Indexed OCR Text
Pages 341-360
٥٥ - كتاب الاستئذان (١٠) باب (١٧٦٠) حديث حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةً. الأخدعين والكاهل، وفي ((الصحيحين)) عنه كان رسول الله مثل﴿ يحتجم ثلاثاً، واحدة على كاهله، واثنتين على الأخدعين(١)، وفي (الصحيح)) عنه أنه احتجم، وهو محرم في رأسه لصُداع كان به، وفي ((سنن ابن ماجه)) عن علي رضي الله عنه نزل جبرئيل على النبي وقلوبحجامة الأخدعين والكاهل، وفي ((سنن أبي داود)) من حديث جابر أن النبي ◌ُّر احتجم في وركه من وثي كان به، اهـ. وتقدم في كتاب الحج احتجامه ولة على وسط رأسه، وعلى ظهر القدم، وتقدم هناك البحث على احتجام المحرم، وتقدم في ((كتاب الصيام)) الكلام على احتجام الصائم. (حجمه أبو طيبة) بفتح الطاء المهملة والموحدة بينهما تحتية ساكنة، قال الحافظ في ((الفتح))(٢): اسمه نافع على الصحيح، فقد روى أحمد وابن السكن والطبراني من حديث محيصة بن مسعود ((كان له غلام حجام، يقال له: نافع أبو طيبة، فانطلق إلى النبي (﴿ ﴿ يسأله عن خراجه، فقال: اعلفه الناضح))، الحديث، وحكى ابن عبد البر في اسم أبي طيبة أنه دينار، ووهموه في ذلك؛ لأن ديناراً الحجَّام تابعيٌّ، روى عن أبي طيبة، لا أنه اسم أبي طيبة، أخرج حديثه ابن منده من طريق بسام الحجام، عن دينار الحجام، عن أبي طيبة الحجام. قال: ((حجمت النبي (وَل98)) الحديث، وبذلك جزم أبو أحمد الحاكم في ((الكنى)) أن دينار الحجام يروي عن أبي طيبة لا أنه أبو طيبة نفسه، وذكر البغوي في ((الصحابة)) بإسناد ضعيف أن اسم أبي طيبة ميسرة. وفي ((الإصابة))(٣): ذكر البغوي في ((معجم الصحابة)) عن أحمد بن (١) لقد وهم الشيخ ابن القيم رحمه الله في نسبة هذا الحديث إلى ((الصحيحين)) فإنَّهُمَا لم يخرجاه ولا أحدهما، وإنما أخرجه أحمد وأصحاب السنن، انظر ((مسند أحمد)» (١١٩/٣) ح (١٢١٩١). (٢) ((فتح الباري)) (٤٥٩/٤). (٣) (١١١/٧). ٣٤١ (١٧٦٠) حديث ٥٥ - كتاب الاستئذان فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وََّ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ (١٠) باب عبيد بن أبي طيبة أنه سأله عن اسم جده أبي طيبة، فقال: ميسرة، وقال العسكري: قيل: اسمه نافع، ولا يصح، ولا يعرف اسمه، وذكر ابن الحذّاء في رجال ((الموطأ)) أنه عاش مائة وثلاثاً وأربعين سنة، اهـ بزيادة من ((الإصابة)). (فأمر له) أي لأبي طيبة (رسول الله وَلهو بصاع من تمر) أجرة الحجامته. هكذا أخرجه البخاري في البيوع من حديث عبد الله بن يوسف عن مالك بتعيين الصاع، وأخرج في الإجارة برواية سفيان عن حميد الطويل بالشك بلفظ: ((فأمر له بصاع أو صاعين من تمر))، وبرواية شعبة عن حميد بلفظ: ((أمر له بصاع أو صاعين أو مد أو مدين))، قال الحافظ(١): شك من شعبة، وتقدم في رواية سفيان على الشك أيضاً، ولم يتعرض فيه للمد، وتقدم في البيوع من رواية مالك: ((فأمر له بصاع من تمر)) ولم يشك فيه، وأفاد تعيين ما في الصاع، وأخرج الترمذي وابن ماجه من حديث علي - رضي الله عنه - قال: أمرني النبي ◌َ ل﴿ فأعطيت الحجام أمره، فأفاد تعيين من باشر العطية، اهـ. (وأمر) النبي ◌َّر (أهله) ولفظ حديث سفيان عن حميد عن البخاري: وكلم مواليه فخفف غلته أو ضريبته، وفي ((المحلى)): هم بنو حارثة على الصحيح، وقيل: بنو بياضة، اهـ. وقال الحافظ: ومواليه بنو حارثة على الصحيح، ومولاه منهم محيصة بن مسعود، كما تقدم قريباً، وإنما جمع الموالي مجازاً، كما يقال: بنو فلان قتلوا رجلاً، ويكون القاتل منهم واحداً، وأما ما وقع في حديث جابر أنه مولى بني بياضة فهو وهم، فإن مولى بني بياضة آخر يقال له: أبو هند، اهـ. (١) ((فتح الباري)) (٤٦٠/٤). ٣٤٢ ٥٥ - کتاب الاستئذان (١٠) باب (١٧٦١) حديث أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ. صَلى الله وَستم ٢٧/١٧٦١ - وحدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: (أن يخففوا عنه) ببناء المعلوم من التخفيف (من خراجه) قال الزرقاني(١): بفتح الخاء المعجمة ما يقرره السيد علي عبده أن يؤديه إليه كل يوم أو شهر أو نحو ذلك، اهـ. قال الحافظ(٢): ويقال له: الضريبة، وغلة بالغين المعجمة، وأجر، قال: ولابن أبي شيبة أنه وَلّ قال للحجام: ((كم خراجك؟)) قال: صاعان، قال: فوضع عنه صاعاً، وكان هذا السبب في الشك الماضي، يعني في الأجرة، وفي حديث ابن عمر عند ابن أبي شيبة ((أن خراجه كان ثلاثة آصع))، وكذا لأبي يعلى عن جابر، فإن صح جمع بينهما بأنه كان صاعين وزيادة، فمن قال: صاعين ألغى الكسر، ومن قال: ثلاثة جبره، اهـ. وفي ((المحلى)): كان خراجه ثلاثة آصع، فوُضِعَ عنه لهذه الشفاعة صاعٌ، بَيَّنَه حديث ابن عمر في ((الشمائل))، وصحَّ في رواية ((أن خراجه صاعان))، اهـ. ١٧٦١/ ٢٧ - (مالك أنه بلغه أن رسول الله وَ ليل قال) قال ابن عبد البر في ((التجريد))(٣): هذا يحفظ معناه من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة، ومن حديث حميد عن أنس، ومن حديث سمرة، والألفاظ مختلفة، اهـ. قلت: أخرج البخاري(٤) من حديث حميد عن أنس: أنه سئل عن أجر الحجام؟ فقال: احتجم رسول الله وَلقر، حجمه أبو طيبة، وأعطاه صاعين من (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٨٣/٤). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (٤٥٨/٤ - ٤٦٠). (٣) انظر: (ص٢٥٢) و((الاستذكار)) (٢٤٠/٢٧). (٤) ح (٥٦٩٦). ٣٤٣ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٠) باب (١٧٦١) حديث ((إِنْ كَانَ دَوَاءٌ يَبْلُغُ الذَّاءَ، فَإِنَّ الْحِجَامَةَ تَبْلُغُهُ)). طعام، وقال: ((إن أمثل ما تداويتم به الحجامة والقُسط البحريُّ))، وأخرج(١) عن عمر بن قتادة: أن جابراً عاد المقنَّعَ(٢)، ثم قال: لا أبرح حتى يحتجم، فإني سمعت رسول الله وَ 18 يقول: ((إن فيه شفاء)). (إن كان دواء) بالدال والواو مفرد الأدوية (يبلغ الداء) أي المرض (فإن الحجامة تبلغه) قال الزرقاني: أورده بصيغة الشرط المؤذن بعدم تحقق الخبر إيذانا بتحقيقه للسامعين، أي إن كنتم تحققتم أن من الدواء ما يبلغ الداء، فتحققوا أن الحجامة تبلغه، ويؤيد ذلك حديث البخاري عن ابن عباس مرفوعاً: ((الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكيّة نار، وما أحبّ أن أكتوي، وأنهى أمتي عن الكي))، فجزم بأن في الحجم الشفاء، أو الشرط على حقيقته قبل أن يعلم، فلما علم جزم، اهـ. وقال الباجي(٣): قوله وَله: ((إن كان دواء يبلغ الداء، فإن الحجامة تبلغه)) على معنى التحقيق للتداوي بها، وذلك في داء مخصوص يكون سببه كثرة الدم، اهـ. وقال الحافظ(٤) في حديث حميد عن أنس المذكور قريباً: ((إن أمثل ما تداويتم به الحجامة))، أخرجه النسائي مفرداً من طريق زياد وغيره عن حميد عن أنس بلفظ ((خير ما تداويتم به الحجامة))، ومن طريق معتمر عن حميد بلفظ (أفضل))، قال أهل المعرفة: الخطاب بذلك لأهل الحجاز، ومن كان في معناهم من أهل البلاد الحارة؛ لأن دماءهم رقيقة، وتميل إلى ظاهر الأبدان لجذب الحرارة الخارجة لها إلى سطح البدن. (١) ح (٥٦٩٧). (٢) المقنع: بقاف ونون ثقيلة مفتوحة هو ابن سنان تابعي. (٣) ((المنتقى)) (٢٩٨/٧). (٤) ((فتح الباري)) (١٥١/١٠). ٣٤٤ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٠) باب (١٧٦٢) حديث ٢٨/١٧٦٢ - وحدّثني مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ مُحَيِّصَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَحَدِ بَنِي حَارِثَةَ؛ ويؤخذ من هذا أن الخطاب أيضاً لغير الشيوخ لقلة الحرارة في أبدانهم. وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن ابن سيرين قال: إذا بلغ الرجل أربعين سنة لم يحتجم، قال الطبري: وذلك أنه يصير من حينئذ في انتقاص من عمره وانحلال من قوى جسده، فلا ينبغي أن يزيده وهياً بإخراج الدم، قال الحافظ: وهو محمول على من لم تتعين حاجته إليه وعلى من لم يعتدّ به. وقال أيضاً: قال الموفق البغدادي: الحجامة تنفع سطح البدن أكثر من الفصد، والفصد لأعماق البدن، والحجامة للصبيان، وفي البلاد الحارة أولى من الفصد، وآمن غائلة، وقد تغني عن كثير من الأدوية، ولهذا وردت الأحاديث بذكرها دون الفصد، ولأن العرب غالباً ما كانت تعرف إلا الحجامة . وقال صاحب ((الهدي))(١): التحقيق في أمر الفصد والحجامة أنهما يختلفان باختلاف الزمان والمكان والمزاج، فالحجامة في الأزمان الحارة والأمكنة الحارة، والأبدان الحارة التي دم أصحابها في غاية النضج أنفع، والفصد بالعكس، ولهذا كانت الحجامة أنفع للصبيان ولمن لا يقوى على الفصده اهـ. ٢٨/١٧٦٢ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن ابن محيصة الأنصاري) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الياء المسكورة وقد تسكن، كذا في ((المحلى)) و((الزرقاني)) (أحد بني حارثة) بحاء مهملة وثاء مثلثة بطن من الخزرج، كذا في ((الزرقاني))، وسيأتي في كلام الحافظ في ((الإصابة)) أنه قال: سعد بن محيصة الأنصاري الأوسي، اهـ. وكذا قال في ((الإصابة)) في ترجمة أبيه: محيصة بن مسعود الأنصاري الأوسي، اهـ. (١) ((زاد المعاد)) (٤٩/٤). ٣٤٥ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٠) باب (١٧٦٢) حديث أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللهِ وَله وقال في ترجمة أخيه: حويصة بن مسعود بن كعب بن عامر بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري، اهـ. فالظاهر عندي أنه بطن من الأوس لا الخزرج. (أنه استأذن رسول الله وَار) كذا في جميع النسخ. قال الزرقاني(١): قال ابن عبد البر: كذا قال يحيى في هذا الحديث عن ابن محيصة أنه استأذن رسول الله ◌َ﴾، وتابعه على ذلك القعنبي وابن القاسم، وذلك من الغلط الذي لا إشكال فيه عند أهل العلم، وليس لسعد بن محيصة صحبة، فكيف لابنه حرام؟ ولا يختلفون أن الذي روى عنه الزهري هذا الحديث، وحديث ناقة البراء هو حرام بن سعد بن محيصة، ورواه ابن وهب ومطرف وابن نافع وابن بكير والقعنبي، والأكثر في هذا الحديث عن مالك عن ابن شهاب عن ابن محيصة عن أبيه، وهو مع ذلك مرسل، وتابعه في قوله: عن أبيه يونس ومعمر وابن أبي ذئب وابن عيينة، ولم يتصل عن الزهري إلا من رواية محمد بن إسحاق عنه عن حرام بن سعد بن محيصة عن أبيه عن جده أنه استأذن النبي وَالر، اهـ بزيادة من ((التجريد))، وتقدم حديث ناقة البراء في ((باب القضاء في الضواري)). ثم قال صاحب ((التجريد))(٢): هكذا روى الحديث جميع رواة ((الموطأ)) مرسلاً، وكذلك رواه أصحاب ابن شهاب، إلا ابن عيينة، فإنه رواه عن الزهري عن سعيد بن المسيب وحرام بن سعد، جمعهما جميعاً في هذا الحديث، ولم يقل ذلك غير ابن عيينة عن ابن شهاب فيما أعلم، وقال فيه عبد الرزاق: عن معمر عن الزهري عن حرام بن سعد بن محيصة عن أبيه، ولم يتابع على قوله فيه: عن أبيه. اهـ. (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٨٤/٤). (٢) (ص١٤٧). ٣٤٦ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٠) باب (١٧٦٢) حديث وقال الحافظ في ((التهذيب))(١): ابن محيصة هو حرام بن سعد، وقال في الأسماء، ورقم عليه للأربعة: حرام بن سعد بن محيصة بن مسعود بن كعب الأنصاري أبو سعد، ويقال: أبو سعيد المدني، وقد ينسب إلى جده، ويقال: حرام بن ساعدة روى عن جده محيصة والبراء بن عازب، روى عنه الزهري على اختلاف فيه، قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث توفي بالمدينة سنة ١١٣ هـ، وهو ابن ٧٠ سنة، ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: لم يسمع من البراء، اهـ. ولم يذكر الحافظ في ((الإصابة)) ابن محيصة ولا حراماً في نوع من الأنواع، وذكر في القسم الأول سعد بن محيصة بن مسعود بن كعب الأنصاري الأوسي، ذكره محمد بن إسماعيل في الصحابة، ولم أجد له حديثاً، وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن حرام بن سعد بن محيصة عن أبيه حديث ناقة البراء اختلف فيه على الزهري اختلافاً كثيراً، وقال الذهلي وأبو داود في التفرد: لم يتابع عبد الرزاق على قوله: عن أبيه، وقد رواه مالك وإلياس عن الزهري عن حرام مرسلاً . وقال ابن عبد البر في ((التمهيد)): ليست له صحبة وروايته عن أبيه، وروى ابن أبي شيبة عن ابن عيينة عن الزهري عن حرام بن سعد عن أبيه أن محيصة سأل النبي ◌َ﴿ عن كسب الحجام، الحديث، وقال الذهلي: ورواه مالك وغيره عن الزهري عن ابن محيصة عن أبيه، وقول من قال: عن حرام عن أبيه هو المحفوظ، اهـ. قلت: ومحيصة وأخوه حويصة هما اللذان تقدم ذكرهما في حديث القسامة أيضاً . (١) ((تهذيب التهذيب)) (٢٢٢/٢). ٣٤٧ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٠) باب (١٧٦٢) حديث فِي إِجَارَةِ الْحِجَّامِ فَنَهَاهُ عَنْهَا. فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُهُ وَيَسْتَأْذِنُهُ حَتَّى قَالَ ((أعْلِفْهُ نُضَّاحَكَ)). يَعْنِي رَقِيقَكَ. أخرجه الترمذيّ عن ابن محيصة عن أبيه في: ١٢ - كتاب البيوع، ٤٧ - باب ما جاء في كسب الحجام. وابن ماجه عن حرام بن محيصة عن أبيه في: ١٢ - كتاب التجارات، ١٠ - باب كسب الحجام. (في إجارة الحجام) أي في أخذها أو أكلها، وسأله لما تقدم أن غلامه أبا طيبة كان حجاماً، وقد جعل عليه خراجاً وضريبة (فنهاه) النبي ◌َّ، وليس في النسخ الهندية ضمير المفعول، فحذف تخفيفاً ودلالة عليه (عنها) أي عن أجرتها، قال النووي: النهي تنزيه للارتفاع عن دنيء الأكساب، وللحث على مكارم الأخلاق، كذا في ((المحلى))، وكذلك عند الجمهور خلافاً للإمام أحمد، كما تقدم في أول الباب. (فلم يزل يسأله ويستأذنه) في أن يرخص له في أكلها لاحتياجه إلى ذلك من أجل ضريبته على عبده الحجام، قال صاحب ((المحلى)): وكان كثير من الصحابة كذلك (حتى قال) قوله: (أعلفه) بفتح همزة القطع وكسر اللام، أي أطعم به علفاً (نُضَّاحَك) كذا في جميع النسخ المصرية، وفي النسخ الهندية ((ناضحك))، ويظهر من كلام الزرقاني أن