Indexed OCR Text

Pages 141-160

٥٣ - کتاب الرؤيا
(١) باب
(١٧٢٣) حديث
٤/١٧٢٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ بْنَ رِبْعِيٍّ
يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهَ يَقُولُ: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللهِ.
وَالْحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ .
سعيد الخدري بهذا العدد، وبرواية البخاري وابن ماجه عن أبي هريرة كذلك،
وبرواية أحمد وأبي داود والترمذي، وصححه عن أبي رزين مرفوعاً كذلك،
وبرواية ابن أبي شيبة عن عوف بن مالك الأشجعي مرفوعاً كذلك.
٤/١٧٢٣ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن أبي سلمة بن عبد
الرحمن) بن عوف (أنه قال: سمعت أبا قتادة) اختلف في اسمه على أقوال،
أشهرها الحارث (بن ربعي) بكسر الراء وسكون الموحدة الأنصاري فارس
رسول الله ﴾ (يقول: سمعت رسول الله وَليل يقول) أخرجه الشيخان وغيرهما
بطرق (الرؤيا الصالحة) تقدم تفسيرها، وقال الكرماني: الصالحة صفة موضحة؛
لأن غيرها يسمى بالحلم، أو مخصصة (من الله) تبارك وتعالى أي بشرى أو
تحذير وإنذار (والحلم) بضم الحاء وسكون اللام، وقد تضم: ما يراه النائم،
ولم يحك النووي غير السكون، يقال: حلم بفتح اللام، يحلم بضمها، وأما
من الحلم بكسر الحاء وسكون اللام، فيقال: حلم بضم اللام، وجمع الحلم
بالضم والحلم بالكسر أحلام، كذا في ((الفتح))(١).
وقال القاري(٢): الحلم ما يرى في المنام من الخيالات الفاسدة، وفي
((النهاية)): الحلم عبارة عما يراه النائم في نومه من الأشياء، لكن غلبت الرؤيا على
ما يراه من الخير والشيء الحسن، وغلب الحلم على ما يراه من الشر والأمر القبيح،
ومنه قوله تعالى: ﴿أَضْغَثُ أَحْلَمِ﴾ ويستعمل كل واحد منهما موضع الآخر، اهـ.
(من الشيطان) قال الحافظ: إضافة الحلم بمعنى أنها تناسب صفته من
(١) ((فتح الباري)) (٣٩٣/١٢).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٧/٩).
١٤١

٥٣ - كتاب الرؤيا
(١) باب
(١٧٢٣) حديث
فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الشَّيْءَ يَكْرَهُهُ
الكذب والتهويل وغير ذلك، بخلاف الرؤيا الصادقة، فأضيفت إلى الله تعالى
إضافة تشريف، وإن كان الكل بخلق الله تعالى وتقديره، اهـ.
وقال في موضع آخر: قال المهلب: سمى الشارع الرؤيا الخالصة من
الأضغاث صالحة وصادقة، وأضافها إلى الله تعالى، وسمى الأضغاث حلماً
وأضافها إلى الشيطان إذ كانت مخلوقة على شاكلته، فأعلم الناس بكيده
وأرشدهم إلى دفعه لئلا يبلغوه إربه في تحزينهم والتهويل عليهم، وقال أبو
عبد الملك: أضيفت إلى الشيطان لكونها على هواه ومراده، وقال ابن
الباقلاني: يخلق الله الرؤيا الصالحة بحضرة الملك، ويخلق الرؤيا التي تقابلها
بحضرة الشيطان، فمن ثم أضيفت إليه، وقيل: أضيفت إليه؛ لأنه الذي يخيل
بها ولا حقيقة لها في نفس الأمر، اهـ.
قال الباجي(١): يحتمل أن يريد به ما يحزن، ويحتمل أن يريد به الكاذبة
وهو من الشيطان، معناه، أنه يخيل بها ليغر أو ليحزن، وقال عيسى بن دينار:
الرؤيا ما يتأول على الخير والأمر الذي يسر به، والحلم هو الأمر الفظيع
المجهول يريه الشيطان المؤمن ليحزنه، اهـ.
وفي ((الزرقاني)) (٢): قال التوربشتي: الحلم عند العرب يستعمل استعمال
الرؤيا، والتفريق بينهما من الاصطلاحات الشرعية، سَنّها صاحب الشرع للفصل
بين الحق والباطل، كأنه كره أن يسمى ما كان من الله، وما كان من الشيطان
باسم واحد، فجعل الحلم عبارة عما كان من الشيطان؛ لأن الكلمة لم تستعمل
إلا فيما يخيل للحالم في نومه من قضاء الشهوة فيما لا حقيقة له.
(فإذا رأى أحدكم) في منامه (الشيء) الذي (يكرهه) قال الباجي: يحتمل
(١) «المنتقى)) (٢٧٧/٧).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٤/٤).
١٤٢

٥٣ ۔ کتاب الرؤيا
(١) باب
(١٧٢٣) حدیث
فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إِذَا اسْتَيْقَظَ. وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا .
أن يريد به ما يخيفه ويحزنه (فلينفث) بضم الفاء وكسرها، والنفث نفخ لطيف
بلا ريق، كذا في ((المحلى)).
قال الحافظ(١): وقد ورد في بعض الروايات عند البخاري ((فليبصق))
إشارة إلى استقذاره، وقد ورد بثلاثة ألفاظ: النفث، والتفل، والبصق.
قال النووي في الكلام على النفث في الرقية تبعاً لعياض: اختلف في
النفث والتفل، فقيل: هما بمعنى، ولا يكونان إلا بريق، وقيل: يشترط في
التفل ريق يسير، ولا يكون في النفث، وقيل: عكسه، قال عياض: فائدة التفل
التبرك بتلك الرطوبة، وقال النووي: أكثر الروايات في الرؤيا ((فلينفث))، وهو
نفخ لطيف بلا ريق، فيكون التفل والبصق محمولين عليه.
وتعقبه الحافظ فقال: لكن المطلوب في الموضعين مختلف؛ لأن
المطلوب في الرقية التبرك برطوبة الذكر كما تقدم، والمطلوب لههنا طرد
الشيطان وإظهار احتقاره واستقذاره، كما نقله هو عن عياض كما تقدم، فالذي
يجمع الثلاثة الحمل على التفل، فإنه نفخ معه ريق لطيف، فبالنظر إلى النفخ،
قيل له: نفث، وبالنظر إلى الريق قيل له: بصاق، اهـ.
(عن يساره ثلاث مرات) قال عياض: أمر بالتفل طرداً للشيطان الذي
حضر الرؤيا المكروهة تحقيراً له واستقذاراً، وخصت باليسار، لأنها محل
الأقذار ونحوها، قال الحافظ: والتثليث للتأكيد (إذا استيقظ) من نومه، ولمسلم
((حين يَهبُّ من نومه)) (وليتعوذ) كذا في النسخ الهندية والمصرية غير الزرقاني،
ففيها ((وليستعذ)) (بالله من شرها) أي من شر هذه الرؤيا، وقد أخرجه أبو نعيم
في ((المستخرج)) بلفظ ((من شرها وأذاها))، وفي رواية عبد ربه بن سعيد عن أبي
سلمة عند البخاري ((فليتعوذ بالله من شرها، ومن شر الشيطان، وليتفل ثلاثاً،
(١) ((فتح الباري)) (١٢/ ٣٧١).
١٤٣

٥٣ - کتاب الرؤيا
(١) باب
(١٧٢٣) حديث
فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ إِنْ شَاءَ اللهُ))
ولا يُحَدِّثْ بها أحداً، فإنها لا تضره)) قال الحافظ: وهذه أتم الروايات عن أبي
سلمة لفظاً .
وورد في صفة التعوذ من شرِّ الرؤيا أثر صحيح، أخرجه سعيد بن منصور
وابن أبي شيبة وعبد الرزاق بأسانيد صحيحة عن إبراهيم النخعي، قال: ((إذا
رأى أحدكم في منامه ما يكره، فليقل إذا استيقظ: أعوذ بما عاذت به ملائكة الله
ورسوله من شر رؤياي هذه أن يصيبني فيها ما أكره في ديني ودنياي)» وورد في
الاستعاذة من التهويل في المنام ما أخرجه مالك، قال: بلغني أن خالد بن
الوليد، فذكر حديثه المذكور في ((باب ما يؤمر به من التعوذ)).
قال الزرقاني(١): وقال غيره: وورد أنه يقول: ((اللَّهم إني أعوذ بك من
عمل الشيطان وسيئات الأحلام)) رواه ابن السني. اهـ.
وفي ((المنتقى)): قال ابن وهب: من رأى ذلك نفث عن يساره ثلاثاً ثم
يقول: أعوذ بمن استعاذت به ملائكته ورسله من شر ما رأيت في منامي هذا أن
يصيبني منه شيء أكرهه، ثم يتحول إلى جانبه الآخر، اهـ.
(فإنها) أي الرؤيا على ما في النسخ المصرية، وفي النسخ الهندية بضمير
التذكير، فإنه لا يضره أي ما رأى (لن تضره إن شاء الله) لأن الله تبارك وتعالى
جعل ما ذكر سبباً للسلامة من المكروه المترقب من الرