Indexed OCR Text

Pages 261-280

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٤) باب
(١٧٤٣) حديث
بتحفة أن يكافئه على مواصلته بما يكون أفضل من ذلك، ويحتمل أن يكون
اختار ذلك ابتداء، ورآه أفضل من عتقها، لأن الصلة أعظم أجراً من العتاقة،
ولأنه كان في وقت شدة بالمدينة وكان العتق ضراراً بالمعتق، فجعل ذلك خيراً
لها بمعنى أنه أعظم أجراً وأوصل للرحم، اهـ.
وأخرج البخاري في ((صحيحه)) (١) عن ميمونة - رضي الله عنها - أنها
أعتقت وليدة ولم تستأذن النبي ◌ّير، فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه
قالت: أَشَعَرْتَ يا رسول الله أني أعتقت وليدتي؟ قال: ((أو فعلت؟)) قالت:
نعم، قال: ((أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك)).
قال الحافظ(٢): قوله: ((أعتقت وليدة)) أي جارية، وفي رواية النسائي من
طريق آخر عنها ((أنها كانت لها جارية سوداء)) ولم أقف على اسم هذه الجارية،
وبين النسائي من طريق أخرى عن الهلالية زوج النبي ◌َّ، وهي ميمونة في
أصل هذه الحادثة أنها كانت سألت النبي وهلل خادماً، فأعطاها خادماً فأعتقتها.
وقوله: ((كان أعظم لأجرك)). قال ابن بطال: فيه أن هبة ذي الرحم
أفضل من العتق، ويؤيده ما رواه الترمذي وغيره وصححه ابن حبان وابن خزيمة
عن سلمان بن عامر الضبي مرفوعاً ((الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي
الرحم صدقة وصلة)) لكن لا يلزم من ذلك أن تكون هبة ذي الرحم أفضل
مُطلقاً لاحتمال أن يكون المسكين محتاجاً ونفعه بذلك متعدياً والآخر بالعكس،
وقد وقع في رواية النسائي المذكورة: ((أفلا فديت بها بنت أخيك من رعاية
الغنم))؟ فبين الوجه في الأولوية المذكورة، وهو احتياج قرابتها إلى من
يخدمها، وليس في الحديث حجة على أن صلة الرحم أفضل من العتق؛ لأنها
وقعة عين، والحق أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال، اهـ.
(١) ح (٢٥٩٢).
(٢) «فتح الباري)) (٢١٨/٥).
٢٦١

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٤) باب
(١٧٤٤) حديث
١٠/١٧٤٤ - وحدّثني مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي
أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ
الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ؛
١٠/١٧٤٤ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي أمامة) أسعد (بن
سهل بن حنيف) الأنصاري، وسهل بفتح السين المهملة وسكون الهاء مكبراً في
جميع النسخ المصرية، فما في النسخ الهندية بلفظ سهيل يعني مصغراً تحريف
من الناسخ، فإن سهل بن حنيف الأنصاري الأوسي البدري، صحابي شهير،
ويلفظ أبي أمامة بن سهل يعني بالتكبير، ذكره البخاري في ((صحيحه)).
(عن عبد الله بن عباس عن خالد بن الوليد بن المغيرة) قال ابن
عبد البر(١): هكذا رواه يحيى والقعنبي وابن القاسم وجماعة، ورواه ابن بكير
عن ابن عباس وخالد أنهما دخلا مع رسول الله وَّل بيت ميمونة، وتابعه قوم،
وكذا رواه معمر عن الزهري، اهـ.
قلت: هكذا أخرجه البخاري برواية القعنبي عن مالك، قال الحافظ (٢):
وفي رواية يونس عن الزهري أخبرني أبو أمامة أن ابن عباس أخبره أن خالد بن
الوليد الذي يقال له سيف الله أخبره، أخرجه البخاري في الأطعمة، وهذا
الحديث مما اختلف فيه على الزهري، هل هو من مسند ابن عباس أو من
مسند خالد، وكذا اختلف فيه على مالك، فقال الأكثر: عن ابن عباس عن
خالد، وقال يحيى بن بكير في ((الموطأ)) وطائفة عن مالك بسنده: عن ابن
عباس وخالد أنهما دخلا، وقال يحيى بن يحيى التميمي عن مالك بلفظ عن
ابن عباس قال: دخلت أنا وخالد على النبي بَلَّ، أخرجه مسلم عنه، وكذا
أخرج عن معمر عن الزهري بلفظ عن ابن عباس قال: أتى النبي ◌َّ، ونحن
في بيت ميمونة بضبين مشويين.
(١) ((التمهيد)) (٢٤٧/٦).
(٢) ((فتح الباري)) (٩/ ٦٦٣).
٢٦٢

