه البخاريّ في: ٧٨ - كتاب الأدب، ٧٣ - باب من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال. (أحدهما) قال الباجي(١): قال عيسى بن دينار ويحيى بن يحيى في ((المزنية)): معناه إن كان المقول له كافراً فهو كما قال، وإن لم يكن المقول له كافراً خيف على القائل أن يصير كافراً، لقوله: لأخيه كافر، يريد أنه يخاف عليه أن يكفره بحق مشروع يكفر جاحده، فيصير بذلك كافراً، وهذا معنى ما روى مطرف عن مالك، وقيل: معنى قوله: ((باء به أحدهما)) يريد وزر هذا القول على قائله إن لم يكن المقول له كافراً، اهـ. وقال القسطلاني(٢): قوله: ((باء به أحدهما))، لأنه إن كان القائل صادقاً في نفس الأمر، فالمرمي كافر، وإن كان كاذباً، فقد جعل الرامي الإيمان كفرا، فقد كفر، كذا حمله البخاري على تحقق الكفر على أحدهما بمقتضى الترجمة، ولذا ترجم عليه مقيداً بغير تأويل، اهـ. يعني هذا المراد بقول البخاري في الترجمة ((من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال)). قال القسطلاني: وحمله بعضهم على الزجر والتغليظ، فيكون ظاهره غير مراد، اهـ. وفي ((الزرقاني))(٣): قال ابن عبد البر: أي احتمل الذنب في ذلك القول أحدهما، وقال أشهب: سئل مالك عن هذا الحديث، فقال: أرى ذلك في الحرورية قيل: أتراهم بذلك كفاراً؟ قال: ما أدري ما هذا، اهـ. وقال النووي(٤): هذا الحديث مما عده بعض العلماء من المشكلات من (١) ((المنتقى)) (٣٠٨/٧). (٢) (إرشاد السارى)) (١٣٤/١٣). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٤٠٠/٤). (٤) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٤٩/٢). ٤٤٨ ٥٧ - كتاب الكلام (١) باب (١٧٨٢) حديث حيث إن ظاهره غير مراد، وذلك لأن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر المسلم بالمعاصي، كالقتل والزنا، وكذا قوله: لأخيه كافر من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام، وإذا عرف هذا فقيل: في تأويل الحديث أوجهٌ؛ أحدها: أنه محمول على المستحِلّ لذلك وهذا يكفر، الثاني: رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تفكيره، الثالث: محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين، وهذا نقله القاضي عياض عن الإمام مالك، وهو ضعيف؛ لأن المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون والمحققون: إن الخوارج لا يكفرون، كسائر أهل البدع. الرابع: أن ذلك يؤول به إلى الكفر، لأن المعاصي بريد الكفر، ويخاف على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها الكفر، الخامس: معناه رجع عليه تكفيره، كأنه كفَّر نفسه، لأنه كَفَّرَ من هو مثله، انتهى مختصراً. قال الحافظ: (١) قوله: ((باء)) أي رجع، وقال النووي: اختلف في تأويل هذا الرجوع، فقيل: رجع عليه الكفر إن كان مستحلاً، وهذا بعيد من سياق الخبر، وقيل: محمول على الخوارج، لأنهم يكفرون المؤمنين، هكذا نقله عياض عن مالك، وهو ضعيف، لأن الصحيح عند الأكثرين أن الخوارج لا يكفرون ببدعتهم، قال الحافظ: لما قاله مالك وجه، وهو أن منهم من يكفر كثيراً من الصحابة لمن شهد له رسول الله وسلم بالجنة وبالإيمان، فيكون تكفيرهم من حيث تكذيبهم للشهادة المذكورة، لا من مجرد صدور التكفير منهم بتأويل، والتحقيق أن الحديث سيق لزجر المسلم من أن يقول ذلك لأخيه المسلم، وذلك قبل وجود فرقة الخوارج