الأول رواية يحيى إذ قال: بضاد معجمة جمع ناضح، وللقعنبي ناضحك بالإفراد، وهو الجمل الذي يستقى عليه الماء، اهـ. (رقيقك) كذا في نسخة الزرقاني فقط، وفي أكثر النسخ المصرية ((يعني رقيقك)) بزيادة لفظ يعني، وفي النسخ الهندية ((أطعمه يعني رقيقك)). وفي نسخة ((المحلى)): و((أطعمه رقيقك)) بدون لفظ يعني، قال: قوله: ((أطعمه))، بفتح الهمزة، وقوله: ((رقيقك)) أي عبدك وإماءك، اهـ. وقال الزرقاني: قوله: رقيقك، كذا رواه يحيى والقعنبي بلا واو، ورواه ابن بكير ٣٤٨ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٠) باب (١٧٦٢) حديث بالواو، اهـ. وفي نسخة ((التجريد))(١): أعلفه نُضَّاحَك يعني رقيقك، قال: وقال القعنبي في هذا الحديث: أعلفه ناضحك رقيقك، وهو يشبه رواية يحيى، وقال ابن بكير: نُضَّاحك(٢) رقيقَك، وقال ابن القاسم في تفسير النضاح: الرقيق، قال: ويكون في الإبل، وقال الليث وغيره من أصحاب ابن شهاب في هذا الحديث: فلم يزل به حتى قال: أطعمه رقيقك وأعلفه ناضحك، وهذا هو الصواب، وقال الخليل: الناضح: الجمل يستقى عليه، اهـ. وعلم من هذا كله أن ما في النسخ الهندية ليس رواية يحيى. قال الباجي(٣): ما روي أنه استأذن ابن محيصة في إجارة الحجام، فنهاه عنها، يحتمل - والله أعلم - أن يكون منسوخاً للإجماع على إباحته، وفي ((المبسوط)) من رواية ابن وهب عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه: أخبرني الثقة أن قريشاً كان تتكرم(٤) في الجاهلية عن كسب الحجام، فيحتمل أن النبي 18 أمضى تلك الكراهية، ثم نسخ بعد سؤال محيصة أو غير ذلك، ويحتمل أن يكون منع منه لمعنى كان فيه، وكان ذلك المنع متعلقاً بشيء مخصوص، وإن كان طعاماً لعله لم يكن متيقن الطهارة؛ لأن معظم ما كانوا يعطون في ذلك الوقت في الأجرة طعاماً، وربما نالته نجاسة أو شك في نجاسته بما يحاوله من الدم، فنهى النبي بَّر عنه من أجل ذلك، وارتاب السيد في سلامته من ذلك، فنهاه النبي وَّل من أجل ذلك. فأما أجرة الحجام فمباح أكلها، قال الليث بن سعد: سألت ربيعة عن (١) (ص١٤٧). (٢) كذا في الأصل، وهو مخالف لما تقدم عن الزرقاني، اهـ. ((ش)). (٣) («المنتقى)) (٢٩٨/٧). (٤) كذا في الأصل، وفي ((مختار الصحاح)): التكرم تكلف الكرم، اهـ. ((ش)). ٣٤٩ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٠) باب (١٧٦٢) حديث كسب الحجام، فقال: لا بأس، وكان للحجامين سوق بالمدينة على عهد عمر - رضي الله عنه -، ولولا أن يأنف رجال لأخبرتك بآباء لهم كانوا حجامين، قال الليث: وسألت يحيى بن سعيد، فقال: رأيت الناس فيما مضى يأكلونه بكل أرض، ولو كان حراماً نهته الأئمة، قال ابن المواز: لم يكرهه مالك وأصحابه، وإنما يعافه من تنزّه على وجه التكرم، وكانت قريش تتنزّه عنه. ويحتمل أن يكون محيصة إنما كرر عنه السؤال عنه اتقاء هذا المعنى مع حاجته إليه أن يلحقه بذلك وصمةٌ أو معنى تثلُم مروءته، وقد قال مالك: ليس العمل على كراهية أجر الحجام، ولا أرى به بأساً، واحتج لذلك بأن ما يحل للعبد أكله يحل للأحرار كأجرة سائر الأعمال، ويحتمل أيضاً أن يكون جميع كسبه أو بعضه ثمن الدم، وبأن بيع دم ما يفصده من الإبل والبقر وسائر الحيوان كالعبد يبيعه، إن كان كافراً يستحل ذلك، وسيده مسلم، فنهى عن كسبه إذا لم يتيقن سلامة ما يأخذه منه من ذلك، ولذلك روي في بعض الروايات نهى عن ثمن الدم، وأجرة الحجام ليست بثمن للدم على الحقيقة، وقد قال بعض الناس: إن ذلك مكروه، لأنه لا يشترط أجرة معلومة قبل العمل، وإنما يعمل غالباً بأجر مجهول. وهذا أيضاً لا تعلق له إلا بما روي عن حبيب أنه قال: لا ينبغي أن يستعمل الصانع إلا بأجر مسمى، ولعله أراد به ما في ((الموازية)) وغيرها أنه سئل عن العمل بالقيمة فقال: لا أحبه، ولا يصلح في جُعْل ولا إجارة بغير تسمية، يريد أن يعقد بينهما بذلك عقد إجارة أو جُعْل، فأما إذا وقع ذلك بغير عقد، فلا بأس به، وقد قال مالك: لا بأس بمشارطة الحجام على الحجامة، اهـ. وقال الشيخ في ((البذل))(١): قال الخطابي: حديث محيصة هذا يدل على (١) انظر: ((بذل المجهود)) (٩٠/١٥). ٣٥٠ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١١) باب (١١) باب ما جاء في المشرق أن أجرة الحجام ليست بحرام، وأن خبثها من قبيل دناءة مخرجها، وقد قال ابن عباس - رضي الله عنه - أن رسول الله وَل احتجم وأعطى الحجام أجره، ولو علمه حراماً لم يعطه، وقوله: ناضحك أو رقيقك، يدل على صحة ما قلناه، وذلك لأنه لا يجوز أن يطعم رقيقه إلا من مال قد ثبت له ملكه، فإذا ثبت له ملكه ثبت أنه مباح، وإنما وجه التنزيه عن الكسب الدنيء والترغيب في تطهير الطعم، والإرشاد فيها إلى ما هو أطيب وأحسن، وبعض الكسب أعلى وأفضل، وبعضه أدنى وأولج. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن كسب الحجام إن كان حراً، فهو محرم، واحتجّ بهذا الحديث، وبقوله بَّه: ((إنه خبيث))، وهذا القائل لم يذهب إلى التفريق بين الحر والعبد مذهباً تبين له معنى صحيح، وكل شيء حل من المال للعبيد حَلَّ للأحرار، والعبد لا ملك له، ويده يد سيده، وكسبه كسبه، وإنما وجه الحديث ما ذكرته، وأن الخبيث معناه الدنيء، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ أي الدُّون، اهـ (١١) ما جاء في المشرق بكسر الراء في الأكثر وبفتحها، وهو القياس، لكنه قليل الاستعمال جهة شروق الشمس، والنسبة إليه مشرقي، بكسر الراء وفتحها، قاله الزرقاني(١)، وترجم البخاري في ((صحيحه)) على حديث ابن عمر - رضي الله عنه - هذا (باب قول النبي وَلّر: الفتنة قبل المشرق))(٢)، وتقدم قريباً في ((باب ما جاء في أمر الغنم)) حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعاً: ((رأس الكفر نحو المشرق))، الحديث، وتقدم هناك شيء من الكلام على المراد بالمشرق. (١) (شرح الزرقاني)) (٣٨٤/٤). (٢) كتاب الفتن - ١٦ - باب قول النبي وَلل: الفتنة قبل المشرق. ٣٥١ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١١) باب (١٧٦٣) حدیث ٢٩/١٧٦٣ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّه يُشِيرُ إِلَى الْمَشْرِقِ وَيَقُولُ: ((هَا . ٢٩/١٧٦٣ - (مالك عن عبد الله بن دينار) العدوي مولى ابن عمر - رضي الله عنه - (عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - وأخرجه البخاري في الباب المذكور برواية سالم عن أبيه (أنه قال: رأيت رسول الله وَّ ه يشير) بيده الشريفة (إلى المشرق) وفي رواية سالم المذكورة عن أبيه عن النبي ◌َّ: قام إلى جنب المنبر، قال الحافظ (١): وفي رواية معمر عند الترمذي: أن النبي ◌َّ قام على المنبر، وفي رواية شعيب عن الزهري عند البخاري: يقول وهو على المنبر، وفي رواية لمسلم: قال وهو مستقبل المشرق، اهـ. زاد الزرقاني: وفي مسلم عن نافع: قام عند باب حفصة، وفي لفظ: عند باب عائشة، ويمكن الجمع بأنه وّل﴾ خرج من باب إحدى زوجتيه، وباباهما متقاربان، فأشار، وهو واقف بينهما، فعَبَّر عنه تارة بباب حفصة، وأخرى بباب عائشة، ثم مشى إلى جنب المنبر، فأشار ثم قام عليه، فأشار، فإن ساغ هذا وإلا فيطلب جمعَ غيره، ولا يجمع بتعدد القصة لاتحاد المخرج، وهو ابن عمر - رضي الله عنه -، اهـ. قلت: ولا مانع من التعدد للاختلاف الكثير في سياق الروايات، فالنبيِ وَلَ نَبَّهَ عليها مراراً. وذكرها ابن عمر - رضي الله عنه - وغيره من الصحابة حسب ما سمعوا في أوقات متفرقة، وأخرج أحمد عن ابن عمر - رضي الله عنه -، قال: صلى رسول الله وَلّ الفجر، ثم سلم، فاستقبل مطلع الشمس، فقال: ((ألا إن الفتنة ههنا))، الحديث، وفي أخرى له أنه بَلّ قام يخطب فقال: ((ألا وإن الفتنة ههنا)). (ويقول) بَلّ: (ها) كذا في النسخ المصرية، وليس هذا اللفظ في النسخ (١) ((فتح الباري)) (٤٦/١٣). ٣٥٢ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١١) باب (١٧٦٣) حديث ◌ِنَّ الْفِتْنَةَ هُهُنَا. إِنَّ الْفِتْنَةَ هُهُنَا. مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ)). أخرجه البخاريّ في: ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١١ - باب صفة إبليس وجنوده. ومسلم في: ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١٦ - باب الفتنة في المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان حديث ٤٥ - ٤٩. الهندية، وهو بالقصر من غير همز حرف تنبيه (إن الفتنة) بكسر الفاء: المحنة والعقاب والشدة، وكل مكروه كالكفر، والإثم، والفضيحة، والفجور، والمصيبة وغيرها من المكروهات، فإن كانت من الله فهي من جهة الحكمة، وإن كانت من الإنسان فمذمومة، كذا في ((الزرقاني)) (١). وقال عز اسمه: ﴿وَثَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَصَّةٌ﴾ (ههنا) كذا في جميع نسخ ((الموطأ)) مرة واحدة، وفي رواية سالم المذكورة عند البخاري ((الفتنة ههنا، الفتنة ههنا))، قال الحافظ: كذا فيه مرتين، وفي رواية يونس ((ها إن الفتنة ههنا)»، أعادها ثلاث مرات، اهـ. (إن الفتنة من حيث يطلع) بضم اللام (قرن الشيطان) كذا بالجزم والإفراد في ((الموطأ))، وفي رواية سالم عند البخاري ((من حيث يطلع قرن الشيطان)) أو قال: ((قرن الشمس))، ولمسلم من حديث سالم ((حيث يطلع قرنا الشيطان)) بالتثنية، وأكثر الحافظ في ((الفتح))(٢) في الروايات التي فيها