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٤) باب
(١٧٤٤) حدیث
أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ لَّهُ بَيْتَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِّ وَ. فَأْتِيَ بِضَبٍّ
مَحْنُوذٍ. فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَلَهَ بِيَدِهِ. فَقَّالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ اللََّّتِي
فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ:
والجمع بين هذه الروايات أن ابن عباس - رضي الله عنهما - كان حاضراً
للقصة في بيت خالته ميمونة، كما صرح به في إحدى الروايات، وأنه استثبت
خالداً في شيء منه لكونه الذي كان باشر السؤال عن حكم الضب، وباشر
الأكل أيضاً، فكان ابن عباس ربما رواه عنه، ويؤيد ذلك أن محمد بن المنكدر
حدث به عن أبي أمامة عن ابن عباس قال: أتى النبيِ وَّ﴾، وهو في بيت
ميمونة وعنده خالد بن الوليد بلحم ضب، الحديث أخرجه مسلم، اهـ.
(أنه) أي خالداً (دخل مع رسول الله وَلقول بيت) بالتحتية بين الموحدة
والفوقية، فما في النسخ الهندية بالنون بدل التحتية تحريف من الناسخ أي دخل
في مسكن خالته (ميمونة) أم المؤمنين (زوج النبي وَلاغير فأتي) بضم الهمزة ببناء
المجهول (بضب محنوذ) بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وضم النون آخره
ذال معجمة، أي مشوي بالحجارة المحماة في حفرة في الأرض، وكان من
فعل أهل البادية، كما في ((الجمل))، يقال: حنيذ ومحنوذ، كقتيل ومقتول، ومنه
قوله تعالى: ﴿جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾، وفي ((المحلى)) عن ((القاموس)): حنذ الشاة
يحنذها حنذاً وحناذاً: شواها، وجعل فوقها حجارة محماة لينفخها، فهي
حنيذ، اهـ.
قال الحافظ: وقع في رواية معمر ((بضب مشوي))، والمحنوذ أخص،
وتقدم في رواية ماضية أن أخت ميمونة - رضي الله عنها - كانت أهدته.
(فأهوى) بفتح الهمزة وسكون الهاء، أي مد وأمال يده، زاد في رواية
يونس عند البخاري: وكان رسول الله وَل قل ما يقدم يده لطعام حتى يسمى له
(إليه) أي إلى الضب (رسول الله وَليل بيده) الشريفة ليأخذه (فقال بعض النسوة
اللاتي في بيت ميمونة) قال الحافظ: وفي رواية يونس: فقالت امرأة من النسوة
٢٦٣

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٤) باب
(١٧٤٤) حديث
أَخْبِرُوا رَسُولَ اللهِ وَلَهَ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ. فَقِيلَ: هُوَ ضَبِّ يَا
رَسُولَ اللهِ. فَرَفَعَ يَدَهُ. فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: (لَا.
وَلْكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضٍ قَوْمِي،
الحضور: ((أخبرن رسول الله و لو ما قدمتن له، هو الضب يا رسول الله، وكأن
المرأة أرادت أن غيرها يخبرها، فلما لم يخبروا بادرت هي فأخبرت)).
وفي حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - عند البخاري قال: كان ناس
من أصحاب النبي بّ فيهم سعد يعني ابن وقاص، فذهبوا يأكلون من لحم،
فنادتهم امرأة من بعض أزواج النبي وّر، ولمسلم من طريق يزيد بن الأصم عن
ابن عباس أنه بينما هو عند ميمونة وعندها الفضل بن عباس وخالد بن الوليد
وامرأة أخرى، إذ قرب إليهم خوان عليه لحم، فلما أراد النبي وَلّ أن يأكل
قالت له ميمونة: إنه لحم ضب فكف يده، فعرف بهذه الرواية اسم التي أبهمت
في الرواية الأخرى، اهـ.
(أخبروا رسول الله وَ ليل بما يريد أن يأكل منه) ليعلم (فقيل) والقائلة ميمونة
كما تقدم (هو ضبُّ يا رسول الله، فرفع رسول الله وَليل يده) الشريفة عن الضب
قال خالد: (فقلت: أحرام) بهمزة الاستفهام (هو يا رسول الله؟ فقال) وَل ير: (لا،
ولكنه لم يكن بأرض قومي) أي بمكة، قال ابن العربي: اعترض بعض الناس
على هذه اللفظة بأن الضباب كثيرة بأرض الحجاز، قال: فإن أراد تكذيب
الخبر فقد كذب هو، فإنه ليس بأرض الحجاز منها شيء أو ذكرت له بغير
اسمها أو حدثت بعد ذلك، وكذا أنكر ابن عبد البر ومن تبعه أن يكون ببلاد
الحجاز شيء من الضباب.
قال الحافظ(١): ولا يحتاج إلى شيء من هذا، بل المراد بقوله والجلد
((بأرض قومي)) قريش فقط، فيختص النفي بمكة وما حولها، ولا يمنع ذلك أن
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٦٦٥/٩).
٢٦٤

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٤) باب
(١٧٤٤) حديث
فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ)). قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ. وَرَسُولُ اللهِ وَهِ يَنْظُرُ.
هذا الحديث رواه البخاريّ عن خالد بن الوليد في: ٧٢ - كتاب الذبائح
والصيد، ٣٣ - باب الضب. ورواه مسلم عن ابن عباس في: ٣٤ - كتاب الصيد
والذبائح، ٧ - باب إباحة الضب، حديث ٤٣.
تكون موجودة بسائر بلاد الحجاز، وقد وقع في رواية يزيد بن الأصم عند
مسلم ((دعانا عروس بالمدينة، فقرب إلينا ثلاثة عشر ضباً فآكل، وتارك))
الحديث، فهذا يدل على كثرة وجدانها بتلك الديار، اهـ.
قلت: وفي رواية لمسلم عن أبي سعيد قال رجل: يا رسول الله إنا
بأرض مضبّة فما تأمرنا، الحديث. وفي أخرى له: أن أعرابياً أتى رسول الله وَله
فقال: إني في غائط مضبة، الحديث. قال الحافظ: مُضِبَّةٍ بضم أوله وكسر
المعجمة أي كثيرة الضباب، اهـ. وفي ((الطحاوي)): عن عبد الرحمن بن حسنة
نزلنا أرضاً كثيرة الضباب، الحديث. وعلم منه أنها كانت كثيرة في بعض
البوادي، لكن مع ذلك لم يأكله وَل18، كما في رواية يزيد بن الأصم عن ابن
عباس عند مسلم: هذا لحم لم آكله قط.
(فأجدني أعافه) بفتح الهمزة فعين مهملة وفاء خفيفة، مضارع، من عفت
الشيء أعافه، أي أكره أكله، وفي رواية سعيد بن جبير ((فتركهن النبي وَلـ
كالمتقذر لهن)) (قال خالد) بن الوليد: (فاجتررته) بجيم ساكنة وفوقية مفتوحة
ورائين، هذا هو المعروف في كتب الحديث، وضبطه بعض شراح ((المهذب))
بزاي قبل الراء، وغلطه النووي، كذا في ((الفتح)) (فأكلته) بضم الفوقية
(ورسول الله ﴿ ﴿ ينظر) زاد يونس في روايته ((إليّ))، كذا في ((الفتح)). وفي رواية
لمسلم والطحاوي واللفظ له عن ابن عباس قرب إلى رسول الله وَلّ لحم، فمد
يده يأكل، فقالت ميمونة ـرضي الله عنها -: يا رسول الله إنه لحم ضب،
فكف يده، ثم قال: هذا لحم لم آكله قط، فأكل الفضل بن عباس وخالد بن
الوليد وامرأة كانت معهم، وقالت ميمونة رضي الله عنها: لا آكل طعاماً لم
يأكل منه رسول الله الهند .
٢٦٥