وغيرهم. وقيل: معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره، وهذا لا بأس به، وقيل: يُخشى عليه أن يؤول به ذلك إلى الكفر، كما قيل: المعاصي بريد الكفر، فيخاف عليه من أدامها وأصرّ عليها سوء الخاتمة. (١) ((فتح الباري)) (٤٦٦/١٠). ٤٤٩ ٥٧ - كتاب الكلام (١) باب (١٧٨٣) حديث ٢/١٧٨٣ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ قَالَ: ((إِذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ وأرجح من الجميع أن من قال ذلك لمن يعرف منه الإسلام، ولم يقم له شبهة في زعمه أنه كافر، فإنه يكفر بذلك كما سيأتي تقريره، فمعنى الحديث فقد رجع عليه تكفيره، فالراجع التكفير لا الكفر، فكأنه كفر نفسه لكونه كفّر من هو مثله، ومن لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام. ويؤيده أن في بعض طرق الحديث ((وجب الكفر على أحدهما))، وقال القرطبي: حيث جاء الكفر في لسان الشرع، فهو جحد المعلوم من دين الإسلام بالضرورة الشرعية، وقد ورد الكفر في الشرع بمعنى جحد النعم وترك شكر المنعم، كما في حديث أبي سعيد ((يكفرن الإحسان ويكفرن العشير)) قال: وقوله: ((باء بها أحدهما)) أي رجع بإثمها، ولازم ذلك، وأصل البوء اللزوم، ومنه أبوء بنعمتك، أي ألزمها نفسي وأقرّ بها . والحاصل أن المقول له إن كان كافراً شرعياً فقد صدق القائل، وذهب بها المقول له، وإن لم يكن رجعت للقائل معرّةُ ذلك القول وإثمه، وهو من أعدل الأجوبة، وقد أخرج أبو داود عن أبي الدرداء بسند جيد رفعه: ((إن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء بدونها، ثم تهبط إلى الأرض، فتأخذ يمنة ويسرة، فإن لم تجد مساغاً رجعت إلى الذي لُعِن، فإن كان أهلاً وإلا رجعت إلى قائلها)) وله شاهد عند أحمد من حديث ابن مسعود بسند حسن، وآخر عند أبي داود والترمذي عن ابن عباس، ورواته ثقات، لكنه أعلّ بالإرسال، اهـ. ٢/١٧٨٣ - (مالك عن سهيل) بضم السين المهملة مصغراً (ابن أبي صالح عن أبيه) أبي صالح ذكوان السمان (عن أبي هريرة) والحديث أخرجه مسلم بطرق، منها عن حماد بن سلمة عن سهيل وعن يحيى بن يحيى عن مالك عن سهيل (أن رسول الله بصير قال: إذا سمعت) بصيغة الخطاب (الرجل) ليس ٤٥٠ ٥٧ - كتاب الكلام (١) باب (١٧٨٣) حدیث يَقُولُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ)). أخرجه مسلم في: ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب، ٤١ - باب النهي عن قول: هلك الناس، حديث ١٣٩. للاحتراز، فالأنثى مثله (يقول) وفي رواية مسلم المذكورة ((إذا قال الرجل)) (هلك الناس فهو أهلكهم) قال الباجي(١): قال ابن القاسم عن مالك: معناه هو أفشلهم وأرذلهم أن يقول ذلك بمعنى هو خير منهم، اهـ. زاد في رواية مسلم قال أبو إسحاق: لا أدري أهلكهم بالنصب أو بالرفع، قال النووي: روي على الوجهين المشهورين، رفع الكاف وفتحها، والرفع أشهر، ويؤيده أنه جاء في رواية ((حلية الأولياء)) في ترجمة سفيان الثوري فهو من أهلكهم، قال الحميدي في ((الجمع بين الصحيحين)): الرفع أشهر، ومعناه أشدهم هلاكاً، وأما رواية الفتح، فمعناه هو جعلهم هالكين، لا أنّهم هلكوا في الحقيقة. قال الزرقاني(٢): إذا قال إعجاباً بنفسه، وتيهاً بعلمه أو عبادته فهو أهلكهم، أي أشدّهم هلاكاً لما يلحقه من الإثم في ذلك القول، أو أقربهم إلى الهلاك لذمه الناس، وذكر عيوبهم وتكبره، وروي بفتح الكاف فعل ماض، أي أنه هو نسبهم إلى الهلاك، لا أنهم هلكوا حقيقة، أو لأنه أقنطهم عن رحمة الله وآيسهم عن غفرانه، اهـ. واتفق العلماء على أن هذا الذم إنما هو فيمن قاله على سبيل الإزراء للناس واحتقارهم، وتفضيل نفسه عليهم وتقبيح أحوالهم؛ لأنه لا يعلم سر الله في خلقه، قالوا: فأما من قال ذلك تحزناً لما يرى في نفسه وفي الناس من النقص في أمر الدين، فلا بأس عليه، كما قال أنس - رضي الله عنه -: لا (١) ((المنتقى)) (٣٠٩/٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٤٠٠/٤). ٤٥١ ٥٧ - كتاب الكلام (١) باب (١٧٨٤) حديث ٣/١٧٨٤ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ أعرف من أمر النبي ◌َل# إلا أنهم يصلون جميعاً، هكذا فسره الإمام مالك، وتابعه الناس عليه. وقال الخطابي(١): لا يزال الرجل يعيب الناس، ويذكر مساويهم، ويقول: فسد الناس وهلكوا، ونحو ذلك، فإذا فعل ذلك، فهو أهلكهم، أي أسوأ حالاً منهم بما يلحقه من الإثم في عيبهم، والوقيعة فيهم، وربما أدى ذلك إلى العجب بنفسه ورؤيته أنه خير منهم، اهـ. والحديث أخرجه أبو داود(٢) برواية القعنبي عن مالك بلفظ «الموطأ)»: ((إذا سمعت الرجل)) وزاد في آخره: قال أبو داود: قال مالك: إذا قال ذلك تحرُّناً لما يرى في الناس، يعني في أمر دينهم، فلا أرى به بأساً، وإذا قال عجباً بنفسه وتصاغراً للناس، فهو المكروه الذي نهي عنه، وهكذا حكى الباجي عن مالك، وزاد في آخره: قال: فإن قاله توجعاً على الناس وعلى من هلك من أهل العلم والدين فلا شيء عليه، ونحن نرجو أن يؤجر على ذلك، اهـ. وقال الزرقاني: قال ابن رسلان: قد يكون هذا على جهة الوعظ والتذكير، ليقتدي اللاحق بالسابق، فيجتهد المقصر ويتدارك المفرط، كما قال الحسن: أدركت أقواماً لو رأوكم لقالوا: لا يؤمنون بيوم الحساب، اهـ. وأفاد شيخ مشايخنا الدهلوي في ((المسوّى))(٣) فقال: وعندي للحديث معنى آخر، وهو أن يخالف جمهور المسلمين وعامة حملة أهل العلم، ويخترع قولاً غير قولهم، ثم يقدم على الإنكار عليهم والطعن فيهم، اهـ. ٣/١٧٨٤ - (مالك عن أبي الزناد) بزاي مكسورة عبد الله بن ذكوان (عن (١) ((معالم السنن)) (٤٢٢/٤). (٢) أخرجه أبو داود (٤٩٨٣)، ومسلم (٢٦٢٣)، والبخاري في الأدب المفرد)) (٧٥٩). (٣) (٤٠١/٢). ٤٥٢ ٥٧ - كتاب الكلام (١) باب (١٧٨٤) حدیث الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَ قَالَ: ((لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: يا خَيْبَةُ الدَّهْرِ، الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) - رضي الله عنه -، والحديث أخرجه البخاري بروايات عديدة وألفاظ مختلفة عن أبي هريرة، منها برواية الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة رفعه: ((لا تسموا العنب الكرم، ولا تقولوا: خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر)). وترجم عليه البخاري ((باب لا تسبوا الدهر)). قال الحافظ(١): هذا اللفظ أخرجه مسلم من رواية ابن سيرين عن أبي هريرة (أن رسول الله وَالر قال: لا يقل) كذا في جميع النسخ المصرية، وفي الهندية ((لا يقولن)) بنون التأكيد، وظاهر كلام الزرقاني أن الأول رواية يحيى إذ قال: قوله: ((لا يقل)) بالجزم على النهي، وفي رواية ((لا يقولن)) بنون التوكيد الثقيلة، اهـ. (أحدكم يا خيبة الدهر) بالنصب، أي يا حرمانه، بخاء