Indexed OCR Text
Pages 281-300
٥٥ - كتاب الاستئذان (٥) باب (١٧٤٨) حديث واختلفوا في قتل ما لا ضرر فيه، فقال القاضي حسين وإمام الحرمين والماوردي والنووي في أول البيع من شرحي ((المهذب)) و((مسلم)): لا يجوز قتلها، وقال في باب محرمات الإحرام: إنه الأصح والأمر بقتلها منسوخ، وعلى الكراهة اقتصر الرافعي في ((الشرح)) وتبعه في ((الروضة)) وزاد أنها كراهة تنزیه لا تحریم. لكن قال الشافعي في ((الأم)) في باب الخلاف في ثمن الكلب: واقتلوا الكلاب التي لا منفعة فيها حيث وجدتموها، وهذا هو الراجح في ((المهمات))، ولا يجوز اقتناء الكلب الذي لا منفعة فيه، وذلك لما في اقتنائها من مفاسد الترويع والعقر للمار وغير ذلك، اهـ. وقال الموفق(١): لا يختلف المذهب في أن بيع الكلب باطل أيّ كلب كان. وبه قال الشافعي وداود، وجوّز أبو حنيفة بيع الكلب كلها، وعنه رواية في الكلب العقور أنه لا يجوز بيعه، واختلف أصحاب مالك، فمنهم من قال: لا يجوز، ومنهم من قال: الكلب المأذون في إمساكه، يجوز بيعه ويكره، ثم قال: وقتل المعلم حرام وفاعله مسيء، وكذلك كل كلب مباح إمساكه؛ لأنه محل منتفع به يباح اقتناؤه، فحرم إتلافه كالشاة، ولا نعلم في هذا خلافاً، ولا غرم على قاتله، وبهذا قال الشافعي، وقال مالك وعطاء: عليه الغرم. ولنا، أنه محل يحرم أخذ عوضه لخبثه، فلم يجب غرمه بإتلافه كالخنزير، فأما قتل ما لا يباح إمساكه، فإن الكلب الأسود البهيم يجوز قتله؛ لأنه شيطان، ويباح قتل الكلب العقور، لحديث ((خمس يقتلن في الحل والحرم))، ذكر فيهن ((الكلب العقور))، ويقتل كل واحد من هذين وإن كان معلماً، وما لا مضرة فيه لا يباح قتله، لما روي أنه رَّر أمر بقتل الكلاب، (١) ((المغني)) (٣٥٢/٦). ٢٨١ ٥٥ - كتاب الاستئذان (٦) باب (١٧٤٩) حدیث (٦) باب ما جاء في أمر الغنم ١٥/١٧٤٩ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ قَالَ: ((رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، ... حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها، فنقتله ثم نهى عن قتلها، وقال: ((عليكم بالأسود البهيم ذي الطفيتين، فإنه شيطان))، رواه مسلم، اهـ. وفي ((المحلى)): قال علماؤنا: إنه لا يحل قتل الكلب الأهلي إذا لم يؤذ، والأمر بقتل الكلاب منسوخ، كما في ((فتح التقدير)): إذا لم تؤذ، كذا في ((الدر المختار))، والناسخ حديث جابر عند مسلم، أي المذكور قريباً. (٦) ما جاء في أمر الغنم قال الدميري (١): هو الشاء لا واحد له من لفظه، والجمع أغنام وغنوم وأغانم، كذا في ((المحكم))، وقال الجوهري: الغنم اسم مؤنث موضوع للجنس، يقع على الذكور والإناث وعليهما جميعاً، وإذا صغرتها ألحقتَها الهاءَ فقلتَ: غنيمة؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها، إذا كانت لغير الآدميين، فالتأنيث لها لازم، اهـ. ١٥/١٧٤٩ - (مالك عن أبي الزناد) بكسر الزاي وخفة نون، عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة أن رسول الله وَ الألم قال: رأس الكفر) أي بدؤه وشدته أو معظمه (نحو المشرق) بالنصف، لأنه ظرف مستقر في محل رفع خبر لمبتدأ . قال الباجي(٢): يحتمل يريد - والله أعلم - فارس، ويحتمل أن يريد به أهل نجد، وروي عنه وَّر، ويؤيده قوله الآتي: الفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والفدّادين أهل الوبر، وهؤلاء كانوا أهل نجد، اهـ. (١) ((حياة الحيوان)) (٢٥٥/٢). (٢) ((المنتقى)) (٢٩٠/٧). ٢٨٢ ٥٥ - كتاب الاستئذان (٦) باب (١٧٤٩) حدیث وقال الحافظ (١): وفي رواية ((قبل المشرق)) بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جهته، وفي ذلك إشارة إلى شدة كفر المجوس؛ لأن مملكة الفرس ومن أطاعتهم من العرب كانت من جهة المشرق بالنسبة إلى المدينة، وكانوا في غاية القوة والتكبر والتجبر، حتى مزق مَلِكُهم كتابَ النبي ◌ِّ، واستمرت الفتن من قبل المشرق، اهـ. وزاد صاحب ((المحلى)): كوقعة الجمل وقتل الحسين والجماجم وغيرها، اهـ. قال الزرقاني(٢): قيل: المراد كفر النعمة؛ لأن أكثر فتن الإسلام ظهرت من جهته، كفتنة الجمل وصفين ونهروان وقتل الحسين وقتل مصعب بن الزبير وفتنة الجماجم، يقال: قتل فيها خمسمائة من كبار التابعين، وإثارة الفتن وإراقة الدماء كفران نعمة الإسلام، ويحتمل أن يريد كفر الجحود، ويكون إشارة إلى وقعة التتار التي اتفق على أنه لم يقع لها نظير في الإسلام، وخروج الدجال، ففي خبر ((أنه يخرج من المشرق)) وقال ابن العربي: إنما ذم المشرق؛ لأنه كان مأوى الكفر في ذلك الزمن، ومحل الفتن ثم عمه الإيمان، اهـ. قلت: هذه الحوادث كلها تفسر بها الأحاديث التي وردت فيها ((الفتن قبل المشرق)) أما حديث الباب بلفظ ((رأس الكفر)) فالأوجه عندي أن المراد برأس الكفر الدجال، لأنه ليس فتنة في الإسلام أشد منه، وما من نبي إلا أنذر قومه منه، كما ورد في الأحاديث، ويكون خروجه من المشرق. قال الحافظ (٣) في أحواله: وأما من أين يخرج؟ فمن قبل المشرق جزماً، ثم جاء في رواية أنه يخرج من خراسان، أخرج ذلك أحمد والحاكم من حديث (١) «فتح الباري)) (٣٥٢/٤). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٧٤/٤). (٣) ((فتح الباري)) (١٣/ ٩١). ٢٨٣ ٥٥ - كتاب الاستئذان (٦) باب (١٧٤٩) حديث وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ، وَالْفَدَّادِينَ أبي بكر، وفي أخرى أنه يخرج من أصبهان، أخرجها مسلم، اهـ. كذا في (الإشاعة لأشراط الساعة)) للبرزنجي، وزاد: وعند الحاكم(١) وابن عساكر من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه يخرج من يهودية أصبهان، أي محله خارجة من أصبهان، ومثله عند أحمد عن عائشة، وعند الطبراني من حديث فاطمة بنت قيس: يخرج من بلدة، يقال لها: أصبهان من قرية من قراها، يقال لها : رستاهاد، اهـ. (والفخر) بفتح الفاء وسكون الخاء المعجمة، ادعاء العظمة والكبر والشرف، كما في ((النهاية))، ويدخل فيه الإعجاب بالنفس (والخيلاء) بضم المعجمة وفتح التحتانية والمد، الكبر واحتقار الغير، كذا في ((الفتح))(٢). قال الدميري (٣): أراد بالفخر التفاخر بكثرة المال والجاه وغير ذلك من مراتب أهل الدنيا، وبالخيلاء التكبر والتعاظم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾، اهـ. (في أهل الخيل والإبل والفدادين) بالواو في النسخ المصرية عطف تفسير، وبدون الواو في الهندية بدل من أهل، قال الحافظ(٤): هو بتشديد الدال عند الأكثر، وحكى أبو عبيد عن أبي عمرو الشيباني أنه خففها، وقال: إنه جمع فدّان، والمراد به البقر التى يحرث عليها، وقال الخطابي: الفدّان آلة الحرث والسكة، وعلى الأول فالفدّادون، جمع فدّان، وهو من يعلو صوته في إبله وخيله وحرثه ونحو ذلك، والفديد هو الصوت الشديد، وحكى الأخفش ووهّاه (١) ((المستدرك)) (٥٢٨/٤). (٢) ((فتح الباري)) (٦/ ٣٥٢). (٣) ((حياة الحيوان)) (٢٥٥/٢). (٤) ((فتح الباري)) (٦/ ٣٥٢). ٢٨٤ ٥٥ - كتاب الاستئذان (٦) باب (١٧٤٩) حديث أَهْلِ الْوَبَرِ . أن المراد بالفدادين من يسكن الفدافد، جمع فدفد، وهي البراري والصحاري، وهو بعيد . وحكى أبو عبيدة أن الفدادين هم أصحاب الإبل الكثيرة من المائتين إلى الألف، وعلى ما حكاه الشيباني من التخفيف، فالمراد أصحاب الفدادين على حذف مضاف، ويؤيد الأول حديث آخر عند البخاري ((وغلظ القلوب في الفدّادين عند أصول أذناب الإبل))، وقال أبو العباس: الفدّادون هم الرُعاةُ، والجَمّالون، اهـ. وفي ((المحلى)) عن ((القاموس)): الفدّاد مالك المائتين من الإبل إلى الألف، والمتكبر، قال القرطبي: ليس في الرواية إلا التشديد، وهو الصحيح على ما قاله الأصمعي وغيره، اهـ. قال الباجي(١): أما الفدادون فروى ابن القاسم عن مالك، قال: هم أهل الجفاء، قال مالك: سألت عن ذلك، فقيل لي: هم أهل الجفاء، وقال أبو عبد الله: الفدّاد ذو المال الكثير، ووصف أهل الخيل والإبل باسم أهل الفخر والخيلاء يحتمل أن يكون ذلك مما يعرف به أهل الخيلاء والفخر، ويحتمل أن يكون ذلك سبب فخرهم وخيلائهم للغني المطغي وقوة أموالهم، وكونها عوناً على من ناداهم وحاربهم، اهـ. وفي ((الفتح)): قال الخطابي: إنما ذم هؤلاء لاشتغالهم بمعالجة ما هم فيه عن أمور دينهم، وذلك يفضي إلى قساوة القلب، اهـ. (أهل الوبر) قال الحافظ (٢): بفتح الواو والموحدة أي ليسوا من أهل المدر؛ لأن العرب تُعَبِّر عن أهل الحضر بأهل المدر، وعن البادية بأهل الوبر، (١) ((المنتقى)) (٢٩٠/٧). (٢) (فتح الباري)) (٣٥٢/٦). ٢٨٥ ٥٥ - كتاب الاستئذان (٦) باب (١٧٥٠) حديث وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ)». أخرجه البخاريّ فى: ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١٥ - باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال. ومسلم: في: ١ - كتاب الإيمان، ٢١ - باب تفاضل أهل الإيمان، حديث ٨٥. ١٦/١٧٥٠ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةً، واستشكل بعضهم ذكر الوبر بعد الخيل، وقال: إن الخيل لا وبر لها، ولا إشكال فيه؛ لأن المراد ما بَيَّنْتُه، وقوله في حديث آخر عند البخاري («في ربيعة ومضر)) أي في الفدّادين منهم. (والسكينة) بالرفع على الابتداء فعيلة من السكون، قال الحافظ: تطلق على الطمأنينة والسكون والوقار والتواضع (في أهل الغنم). قال الحافظ: إنما خص أهل الغنم بذلك؛ لأنهم غالباً دون أهل الوبر في التوسع والكثرة، وهما من سبب الفخر والخيلاء، وقيل: أراد بأهل الغنم أهل اليمن، لأن غالب مواشيهم الغنم بخلاف ربيعة ومضر، فإنهم أصحاب إيل، وروى ابن ماجه من حديث أم هانئ أن النبي و ليزر قال لها: ((اتخذي الغنم، فإن فيها بركة))، اهـ. وقال الدميري(١): قال أبو الزناد: خص النبي وَلّر الغنم من بين سائر الأشياء حضاً على التواضع، وتنبيهاً عى إيثار الخمول، وترك الاستعلاء والظهور، وقد رعى الأنبياء الصالحون الغنم، وقال: وهذا إخبار منه وَّ عن أكثر حال أهل الغنم، وأهل الإبل وأغلبه، اهـ. ١٦/١٧٥٠ - (مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة) بمهملات مفتوحات إلا العين الأولى فساكنة، اختلف في نسبه على (١) ((حياة الحيوان)) (٢٥٧/٢). ٢٨٦ ٥٥ - كتاب الاستئذان (٦) باب (١٧٥٠) حديث عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَه: ((يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَماً أقوال، بسطتها في رسالتي في ((الرجال)) (عن أبيه) عبد الله المذكور، وقال الحافظ في ((الفتح))(١): هو عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي صعصعة، فسقط الحارث من الرواية، وهلك أبو صعصعة في الجاهلية، وشهد ابنه الحارث أحداً واستشهد باليمامة، اهـ. وأخرجه البخاري في آخر علامات النبوة برواية ابن الماجشون عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه، قال الحافظ: هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي صعصعة نسب إلى جده الأعلى. وروايته لهذا الحديث عن أبيه عبد الله، لا عن أبي صعصعة ولا غيره من آبائه، اهـ. ولم يذكر الحارث في نسبه في ((التهذيب)). (عن أبي سعيد الخدري) أخرجه البخاري بمواضع في ((صحيحه))، منها في أول الإيمان برواية القعنبي عن مالك بهذا السند، وترجم عليه ((باب من الدين الفرار من الفتن)) (أنه قال: قال رسول الله ◌َ ﴿ يوشك) بكسر الشين المعجمة أي يقرب، كذا في ((الفتح)) (١). زاد الزرقاني: وتفتح في لغة رديئة، وفي رواية الماجشون عند البخاري ((يأتي على الناس زمان خير مال المسلم)) الحديث. قال الحافظ: هذا صريح في أن المراد بخيرية العزلة أن تقع في آخر الزمان، اهـ. (أن يكون خير) بالنصب على الأشهر خبر مقدم ليكون واسمه غنم (مال المسلم غنم) نكرة موصوفة اسم ليكون، قال الحافظ: خير بالنصب على الخبر، وغنم الاسم، وللأصيلي برفع خير، ونصب غنماً على الخبر، ويجوز رفعهما على الابتداء والخبر، ويقدر في يكون ضمير الشأن، قاله ابن الملك، لكن لم تجئ به الرواية، اهـ. (١) ((فتح الباري)) (٦٩/١). ٢٨٧ ٥٥ - كتاب الاستئذان (٦) باب (١٧٥٠) حديث يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ قال الباجي(١): خص الغنم بذلك؛ لأنه أعلم أن هذا إنما يكون في صاحب غنم، وأما صاحب الإبل وغيره من أنواع المال فلا يتأتى ذلك فيها، ويحتمل أن يكون خصهم بذلك؛ لأن الكاف عن الفتنة والمعتزل لأهلها مقتصر على هذا النوع من المال؛ لأنه لا مدخل له في الفتنة ولا عون منه عليها وما يكاد يقتصر عليها إلا متقلل من الدنيا، اهـ. (يتّبع بها) بتشديد الفوقية من الاتباع، باب الافتعال، ويجوز سكون الفوقية من تبع بالكسر يتبع بالفتح، كذا في ((الزرقاني))(٢) تبعاً للحافظ (شعف الجبال) كذا في جميع النسخ المصرية والهندية، ويظهر من كلام الزرقاني الآتي أن رواية يحيى بالموحدة إذ قال: شعف بشين معجمة فعين مهملة مفتوحتين ففاء: رؤوس الجبال، ووقع في رواية يحيى ((شعب)) بموحدة بدل الفاء، قال ابن عبد البر: هو غلط إنما يرويه الناس ((شعف)) بفتح المعجمة والمهملة وفاء جمع شعفة کأكم وأكمة، اهـ. قال الحافظ(٣): قوله: شعف بفتح الشين المعجمة والعين المهملة بعدها فاء جمع شعفة كأكم وأكمة: رؤوس الجبال والمرعى فيها والماء، ولا سيما في بلاد الحجاز أيسر من غيرها، ووقع عند بعض رواة ((الموطأ)) بضم أوله وفتح ثانيه