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٤) باب
(١٧٤٥) حديث
١١/١٧٤٥ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَجُلاً نَادَى رَسُولَ اللهِ
١١/١٧٤٥ - (مالك عن عبد الله بن دينار) المدني مولى ابن عمر
- رضي الله عنهما -، ورواه ابن بكير عن مالك عن نافع، قال ابن عبد البر:
وهو صحيح محفوظ عنهما جميعاً، اهـ. قلت: وعن كليهما رواه مسلم في
((صحيحه)) (١) (عن عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما (أن رجلاً نادى
رسول الله (وَل3) وأخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٢) برواية عبد العزيز بن مسلم
عن عبد الله بن دينار، قال: سمعت ابن عمر - رضي الله عنهما - يقول: قال
النبي ◌َّلّ: ((الضب لست آكله ولا أحرمه)).
قال الحافظ(٣): كذا أورده مختصراً، وأخرجه مسلم من طريق
إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار بلفظ: سئل النبي وَ ل# عن الضب؟
فقال: ((لا آكله ولا أحرمه))، ومن طريق نافع عن ابن عمر: سأل رجل
رسول الله وَّل، زاد في رواية عن نافع أيضاً ((وهو على المنبر)) وهذا السائل
يحتمل أن يكون خزيمة بن جزء.
فقد أخرج ابن ماجه(٤) من حديثه، قلت: يا رسول الله ما تقول؟ فقال:
لا آكله ولا أحرمه، قال: قلت: فإني آكل ما لم تحرم، وسنده ضعيف، وعند
مسلم والنسائي من حديث أبي سعيد قال رجل: يا رسول الله إنا بأرض مضبة،
فما تأمرنا؟ قال: ذكر لي أن أمة من بني إسرائيل مسخت، فلم يأمر ولم ينه،
وهذا يمكن أن يفسر بثابت بن وديعة، فقد أخرج أبو داود والنسائي من حديثه،
قال: أصبت ضباباً فشويت منها ضباً، فأتيت به رسول الله ﴿ ﴿، فأخذ عوداً فعدّ
(١) أخرجه مسلم في الصيد (١٩٤٣)، وابن ماجه في الصيد (٢٣٤٢).
(٢) أخرجه البخاري في الصيد (٥٥٣٦).
(٣) ((فتح الباري)) (٦٦٣/٩).
(٤) ((سنن ابن ماجه)) (٣٢٤٥).
٢٦٦

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٤) باب
(١٧٤٥) حديث
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا تَرَى فِي الصَّبِّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ :
(لَسْتُ بِآكِلِهِ وَلَا بِمُحَرِّمِهِ)).
هذا الحديث أخرجه الترمذيّ في: ٢٣ - كتاب الأطعمة، ٣ - باب ما جاء
في أكل الضب. (قال أبو عيسى) هذا حديث حسن صحيح.
به أصابعه، الحديث، في آخره: فلم يأكل ولم ينه، وسنده صحيح، اهـ.
قلت: وفيه أن ثابت بن وديعة مدني، قال الحافظ بنفسه في ((التقريب)):
ثابت بن وديعة أبو سعيد المدني صحابي جليل، وفي ((التهذيب)) (١): الخزرجي
الأنصاري، له ولأبيه صحبة، وقال العسكري: شهد خبير، اهـ.
وهذا السائل في حديث أبي سعيد أعرابي ففي ((مسلم))(٢) عن أبي سعيد
أن أعرابياً أتى رسول الله وَلّر، فقال: إني في غائط (٣) مضَبَّة وإنه طعام عامة
أهلي، قال: فلم يجبه، فقلنا: عاوِذْه، فعاوده، فلم يجبه ثلاثاً، ثم ناداه
رسول الله وَيّر في الثالثة، فقال: ((يا أعرابي! إن الله لعن أو غضب على سبط
من بني إسرائيل))، الحديث. فتفسيره بثابت بن وديعة بعيد عندي.
(فقال: يا رسول الله ما ترى في الضب) هل يؤكل أم لا؟ (فقال
رسول الله (ص : لست بآكله) بمد الهمزة على صيغة الفاعل (ولا بمحرمه) بتشديد.
الراء المكسورة بصيغة الفاعل من التحريم، وما وقع في بعض الروايات عن
ابن عباس «لا آكله ولا أنهى عنه ولا أحله ولا أحرمه)).
بسط الحافظ في ((الفتح)) في التعقب عليه، والمعروف في الروايات ((لا
آكله ولا أحرمه)) وما في معناه.
(١) (١٧/٢).
(٢) ((صحيح مسلم)) (١٩٥١).
(٣) الغائط: الأرض المطمئنة.
٢٦٧