معجمة وموحدة مفتوحتين بينهما تحتية ساكنة وهي الحرمان والخسران، قال الحافظ: هي بالنصب على الندبة، كأنه فقد الدهر لما يصدر عنه مما يكره، فندبه متوجعاً عليه أو متوجعاً منه، وقال الداودي: هو دعاء على الدهر بالخيبة، وهو كقولهم: قحط الله نوءها يدعون على الأرض بالقحط، وهي كلمة هذا أصلها، ثم صارت تقال لكل مذموم. ووقع في مسلم في رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة بلفظ: ((وادهره وادهره)) ومعنى النهي عن سَبِّ الدهر أن من اعتقد أنه الفاعل للمكروه فسبه أخطأ، فإن الله هو الفاعل، فإذا سببتم من أنزل ذلك بكم رجع السب إلى الله عز اسمه، اهـ. قال الباجي(٢): قوله: ((لا يقل: يا خيبة الدهر)) يريد خيبتي من حاجتي (١) ((فتح الباري)) (٥٦٥/١٠). (٢) ((المنتقى)) (٣٠٩/٧). ٤٥٣ ٥٧ - كتاب الكلام (١) باب (١٧٨٤) حديث فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ)). أخرجه البخاريّ في ٧٨ - كتاب الأدب، ١٠١ - باب لا تسبوا الدهر. ومسلم في: ٤٠ - كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، ١ - باب النهي عن سب الدهر، حديث ٤. التي طلبتها، فنسب الخيبة إلى الدهر وتظلم منه، فنهوا عن ذلك، لأن المانع هو الله سبحانه، فإذا تظلمتم من المانع، فإنما يقع تظلمكم من الله عز وجل لأنه هو المانع، وذلك أن العرب كانت تضيف إلى الدهر ما يصيبه، قال تبارك وتعالى: ﴿مَا هِىَ إِلَّا حَيَانُنَ الدُّنْيَا نَمُوتُ وَتَخْيَا وَمَا يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ﴾(١)، فأكذبهم الله عز وجل بقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلٌّ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُونَ﴾ (٢)، اهـ. قال الحافظ(٣): قال المحققون: من نسب شيئاً من الأفعال إلى الدهر حقيقة كفر، ومن جرى هذا اللفظ على لسانه غير معتقد لذلك، فليس بكافر، لكنه يكره له ذلك لشبهه بأهل الكفر في الإطلاق، وهو مثل ما قالوا في قولهم: مطرنا بكذا، اهـ. (فإن الله هو الدهر) هكذا في جميع نسخ ((الموطأ)) من المصرية والهندية، كذا في ((التجريد)) و((التنوير)) وغيره. وقال الحافظ في ((الفتح)): وقع في رواية يحيى بن يحيى الليثي عن مالك، فإن الدهر هو الله، قال ابن عبد البر: خالف جميع الرواة عن مالك وجميع رواة الحديث مطلقاً، فإن الجميع قالوا: فإن الله هو الدهر، اهـ. قال الباجي(٤): لم يرد بذلك أنه تعالى هو الدهر، ولا أن الدهر اسم من أسمائه تعالى، لكن العرب تستعمل ذلك، وكذلك إذا تظلمت لزيد جاز لعمرو (١) سورة الجاثية: الآية ٢٤. (٢) سورة الجاثية: الآية ٢٤. (٣) ((فتح الباري)) (٥٦٦/١٠). (٤) ((المنتقى)) (٣٠٩/٧). ٤٥٤ ٥٧ - كتاب الكلام (١) باب (١٧٨٤) حديث أن يقول: أنا زيد الذي تظلمت منه، بمعنى أنه بي يصل إلى ذلك، وأن الفعل وقع مني لا من زيد، فيصف نفسه بزيد لهذا المعنى، اهـ. وقال النووي(١): قال العلماء: هو مجاز، وسببه أن العرب كان شأنها أن تسب الدهر عند النوازل والحوادث النازلة بها من موت أو هرم أو تلف مال أو غير ذلك، فيقول: يا خيبة الدهر ونحو هذا من ألفاظ سبّ الدهر، فإن الله هو الدهر، فقال النبي وله: ((لا تسبوا الدهر))، أي لا تسبوا فاعل النوازل، فإنكم إذا سبيتم فاعلها وقع السب على الله تعالى، لأنه هو فاعلها ومنزلها، اهـ. وقال الحافظ(٢): ومحصل ما قيل في تأويله