Indexed OCR Text

Pages 181-200

٥٤ - كتاب السلام
(١) باب
(١٧٢٨) حديث
فهذا ختام والزيادة تنفعُ
كذلك أستاذٌ مُغَنٍّ مطير
وزاد على ذلك ابن عابدين عن بعضهم:
ولاغ وكذَّاتٍ لِكِذْبٍ يُشَيِّع
وزِدْ عدَّ زنديقٍ وشَيْخِ مُمَازحٍ
ومن دأبه سبّ الأنام ويُرْدَع
ومن ينظر النسوان في السوق عامداً
وتسبيحهم هذا عن البعض يسمع
ومن جلسوا في مسجد لصلاتهم
فكن عارفاً يا صَاحِ تحظى وترفع
ولا تنس من لبّى هنالك صرحوا
قال ابن عابدين: قوله: الفتيات جمع فتية، والمراد الشابة، ومفهومه
جوازه على العجوز، بل صرحوا بجواز مصافحتها عند أمن الشهوة، اهـ.
وفيه أيضاً في موضع آخر: ولا يكلم الأجنبية إلا عجوزاً عطست أو
سلمت فليشمتها، ويرد عليها السلام وإلا لا، قال ابن عابدين: أي إن لم تكن
عجوزاً بل شابة لا يشمتها ولا يرد السلام بلسانه، اهـ.
وقال البجيرمي(١): إن المواضع التي لا يجب رد السلام فيها عشرون،
كما ذكره السيوطي نظماً حيث قال:
من في صلاة أو بأكل شغلا
ردّ السلام واجب إلا على
أو ذكر أو في خطبة أو تلبية
أو في قراءة كذلك الأدعية
أو في إقامة أو الأذان
أو في قضاء حاجة الإنسان
وحالة الجماع والتحاكم
أو حاجم أو ناعس أو نائم
أو شابة يخشى بها افتتان
فهذه مجموعها عشرونا
أو سلّم الطفلُ أو السكران
أو كان في الحمام أو مجنوناً
(١) ((شرح الإقناع)) (٤٢٦/١).
١٨١

٥٤ - كتاب السلام
(٢) باب
(٢) باب ما جاء في السلام على اليهوديّ والنصرانيّ
(٢) ما جاء في السلام على اليهودي والنصراني
قال الزرقاني(١): كأنه أشار بذكر النصراني مع اليهودي مع أن حديثها
اقتصر على اليهودي إلى أنه لا فرق بينهما بجامع أن كلاً من أهل الكتاب(٢) أو
أشار إلى حديث أنس مرفوعاً ((إذا سلّم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم))
رواه الشيخان، اهـ.
قلت: وفي حكمهما جميع الكفرة، فإنهم لا يفرقون في ذلك بين أهل
الكتاب وغيره في نقل المذاهب، ولا في الاستدلال بالروايات.
قال النووي(٣): اختلف العلماء في رد السلام على الكفار وابتدائهم به،
فمذهبنا تحريم ابتدائهم ووجوب رده عليهم بأن يقول: وعليكم أو عليكم فقط،
ودليلنا في الابتداء قوله وَلي: ((لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام))، وفي
الرد قوله وي: ((فقولوا: وعليكم)) وبهذا الذي ذكرنا عن مذهبنا قال أكثر
العلماء وعامة السلف وذهبت طائفة إلى جواز ابتدائنا بالسلام، روي ذلك عن
ابن عباس وأبي أمامة وابن محيريز، وهو وجه لبعض أصحابنا حكاه الماوردي
وجهاً لبعض الشافعية، لكنه قال: يكره ابتداؤهم بالسلام، ولا يحرم، وهذا
ضعيف أيضاً؛ لأن النهي للتحريم، فالصواب تحريم ابتدائهم.
وحكى القاضي عن جماعة أنه يجوز ابتداؤهم به للضرورة والحاجة أو
السبب، وهو قول علقمة والنخعي، وعن الأوزاعي أنه قال: إن سلّمت فقد
سلّم الصالحون، وإن تركت فقد ترك الصالحون، وقال طائفة من العلماء: لا
يرد عليهم السلام، رواه ابن وهب وأشهب عن مالك، وقال بعض أصحابنا :
(١) ((شرح الزرقاني) (٣٥٨/٤).
(٢) أي كلاً منهما، اهـ. ((ش)).
(٣) ((شرح النووي على الصحيح)) لمسلم (١٤٥/١٤).
١٨٢

٥٤ - كتاب السلام
(٢) باب
يجوز أن يقول في الرد عليهم: وعليكم السلام، ولكن لا يقول: ورحمة الله،
حكاه الماوردي، وهو ضعيف مخالف للأحاديث، اهـ.
قلت: مذهب الإمام مالك أن لا يبدؤهم بالسلام أصلاً، فإن سلموا فعنه
روايتان؛ لا يرد عليهم، والآية وأحاديث الرد مخصوص بالمسلم، والأخرى
أن يرد عليهم بلفظ ((عليك)) فقط بدون ذكر السلام، كما سيأتي في كلام الباجي
مفصلاً في ذيل الحديث.
وقال أيضاً في موضع آخر: يمنع الكفر ابتداء السلام، على ما قاله
القاضي أبو محمد، وتمنع البدعة من السلام، وقال سحنون: يمنع من مجالسة
أهل الأهواء والسلام عليهم تأديباً لهم، اهـ.
وفي ((الفتح)) (١): قال النووي: السنة إذا مرَّ بمجلس فيه مُسْلِم وكافر أن
يُسَلِّم بلفظ التعميم، ويقصد به المسلم، قال ابن العربي: ومثله إذا مر بمجلس
يجمع أهل السنة والبدعة وبمجلس فيه ظلمة وعدول، قال الحافظ: وهو مفرَّعٌ
على منع ابتداء الكافر بالسلام، وقد ورد النهي عنه صريحاً فيما أخرجه مسلم
والبخاري في ((الأدب المفرد))(٢) عن أبي هريرة: ((لا تبدؤا اليهود والنصارى
بالسلام))، وقالت طائفة: يجوز ابتداؤهم بالسلام.
فأخرج الطبري من طريق ابن عيينة قال: يجوز ابتداء الكافر بالسلام،
لقوله تعالى: ﴿لَّا يَنْهَنَكُ اَللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ﴾ الآية، وقول إبراهيم - عليه
السلام - لأبيه: سلام عليك، وقال البيهقي بعد أن ساق حديث أبي أمامة: إنه
كان يسلم على كل من لقيه، فسئل عن ذلك؟ فقال: إن الله تعالى جعل السلام
تحية لأمتنا وأماناً لأهل ذمتنا، هذا رأي أبي أمامة، وحديث أبي هريرة في
النهي عن ابتدائهم أولى.
(١) ((فتح الباري)) (٣٩/١١).
(٢) (ص٤٨٤) ح (١١٠٣).
١٨٣

٥٤ - كتاب السلام
(٢) باب
وأجاب عياض عن الآية، وكذا عن قول إبراهيم - عليه السلام - لأبيه
بأن القصد بذلك المتاركة والمباعدة، وليس القصد فيهما التحية، اهـ.
وفي ((الدر المختار))(١): يسلم المسلم على أهل الذمة لو له حاجة إليه
وإلا كره، هو الصحيح، وفي ((شرح البخاري))(٢) للعيني في حديث ((أيّ
الإسلام خير))؟ قال: ((تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم
تعرف)» مخصوص بالمسلمين، فلا يسلم ابتداء على كافر لحديث: ((لا تبدأوا
اليهود ولا النصارى بالسلام)) ولو سلم يهوديٌّ أو نصرانيٍّ أو مجوسيٍّ على
مسلم، فلا بأس بالرد، ولكن لا يزيد على قوله: وعليك، ولو سلّم على الذمي
تبجيلاً يُكفّرُ، لأن تبجيل الكافر كفر، قال ابن عابدين: قوله: هو الصحيح
مقابله أنه لا بأس به بلا تفصيل، وهو ما ذكره في ((الخانية)) عن بعض
المشايخ، وقوله: فلا بأس بالرد المتبادر منه أن الأولى عدمه، لكن في
((التتارخانية)): إذا سلّم أهل الذمة ينبغي أن يردّ عليهم الجواب، وبه نأخذ، أهـ
وقال النووي في ((الأذكار)): قال أبو سعد: لو أراد تحية ذميّ فعلها بغير
السلام بأن يقول: هداك الله أو أنعم الله صباحك، قال النووي: هذا الذي قاله
أبو سعد لا بأس به إذا احتاج إليه، فيقول: صبحت بالخير أو بالسعادة أو
صَبَّحَك الله بالسرور أو ما أشبه ذلك، وأما إذا لم يحتج إليه فالاختيار أن لا
يقول شيئاً، فإن ذلك بسط له وإيناس وإظهار صورة ود، ونحن مأمورون
بالإغلاظ عليهم ومنهيون عن ودِّهم فلا نظهره، اهـ.
وقال البجيرمي (٣): ويحرم بدؤه بتحية غير السلام، بل يحرم بكل كلام
(١) (٦٧٩/٩).
(٢) ((عمدة القاري)) (١/ ٢١٤).
(٣) (٤٢٥/١).
١٨٤

٥٤ - كتاب السلام
(٢) باب
(١٧٢٩) حديث
١٧٢٩/ ٣ - حدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْن عُمَرَ ؛ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَالَ: ((إِنَّ الْيَهُودَ إِذَا سَلَّمَ
عَلَيْكُمْ أَحَدُهُمْ، فَإِنَّمَا يَقُولُ: السَّامُ عَلَيْكُمْ. فَقُلْ: عَلَيْكَ)).
أخرجه البخاريّ في: ٧٩ - كتاب الاستئذان، ٢٢ - باب كيف يردّ على أهل
الذمة السلام. ومسلم في: ٣٩ - كتاب السلام، ٤ - باب النهي عن ابتداء أهل
الکتاب بالسلام، حديث ٨.
أشعر بتعظيمه لآية ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآدُونَ مَنْ حَادَ
اَللَّهَ﴾(١)، اهـ.
٣/١٧٢٩ - (مالك عن عبد الله بن دينار) العدوي مولى ابن عمر (عن
عبد الله بن عمر) رضي الله عنه (أنه قال: قال رسول الله وَيقول: إن اليهود) جمع
يهودي (إذا سلم عليكم أحدهم فإنما يقول: السام عليكم) أي الموت (فقل)
بصيغة الإفراد في جميع النسخ، وفي ((موطأ محمد))(٢): ((فقولوا)) (عليك) بدون
الواو، وفي رواية البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك بهذا السند بالواو.
قال الحافظ(٣): هكذا في جميع نسخ البخاري، وكذا أخرجه في ((الأدب
المفرد)) عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك، والذي عند جميع رواة ((الموطأ))
بلفظ ((عليك)) ليس فيه الواو، وأخرج أبو نعيم في ((المستخرج)) من طريق
يحيى بن بكير وعبد الله بن نافع كلاهما عن مالك بإثبات الواو، وفيه نظر، فإنه
في ((الموطأ)) عن يحيى بن بكير بغير واو، ومقتضى رواية كلام ابن عبد البر أن
رواية عبد الله بن نافع بغير واو، لأنه قال: لم يدخل أحد من رواة ((الموطأ))
عن مالك الواو، قال الحافظ: لكن وقع عند الدارقطني في ((الموطآت)) من
طريق روح عن مالك بلفظ: ((فقل: وعليكم))، بالواو وبصيغة الجمع. قال
(١) سورة المجادلة: الآية ٢٢.
(٢) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٤٣٣/٣).
(٣) ((فتح الباري)) (١١/ ٤٣).
١٨٥