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٥) باب
(٥) باب ما جاء في أمر الكلاب
قال الزرقاني(١): وحديث الباب رواه الترمذي عن قتيبة عن مالك عن ابن
دينار، وتابعه إسماعيل بن جعفر عن ابن دينار، وتابعه في روايته الليث وأيوب
وغيرهما، أخرج ذلك كله مسلم، ولذا قال أبو عمر: إنه صحيح محفوظ عنهما
جميعاً، اهـ.
(٥) ما جاء في أمر الكلاب
من جواز الاقتناء لبعضها والأمر بالقتل لبعضها، والكلاب بكسر الكاف
وخفة اللام، جمع كلب، قال الدميري(٢): الكلب حيوان معروف وربما وصف
به، فقيل للرجل كلب، وللمرأة كلبة، والجمع أكلب وكلاب وكليب، مثل أعبد
وعباد وعبيد، وهو جميع عزيز، وهو حيوان شديد الرياضة كثير الوفاء، وهو لا
سبع، ولا بهيمة، كأنه من الخلق المركب؛ لأنه لو تم له طباع السبعية ما ألف
الناس، ولو تم له طباع البهيمة ما أكل اللحم، وفي طبعه الاحتلام، وتحيض
إناثه، وتحمل الأنثى ستين يوماً، ومنها ما يقل عن ذلك، وتضع جِراءها عمياً،
فلا تفتح عيونها إلا بعد اثني عشر يوماً، والذكور تهيج قبل الإناث، وهي تنزو
إذا كمل لها سنة، وربما تسفد قبل ذلك، وإذا سفد الكلبة كلاب مختلفة
الألوان أدت إلى كل كلب شبهه.
وفي الكلب من اقتفاء الأثر وشم الرائحة ما ليس لغيره من الحيوانات،
والجيفة أحبُّ إليه من اللحم الغريض، ويأكل العذر، ويرجع في قيئه، وهو في
نومه أسمع من فرس، وأحذر من عقعق، ومن عجيب طباعه أنه يكرم الجلّة من
الناس، وأهل الوجاهة، ولا ينبح أحداً منهم، وربما حاد عن طريقه، وينبح
الأسود من الناس، والدنس الثياب، والضعيف الحال، إلى آخر ما بسط من
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٧١/٤).
(٢) «حياة الحيوان)) (٣٧٧/٢).
٢٦٨

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٥) باب
عجائب أحواله، إلى أن قال(١): وفي ((الميزان))(٢) للذهبي في ترجمة أحمد بن
زُرَارة المدني بسند مظلم عن أنس - رضي الله عنه - قال: إن النبي ◌َّ قال:
((كيف أنتم إذا كان في زمن يكون الأمير فيه كالأسد الأسود، والحاكم فيه
كالذئب الأمعط، والتاجر فيه كالكلب الهرّار، والمؤمن بينهم كالشاة الوَلْهَى بين
الغنم ليس لها مأوى، فكيف حال شاةٍ بين أسد وذئب وكلب!)).
وفي ((أمالي أبي بكر القطيعي)) عن أبي الدرداء قال: صلى بنا
رسول الله ◌َ﴿ فمر بنا كلب، فما بلغت يده رجله حتى مات، فلما انصرف
رسول الله ◌َ﴾ من صلاته قال: ((من الداعي على هذا الكلب آنفاً؟)) فقال رجل
من القوم: أنا يا رسول الله، فقال: ((ما قلت؟)): قال: اللَّهم إني أسألك بأن
لك الحمد لا إله إلا أنت المَنَّانُ، بَديْعُ السموات والأرض، يا ذا الجلال
والإكرام، اكفني هذا الكلب بما شئت، فقال(٣) النبي ◌َّ: ((لقد دعا اللهَ عزَّ
وجلَّ باسمه الأعظم، الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى))، والحديث
في ((السنن الأربعة)) ((ومسند أحمد)) وكتابي الحاكم وابن حبان بغير قصة
الكلب .
وأفاد الطبراني من حديث عمر - رضي الله عنه - أن هذه الصلاة كانت
صلاة العصر يوم الجمعة، وأن الرجل الداعي على هذا الكلب سعد بن أبي
وقاص - رضي الله عنه -، فقال له النبي وَلّ: ((يا سعد! لقد دعوت في يوم
وساعة بكلمات، لو دعوت بهن على من في السموات والأرض استُجيب لك،
فأبشر يا سعد))، اهـ.
(١) (٣٨٣/٢).
(٢) (٩٨/١).
(٣) أخرجه الترمذي كتاب الدعوات ح(٣٤٧٥).
٢٦٩

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٥) باب
(١٧٤٦) حديث
١٢/١٧٤٦ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خِصَيْفَةَ؛ أَنَّ
السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرٍ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ
أَزْدِ شَنُوءَةً، مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ بَلَّ، وَهُوَ يُحَدِّثُ نَاساً مَعَهُ عِنْدَ
بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَه يَقُولُ: ((مَنِ اقْتَنَى .....
قلت: الحديث أخرجه أبو داود(١) من حديث أنس بدون قصة الكلب،
وفيه زيادة ((يا حيّ يا قيوم)) بدل ((اكفني هذا الكلب بما شئت)) وحديث أنس
هذا ذكره ابن الجوزي في ((التلقيح)) وقال: هذا الداعي أبو عَيَّاش الزرقي، اهـ.
قلت: ولا مانع من الجمع بالتعدد، قال الدميري(٢): ومن خواص الكلب
العجيبة أنه لا يَلِغُ في دم مسلم، اهـ.
١٧٤٦/ ١٢ - (مالك عن يزيد) بتحتية فزاي (ابن خصيفة) بضم الخاء
المعجمة وفتح الصاد المهملة مصغراً منسوب إلى جده، فاسم أبيه عبد الله بن
أخي السائب بن يزيد (أن السائب بن يزيد) الكندي الصحابي الصغير (أخبره
أنه) أي السائب (سمع سفيان بن أبي زهير) بضم الزاي المعجمة وفتح الهاء
مصغراً (وهو) أي سفيان (رجل من أزد) بفتح الهمزة وسكون الزاي فدال مهملة
(شنوءة) بفتح الشين المعجمة وضم النون بعدها واو ساكنة فهمزة مفتوحة (من
أصحاب رسول الله و38َ) تقدم في فضل المدينة أن له حديثين، وهذا الحديث
أخرجه البخاري برواية عبد الله بن مسلمة (٣) عن مالك بهذا السند.
(وهو) أي سفيان (يحدث) أحاديث عن رسول الله وَالخير (ناساً) كانوا (معه
عند باب المسجد) النبوي (فقال) سفيان في جملة أحاديثه (سمعت رسول الله والهم
يقول: من اقتنى) بالقاف والفوقية افتعل من القنية بالكسر، وهي الاتخاذ، قال
(١) ((سنن أبي داود)) (١٤٩٥).
(٢) انظر: ((حياة الحيوان)) (٣٨٣/٢).
(٣) هكذا في الأصل، والظاهر أن البخاري أخرجه برواية عبد الله بن يوسف عن مالك،
انظر: رقم الحديث (٢٣٢٣).
٢٧٠