ثلاثة أوجه، أحدها: أن المراد بقوله: إن الله هو الدهر، أي المدبر للأمور، ثانيها: أنه على حذف مضاف، أي صاحب الدهر، ثالثها: التقدير مقلب الدهر، ولذلك عقّبه في رواية: ((بيدي الليل والنهار))، وفي رواية أحمد بلفظ: ((بيدي الليل والنهار أجدّده وأبليه وأذهب بالملوك)). قال عياض: زعم بعض من لا تحقيق له أن الدهر من أسماء الله تعالى، وهو غلط، فإن الدهر مدة زمان الدنيا، وعرفه بعضهم بأنه أمد مفعولات الله تعالى في الدنيا أو فعله لما قبل الموت. وقد تمسك الجهلة من الدهرية والمعطلة بظاهر هذا الحديث، واحتجوا به على من لا رسوخ له في العلم، لأن الدهر عندهم حركات الفلك وأمد العالم، ولا شيء عندهم، ولا صانع سواه، وكفى في الردّ عليهم قوله في بقية الحديث: ((أنا الدهر أقلب ليله ونهاره)) فكيف يقلب الشيء نفسه؟ تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً . وفي ((المحلى)): في لفظ الحديث جواز إطلاق الدهر على الله تعالى، وحجة على الخطابي حيث أنكر ذلك، وبني عليه تخطئة الرفع في حديث ((أنا الدهر))، اهـ. (١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٣/١٥/٨). (٢) «فتح الباري)) (١٠/ ٥٦٥). ٤٥٥ ٥٧ - كتاب الكلام (١) باب (١٧٨٥) حدیث ٤/١٧٨٥ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ لَقِيَ خِنْزِيراً بِالطَّرِيقِ. فَقَالَ لَهُ: انْفُذْ بِسَلَامِ، فَقِيلَ لَهُ: تَقُولُ هُذَا لِخِنْزِيرِ؟ فَقَالَ عِيسُى: إِنِّي أَخَافُ أَنْ أُعَوِّدَ لِسَأَنِي النُّطْقَ بِالسُّوءِ. ٤/١٧٨٥ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أن عيسى بن مريم) على نبينا وعليه الصلاة والسلام، (لقي خنزيراً) بكسر الخاء المعجمة وسكون النون، جمعه خنازير، وهو عند أكثر أهل اللغة رباعيٌّ، وحكى ابنُ سيده عن بعضهم أنه مشتق من خزر العين، لأنه كذلك ينظر، فهو على هذا ثلاثيٍّ، يقال: تخازر الرجل إذا ضيق عينه ليحدد النظر، كذا قاله الدميري(١)، زاد في النسخ المصرية (بالطريق) وليس هذا في الهندية (فقال) عيسى عليه السلام (له: انفذ) بضم الهمزة وضم الفاء وبذال معجمة أي امض (بسلام) أي بسلامة مني، فلا أوذيك، وفي ((المحلى)) عن ((النهاية)): أي امض سالماً، وبه ترجم شيخ مشايخنا في ((المصفى)). وقال الباجي(٢): يحتمل أن يريد بسلامة لك منا، كما قال نبينا وَل بمنى في الحية: ((وُقِيتْ شركم، كما وقيتم شرها)) ويحتمل أن يريد بسلام تحية منا عليك وعلى أنفسنا إذ لم يكن ممن يرد التحية، وهذا أشبه بقولهم: تقول هذا الخنزير لهجنته في أنفسهم أو لتحريمه، اهـ. قلت: وهذا الثاني هو الأوفق السياق الرواية، وإن كان الأول موافقاً لقول عامة الشراح. (فقيل له: تقول هذا) القول (الخنزير؟) وهو نجس العين (فقال عيسى بن مريم) على نبينا وعليه الصلاة والسلام (إني أخاف أن أعوّد) بضم الهمزة وفتح العين وكسر الواو المشددة (لساني) أي أجعل لساني معتاداً (المنطق) بالنصب على المفعولية مصدر ميمي (بالسوء) أي لو قلت له كلاماً قبيحاً صار لساني معتاداً للكلام السوء. (١) ((حياة الحيوان)) (٤٢٣/١). (٢) ((المنتقى)) (٣٠٩/٧). ٤٥٦ ٥٧ - كتاب الكلام (٢) باب (٢) باب ما يؤمر به من التحفظ في الكلام ٥/١٧٨٦ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، قال الباجي: يريد أن للعوائد تأثيراً، وجرت إلى ما جرت عليه من خير أو شر بعمد أو