٥٤ - كتاب السلام
(٢) باب
(١٧٢٩) حديث
الدار قطني: القول الأول أصحُّ، يعني عن مالك، ثم بسط الحافظ في اختلاف
الرواة في ذكر الواو، وصيغة الجمع في عليكم.
قال الزرقاني(١): وجاءت الأحاديث في مسلم بحذف الواو وإثباتها، وهو
أكثر أي في مسلم، واختار ابن حبيب الحذف؛ لأن الواو تقتضي إثباته على
نفسه، حتى يصح العطف، فيدخل معهم فيما دعوا به، وخالفه جمهور
المالكية، وقال بعض شيوخهم: يقول: عليكم السلام بكسر السين، يعني
الحجارة، ووهّاه ابن عبد البر، بأنه لم يشرع لنا سَبُّ أهل الذمة، ويؤيده إنكار
النبي ◌َّ على عائشة لما سَبّتَهُمْ، وقيل: هي أي الواو للاستئناف لا للعطف،
قاله المازري، كأنه قال: وعليك ما تستحقه من الذم، وقال القرطبي: كأنه
قال: والسام علیك، وهذا كله بعید.
والأولى أنها على بابها للعطف، غير أنا نجاب فيهم ولا يجابون فينا،
كما قاله ◌َ﴾ في رواية البخاري عن عائشة - رضي الله عنها - في هذه القصة،
قال: ورواية الحذف أحسن معنى، والإثبات أصح وأشهر، يعني في مسلم.
قال النووي: الصواب جواز الحذف، والإثبات وهو أجود، ولا مفسدة
فيه؛ لأن السام الموت، وهو علينا وعليهم فلا ضرر فيه، وقال البيضاوي: في
العطف شيء مقدر، أي وأقول: عليكم ما تريدون بنا أو ما تستحقون، وليس
عطفاً على عليكم في كلامهم، وإلا لتضمن ذلك تقرير دعائهم، ولذا قال:
عليك، بلا واو.
قال عياض: قال قتادة: المراد بالسام السآمة، أي تسأمون دينكم، مصدر
سئمت سآمة وساماً مثل رضاعاً، وقد جاء هكذا مفسراً من قوله وَلّر، كما
أخرجه البزار وابن حبان في ((صحيحه)) عن أنس: مَرَّ يهوديٌّ بالنبي
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٨/٤).
١٨٦

٥٤ - كتاب السلام
(٢) باب
(١٧٢٩) حديث
وأصحابه فسلم عليهم فردّ عليه أصحابه فقال: هل تدرون ما قال؟ قالوا: نعم،
سلَّم علينا، قال: فإنه قال: السام عليكم، أي تسأمُون دينكم، ردوه،
الحديث. ذكره الحافظ، وعلى هذا فرواية حذف الواو أحسن.
قال الماوردي: واختار بعضهم أن يقول في الرد: عليهم السلام، بكسر
السين، أي الحجارة، قال عبد الوهاب: والأول أولى؛ لأن السنة وردت به،
ولأن الرد إنما يكون من جنس المردود، وأجاب بعضهم الرد عليهم بلفظ
السلام، لقول إبراهيم عليه السلام، كما تقدم في أول الباب، وروى أشهب
عن مالك، لا يرد عليهم، والآية والحديث مخصوصان بسلام المسلم، انتهى
باختصار وزيادة.
وقال الباجي(١): يقتضى حديث الباب أنه إنما يرد عليهم إذا سلموا ولا
يبدؤا بالسلام، قاله الشيخ أبو القاسم والقاضي أبو محمد وغيرهما، وهو
مقتضى الحديث؛ لأنه بَيَّنَ حكم من سلّم عليهم أهل الكتاب في الرد، ولم
يذكر حكم ابتدائهم بالسلام، فدل ذلك على أنه غير مشروع، وقد روي عن أبي
هريرة أن رسول الله وَله قال: ((لا تبدؤا اليهود والنصارى بالسلام)) وأمر
النبي ◌َّ أن يقول لهم الراد: عليكم، فيرد ما دعوا به من الشر عليهم، قال
عيسى بن دينار: وعليه العمل.
وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: لا يردُّ عليهم، فإن رددت فقل:
عليك، وهذا قول عيسى بن دينار؛ لأنه منع أن يرد عليهم بغير هذا اللفظ،
وإنما ينبغي الرد عليهم في رواية ابن وهب وأشهب عن مالك أن يرد (٢) عليهم
السلام، وذلك غير مشروع، بل هو ممنوع، والمشروع من ذلك أن يرد عليه
(١) ((المنتقى)) (٢٨٠/٧).
(٢) كذا في الأصل ((ش)).
١٨٧

٥٤ - كتاب السلام
(٢) باب
(١٧٢٩) حديث
قَالَ يَحْيَى: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ سَلَّمَ عَلَى الْيَهُودِيِّ أَوِ النَّصْرَانِيِّ
هَلْ يَسْتَقِيلُهُ ذُلِكَ؟ فَقَالَ: لَا .
قوله، وقد قال الشيخ أبو القاسم: من سلّم عليه ذميّ فلا يرد عليه، وليقل:
عليك، فاقتضى هذا أن الردّ هو ردُّ السلام، وأن قوله: عليك ليس بردٍ
للسلام، إنما هو ردٌّ لقوله، اهـ.
(سئل) ببناء المجهول الإمام (مالك) ولم يسم السائل (عمن سلم على
اليهودي أو النصراني) أو غيرهما من الكفرة سهواً أو عمداً أو جهلاً بالنهي.
(هل يستقيله) بالتحتية بعد القاف من الاستقالة، فما في بعض النسخ بالموحدة
بدل التحتية تحريف من الناسخ (ذلك) السلام (فقال) الإمام: (لا) يستقيله، قال
الزرقاني(١): بل يتوب ويستغفر إن كان عمداً، اهـ. وذلك على مسلكه من
حرمة الابتداء بالسلام مطلقاً .
وقال الباجي(٢): وهذا على ما قال: إن من سلم على من ليس بأهل
السلام فلا يستقيله؛ لأنه لا فائدة في هذه الإقالة، ولا معنى لها؛ لأن السلام
عليه إن كان حسنة، فلا يجب الرجوع عنها، وإن كان سيئة، فليس بيد اليهودي
تكفيرها؛ لأنها ليست من حقوقه، وإنما هي من حقوق الله عز وجل، وما
روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه استقاله، فإنه يحتمل أن يعلمه أنه
أخطأ، ولم يعرفه حين سلم عليه على وجه الصغار له، ولئلا يعتقد ذلك هو أو
غيره أن عبد الله يعتقد قصده بابتداء السلام، اهـ.
وقال الحافظ(٣): نقل ابن العربي عن مالك لو ابتدأ شخصاً بالسلام وهو
يظنه مسلماً فبان كافراً، كان ابن عمر - رضي الله عنه - يستردّ منه سلامه، وقال
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٩/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٢٨١/٧).
(٣) ((فتح الباري)) (٤٦/٢١).
١٨٨