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٥) باب
(١٧٤٦) حديث
كَلْبَاً لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعاً
الحافظ: يقال اقتنى الشيء إذا اتخذه للادخار، وفي ((البخاري)) برواية أبي
هريرة بلفظ ((من أمسك)). قال الحافظ: المراد بالإمساك هو الاقتناء لحديث
الباب، وفي رواية مسلم وغيره ((من اتخذ)) (كلباً) موصوف صفته (لا يغني عنه)
أي لا يحفظ له (زرعاً) وفي ((البخاري)) من حديث أبي هريرة: ((من أمسك كلباً
فإنه ينقص كل يوم من عمله قيراط إلا كلب حرث أو ماشية)) وفي رواية لأبي
هريرة: ((إلا كلب غنم أو حرث أو صيد)) قال الحافظ(١): أما زيادة الزرع، فقد
أنكرها ابن عمر.
ففي مسلم من طريق عمرو بن دينار عنه أن النبي وَالر أمر بقتل الكلاب
إلا كلب صيد أو كلب غنم، فقيل لابن عمر - رضي الله عنه -: إن أبا هريرة
رضي الله عنه يقول: أو كلب زرع، فقال ابن عمر - رضي الله عنه -: إن لأبي
هريرة زرعاً، ويقال: إن ابن عمر - رضي الله عنهما - أراد بذلك الإشارة إلى
تثبيت رواية أبي هريرة، وأن سبب حفظه لهذه الزيادة أنه کان صاحب زرع،
ومن كان مشتغلاً بشيء احتاج إلى تعرف أحكامه.
وقد وافق أبا هريرة على ذكر الزرع سفيان بن أبي زهير في حديث
الباب، وأخرجه البخاري، وعبد الله بن مغفل عند مسلم في حديثٍ أوّلُه («أمر
بقتل الكلاب، ورخص في كلب الغنم والصيد والزرع))، اهـ.
قال النووي(٢): ذكر مسلم هذه الزيادة، وهي اتخاذه للزرع من رواية ابن
مغفل وسفيان بن أبي زهير، وذكرها أيضاً مسلم من رواية ابن الحكم عن ابن
عمر - رضي الله عنهما -، فيحتمل أن ابن عمر - رضي الله عنهما - لما سمعها
من أبي هريرة وتحققها عن النبي و 9 رواها عنه بعد ذلك، وزادها في حديثه
(١) ((فتح الباري)) (٦/٥).
(٢) ((شرح النووي على الصحيح)) لمسلم (٢٣٦/١٠).
٢٧١

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٥) باب
(١٧٤٦) حديث
وَلَا ضَرْعاً نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ
الذي كان يرويه بدونها، ويحتمل أنه تذكر في وقت أنه سمعها من النبي
عَللَّيهِ،
فرواها ونسيها في وقت أخرى فتركها، اهـ.
قلت: وعلى هذا فيكون معنى قوله - رضي الله عنه -: إن لأبي هريرة
زرعاً أنه تذكر ذلك اللفظ لاحتياجه إليه، ونسيته لعدم اشتغالي بذلك، وفي
(الزرقاني)): قال عياض: المراد بكلب الزرع الذي يحفظه من الوحش بالليل
والنهار، لا الذي يحفظه من السارق، اهـ.
(ولا ضرعاً) بفتح الضاد المعجمة وسكون الراء، قال النووي: المراد
بالضرع الماشية، كما في سائر الروايات، اهـ. وفي ((الزرقاني))(١): قال
عياض: كلب الماشية الذي يسرح معها لا الذي يحفظها من السارق، وقد
أجاز مالك اتخاذها للحفظ من السارق، اهـ. قال الزرقاني: يعني إلحاقاً لما
في معنى المنصوص عليه به، كما أشار ابن عبد البر، اهـ
وفي ((المنتقى))(٢): قال مالك: لا بأس باتخاذ الكلاب للمواشي كلها،
قيل له: فالنخاسون الذين يرتعون دوابهم، فيتخذون الكلاب قال: هي من
المواشي.
وقال مالك: أرى الحديث لزرع أو ضرع لما يكون من المواشي في
الصحارى، وأما ما جعل في الدور فلا يعجبني، ولا يعجبني أن يتخذ لخوف
اللصوص الذين يفتحون الأبواب ويخرجون الدواب إلا أن يكون يسرح معها
في المرعى، وقال مالك: لا يعجبني أن يتخذ المسافر كلباً يحرسه، اهـ.
(نقص من أجر عمله) كذا في المصرية، وفي الهندية بدله ((من عمله))،
والمؤدى واحد، والمراد بالعمل الماضي أو الآتي مختلف فيه، قال الحافظ:
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٧١/٤).
(٢) (٢٨٩/٧).
٢٧٢