قرن الشيطان. قال الزرقاني وغيره: المراد بقرن الشيطان حزبه وأهل وقته وزمانه وأعوانه، ونسب الطلوع لقرنه مع أن الطلوع للشمس لكونه مقارناً لها، اهـ. وقال صاحب ((المحلى)): أشار إلى المشرق بقوله: ((ألا إن الفتنة ههنا)) لأن أهله يومئذٍ أهل الكفر. فأخبر أن الفتنة تكون من تلك الناحية، وكذا وقع، فكان وقعة الجمل والصفين، ثم ظهور الحجاج في أرض العراق وما وراءها (١) (٣٨٥/٤). (٢) ((فتح الباري)) (٢٤٠/٤). ٣٥٣ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١١) باب (١٧٦٣) حديث من المشرق، اهـ. وكذا في ((الفتح)) (١)، زاد فكان كما أخبر، وأول الفتن كان من قبل المشرق فكان سبباً للفرقة بين المسلمين، وقال أيضاً في حديث سلمة مرفوعاً: ((إني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر)) قال: وإنما اختصت المدينة بذلك؛ لأن قتل عثمان - رضي الله عنه - كان بها، ثم انتشرت الفتن في البلاد بعد ذلك، فالقتال بالجمل والصفين كان بسبب قتل عثمان، والقتال بالنهروان كان بسبب التحكيم بصِفِّين، وكل قتال وقع في ذلك العصر إنما تولد عن شيء من ذلك أو عن شيء تولد عنه. ثم كان قتل عثمان - رضي الله عنه - أشدّ أسبابه الطعن على أمرائه، ثم عليه بتوليته لهم، وأول ما نشأ ذلك من العراق، وهي من جهة المشرق، فلا منافاة بين هذا الحديث وبين قوله وَله: ((الفتنة من قبل المشرق)) وحسن التشبيه بالمطر لإرادة التعميم؛ لأنه إذا وقع في أرض معينة عَمَّها، اهـ. وتبعه غير واحد من شراح الحديث، منهم الزرقاني وغيره. والأوجه عندي أن ههنا أحاديث متعددة لا حاجة لحملها إلى معنى واحد بل الظاهر عندي أن النبي ◌َلو أخبر فيها بأمور متفرقة، كما يدل عليها اختلاف سياق الأحاديث، فإن قوله ◌َلجر: ((هناك الفتن)) بصيغة الجمع إشارة إلى هذه الفتن التي أشار إليها الحافظ كلها، وهي المراد بقوله وَّر في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: ((ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم))، الحديث، بصيغة الجمع، وقوله الر: ((الفتنة من قبل المشرق من حيث يطلع قرن الشيطان)) وأوضح منه ما في ((مسلم))(٢) من طريق سالم عن أبيه قوله وَاليه: ((الفتنة تجيء من ههنا)) وأومأ بيده نحو المشرق. (١) «فتح الباري)) (٤٧/١٣)، و((الاستذكار)) (٢٤٦/٢٧). (٢) أخرجه مسلم في الفتن (٢٩٠٥). ٣٥٤ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١١) باب (١٧٦٤) حديث ٣٠/١٧٦٤ - وحدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ فالمراد عندي في هذه الأحاديث مبدأ الفتن، وهو قتل عثمان - رضي الله عنه -، ومبدؤه كان من العراق، كما تقدم في كلام الحافظ، وأما قوله اَل : ((من حيث يطلع قرن الشيطان)) فالمراد منه عندي خروج الدجال، فإنه فتنة في هذه الأمة، لا فتنة أشد منها، ويؤيد قوله وقال في حديث سالم المذكور: ((من حيث يطلع قرن الشيطان)) بعد قوله: ((الفتنة تجيء من ههنا))، فإن ظاهر هذا السياق أن مجيء الفتنة غير طلوع القرن، والمراد بالطلوع الخروج، كما في رواية للترمذي بلفظ ((يخرج)) بدل ((يطلع)) وعَبَّرَه بقرن الشيطان؛ لأنه أصل، ورأس الحزب الشيطان، كما تقدم من قولهم: إن المراد بقرن الشيطان حزبه. ويؤيده أيضاً ما في رواية ابن عمر عند البخاري ((هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان))، فإن ذكر طلوعه بالعطف على الفتن اهتماماً له، وتمييزاً له عن بقية الفتن، وهو المراد عندي بقوله وقالفيه: ((رأس الكفر نحو المشرق)) كما تقدم في ((باب ما جاء في أمر الغنم)) من حديث أبي هريرة، فإن رأس الكفر وقرن الشيطان عندي واحدٌ. وعَبَّره في حديث ابن عمر - رضي الله عنه - أيضاً برأس الكفر، ولفظه عند مسلم قال: خرج رسول الله وَليل من بيت عائشة - رضي الله عنها - فقال: ((رأس الكفر من ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان)) يعني المشرق. ٣٠/١٧٦٤ - (مالك أنه بلغه) قلت: ذكر صاحب ((كنز العمال))(١) في مسند عمر - رضي الله عنه - عن أبي مجلز قال: أراد عمر - رضي الله عنه - أن لا يدع مصراً من الأمصار إلا أتاه، فقال كعب: لا تأتي العراق، فإن فيه تسعة أعشار الشرِّ، وعزاه إلى ابن أبي شيبة(٢)، وعن أبي إدريس قال: قدم علينا عمر - رضي الله عنه - الشام، فقال: إني أريد أن آتي العراق، فقال له كعب (١) (١٤/ ١٧٣) رقم الحديث (٣٨٢٧٩). (٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (١١/ ١٥١). ٣٥٥ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١١) باب (١٧٦٤) حديث الأحبار: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين من ذلك، قال: وما تكره من ذلك؟ قال: بها تسعة أعشار الشر، وكل داء عضال، وعصاة الجن وهاروت وماروت، وبها باض إبليس وفَرَّخ، وعزاه إلى ابن عساكر. وقد ورد نحو هذا الحديث مرفوعاً أيضاً، كما في ((مجمع الزوائد))(١) إذ قال: وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله وَ لَه قال: «اللَّهمَّ بارك لنا في شامنا وفي يمننا)) فقال رجل: وفي شرقنا يا رسول الله، الحديث، وفيه أن من هنالك يطلع قرن السلطان(٢)، وبه تسعة أعشار الكفر، وبه الداء العضال، رواه الطبراني في ((الأَوْسَط)) وأحمد(٣)، ولفظه أن رسول الله وَله قال: ((اللَّهم بارك لنا في شامنا ويمننا)) مرتين، فقال رجل: في مشرقنا (٤) يا رسول الله، فقال رسول الله وسلم: من هنالك يطلع قرن السلطان(٥)، وبه تسعة أعشار الكفر، ورجال أحمد رجال الصحيح، غير عبد الرحمن بن عطاء، وهو ثقة، وفيه خلاف لا يضر، اهـ. قلت: وكذلك في الأصل في الموضعين قرن السلطان، والحديث أخرجه البخاري بلفظ آخر في الاستسقاء موقوفاً، وفي الفتن مرفوعاً، ولفظ المرفوع عن ابن عمر قال: ذكر النبي وَ طّر: «اللهم بارك لنا في شامنا، اللّهم بارك لنا في يمننا)) قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا؟ قال: ((اللَّهم بارك لنا في شامنا اللَّهم بارك لنا في يمننا)) قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا؟ فأظنه قال في الثالثة ((هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان)). (١) (٣٤/١٠) رقم (٦٦٦٣٧). (٢) في («مجمع الزوائد)) الشيطان رقم (١٩١٠). (٣) ((مسند أحمد)) رقم (٥٦٤٢). (٤) وفي «مجمع الزوائد» بدله شرقنا. (٥) هكذا في الأصل والصواب الشيطان. ٣٥٦ ٥٥ - کتاب الاستئذان (١١) باب (١٧٦٤) حديث أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى الْعِرَاقِ، وفي («كنز العمال)) (١) برواية ابن عساكر عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: صلى رسول الله ﴿ صلاة الفجر، ثم انقتل، فأقبل على القوم، فقال: («اللَّهم بارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في مدنا وصاعنا، اللَّهم بارك لنا في حرمنا، وبارك لنا في شامنا ويمننا))، فقال رجل: والعراق يا رسول الله؟ فسكت، ثم أعاد، فقال: ((اللَّهم بارك لنا في مدينتنا»، الحديث بطوله، وفي آخره في الثالثة، فقال رجل: والعراق يا رسول الله، قال: ((من ثَمَّ يطلع قرن الشيطان وتهيج الفتن))، وفي رواية أخرى مختصرة في ((مسند أحمد)) وابن عساكر فقال رجل: وفي مشرقنا يا رسول الله؟ قال: ((من هنا يطلع قرن الشيطان، وبها تسعة أعشار الشرِّ)). (أن عمر بن الخطاب أراد الخروج) من المدينة، لعله أراد السكونة لمصالح دعته إلى ذلك، كما يشير إليه رواية كعب أيضاً أخرجها السيوطي في ((الدر)) فقال: أخرج ابن عساكر عن سليمان بن يسار قال: كتب عمر - رضي الله عنه - إلى كعب الأحبار أن اختر لي المنازل، فكتب إليه: يا أمير المؤمنين بلغنا أن الأشياء التي اجتمعت، فقال السخاء: أريد اليمن، فقال حسن الخلق: أنا معك، وقال الجفاء: أريد الحجاز، فقال الفقر: أنا معك، وقال البأس: أريد الشام، فقال السيف: أنا معك، وقال العلم: أريد العراق، فقال العقل: أنا معك، وقال الغنى: أريد مصر، فقال الذل: أنا معك، فاختر لنفسك يا أمير المؤمنين، فلما ورد الكتاب على عمر - رضي الله عنه - قال: فالعراق إذن، فالعراق إذن، اهـ. ويحتمل أنه - رضي الله عنه - أراد مجرد النزول، كما يدل عليه ما يأتي من رواية ((كنز العمال)). (إلى العراق) بكسر العين المهملة، قال المجد (٢): بلاد معروفة من (١) (١٧٣/١٤). (٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٨٥/٤). ٣٥٧ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١١) باب (١٧٦٤) حديث فَقَالَ لَهُ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لَا تَخْرُجْ إِلَيْهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَإِنَّ بِهَا تِسْعَةَ أَعْشَارِ السِّحْرِ. وَبِهَا فَسَقَةُ الْجِنِّ. وَبِهَا الدَّاءُ الْعُضَالُ. عبّادان إلى الموصل طولاً، ومن القادسية إلى حلوان عرضاً، تُذَكَّرُ وتُؤَنَّث، اهـ. زاد صاحب ((المحلى)): وهي جانب على المشرق من المدينة، اهـ. وبسط الياقوت الحموي الاختلاف في حدودها، ووجه التسمية بها، وأكثر الأقوال التي ذكرها يؤيد ما حكي عن الخليل: أن العراق شاطئ البحر، وسمي عراقاً؛ لأنه على شاطئ دجلة والفرات مَدّاً، حتى يتصل بالبحر على طوله، وهو مشبّه بعراق القربة، وهو الذي يثنى منها فتخرز، وقال شمر: قال أبو عمر: وسميت لقربها من البحر، وأهل الحجاز يسمونه ما كان قريباً