٥٤ - كتاب السلام
(٣) باب
(١٧٣٠) حديث
(٣) باب جامع السلام
٤/١٧٣٠ - حدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ
أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ
مالك: لا، قال ابن العربي: لأن الاسترداد حينئذٍ لا فائدة له؛ لأنه لم يحصل
له منه شيء، لكونه قصد السلام على المسلم، وقال غيره: له فائدة، وهو
إعلام الكافر أنه ليس أهلا للابتداء بالسلام، قال الحافظ: ويتأكد ذلك إذا كان
هناك من يخشى إنكاره لذلك أو اقتداؤه به إذا كان الذي سلم ممن يقتدى
به، اهـ.
وقال النووي في ((الأذكار)): قال أبو سيعد المتولي: لو سلّم على رجل
ظنه مسلماً، فبان كافراً يستحب أن يسترد عليه سلامه، فيقول له: رد عليّ
سلامي، والغرض من ذلك أن يوحشه، ويظهر له أنه ليس بينهما ألفة، وروي
أن ابن عمر - رضي الله عنهما - سلّم على رجل فقيل له: إنه يهودي، فتبعه،
وقال له: رُدَّ علي سلامي، وما في ((موطأ مالك)) عنه أنه لا يستقيله، فهذا
مذهبه، واختاره ابن العربي المالكي، اهـ.
وقال البجيرمي في ((شرح الإقناع)) (١): يحرم بدء ذميّ بالسلام، فإن بان
ذمياً استحب له استرداد سلامه، بأن يقول له: استرجعت سلامي أو ردّ علي
سلامي، وظاهر كلام ابن المقري وجوب ذلك، خلافاً لما قاله الرافعي من
الاستحباب وإن تبعه النووي في ((الأذكار))، اهـ.
(٣) جامع السلام
أي الأحاديث المتفرقة في ذلك.
٤/١٧٣٠ - (مالك عن إسحاق عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري (عن أبي
مرة) بضم الميم وشد الراء، مشهور بكنيته مختلف في اسمه (مولى عقيل) بفتح
(١) (١/ ٤٢٤).
١٨٩

٥٤ - كتاب السلام
(٣) باب
(١٧٣٠) حدیث
ابْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ أَبِي وَاقِدِ اللَّيْئِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَه بَيْنَمَا هُوَ
جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ
العين وكسر القاف (ابن أبي طالب) قال الكرماني: كان أسن من علي - رضي الله
عنه - بعشرين سنة، شهد بدراً مع المشركين مكرهاً وأسر يومئذ، ثم أسلم قبل
الحديبية، وترك علياً - رضي الله عنه -، ولحق بمعاوية - رضي الله عنه - ومات
بعد ما عمي في دولته، اهـ. قال الحافظ (١): قيل له ذلك، يعني مولى عقيل
للزومه إياه، وإنما هو مولى أخته أم هانئ.
(عن أبي واقد) بقاف مكسورة ودال مهملة (الليثي) البدري في قول
بعضهم، والحديث أخرجه البخاري(٢) برواية إسماعيل عن مالك بهذا السند،
قال الكرماني: قال المقدسي في ((الكمال)): روى له أي لأبي واقد الجماعة إلا
البخاري، وهذا سهو منه، اهـ.
قال الحافظ: ليس لأبي واقد في ((البخاري)) غير هذا الحديث، ورجال
إسناده مدنيُّوْن، ولم يروه عن أبي واقد إلا أبو مرة، ولا عنه إلا إسحاق، وأبو
مرة والراوي عنه تابعيان، وله شاهد من حديث أنس أخرجه البزار
والحاكم، اهـ.
(أن رسول الله (وَ ل بينما) لفظة ما مقحمة، قال صاحب ((المحلى)): أصله
بَيْن زيدت فيه لفظة ((ما)) وهي من الظروف التي لزمت إضافتها، اهـ.
قال العيني(٣): هو من الظروف التي لزمت أضافتها إلى الجملة، وفي
بعض النسخ بينا بغير لفظة ما، وأصل بينا بين فأشبعت فتح النون بالألف، اهـ.
(هو جالس في المسجد) النبوي (والناس معه) قال صاحب ((المحلى)): هو
(١) ((فتح الباري)) (١٥٦/١).
(٢) ح (٦٦) من كتاب العلم.
(٣) ((عمدة القاري)) (٤٥/٢).
١٩٠

٥٤ - كتاب السلام
(٣) باب
(١٧٣٠) حديث
إِذْ أَقْبَلَ نَفَرٌ ثَلَاثَةٌ. فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَذَهَبَ وَاحِدٌ.
فَلَمَّا وَقَفَا عَلَى مَجْلِسِ رَسُولِ اللهِ وَ سَلَّمَا .
مبتدأ خبره جالس، وفي المسجد حال، وكذا قوله: ((والناس)) جملة حالية (إذ
أقبل) جواب بينما (نفر) بالنون والفاء المفتوحين (ثلاثة) أي وهم ثلاثة، ولفظ
البخاري ((ثلاثة نفر))، قال الحافظ: النفر بالتحريك للرجال من ثلاثة إلى عشر،
والمعنى ثلاثة هم نفر، والنفر اسم جمع، ولهذا وقع مميزاً للجمع، كقوله
تعالى: ﴿نِسْعَةُ رَهْطٍ﴾(١)، اهـ. وقال أيضاً: لم أقف في شيء من طرق هذا
الحديث على تسمية واحد من الثلاثة.
(فأقبل اثنان) منهم (إلى رسول الله وَّر وذهب واحد) منهم إلى مقصده،
قال الحافظ: قوله: فأقبل اثنان بعد قوله: أقبل ثلاثة، هما إقبالان، كأنهم
أقبلوا أولاً من الطريق، فدخلوا المسجد مارّين، كما في حديث أنس يعني عند
البزار والحاكم، بلفظ ((فإذا ثلاثة نفر يمرون))، فلما رأوا مجلس النبي وَلّ،
أقبل إليه اثنان منهم، واستمر الثالث ذاهباً، اهـ.
وكذا في ((العيني)) وزاد: وبهذا سقط سؤال من قال: كيف قال أولاً أقبل
ثلاثة، ثم قال: فأقبل اثنان، والحال لا يخلو من أن يكون المقبل اثنين أو
ثلاثة، اهـ.
(فلما وقفا) أي الاثنان الداخلان في المجلس (على رسول الله وَلات) قال
الحافظ: أي على مجلس رسول الله وَالر، أو على بمعنى عند، اهـ. (سلّما)
على أهل المجلس، وليس في رواية البخاري ذكر السلام.
قال الحافظ (٢): زاد أكثر رواة ((الموطأ)): فلما وقفا سلما، وكذا عند
الترمذي والنسائي، ولم يذكر المصنف السلام، وكذا لم يقع في رواية مسلم،
(١) سورة النمل: الآية ٤٨.
(٢) ((فتح الباري)) (١٥٧/١).
١٩١

٥٤ - كتاب السلام
(٣) باب
(١٧٣٠) حديث
فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا. وَأَمَّ الآخَرُ فَجَلَسَ
ويستفاد منه أن الداخل يبدأ بالسلام، وأن القائم يسلم على القاعد، وإنما لم
يذكر ردّ السلام عليهما اكتفاء بشهرته، ويستفاد منه أن المستغرق في العبادة
يسقط عنه الرد، اهـ.
وبسط الحافظ اختلاف الشافعية في السلام على المشتغل في قراءة القرآن
والدعاء وغيرهما، وذكر عن الحنفية أن من جلس في المسجد للقراءة أو
التسبيح أو غيرهما لا يشرع السلام عليهم، وإن سلم عليهم لم يجب
الجواب، اهـ.
وقال الحافظ أيضاً: لم يذكر في الحديث أنهما صليا تحية المسجد، إما
لكون ذلك كان قبل أن تشرع تحية المسجد، أو كانا على غير وضوء، أو وقع
فلم ينقل للاهتمام بغير ذلك من القصة، أو كان في غير وقت تنفل، قاله
العياض بناءً على مذهبه في أنها لا تصلى في الأوقات المكروهة، اهـ.
وزاد الباجي(١) على بعض ما ذكر، ويحتمل أن يكون أقبلوا من ناحية من
نواحي المسجد أو لم يركعوا، وشرع لهم ذلك النبي ◌َّ ليبين أن ذلك ليس
بواجب، اهـ.
(فأما) بفتح الهمزة وشد الميم (أحدهما) مبتدأ خبره (فرأى) دخلته الفاء
لتضمن أما معنى الشرط (فرجة) بضم الفاء وفتحها، هي الخلل بين الشيئين (في
الحلقة) بإسكان اللام، كل شيء مستدير خالي الوسط، والجمع حلق بفتحتين،
وحكي فتح اللام في الواحد وهو نادر، كذا في ((الفتح)). قال: وفيه استحباب
التحليق في مجالس الذكر والعلم (فجلس فيها) وفيه أن من سبق إلى موضع
منها كان أحق به.
(وأما الآخر) بفتح الخاء المعجمة أي الثاني. قال الحافظ: فيه ردّ
على من زعم أنه يختص بالأخير لإطلاقه لههنا على الثاني (فجلس
(١) ((المنتقى)) (٢٨١/٧).
١٩٢

٥٤ - كتاب السلام
(٣) باب
(١٧٣٠) حدیث
خَلْفَهُمْ. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِباً، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ إِلّهِ قَالَ:
(أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللهِ فَآوَاهُ اللهُ.
خلفهم) بالنصب على الظرفية، قال الباجي: يحتمل أن يراها في موضع يتخطى
إليه، ويحتمل أن يراها في موضع لا يتخطى إليه، فجلس أحد الرجلين فيها
حرصاً على القرب من النبي وَلّ في الأخذ عنه وجلس الآخر خلفهم حياء.
(وأما الثالث فأدبر) أي وَلَّى حال كونه (ذاهباً) أي مستمراً في ذهابه (فلما
فرغ رسول الله وَّة) مما كان مشتغلاً به من تعليم القرآن أو العلم أو الذكر أو
الخطبة أو نحو ذلك، كذا في ((القسطلاني)) (قال) بَلير: (ألا) بفتح الهمزة
وتخفيف اللام. قال القسطلاني(١): حرف تنبيه، والهمزة يحتمل أن يكون
للاستفهام ولا للنفي، وقال الزرقاني: حرف تنبيه لا تركيب فيه عند الأكثر،
فمعناه التنبيه والاستفتاح محلها .
(أخبركم عن النفر الثلاثة؟). قال الباجي (٢): يريد - والله أعلم - أن
يخبرهم عن مقاصدهم التي خفيت عليهم، فأما ظاهر فعلهم فقد رآه من حضر،
ويحتمل أن يقصد الإخبار عما لهم عند الله تعالى جزاء على فعلهم، اهـ. قال
القسطلاني: فقالوا: أخبرنا يا رسول الله فقال: (أما أحدهم فأوى) بالقصر أي
لجأ (إلى الله) تبارك وتعالى (فآواه) بالمد (الله) تعالی إليه.
قال الحافظ: قال القرطبي: الرواية الصحيحة بقصر الأولى ومد الثاني،
وهو المشهور في اللغة، وفي القرآن ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ بالقصر
﴿وَءَاوَيْنَهُمَا إِلَى رَبْوَقٍ﴾ بالمد، وحكي في اللغة القصر والمد معا فيهما، ومعنى
أوى إلى الله لجأ إليه، أو على الحذف، أي انضم إلى مجلس رسول الله وَله،
ومعنى فآواه الله أي جازاه بنظير فعله بأن ضمه إلى رحمته ورضوانه، اهـ.
(١) ((إرشاد الساري)) (٢٨٦/١).
(٢) ((المنتقى)) (٢٨٢/٧).
١٩٣