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٥) باب
(١٧٤٦) حديث
كُلَّ يَوْمٍ قِيراطٌ))
يحتمل أن تكون العقوبة تقع بعدم التوفيق للعمل بمقدار قيراط مما كان يعمله
من الخير لو لم يتخذ الكلب، ويحتمل أن يكون الاتخاذ حراماً، والمراد
بالنقص أن الإثم الحاصل باتخاذه يوازي قدر قيراط أو قيراطين من أجر فينقص
من ثواب عمله المتخذ قدر ما يترتب عليه من الإثم باتخاذه، وهو قيراط أو
قيراطان، وقال ابن التين: المراد أنه لو لم يتخذه لكان عمله كاملاً، فإذا اقتناه
نقص من ذلك العمل، ولا يجوز أن ينقص من عمل مضى، وإنما أراد ليس
عمله في الكمال عمل من لم يتخذه.
قال الحافظ(١): وما ادّعاه من عدم الجواز متنازع فيه، فقد حكى
الروياني في ((البحر)) اختلافاً في الأجر، هل ينقص من العمل الماضي أو
المستقبل؟ اهـ.
قال الباجي: معناه عندي نقص من عمله، وإن كان عمله على ما كان
عليه، ويحتمل أن يريد أن عمله بالبر ينقص، فلا يبلغ منه ما كان يبلغه عقوبة
له على عصيانه باتخاذ كلب، اهـ.
(كل يوم) أي نقص في كل يوم (قيراط) بكسر القاف وسكون الياء قال
صاحب ((المحلى)): القيراط في الأصل نصف دانق، والمراد ههنا مقدار معلوم
عند الله، اهـ. قال الباجي: القيراط قدر ما لا يعلمه إلا الله، اهـ.
قال الحافظ: اختلف في القيراطين المذكورين ههنا هل هما كالقيراطين
المذكورين في الصلاة على الجنازة واتباعها؟ فقيل بالتسوية، وقيل: اللذان في
الجنازة من باب الفضل، واللذان ههنا من باب العقوبة، وباب الفضل أوسع
من غيره، اهـ.
(١) ((فتح الباري)) (٧/٥).
٢٧٣

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٥) باب
(١٧٤٦) حديث
قَالَ: أَنْتَ سَمِعْتَ هُذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ وَجَ؟ فَقَالَ: إِي وَرَبِّ هُذَا
الْمَسْجِدِ .
أخرجه البخاريّ في: ٤١ - كتاب الحرث والمزارعة، ٣ - باب اقتناء الكلب
للحرث. ومسلم في: ٢٢ - كتاب المساقاة، ١٠ - باب الأمر بقتل الكلاب، حديث ٦١.
وفي ((البخاري)) (١) من حديث أبي هريرة ((من شهد الجنازة، حتى يصلي
فله قيراط، ومن شهد حتى تدفن كان له قيراطان، قيل: وما القيراطان؟ قال:
مثل الجبلين العظيمين))، قال الحافظ: وفي رواية لمسلم ((أصغرهما مثل أحد))،
وبسط الكلام على مقدار القيراط، وذكر حديث الباب، وقال: قال النووي
وغيره: لا يلزم من ذكر القيراط في الحديثين تساويهما؛ لأن عادة الشارع
تعظيم الحسنات وتخفيف مقابلها، اهـ.
(قال) السائب لسفيان تثبيتاً منه الحديث: (أنت سمعت هذا من
رسول ؟) وقال الحافظ: فيه التثبت في الحديث (قال) سفيان: (إي) بكسر
الهمزة وسكون الياء، حرف جواب بمعنى نعم (ورب هذا المسجد) الواو
للقسم، هكذا لفظ البخاري، وفي رواية سليمان بن بلال ((ورب هذه القبلة)).
قال الحافظ: القسم للتوكيد، وإن كان السامع مصدقاً، اهـ.
قال الحافظ(٢): قال ابن عبد البر: في قوله: ((نقص من عمله)) ما يشير
إلى أن اتخاذها ليس بمحرم؛ لأن ما كان اتخاذه محرماً امتنع اتخاذه على كل
حال، سواء نقص الأجر أو لم ينقص، فدل ذلك على أن اتخاذها مكروه لا
حرام، وتعقبه الحافظ بأن ما ادّعاه من عدم التحريم واستند له بما ذكر ليس
بلازم، بل يحتمل أن تكون العقوبة تقع بعدم التوفيق للعمل، ويحتمل أن يكون
الاتخاذ حراماً، والمراد بالنقص أن الإثم الحاصل باتخاذه يوازي قدر
قيراط، اهـ.
(١) ((صحيح البخاري)) (ح (١٣٢٥)، و((صحيح مسلم)) (٩٤٥).
(٢) ((فتح الباري)) (٦/٥)، وانظر ((التمهيد)) (٢١٩/١٤).
٢٧٤

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٥) باب
(١٧٤٦) حديث
قال النووي(١): أما اقتناء الكلب، فمذهبنا أنه يحرم اقتناؤه بغير حاجة،
ويجوز للصيد والزرع والماشية، وهل يجوز لحفظ الدُّوْر، والدروب، ونحوها؟
فيه وجهان: أحدهما لا يجوز؛ لظواهر الأحاديث، وأصحهما يجوز، قياساً
على الثلاثة، عملاً بالعلة المفهومة من الأحاديث، وهي الحاجة، وهل يجوز
اقتناء الجرو وتربيته للصيد أو الزرع أو الماشية؟ فيه وجهان، أصحهما
جوازه، اهـ.
وقال الموفق(٢): لا يجوز اقتناء الكلب إلا كلب الصيد أو كلب ماشية أو
حرث؛ لحديث أبي هريرة المتفق عليه، وإن اقتناه لحفظ البيوت لا يجوز،
للخبر المذكور، ويحتمل الإباحة، وهو قول أصحاب الشافعي؛ لأنه في معنى
الثلاثة، فيقاس عليها، والأول أصح؛ لأن قياس غير الثلاثة عليها يبيح ما
يتناول الخبر بتحريمه.
وأما تربية الجرو الصغير لأحد الأمور الثلاثة، فيجوز في أقوى الوجهين؛
لأنه قصده لذلك، فيأخذ حكمه، ولأنه لو لم يتخذ الصغير ما أمكن جعل
الكلب للصيد، إذ لا يصير معلماً إلا بالتعليم، ولا يمكن تعليمه إلا بتربيته،
والوجه الثاني: لا يجوز؛ لأنه ليس من الثلاثة، اهـ.
وقال النووي(٣): اختلف العلماء في سبب نقصان الأجر باقتناء الكلب،
فقيل: لامتناع الملائكة من دخول بيته بسببه، وقيل: لما يلحق المارين من
الأذى من ترويع الكلب لهم وقصده إياهم، وقيل: إن ذلك عقوبة له لاتخاذه ما
نهى عن اتخاذه وعصيانه في ذلك، وقيل: لما يبتلى به من ولوغه في غفلة
صاحبه، ولا يغسله بالماء والتراب، اهـ.
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢٣٦/١٠).
(٢) ((المغني)) (٣٥٦/٦).
(٣) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (٢٣٩/١٠).
٢٧٥