وبالموحدة بدل الفاء، جمع شعبة، وهي ما انفرج بين الجبلين، ولم يختلفوا في أن الشين معجمة، ووقع لغير مالك كالأول لكن السين مهملة، اهـ. قلت: أشار بذلك الحافظ إلى رواية البخاري عن ابن الماجشون المتقدمة، ولفظها ((يتبع بها شعف الجبال، أو سعف الجبال في مواقع القطر)) (١) ((المنتقى)) (٢٩٠/٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٧٥/٤). (٣) ((فتح الباري)) (٤٢/١٣). ٢٨٨ ٥٥ - كتاب الاستئذان (٦) باب (١٧٥٠) حديث وَمَوَاقِعَ الْقَظْرِ. يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ)». أخرجه البخاريّ في: ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١٥ - باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال. قال الحافظ(١): في شرحه بالعين المهملة فيهما وبالشين المعجمة في الأولى والمهملة في الثانية، والتي بالمعجمة، معناها رؤوس الجبال، والتي بالمهملة معناها جريد النخل. وقد أشار صاحب ((المطالع)) إلى توهيمها، ولكن يمكن تخريجها على إرادة تشبيه أعلى الجبل بأعلى النخلة، وجريد النخل يكون غالباً أعلى ما في النخلة لكونها قائمة، اهـ. (ومواقع القطر) بالواو في جميع النسخ، وكذا في رواية مالك عند البخاري، قال الحافظ: بالنصب عطفاً على شعف، أي بطون الأودية، وخصهما بالذكر؛ لأنهما مظان المرعى، اهـ. وتقدم في رواية ابن الماجشون ((في مواقع القطر)). (يفر) عن الناس (بدينه) أي بسبب دينه (من الفتن) قال الحافظ: من ابتدائية، وقال الكرماني: هذه الجملة حالية، وذو الحال الضمير المستتر في يتّبع أو المسلم إذا جوّزنا الحال من المضاف إليه، فقد وجد شرطه، وهو شدة الملابسة، ويجوز أن تكون استئنافية، وهو واضح. قال الحافظ (٢): والخبر دال على فضيلة العزلة لمن خاف على دينه، وقد اختلف السلف في أصل العزلة، فقال الجمهور: الاختلاط أولى لما فيه من اكتساب الفوائد الدينية، للقيام بشعائر الإسلام وتكثير سواد المسلمين، وإيصال أنواع الخير إليهم، من إعانة وإغاثة وعيادة وغير ذلك، وقال قوم: العزلة أولى لتحقق السلامة بشرط معرفة ما يتعين. (١) (٦١٤/٦). (٢) ((فتح الباري)) (٤٢/١٣). ٢٨٩ ٥٥ - كتاب الاستئذان (٦) باب (١٧٥٠) حديث وقال النووي: المختار تفضيل المخالطة لمن لا يغلب على ظنه أنه يقع في معصية، فإن أشكل الأمر فالعزلة أولى، وقال غيره: يختلف باختلاف الأشخاص، فمنهم من يتحتم عليه أحد الأمرين، ومنهم من يترجح، وليس الكلام فيه، بل إذا تساويا فيختلف باختلاف الأحوال، فإن تعارضا اختلف باختلاف الأوقات، فممن يتحتم عليه المخالطة من كانت له قدرة على إزالة المنكر، فيجب عليه إما عيناً وإما كفاية بحسب الحال، وممن يترجح من يغلب على ظنه أنه يسلم في نفسه إذا قام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وممن يستوي من يأمن على نفسه، ولكنه يتحقق أنه لا يطاع، وهذا حيث لا يكون هناك فتنة عامة. فإن وقعت ترجحت العزلة لما ينشأ فيها غالباً من الوقوع في المحذور، وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة فتعمُّ من ليس من أهلها، كما قال تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةٌ﴾ ويؤيد التفصيل المذكور حديث أبي سعيد الخدري ((خير الناس رجل جاهد بنفسه وماله، ورجل في شعب من الشعاب یعبد ربه ويدع الناس من شره))، اهـ. وترجم البخاري في (صحيحه)) ((باب العزلة راحة للمؤمن من خلاط السوء))، وذكر فيه حديث الباب من رواية الماجشون وحديث أبي سعيد الخدري المذكور آنفاً، قال الحافظ(١): لفظ هذه الترجمة أثر أخرجه ابن أبي شيبة بسند رجاله ثقات عن عمر - رضي الله عنه - أنه قاله، لكن في سنده انقطاع. وذكر الخطابي في ((كتاب العزلة)): أن العزلة والاختلاط يختلف باختلاف متعلقاتهما، فتحمل الأدلة الواردة في الحض على الاجتماع على ما يتعلق (١) ((فتح الباري)) (٣٣١/١١). ٢٩٠ ٥٥ - كتاب الاستئذان (٦) باب (١٧٥١) حديث ١٧٥١/ ١٧ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَّهِ قَالَ: ((لَا يَحْتَلِيَنَّ. بطاعة الأئمة وأمور الدين وعكسها في عكسه، وأما الاجتماع والافتراق بالأبدان، فمن عرف الاكتفاء بنفسه في حق معاشه ومحافظة دينه، فالأولى له الانكفاف عن مخالطة الناس بشرط أن يحافظ على الجماعة والسلام والرد وحقوق المسلمين من العيادة وشهود الجنازة ونحو ذلك، والمطلوب إنما هو ترك فضول الصحبة، لما في ذلك من شغل البال وتضييع