من البحر عراقاً . (فقال له) أي لعمر - رضي الله عنه -: (كعب الأحبار) وكان قبل إسلامه من أئمة اليهود (لا تخرج) بصيغة النهي. ويشكل عليه ما تقدم عنه من رواية السيوطي، ويمكن الجمع بأنه أخبر عن أحوال البلاد المتفرقة، فلما أراد عمر - رضي الله عنه - ترجيح العراق أخبر بما فيها من المضار ترجيحاً لدفع المضرة على جلب المنفعة (إليها) أي إلى العراق (يا أمير المؤمنين، فإن بها تسعة أعشار السحر) . قال الباجي(١): يحتمل - والله أعلم - أن يريد به أن السحر كان معظمه ببابل، وهي من أرض العراق، فأخبر أن معظمه هناك، اهـ، وبذلك جزم الزرقاني إذ قال: وبابل من جملة بلادها، اهـ. (وبها فسقة) بفتحات جمع فاسق (الجن) قال الباجي: يحتمل أنه وجد ذلك في بعض الكتب التي قرأها، فإن مثل هذا لا يعلم إلا بتوقيف، اهـ. (وبها الداء العضال) بضم العين المهملة وضاد معجمة، هو الذي يعيي الأطباء أمره، وكان هذا من الكتب القديمة؛ لأن كعباً حبرها، كذا في ((الزرقاني))(٢). (١) ((المنتقى)) (٢٩٩/٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٥/٤). ٣٥٨ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١١) باب (١٧٦٤) حديث قال الباجي(١): يريد الذي يعيي الأطباء أمره، وهذا أصله، ثم استعمل في كل أمر يتعذر محاولته من أمر دين أو دنيا. وروى ابن القاسم ومطرف وغيرهما عن مالك: الداء العضال الهلاك في الدين، وقال محمد بن عيسى الأعشى، وغيره من أهل العلم يقول: وهي البدع في الإسلام، اهـ. قال الباجي: ومعنى هذا الأثر إن صح في وقت دون وقت، وقد سكن الكوفة أفضال الصحابة ومن العشرة، كعلي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود، وجماعة من البدريين، وغيرهم، - رضي الله عنهم أجمعين -، ولو كان هذا على ظاهره، ومنع كعب لعمر بن الخطاب من التوجه إلى العراق، لأخلاها عمر - رضي الله عنه - من المسلمين، ولأشفق على تغير أديانهم، ولكن عمر - رضي الله عنه - إن كان صح قول كعب له فقد تأوله علی وجهه أو ردّ عليه قوله، اهـ. قلت: وبسط ابن سعد في ((طبقاته)) في ذكر الصحابة الذين أقاموا بكوفة، وفي ((كنز العمال)) عن نافع بن جبير قال: كتب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى أهل الكوفة إلى وجوه الناس (ابن سعد))، و((ابن أبي شيبة)). وعن الشعبي قال: كتب عمر - رضي الله عنه - إلى أهل الكوفة إلى رأس العرب ((ابن سعد)) و((ابن أبي شيبة))، وعن عامر قال: كتب عمر - رضي الله عنه - إلى أهل الكوفة إلى رأس أهل الإسلام ((ابن سعد))، و((الحاكم))، وعن الشعبي أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى سعد بن أبي وقاص: أن اتَّخِذ للمسلمين دار هجرة ومنزل جهاد، فبعث سعد رجلاً من الأنصار، يقال له: الحارث بن سلمة فارتاد لهم موضع الكوفة اليوم، فنزلها سعد بالناس، فخطّ مسجدها، الحديث. وفي آخره فكتب إلى عمر بن الخطاب، فكتب أن انزلوه، فتحول الناس (١) ((المنتقى)) (٣٠٠/٧). ٣٥٩ ٥٥ - کتاب الاستئذان (١١) باب (١٧٦٤) حديث إلى الكوفة ((ابن أبي شيبة))، وعن عمر - رضي الله عنه - قال: أهل الكوفة رمح الله وكنز الإيمان وجمجمة العرب ((ابن أبي شيبة)) و((ابن سعد)). فعلم من هذه الآثار أن عمر - رضي الله عنه - حمل قول أبيّ بن كعب على موضع مخصوص من العراق كأرض بابل، وإليه يشير قوله: بها تسعة أعشار السحر في حديث الباب، وقوله: بها هاروت وماروت، في رواية ((كنز العمال» أوضح منه. قال الباجي(١): وقد روى عبد الملك بن أبي حبيب أخبرني مطرف أنهم سألوا مالكاً - رضي الله عنه - عن تفسير الداء العضال في هذا الحديث، فقال: أبو حنيفة وأصحابه، وذلك أنه ضلل الناس بوجهين: بالإرجاء، وبنقض السنن بالرأي، وقال أبو جعفر الداودي: هذا الذي ذكره ابن حبيب إن كان سلم من الغلط، وثبت، فقد يكون ذلك من مالك في وقت حرج اضطره لشيء ذكر له عنه مما أنكره، فضاق به صدره، فقال ذلك، والعالم قد يحضره ضيق صدره، فيتقوّل ما يستغفر الله عنه بعد وقت إذا زال غضبه. قال القاضي أبو الوليد: وعندي أن هذه الرواية غير صحيحة عن مالك؛ لأن مالكاً - رضي الله عنه - على ما يعرف من عقله وعلمه وفضله ودينه وإمساكه عن القول في الناس إلا بما يصح عنده، وثبت، لم يكن ليطلق على أحدٍ ما لم يتحققه، ومن أصحاب أبي حنيفة عبد الله بن المبارك، وقد اشتهر إکرام مالك له وتفضيله إياه. وقد علم أن مالكاً - رضي الله عنه - ذكر أبا حنيفة بالعلم بالمسائل، وأخذ أبو حنيفة عنه أحاديث، وأخذ عنه محمد بن الحسن ((الموطأ))، وقد اشتهر تناهي أبي حنيفة في العبادة وزهده في الدنيا، وقد امتحن، وضُرب (١) ((المنتقى)) (٧ /٣٠٠). ٣٦٠