٥٤ - كتاب السلام
(٣) باب
(١٧٣٠) حديث
وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ.
قال القسطلاني: أو يؤويه يوم القيامة إلى ظل عرشه، فنسبة الإيواء إلى الله
تعالى مجاز لاستحالته في حقه تعالى؛ لأنه الإنزال معه في مكان حسي،
فالمراد لازمه، وهو إرادة إيصال الخير، ويسمى هذا المجاز مجاز المشاكلة
والمقابلة، اهـ.
قال الباجي: فآواه الله بالمد أي قبله، وأجابه إلى ذلك. قال الله عز
وجل: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ أي لجئوا إليه، وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ
يَتِيمًا فَشَاوَى﴾ أي ضمك إلى كنفه، اهـ.
قال الحافظ(١): فيه استحباب الأدب في مجالس العلم وفضل سد خلل
الحلقة، كما ورد الترغيب في سد خلل الصفوف في الصلاة، وجواز التخطي
لسد الخلل ما لم يؤذ، فإن خشي استحب الجلوس حيث ينتهي، كما فعل
الثاني، وفيه الثناء على من زاحم في طلب الخير، اهـ.
(وأما الآخر) بفتح الخاء أي الثاني (فاستحيا) قال الحافظ: أي ترك
المزاحمة، كما فعل رفيقه حياء من النبي ◌ّ وممن حضر، قاله القاضي
عياض، وقد بيّن أنس في روايته سبب استحياء هذا الثاني، فلفظه عند الحاكم،
ومضى الثاني قليلاً، ثم جاء فجلس، فالمعنى أنه استحيا من الذهاب عن
المجلس، كما فعل رفيقه الثالث، اهـ.
كأن الحافظ ترجح عنده الحياء من الذهاب، فمرتبته على الاحتمال
الأول أعلى من الأول، وعلى الاحتمال الثاني أدونُ منه وأعلى من الثالث
(فاستحيا الله منه) بأن رحمه، ولم يعاقبه على ذهابه قليلاً، وهذا على الاحتمال
الثاني .
(١) ((فتح الباري)) (١٥٧/١).
١٩٤

٥٤ - كتاب السلام
(٣) باب
(١٧٣٠) حديث
وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ)).
أخرجه البخاريّ في: ٣ - كتاب العلم، ٨ - باب من قعد حيث ينتهي به
المجلس. ومسلم في: ٣٩ - كتاب السلام، ١٠ - باب من أتى مجلساً فوجد فرجة
فجلس فيها، حدیث ٢٦.
وأما على الاحتمال الأول فقد قال الباجي(١): أما الآخر فاستحيا أي
ترك المزاحمة، فاستحيا الله منه أي ترك عقوبته على ذنوبه، وزاده مما سأل من
الخير والثواب.
(وأما الآخر) بفتح الخاء أي الثالث (فأعرض) عن مجلس رسول الله وَ له
وأدبر ذاهباً (فأعرض الله عنه) أي جازاه بأن سخط عليه، وهذا أيضاً من قبيل
المشاكلة؛ لأن الإعراض هو الالتفات إلى جهة أخرى، فيكون مجازاً عن
السخط والغضب، كذا في ((القسطلاني)).
قال الحافظ(٢): هو محمول على من ذهب معرضاً لا لعذر، هذا إن
كان مسلماً، ويحتمل أن يكون منافقاً واطّلع النبيّ وَ ◌ّر على أمره، كما
يحتمل أن يكون قوله : ((فأعرض الله عنه)) إخباراً أو دعاء، ووقع في
حديث أنس ((فاستغنى فاستغنى الله عنه))، وهذا يرشح كونه خبراً، وفيه جواز
الإخبار عن أهل المعاصي وأحوالهم للزجر عنها، وأن ذلك لا يعد من
الغيبة، اهـ.
وفي ((الزرقاني))(٣): قال أبو عمر: يحتمل أنه منافق إذ لا يعرض غالباً
عن مجلسه ﴿ إلا منافق، بل بان لنا بقوله: ((فأعرض الله عنه)) أنه منافق؛ لأنه
لو أعرض لحاجة ما قال فيه ذلك، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (٢٨٢/٧).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٥٧/١).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٦٠/٤).
١٩٥