سهو، فأراد عليه السلام أن يُطَهِّرَ لسانه من منطق سوء ربما سبق إليه مع سهو أو غفلة، أو أراد أن يعظ بذلك من حضره، وقد استحب مالك - رضي الله عنه - استعمال حسن الألفاظ، واجتناب ذكر ما يكره سماعه، وأن يكنى عنه بغير ذلك، اهـ. (٢) ما يؤمر به - ببناء المجهول - من التحفظ في الكلام والفرق بين هذه الترجمة وبين السابقة ظاهر، فإن في الأولى بعض أمثلة الكلام المكروه، وفي هذه الترجمة التنبيه على الاحتياط في الكلام مطلقاً حتى لا يدخله النار، وترجم البخاري في ((صحيحه))(١) «باب حفظ اللسان ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، وقول الله تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّ لَدَيْهِ رَقِيْبُ عِدٌ (®َ))))(٢). قال الحافظ(٣): قوله: حفظ اللسان، أي عن النطق بما لا يسوغ شرعاً مما لا حاجة للمتكلم به، وقد أخرج أبو الشيخ في ((كتاب الثواب)) والبيهقي في ((الشعب)) من حديث أبي جحيفة رفعه: ((أحب الأعمال إليّ حفظ اللسان)»، اهـ. ٥/١٧٨٦ - (مالك عن محمد بن عمرو) بفتح العين المهملة (ابن علقمة) الليثي، قال ابن عبد البر في ((التجريد)) (٤): ليس لمالك عن محمد بن عمرو من (١) (٢٣٥/٧). (٢) سورة ق: الآية ١٨. (٣) ((فتح الباري)) (٣٠٨/١١). (٤) (ص١٦٠). ٤٥٧ ٥٧ - كتاب الكلام (٢) باب (١٧٨٦) حديث عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَهِ قَالَ: ((إِنَّ الرَّجُلَ المسند غير هذا الحديث، وله عند آخر موقوفاً في الذي يرفع رأسه قبل الإمام (عن أبيه) عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، رقم له الحافظ للترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال: روى عن أبيه عن بلال بن الحارث حديث ((إن الرجل ليتكلم)) الحديث، وعنه ابنه محمد ذكره ابن حبان في ((الثقات))، أخرجوا له الحديث المذكور، صححه الترمذي وابن حبان، اهـ. (عن بلال بن الحارث المزني) صاحب المعادن القبلية، قال ابن عبد البر في ((التجريد)): قد ذكرنا العلة في إسناد هذا الحديث في ((التمهيد))(١)، اهـ. وفي ((التنوير)) (٢): قال ابن عبد البر: تابع مالكاً على ذلك الليث بن سعد وابن لهيعة لم يقولا عن جده، ورواه ابن عيينة وآخرون عن محمد بن عمرو عن أبيه عن جده عن بلال، وهو الصواب، وإليه مال الدارقطني، وكذا رواه أبو سفيان عبد الرحمن بن عبد رب اليشكري عن مالك فقال: عن جده، اهـ. قلت: أخرجه الترمذي(٣) برواية عبدة عن محمد بن عمرو ثني أبي عن جدي، قال: سمعت بلال بن الحارث، قال الترمذي: هكذا روى غير واحد عن محمد بن عمرو نحو هذا، وقالوا: عن محمد بن عمرو عن أبيه عن جده عن بلال، وروى مالك - رضي الله عنه - هذا الحديث عن محمد بن عمرو عن أبيه عن بلال، ولم يذكر فيه عن جده، اهـ. (أن رسول الله ﴿ ﴿ قال) قال القاري(٤): رواه مالك وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن بلال مرفوعاً، اهـ. (إن الرجل) (١) (٤٩/١٣). (٢) (تنوير الحوالك)) (ص٧٠٩). (٣) ((سنن الترمدي)) (٥٥٩/٤). (٤) ((مرقاة المفاتيح)) (١٤٧/٩). ٤٥٨ ٥٧ - كتاب الكلام (٢) باب (١٧٨٦) حدیث لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ. مَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ. يَكْتُبُ اللهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمٍ يَلْقَاهُ. وكذا المرأة (ليتكلم) بزيادة اللام في أوله (بالكلمة) قال الحافظ: أي الكلام المشتمل على ما يفهم الخير والشر، سواء طال أم قصر، كما يقال: كلمة الشهادة، وكما يقال للقصيدة: كلمة فلان، اهـ. قلت: وظاهر السياق أن المراد بها ههنا ما قصر من الكلام جداً، فالمراد الكلمة الواحدة اليسيرة التي لا يراها المتكلم شيئاً (من رضوان الله) تعالى، من بيانية، أي مما يرضى الله تعالى (ما) نافية (كان يظن) المتكلم (أن تبلغ) هذه الكلمة (ما بلغت) ما موصول مفعول تبلغ أي لا يظن المتكلم لقلة الكلمة أن تبلغ هذا المقدار. وفي ((المشكاة))(١) برواية ((شرح السنة)) عن بلال ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة من الخير ما يعلم مبلغها)) قال القاري: أي قدر تلك الكلمة ومرتبتها عند الله تعالى، والجملة حالية أي والحال أنه يظن أنها يسيرة قليلة، وهو عند الله عظيمة جليلة، اهـ. قال الباجي(٢): قال ابن عيينة في تفسير هذا الحديث: هي الكلمة عند السلطان الظالم ليرده بها عن ظلمه في إراقة دم أو أخذ مال، أو ليصرفه عن معصية الله تعالى، أو يعين ضعيفاً لا يستطيع بلوغ حاجته إليه، اهـ. (يكتب الله) تعالى (له بها) أي بتلك الكلمة (رضوانه) قال القاري: بكسر الراء ويضم أي رضاه، وهو يحتمل أن يكون من باب إضافة المصدر إلى فاعله أو مفعوله، والأول أظهر لمقابلة القرينة الآتية، اهـ. (إلى يوم يلقاه) كذا في النسخ المصرية، و((المحلى))، وفي النسخ الهندية (١) (٣٦٠/٣) رقم الحديث (٤٨٣٣). (٢) ((المنتقى)) (٣١٠/٧). ٤٥٩ ٥٧ - كتاب الكلام (٢) باب (١٧٨٦) حديث وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ، مَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ. ((إلى يوم القيامة يلقاه))، والظاهر أنه تحريف من الناسخ، كانت نسختين في الأصل جمعهما الناسخ، فإن المراد ((بيوم يلقاه)) هو يوم القيامة، والغاية إشارة إلى الدوام أي يديم رضاه عليه فلا يسخط عليه أبداً، وفي ((المحلى)): أي بقية عمره فيقبض على الإسلام، ولا يعذب في قبره، ولا يهان في حشره، اهـ. قال القاري(١): يوم بكسر الميم في أكثر النسخ، وبفتحها في بعضها، وبالتنوين في بعضها، والضمير البارز في يلقاه يحتمل أن يكون إلى اليوم والمستتر إلى الرجل، ويمكن عكسه تجوزاً، ويمكن أن يكون أحد الضميرين إلى الله عز وجل والآخر إلى الرجل، اهـ. قال الطيبي(٢): إن قلت: ما فائدة التوقيت إلى يوم القيامة؟ قلت: معنى كتبه رضوان الله توفيقه لما يرضى الله تعالى من الطاعات والمسارعة إلى الخيرات، فيعيش في الدنيا حميداً، وفي البرزخ يصان من عذاب القبر، ويحشر في القيامة سعيداً، ثم يلقى بعد ذلك من الكرامة، اهـ. (وإن الرجل ليتكلم بالكلمة) الواحدة القليلة (من سخط الله) مصدر بمعنى اسم الفاعل، أي من الكلام المسخط المغضب الله عز وجل، قال الزرقاني(٣): وهو حال من الكلمة وصفة، لأن اللام جنسية (ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت) قال الباجي: يريد لا يعبأ بها ويستخفها فلا يعاجل الندم عليها والتوبة منها، اهـ. ولفظ ((المشكاة)): ((وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من الشر ما يعلم مبلغها)). قال الباجي: يعني في عونه على الجور والإثم وتزيينه له بما يسخط الله (١) (٩/ ١٤٧). (٢) ((شرح الطيبي)) (٣١٢١/١٠). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٤٠٢/٤). ٤٦٠