الأوقات عن المهمات، ويجعل الاجتماع بمنزلة الاحتياج إلى الغداء والعشاء، فيقتصر منه على ما لا بد منه، فهو أروح للبدن والقلب. وقال القشيري في ((الرسالة)»: طريق من آثر العزلة يعتقد سلامة الناس من شره لا العكس، فإن الأول نتيجة استصغاره نفسه، وهي صفة المتواضع، والثاني شهوده مزية له على غيره، وهذه صفة المتكبر، اهـ. ١٧/١٧٥١ - (مالك - نافع عن ابن عمر) رضي الله عنهما (أن رسول الله عَليه قال) هكذا في ((البخاري)) برواية عبد الله بن يوسف عن مالك (لا يحتلبن)(١) هكذا في جميع النسخ المصرية والهندية بفتح المثناة الفوقية وكسر اللام من الافتعال، وهكذا في ((موطأ محمد)»(٢)، وفي رواية البخاري المذكورة ((لا يحلبن)) قال الحافظ(٣): كذا في ((البخاري)) وأكثر ((الموطآت)) بضم اللام، وفي رواية ابن الهاد عن مالك عند الدارقطني ((لا يحتلبن)) بكسرها وزيادة المثناة قبلها، اهـ. ويفهم منه أن رواية ((الموطأ)) موافقة للبخاري، وما في نسخنا رواية ابن الهاد . (١) الحديث في ((التمهيد)) (٢٠٦/١٤)، وأخرجه البخاري فى اللقطة (٢٤٣٥)، باب لا تحتلب ماشية أحد بغير إذنه. (٢) ح (٨٧٢). (٣) ((فتح الباري)) (٨٩/٥). ٢٩١ ٥٥ - كتاب الاستئذان (٦) باب (١٧٥١) حدیث أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، (أحد ماشيةَ أحد) قال الحافظ: الماشية تقع على الإبل والبقرة والغنم لكنه في الغنم يقع أكثر، قاله في ((النهاية)). ولفظ البخاري في الرواية المذكورة ((لا يحلبن أحد ماشية امرئ)). قال الحافظ: وفي رواية ابن الهاد وجماعة من رواة ((الموطأ)) ((ماشية رجل))، وهو كالمثال، وإلا فلا اختصاص لذلك بالرجال، وذكره بعض شراح ((الموطأ)) بلفظ ((ماشية أخيه))، وقال: هو للغالب، إذ لا فرق في هذا الحكم بين المسلم والذميّ. وتعقب بأنه لا وجود لذلك، وبإثبات الفرق عند كثير من أهل العلم، وقد رواه أحمد من طريق آخر عن نافع بلفظ ((نهى أن يحتلب مواشي الناس إلا بإذنهم))، اهـ. وسيأتي قريباً في كلام الباجي اختلافهم في مال الذمي، وفي كلام الحافظ بعد ذلك القول به عن بعض السلف (بغير إذنه) العمومي أو الخصوصي. قال الباجي(١): يريد على وجه المنع من مال غيره إلا بإذنه وطيب نفسه، وقد روى ابن وهب عن مالك في الرجل يدخل الحائط، فيجد الثمر ساقطاً، قال: لا يأكل منه إلا أن يعلم أن صاحبه طيب النفس به أو يكون محتاجاً إلى ذلك، فأرجو أن لا يكون به من بأس، يريد أن يعلم من حاله أن ذلك لا يشق عليه لقلته، بل ربما كان ذلك مما يسرّه ويسوؤه أن لا يفعله لما فيه من إظهار طيب نفسه عليه وثقته بمروءته. وقال أشهب: خرجنا إلى الإسكندرية مرابطين، فمررنا بجنان الليث بن سعد، فدخلناه، فأكلنا من الثمر، فلما رجعت دعتني نفسي إلى أن أستحلّه، فقال لي: يا ابن أخي لقد نسكت نسكاً أعجمياً، أما سمعت الله عز وجل يقول: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمَّ لَيْسَ عَلَيَكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَأْكُلُوْ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَانً﴾(٢) فلا بأس أن يأكل الرجل من مال أخيه الشيء التافه يسره بذلك. (١) ((المنتقى)) (٢٩٠/٧). (٢) سورة النور: الآية ٦١. ٢٩٢ ٥٥ - كتاب الاستئذان (٦) باب (١٧٥١) حديث أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ، فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، وهذا يكون على وجهين؛ أحدهما: ما قدمناه مما يعتقد من طيب نفس الصديق، والثاني: لضرورة معه، حكى الشيخ أبو القاسم من وجد ميتة ومالاً لغيره أكل من مال غيره وضمنه، وقيل: لا ضمان عليه، ولا يأكل الميتة إلا أن يخاف القطع، فيجوز له أكلها، وأما ما كان من أموال أهل الذمة، فقد روي عن أنس بن مالك وأبي بردة وعبد الرحمن بن سمرة أنهم كانوا في سفر، فكانوا يصيبون من الثمار، قال الحسن البصري: يأكل ولا يفسد، ولا يحمل، ومعنى ذلك عندي إن لم يكن بمعنى أكل الصديق أو أكل المضطر، فإن معناه أن الحائط لذميّ لما في ماله من حق الضيافة، وقد قال مالك في المسافر ينزل بالذمي: لا يأخذ من ماله شيئاً إلا بإذنه، قيل لمالك: أفرأيت الضيافة التي جعلت عليهم ثلاثة أيام؟ فقال: كان يومئذ، خفّف عنهم ذلك، وروي عن عمر بن الخطاب: لا بأس بأكل المسافر مما يمر به من الثمار من أموال أهل الذمة وغيرهم، اهـ. وسيأتي في كلام الحافظ كلام ابن وهب هذا بسياق آخر. (أيحب) بهمزة الاستفهام للإنكار بصيغة المضارع من أحَبَّه فلان (أحدكم أن تؤتى) ببناء المجهول بتاء التأنيث في النسخ المصرية، والتذكير في الهندية (مشربته) بفتح الميم، قال الحافظ(١): بضم الراء وقد تفتح أي غرفته، اهـ. زاد صاحب ((المحلى)): هي بيت فوقانيٌّ يوضع فيه المتاع، قال الحافظ: والمشربة مكان الشرب بفتح الراء خاصة والمشربة بالكسر إناء الشرب (فتكسر) ببناء المجهول بالنصب عطفاً على تؤتى، وهو بالتأنيث في جميع النسخ (خزانته) قال صاحب ((المحلى)): بكسر الخاء، وفي ((القاموس)): هي ككتابة فعل الخازن، ومكان الخزن، ولا يفتح. قال صاحب ((التعليق الممجد))(٢): لا تفتح الخزانة كما لا تكسر (١) ((فتح الباري)) (٨٩/٥). (٢) (٣٧٧/٣). ٢٩٣ ٥٥ - كتاب الاستئذان (٦) باب (١٧٥١) حديث فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ؟ وَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَظْعِمَاتِهِمْ. القصعة، قال الزرقاني: بكسر الخاء والرفع نائب الفاعل مكانه أو وعاؤه الذي يخزن فيه ما يريد حفظه، وفي رواية أيوب عند أحمد فيكسر بابها . (فينتقل) ببناء المجهول والنصب من الافتعال في النسخ المصرية، والإفعال في النسخ الهندية، ويؤيد الأول ما سيأتي من كلام الحافظ (طعامه) نائب الفاعل. قال الحافظ: ينتقل بالنون والقاف وضم أوله يفتعل من النقل أي يحول من مكان إلى آخر، كذا في أكثر ((الموطآت)) عن مالك، ورواه بعضهم كما حكاه ابن عبد البر، وأخرجه الإسماعيلي من طريق روح وغيره بلفظ فينثل بمثلثة بدل القاف، والنثل النثر مرة واحدة بسرعة، وقيل: الاستخراج، وهو أخص من النقل، وهكذا أخرجه مسلم من رواية أيوب عن نافع، ورواه عن الليث عن نافع بالقاف. (وإنما يخزن) بالتذكير في النسخ الهندية، والتأنيث في المصرية، وكذا في ((البخاري))، ضبطه الزرقاني(١) بفتح الفوقية وسكون المعجمة وضم الزاي، وقال القاري: بالتذكير، والتأنيث، وضم الزاي، أي يحفظ، وقال الحافظ: بالخاء المعجمة الساكنة والزاي المضمومة بعدها نون، وفي رواية الكشميهني: تحرز بضم أوله وإهمال الحاء وكسر الراء بعدها زاي (لهم) أي لأصحاب المواشي (ضروع) جمع ضرع، وهي للبهيمة، كالثدي للمرأة، وهو بالضم على الفاعلية (مواشيهم) جمع ماشية (أطعماتهم) نصب بالكسر، جمع أطعمة، وهو جمع طعام، والمراد به ههنا اللبن، كذا في ((الفتح))(٢). قال القاري(٣): جمع الجمع للطعام مبالغةً، وهو مفعول يخزن، والمعنى (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٧٦/٤). (٢) ((فتح الباري)) (٨٩/٥). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (١١٤/٦). ٢٩٤ ٥٥ - كتاب الاستئذان (٦) باب (١٧٥١) حديث فَلَا يَحْتَلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ)). أخرجه البخاريّ في: ٤٥ - كتاب اللقطة، ٨ - لا تحتلب ماشية أحد بغير إذنه. ومسلم في: ٣١ - كتاب اللقطة، ٢ - باب تحريم حلب الماشية بغير إذن مالكها، حديث ١٣. أن ضروع مواشيهم في حفظ اللبن بمنزلة خزائنكم التي تحفظ طعامكم، فمن حلب مواشيهم فكأنه كسر خزائنهم (فلا يحتلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه) كرره بعد ذكر المثال تأكيداً وزيادة في التنفير. قال الحافظ(١): قال ابن عبد البر: في الحديث النهي عن أن يأخذ المسلم للمسلم شيئاً إلا بإذنه، وإنما خص اللبن بالذكر لتساهل الناس فيه، فَنَبه به على ما هو أولى منه، وبهذا أخذ الجمهور، لكن سواء كان بإذن خاص أو عام. واستثنى كثير من السلف ما إذا علم بطيب نفس صاحبه، وإن لم يقع منه إذن عام أو خاص. وذهب كثير منهم إلى الجواز مطلقاً في الأكل والشرب، سواء علم بطيب نفسٍ صاحبه أو لم يعلم، والحجة لهم ما أخرجه أبو داود(٢) والترمذي. وصححه من رواية الحسن عن سمرة مرفوعاً ((إذا أتى أحدكم على ماشية، فإن لم يكن صاحبها فيها فليصوت ثلاثاً، فإن أجاب فليستأذن فإن أذن له وإلا فليحلب وليشرب)) ولا يحمل إسناده صحيح إلى الحسن، فمن صحَّح سماعه من سمرة صححه، ومن لا أعلَّه بالانقطاع، لكن له شواهد من أقواها حديث أبي سعيد مرفوعاً: ((إذا أتيت على راع، فناده ثلاثاً، فإن أجابك وإلا فاشرب من غير أن تفسد، وإذا أتيت على حائط)). فذكر مثله، أخرجه ابن ماجه (٣) والطحاوي، وصححه ابن حبان والحاكم. (١) (فتح الباري)) (٨٩/٥). (٢) (سنن أبي داود)) (٢٦٢٩)، ((سنن الترمذي)) (١٢٩٦). (٣) ((سنن ابن ماجه)) (٢٣٠٠). ٢٩٥ ٥٥ - كتاب الاستئذان (٦) باب (١٧٥١) حديث وأجيب عنه بأن حديث النهي أصح، فهو أولى بأن يعمل به، وبأنه معارض للقواعد القطعية في تحريم مال المسلم بغير إذنه، فلا يلتفت إليه، ومنهم من جمع بين الحديثين بوجوهٍ من الجمع، منها: حمل الإذن على ما إذا علم طيب نفس صاحبه، والنهي على ما إذا لم يعلم، ومنها: تخصيص الإذن بابن السبيل دون غيره، أو بالمضطر، أو بحال المجاعة مطلقاً، وهي متقاربة. وحكى ابن بطال عن بعض شيوخه أن حديث الإذن كان في زمانه وَلآ، وحديث النهي أشار به إلى ما سيكون بعده من التشاح وترك المواساة، ومنهم من حمل حديث النهي على ما إذا كان المالك أحوج من المار، لحديث أبي هريرة، ((بينما نحن مع رسول الله صل في سفر إذ رأينا إبلاً مصرورة، فثبنا إليها، فقال لنا رسول الله صل *: إن هذه الإبل لأهل بيت من المسلمين، هو قوتهم، أيَسُرُّكم لو رجعتم إلى مزاودكم، فوجدتم ما فيها قد ذهب؟ قلنا: لا . قال: فإن ذلك كذلك)) أخرجه أحمد وابن ماجه (١)، قالوا: فيحمل حديث الإذن على ما إذا لم يكن المالك محتاجاً، وحديث النهي على ما إذا كان مستغنياً، ومنهم من حمل الإذن على ما إذا كانت غير مصرورة، والنهي على ما إذا كانت مصرورة، لهذا الحديث. واختار ابن العربي الحمل على العادة، قال: وكانت عادة أهل الحجاز والشام وغيرهم المسامحة في ذلك بخلاف بلدنا، قال: ورأى بعضهم أن مهما كان على طريق لا يعدل إليه ولا يقصد، جاز للمار الأخذ منه، وفيه إشارة إلى قصر ذلك على المحتاج، وأشار أبو داود في ((السنن)) إلى قصر ذلك على المسافر في الغزو، وآخرون إلى قصر الإذن على ما كان لأهل الذمة، والنهي على ما كان للمسلمين، واستؤنس بما شرطه الصحابة على أهل الذمة من ضيافة المسلمين، وصح ذلك عن عمر - رضي الله عنه -. (١) (سنن ابن ماجه)) (٢٣٠٣). ٢٩٦ ٥٥ - كتاب الاستئذان (٦) باب (١٧٥١) حديث وذكر ابن وهب عن مالك في المسافر ينزل بالذمي، قال: لا يأخذ منه شيئاً إلا بإذنه، قيل: فالضيافة التي جعلت عليهم؟ قال: كانوا يومئذ يخفف عنهم بسببها، وأما الآن فلا، وجنح بعضهم إلى نسخ الإذن، وحملوه على أنه كان قبل إيجاب الزكاة، قالوا: وكانت الضيافة حينئذ واجبة، ثم نسخ ذلك بفرض الزكاة، قال الطحاوي: كان ذلك حين كانت الضيافة واجبة، ثم نسخت فنسخ ذلك الحكم، وأورد الأحاديث في ذلك. وقال النووي في ((شرح المهذب)): اختلف العلماء فيمن مر ببستان أو زرع أو ماشية، قال الجمهور: لا يجوز أن يأخذ شيئاً إلا في حال الضرورة، فيأخذ ويغرم عند الشافعي والجمهور، وقال بعض السلف: لا يلزمه شيء، وقال أحمد: إذا لم يكن على البستان حائط جاز له الأكل من الفاكهة الرطبة في أصح الروايتين، ولو لم يحتج لذلك، وفي الأخرى إذا احتاج، ولا ضمان عليه في الحالين. وعلّق الشافعي القول بذلك على صحة الخبر، قال البيهقي: يعنى حديث ابن عمر مرفوعاً: ((إذا مر أحدكم بحائط فليأكل ولا يتخذ خبيئة)) أخرجه الترمذي واستغربه، قال البيهقي: لم يصح، وجاء من أوجه أخر غير قوية، قال الحافظ: والحق أن مجموعها لا يقصر عن درجة الصحيح، وقد بينت ذلك في كتابي ((المنحة فيما علق الشافعي القول به على الصحة))، اهـ. قال محمد في ((موطئه)) بعد حديث الباب: وبهذا نأخذ لا ينبغي لرجل مر على ماشية رجل أن يحلب منها شيئاً بغير أمر أهلها، وكذلك إن مر على حائط له فيه نخل أو شجر فيه ثمر، فلا يأخذن من ذلك شيئاً، ولا يأكله إلا بإذن أهله، إلا أن يضطر إلى ذلك فيأكل ويشرب، ويغرم ذلك لأهله، وهو قول أبي حنيفة، اهـ(١). (١) انظر: ((موطأ محمد)) ح (٨٧٢). ٢٩٧ ٥٥ - كتاب الاستئذان (٦) باب (١٧٥١) حدیث وفي ((المرقاة))(١) عن ((شرح السنة)): العمل على هذا عند أكثر أهل العلم، أنه لا يجوز أن يحلب ماشية الغير بغير إذنه، إلا إذا اضطر في مخمصة، ويضمن، وقيل: لا ضمان عليه؛ لأن الشرع أباحه له، وذهب أحمد وإسحاق وغيرهما إلى إباحته لغير المضطر أيضاً إذا لم يكن المالك حاضراً، فإن أبا بكر - رضي الله عنه - حلب لرسول الله وَ ◌ّ لبناً من غنم رجل من قريش يرعاها عبد له في هجرته إلى المدينة، وعند أكثرهم: لا يباح إلا بإذن المالك إلا لضرورة مجاعة كما سبق. قال التوربشتي: حمل بعضهم هذه الأحاديث على الضرورة والمجاعة؛ لأنها لا تقاوم النصوص التي وردت في تحريم مال المسلم. وقال النووي(٢): غير المضطر إذا كان له إدلال على صاحب الطعام بحيث يعلم أو يظن أن نفسه تطيب بأكله منه بغير إذنه، فله الأكل، والمضطر