٥٥ - کتاب الاستئذان
(٥) باب
(١٧٤٧) حديث
١٣/١٧٤٧ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛
أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ ◌ّهِ قَالَ: ((مَنِ اقْتَنَى كَلْباً إِلَّا كَلْباً ضَارِياً.
وبالآخر جزم ابن عبد البر، كما حكى عنه الحافظ، إذ قال: ووجه
الحديث عندي أن المعاني المتعبَّدَ بها في الكلاب من غسل الإناء سبعاً لا يكاد
يقوم بها المكلف، ولا يتحفظ منها، فربما دخل عليه باتخاذها ما ينقص أجره
من ذلك، ويروى أن المنصور سأل عمرو بن عبيد عن سبب هذا الحديث، فلم
يعرفه، فقال المنصور: لأنه ينبح الضيف، ويُرَوِّعُ السائِلَ.
قال الحافظ(١): وقيل: سبب النقصان امتناع الملائكة من دخول بيته أو
ما يلحق المارِّين من الأذى، أو لأن بعضها شياطين، أو عقوبة لمخالفة النهي
أو لولوغها في الأواني عند غفلة صاحبها، فربما يتنجّس الطاهر منها، فإذا
استعمل في العبادة لم يقع موقع الطاهر.
١٣/١٧٤٧ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر) رضي الله عنه،
وأخرجه البخاري في ((صحيحه)) بطرق عديدة عن ابن عمر - رضي الله عنهما -
(أن رسول الله وَ ل قال: من اقتنى) أي اتخذ وأمسك (كلباً إلا كلباً) كذا في
النسخ الهندية وأكثر المصرية، وليس في نسخة الزرقاني لفظ كلباً في الأول،
بل فيها من اقتنى إلا كلباً، وقال: هكذا ليحي، وقال غيره: من اقتنى كلباً إلا
كلباً، اهـ. وعلم أن المذكور في النسخ ليس رواية يحيى (ضارياً) بضاد معجمة
وبالياء والنصب، أي معلماً للصيد معتاداً له، وروي ضارٍ على لغة من يحذف
الألف من المنقوص، كذا في ((الزرقاني)) (٢).
قال النووي(٣): الضاري هو المُعَلَّمُ للصيد المعتاد له، يقال: ضري
(١) «فتح الباري)) (٧/٥).
(٢) (شرح الزرقاني)) (٣٧٢/٤).
(٣) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (٢٣٨/١٠).
٢٧٦

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٥) باب
(١٧٤٧) حديث
الكلب يضری، کشرب یشرب، ضرئً وضراوة، وأضراه صاحبه، عوّده بذلك،
ومنه قول عمر - رضي الله عنه -: إن للحم ضراوة، كضراوة الخمر، قال
جماعة: معناه أن له عادة ينزع إليها كعادة الخمر، اهـ.
والحديث أخرجه البخاري من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر بلفظ
((من اقتنى كلباً ليس بكلب ماشية أو ضارية)) ومن طريق سالم عنه بلفظ: ((من
اقتنى كلباً إلا كلباً ضارياً لصيد)»، ومن طريق نافع عنه بلفظ: ((من اقتنى كلباً
إلا كلب ماشية أو ضارياً)).
قال الحافظ(١): ذكره البخاري بثلاثة طرق، ووقع في الأولى ((ليس بكلب
ماشية أو ضارية)) وفي الثانية بلفظ ((كلباً ضارياً))، فالرواية الثانية تفسر الأولى
والثالثة، فالأولى إما للاستعارة على أن ضارياً صفة للجماعة الضارين أصحاب
الكلاب المعتادة الضارية على الصيد، يقال: ضرا على الصيد ضراوة أي تَعَوَّد
ذلك، واستمر عليه، وضرا الكلب وأضراه صاحبه، أي عَوَّده وأغراه بالصيد،
والجمع ضوارٍ، وإما للتناسب للفظ ماشية مثل: لا دريتَ ولا تليتَ، والأصل
لا تلوتَ، ووقع في الرواية الثانية في غير رواية أبي ذر: ((إلا كلب ضارٍ))
بالإضافة، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، أو لفظ ضاري صفة للرجل
الصائد أي إلا كلب رجل معتاد للصيد، اهـ.
وقال الباجي(٢): قوله: كلباً ضارياً يحتمل أن يريد بالكلب المعلم
للصيد، وقد روى سالم هذا الحديث عن أبيه، فقال: إلا كلب ضارٍ
للصيد، اهـ.
قلت: وعلى هذا الاختلاف يترتب الاختلاف الذي حكاه الزرقاني(٣)، إذ
(١) ((فتح الباري)) (٦٠٩/٩).
(٢) («المنتقى)) (٢٨٩/٧).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٧٢/٤).
٢٧٧