٥٤ - كتاب السلام
(٣) باب
(١٧٣١) حدیث
٥/١٧٣١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ
أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَسَلَّمَّ
عَلَيْهِ رَجُلٌ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ. ثُمَّ سَأَلَ عُمَرُ الرَّجُلَ: كَيْفَ أَنْتَ؟ فَقَالَ
أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللهَ،
٥/١٧٣١ - (مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن) عمه (أنس بن
مالك) رضي الله عنه (أنه) أي أنس (سمع عمر بن الخطاب، وسلم عليه) أي على
عمر - رضي الله عنه - جملة حالية من مفعول سمع، كذا في ((المحلى)) (رجل) لم
يسم (فرد) عمر رضي الله عنه (عليه) أي الرجل المذكور (السلام ثم سأل عمر)
رضي الله عنه (الرجل) عن حاله فقال: (كيف أنت؟) قال الباجي: سؤال عمر
- رضي الله عنه - الرجل عن حاله على سبيل التأنيس وحسن العشرة لمن عرفه
الإنسان أن يسأل عن حاله (فقال) الرجل: (أحمد إليك الله).
قال صاحب ((المحلى)): إنما عدي الحمد بإلى لتضمنه معنى الانتهاء،
والتقدير أنهي إليك حمده، كذا في بعض شروح ((المشارق))، وفي غيره: أنهي
إليك أن الله محمود، نقله ميرك شاه في ((حاشية الحصن))، اهـ.
وفي هامش ما عندي من نسخة ((الحصن)) عن ((الحرز)) أي أحمده معك،
فأقام ((إلى)) مقام ((مع))، وقيل: معناه أحمد إليك نعمة الله بتحديثك إياها، كذا
في ((النهاية))، والأظهر أن يقال: أحمد الله منتهياً إليك، اهـ.
قال الباجي(١): قول الرجل: أحمد الله إليك على ما يحب أن يفعله كل
مسئول عن حاله، فإن المنعم بصلاح الأحوال وتوالي النعم هو الله تعالى، ولا
أحد وإن اشتد بلاؤه إلا ولله تعالى عليه نِعَمٌ لا يحصيها، قال الله تعالى: ﴿وَإِن
تَعُذُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُصُوهَا﴾، ولا أبين من نَفَسِه المتردد، فإنه من نعم الله عز
وجل، ولا يقدر أحد عليه غيره تعالى، وقد روي عن بعض الزّهاد أنه عدّد
أنفاسه في يوم، فوجدها أربعة عشر ألف نَفَسٍ، وهذه نعم لا تحصى.
(١) ((المنتقى)) (٢٨٢/٧).
١٩٦

٥٤ - كتاب السلام
(٣) باب
(١٧٣٢) حديث
فَقَالَ عُمَرُ: ذَلِكَ الَّذِي أَرَدْتُ مِنْكَ.
٦/١٧٣٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ
أَبِي طَلْحَةَ؛ أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ أَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ
وأين تردد أنفاسه مع سائر النعم عليه مع المرض والفقر، فكيف مع
الصحة والغنى، ومن صح يقينه لزمه أن يحمد الله عز وجل على السرَّاء
والضرّاء، فإنه لا يحمد على المكروه غيره عز وجل، فإنه قد صرف أكثر منه،
وهو يثيب عليه، ويكفر الذنوب به، اهـ.
(فقال عمر) رضي الله عنه: (ذلك الذي أردت منك) لأن الحمد على
النعم يستدعي زيادتها، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَيِنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
وَلَيِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِ لَشَدِيدٌ ﴾﴾(١
قال الزرقاني (٢): وقد اقتدى عمر - رضي الله عنه - بالمصطفى وَلّ في
ذلك، فقد أخرج الطبراني بسند حسن عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: قال
رسول الله وَّ لرجلٍ: كيف أصبحت يا فلان؟ فقال: أحمد الله إليك يا
رسول الله فقال والر: ((ذلك الذي أردت منك))، اهـ. كذا في الأصل عن ابن
عمر بدون الواو، وضبط في حاشية ((الحصن)) عن ((الحرز)) بالواو، وفي
((الحصن)) إذا قيل له: كيف أصبحت؟ قال: أحمد الله إليك ((ط))، قال
المحشي: أي رواه الطبراني عن ابن عمرو بالواو ((حرز))، أهـ.
٦/١٧٣٢ - (مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري (أن
الطفيل) بضم الطاء المهملة وفتح الفاء مصغراً (ابن أبي بن كعب) الأنصاري
الخزرجي، كان يقال له أبو بطن لعظم بطنه، ثقة، يقال: ولد في عهد
النبي ◌َّر، كذا في ((التقريب)) ورقم له للبخاري في ((الأدب المفرد)) والترمذي
(١) سورة إبراهيم: الآية ٧.
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٦١/٤).
١٩٧

٥٤ - كتاب السلام
(٣) باب
(١٧٣٢) حديث
أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي عَبْدَ اللهِ بْنِ عُمَرَ. فَيَغْدُو مَعَهُ إِلى السُّوقِ. قَالَ
فَإِذَا غَدَوْنَا إِلَى السُّوقِ، لَمْ يَمُرَّ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى سَقَاطِ وَلَا
صَاحِبٍ بِيْعَةٍ وَلَا مِسْكِينٍ وَلَا أَحَدٍ إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ.
وابن ماجه، وفي ((التهذيب)): قال ابن سعد: يكنى أبا بطن، وكان صديقاً لابن
عمر - رضي الله عنه -، ذكره في الصحابة أبو موسى وغيره، اهـ.
(أخبره) أي إسحاق (أنه) أي الطفيل (كان يأتي عبد الله بن عمر) - رضي الله
عنه - (فيغدو) بغين معجمة ودال مهملة (معه) أي مع ابن عمر، وقال القاري:
يحتمل احتمالين في المرجعين، والمعنى يذهبان في الغدوة، اهـ. (إلى السوق)
قال الباجي: على ما يحسن بالعالم أن يفعله بالمتعلم ليتعلم منه ما يجري له
ويقتدي به في مشيه وسلامه وسائر تصرفاته (قال) الطفيل: (فإذا غدونا إلى
السوق لم يمر) كذا في جميع النسخ الهندية والمصرية بأيدينا غير الزرقاني،
ففيها ((لم يمرر)) بفك الإدغام، وقال بالفك، وفي نسخة بالإدغام، اهـ.
(عبد الله بن عمر) رضي الله عنه (على سقّاط) ضبطه صاحب ((المحلى))
والقارى(١) بفتح السين المهملة وتشديد القاف، وهو الذي يبيع سقط المتاع
ورديئه، وأعرب عليه في النسخ المصرية بالتخفيف، قال الزرقاني: بفتح السين
والقاف بائع رديء المتاع، ويقال له أيضاً سقطي، والمتاع الردي سقط،
ويجمع على أسقاط (ولا على صاحب بيعة) قال الزرقاني: بكسر الموحدة
وإسكان الياء، وقال الهروي: من البيع كالركبة والشربة والقعدة، اهـ. وقال
القاري: بفتح موحدة ويكسر، فالأول للمرة والثاني للنوع والهيئة، اهـ.
(ولا مسكين) أي ولا على مسكين (ولا أحد) كذا في جميع النسخ الهندية
والمصرية من المتون والشروح غير ((المنتقى)) ففيه تعميم بعد تخصيص، وفي
((المنتقى)) ((ولا عبد)) بدل ((ولا أحد))، والظاهر أنه تحريف من الناسخ (إلا سلّم عليه)
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٦٨/٩).
١٩٨

٥٤ - كتاب السلام
(٣) باب
(١٧٣٢) حديث
قَالَ الظُفَيْلُ: فَجِئْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَوْماً. فَاسْتَتْبَعَنِي إِلَى السُّوقِ.
فَقُلْتُ لَهُ: وَمَا تَصْنَعُ فِي السُّوقِ، وَأَنْتَ لَا تَقِفُ عَلَى الْبَيِّع،
قال القاري: الظاهر أن المسلِّم ابن عمر، ويحتمل العكس، اهـ.
قال الباجي(١): فيه دليل على أنه كان يعتقد فيه قربته، ولعله قد بلغه عن
النبي وَّر قوله: ((خير (٢) أن تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم
تعرف)) وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يتوخّى في السوق كثرة الناس ليكثر
سلامه، وهذا في زمن الحق والتمكن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
وأما في زمن يتعذّر ذلك فيه، فملازمة البيوت فيه أفضلُ، وقد روي عن الزبير
ابن العوام أنه قال: لا يقبل الرجل حتى يلزم بيته، ولعله قال ذلك في وقت
فتنة تعذّر عليه فيها بعض ما أراده من ذلك.
ويحتمل أن يكون ابن عمر - رضي الله عنهما - قد تهيّأ له من ذلك، ما
لم يتهيأ للزبير، فليس كل الناس يمكنه ذلك، وإنما أبواب الخير أرزاق، فرب
إنسان يرزق منها باباً، ويمنع باباً قد رزقه غيره، اهـ.
(قال الطفيل: فجئت عبد الله بن عمر) رضي الله عنه (يوماً) أي في يوم
على حسب عادتي (فاستتبعني) بالفوقيتين أولاهما مفتوحة، والثانية ساكنة، أي
طلب مني أن أتبعه في الذهاب (إلى السوق) كعادته المعروفة (فقلت له: وما
تصنع) ما استفهامية (في السوق) أي ما الفائدة في ذهابك إلى السوق (وأنت لا
تقف) الجملة حالية (على البيع) بفتح الموحدة وشد التحية المكسورة بمعنى
البائع، قال صاحب ((المحلى)): وأغرب من فسر بأنه لا شعور لك في
البيع، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (٢٨٣/٧).
(٢) هذا الحديث أخرجه البخاري (٢٨) فيه: ((أن رجلاً سأل رسول الله والر أيّ الإسلام
خيرٌ؟ قال: أن تطعم الطعام، إلى آخره)).
١٩٩

٥٤ - كتاب السلام
(٣) باب
(١٧٣٢) حديث
وَلَا تَسْأَلُ عَنِ السِّلَعِ، وَلَا تَسُومُ بِهَا، وَلَا تَجْلِسُ فِي مَجَالِسٍ
السُّوقِ؟ قَالَ وَأَقُولُ: اجْلِسْ بِنَا هُهُنَا نَتَحَدَّثْ. قَالَ فَقَالَ لِي
عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ : يَا أَبَا بَظْنِ! وَكَانَ الظُفَيْلُ ذَا بَطْنِ: إِنَّمَا نَغْدُو ....
(ولا تسأل عن السلع) بكسر السين وفتح اللام جمع سلعة، أي لا تسأل
عن مكانها (ولا تسوم بها) أي لا تسأل عن ثمنها (ولا تجلس في مجالس
السوق) أي للتنزه والتفرج على الصادر والوارد، والمذكورات غالب المقاصد
للمترددين في السوق (قال) الطفيل: (وأقول) لابن عمر: (اجلس بنا لههنا) وليس
في ((المشكاة)) لفظ ((قال وأقول))، بل فيها فاجلس بنا ههنا (نتحدث) قال
القارى(١): بالرفع أي نحن نستمع الحديث منك أو يتحدث بعضنا بعضاً فيما
يتعلق من أمور الدين أو من مهمات الدنيا، وفي نسخة بالجزم على جواب
الأمر، اهـ
(قال) الطفيل: (فقال لي عبد الله بن عمر: يا أبا بطن) قال الباجي(٢):
قال ذلك على معنى الزجر والانتهار له حين لم يفهم مقصده في الخروج إلى
السوق، ويجوز للمعلم أن يفعل هذا مع تلميذه، ويحتمل أن يكون الطفيل لا
يشق عليه مثل هذا، بل قد عرف بهذا ودعي به، كما قيل لخرباق:
ذا الیدین، اهـ.
وزاد في ((المشكاة)) بعد ذلك لفظ ((قال)) فالضمير إلى الراوي عن الطفيل،
وهو الظاهر أو قال ذاك الطفيل بنفسه، كما ذكره القاري احتمالاً، وليس في
نسخ ((الموطأ)» لفظ قال.
(وكان الطفيل ذا بطن) أي عظيم، ولذا كان يقال له: أبو بطن، قال
القارى: ولذا لقبه بذلك، لا لأنه كان صاحب أكل كثير كما يتوهم (إنما نغدو)
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٦٨/٩).
(٢) ((المنتقى)) (٢٨٣/٧).
:
٢٠٠