إذا وجد ميتة وطعاماً لغيره، فيه خلاف، والأصح عندنا يأكل الميتة، اهـ. وقال النووي: أما شرب النبي ◌َّر وأبي بكر من لبن غنم الراعي فيحتمل أنهما شرباه إدلالاً على صاحبه؛ لأنهما كانا يعرفانه، أو أذن للراعي أن يسقي منه من مَرَّ به أو كان عرفهم إباحة ذلك، أو أنه مال حربيّ لا أمان له، اهـ. قال الحافظ(٣): حكى ابن بطال عن بعض شيوخه أن أبا بكر - رضي الله عنه - استجازه؛ لأنه مال حربيّ فكان حلالاً، وتعقبه المهلب بأن الجهاد وحِلَّ الغنيمة إنما وقع بعد الهجرة بالمدينة، ولو كان أبو بكر - رضي الله عنه - أخذه؛ على أنه مال حربيّ لم يستفهم الراعي هل تحلب أم لا؟ ولكان ساق (١) ((مرقاة المفاتيح)) (١١٤/٦). (٢) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (٢٩/١٢). (٣) ((فتح الباري)) (٩٤/٥). ٢٩٨ ٥٥ - كتاب الاستئذان (٦) باب (١٧٥٢) حديث ١٨/١٧٥٢ - وحدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ الغنم غنيمة، وقتل الراعي أو أسره، قال: ولكنه كان بالمعنى المتعارف عندهم في ذلك الوقت على سبيل المكرمة، أو كأن صاحب الغنم قد أذن للراعي أن يسقي من مر به، اهـ. ١٨/١٧٥٢ - (مالك أنه بلغه) قال ابن عبد البر في ((التجريد))(١): هذا الحديث يجعله بعضهم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، وبعضهم عن أبي سلمة مرسلاً، وبعضهم يجعله عن أبي سلمة عن أبيه عن جابر، قد بينا ذلك في ((التمهيد)»، اهـ. قال السيوطي في ((التنوير)) (٢)، وتبعه الزرقاني: هذا الحديث ورد موصولاً من حديث عبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وجابر بن عبد الله، اهـ. قلت: أخرج البخاري في ((صحيحه))(٣) برواية أحمد بن محمد المكي نا عمرو بن يحيى عن جده عن أبي هريرة عن النبي وَ ل قال: ((ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة))، وأخرج أيضاً من حديث الزهري عن أبي سلمة قال: أخبرني جابر بن عبد الله قال: ((كنا مع رسول الله وَلّل بمر الظهران، نجني الكباث، فقال: عليكم بالأسود منه، فإنه أطيب، فقيل: أكنت ترعى الغنم، قال: نعم، وهل من نبيّ إلا رعاها». وفي ((مجمع الزوائد»(٤): عن عبد الرحمن بن عوف قال: ((مر بنا النبي وَ ﴾، ونحن نجني ثمر الأراك، فقال: عليكم بالأسود منه، فإني كنت . (١) (ص٢٥١). (٢) (٢١٦/١٤). (٣) أخرجه البخاري في الإجارة، باب رعي الغنم على قراريط ح (٢٢٦١). (٤) (٤٢٠/٨) ح (١٣٨٨١). ٢٩٩ ٥٥ - كتاب الاستئذان (١٧٥٢) حديث أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ: ((مَا مِنْ نَبِيِّ إِلَّا قَدْ رَعَى غَماً، (٦) باب أجتنيه وأنا أرعى الغنم، قالوا: أرعيت يا رسول الله؟ قال: نعم، وما من نبي إلا وقد رعاها))، رواه الطبراني في ((الأوسط)) وأبو سلمة لم يسمع من أبيه، اهـ. وقال الدميري: في ((غريب الحديث)) للقعنبي: بُعِث موسى - عليه السلام - وهو راعي غنم، وبعث داود عليه السلام وهو راعي غنم، وبعثتُ وأنا راعي غنم أهلي بأجياد، اهـ. وذكره الحافظ من رواية النسائي كما سيأتي في كلامه. (أن رسول الله (وَ ل﴿ قال: ما من نبي إلا قد) بدون الواو في النسخ المصرية وبزيادة الواو بلفظ إلا وقد في النسخ الهندية. (رعى غنماً) قال الحافظ (١): قال العلماء: الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمرٍ أُمَّتِهِم؛ ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم الحلم والشفقة، لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى ونقلها من مسرح إلى مسرح ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق، وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة، ألفوا من ذلك الصبر على الأمة، وعرفوا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها، فجبروا كسرها ورفقوا بضعيفها، وأحسنوا التعاهد لها، فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام بذلك من أول وهلة لما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم، وخصت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها، ولأن تفرقها أكثر من تفرق الإبل والبقر لإمكان ضبطهما بالربط دونها في العادة المألوفة، اهـ. قال الباجي(٢): قال بعض الناس: إن رعاية الأنبياء الغنم، إنما كان على سبيل التعليم والتدريب في رعاية أممهم، ويحتمل أن يكون ذلك ليأخذوا بحظ (١) ((فتح الباري)) (٤٤١/٤). (٢) ((المنتقى)) (٢٩١/٧). ٣٠٠