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٥) باب
(١٧٤٧) حديث
أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ. نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمِ قِيرَاطَانٍ)) .
أخرجه البخاريّ في: ٧٢ - كتاب الذبائح والصيد، ٦ - باب من اقتنى كلباً
ليس بكلب صيد أو ماشية. ومسلم في ٢٢ - كتاب المساقاة، ١٠ - باب الأمر بقتل
الكلاب، حديث ٥.
قال : فيجوز اتخاذه حتى لمن لا يصيد لظاهر الحديث أو معناه لصائد به فينهى
عنه من لا يصيد به، ويؤيده رواية ((إلا كلب صيد)) قولان، قاله عياض، اهـ.
(أو كلب ماشية) أو للتنويع، وتقدم الكلام على كلب الماشية في الحديث
السابق (نقص من عمله) أي أجر عمله (كل يوم) من الأيام التي اقتناه فيها
(قيراطان) وتقدم في الحديث السابق ((قيراط)).
قال الحافظ(١): اختلفوا في اختلاف الروايتين في القيراط والقيراطين،
فقيل: الحكم للزائد لكونه حفظ ما لم يحفظه الآخر، أو أنه وَل هل أخبر أولاً
بنقص قيراط واحد، فسمعه الراوي الأول، ثم أخبر ثانياً بالقيراطين زيادة في
التأكيد في التنفير من ذلك، فسمعه الراوي الثاني، وقيل: ينزل على حالين،
فنقصان القيراطين باعتبار كثرة الأضرار باتخاذها، والقيراط باعتبار قلته، وقيل:
يختص نقص القيراطين بمن اتخذها بالمدينة المنورة خاصة، والقيراط بما
عداها .
وقيل: يلحق بالمدينة في ذلك سائر المدن والقرى، ويختص القيراط
بأهل البوادي، وهو يلتفت إلى معنى كثرة التأذي وقلته، وكذا من قال: يحتمل
أن يكون في نوعين من الكلاب، ففيما لابسه آدمي قيراطان، وفيما دونه
قيراط، وجوّز ابن عبد البر أن يكون القيراط الذي ينقص أجر إحسانه إليه؛ لأنه
من جملة ذوات الأكباد الرطبة، ولا يخفى بعده.
وحكى الروياني في ((البحر)) فقيل: من عمل النهار قيراط، ومن عمل
(١) ((فتح الباري)) (٧/٥).
٢٧٨

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٥) باب
(١٧٤٨) حديث
١٤/١٧٤٨ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛
أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ.
أخرجه البخاري في: ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١٧ - باب إذا وقع الذباب في
شراب أحدكم. ومسلم في: ٢٢ - كتاب المساقاة، ١٠ - باب الأمر بقتل الكلاب،
حدیث ٤٣.
الليل آخر، وقيل: من الفرض قيراط، ومن النفل آخر، اهـ. زاد النووي: أو
القيراطان في المدينة المنورة خاصةً لزيادة فضلها، والقيراط في غيرها، اهـ.
قلت: أو أخبر النبي ◌َ ل﴿ أولاً بنقص القيراطين، وثانياً بنقص قيراط،
عكس ما تقدم في كلام الحافظ، وذلك لأن أمر الكلاب نزل من التشديد إلى
التخفيف، كما سيأتي من الأمر بقتله فنقص القيراطين في زمان الشدة،
والقيراط في زمان الخفة، وهو الأوجه عندي.
١٤/١٧٤٨ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما (أن
رسول الله (*) رواه البخاري في ((بدء الخلق)) برواية عبد الله بن يوسف عن
مالك (أمر بقتل الكلاب) زاد مسلم من رواية عمرو بن دينار عن ابن عمر ((إلا
كلب صيد أو ماشية)).
بسط النووي(١) في الروايات الواردة في قتل الكلاب، منها: حديث جابر
((أمرنا رسول الله وَّه بقتل الكلاب، حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها،
فنقتله، ثم نهى رسول الله وَل﴿ عن قتلها، وقال: عليكم بالأسود البهيم ذي
النقطتين، فإنه شيطان))، وفي رواية ابن المغفل قال: ((أمر رسول الله وَل بقتل
الكلاب، ثم قال: ما بالهم وبال الكلاب؟، ثم رخص في كلب الصيد وكلب
الغنم)) وفي رواية له ((في كلب الصيد والغنم والزرع)).
قال النووي: أجمع العلماء على قتل الكلب العَقور، واختلفوا في قتل ما
(١) (شرح النووي على صحيح مسلم)) (٢٣٤/١٠).
٢٧٩

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٥) باب
(١٧٤٨) حديث
لا ضرر فيه، فقال إمام الحرمين من أصحابنا: أمر النبي و لل أولاً بقتلها كلها،
ثم نسخ ذلك، ونهى عن قتلها إلا الأسود البهيم، ثم استقر الشرع على النهي
عن قتل جميع الكلاب التي لا ضرر فيها سواء الأسود وغيره، ويستدل لذلك
بحديث ابن مغفل، وقال القاضي عياض: ذهب كثير من العلماء إلى الأخذ
بالحديث في قتل الكلاب إلا ما استثني من كلب الصيد وغيره، قال: وهذا
مذهب مالك وأصحابه.
قال: واختلف القائلون بهذا هل كلب الصيد ونحوه منسوخ من العموم
الأول في الحكم بقتل الكلاب، وأن القتل كان عاماً في الجميع أم كان
مخصوصاً بما سوى ذلك؟ قال: وذهب آخرون إلى جواز اتخاذ جميعها،
ونسخ الأمر بقتلها، والنهي عن اقتنائها إلا الأسود البهيم، قال القاضي:
وعندي أن النهي أولاً كان نهياً عاماً عن اقتناء جميعها، وأمر بقتل جميعها ثم
نهى عن قتل ما سوى الأسود، ومنع الاقتناء بجميعها إلا كلب صيد وزرع
وماشية، قال النووي: وهذا الذي قاله القاضي هو ظاهر الأحاديث، ويكون
حديث ابن مغفل بما سوى الأسود؛ لأنه عام فيخص منه الأسود بالحديث
الآخر، اهـ.
قال الباجي(١): قول ابن عمر - رضي الله عنهما -: إن رسول الله وَ ل أمر
بقتلها، قال عيسى بن دينار: يريد كل كلب اتخذ لغير صيد أو ماشية، قال
مالك: تقتل الكلاب ما يؤذي منها، وما يكون في موضع لا ينبغي أن يكون
فيها كالفسطاط، وليس ذلك مما يمنع الإحسان إليها حال حياتها، اهـ.
وقال الدميري(٢): حمل الأصحاب الأمر بقتلها على الكلب العقور،
(١) ((المنتقى)) (٢٨٩/٧).
(٢) ((حياة الحيوان)) (٤١٤/٢).
٢٨٠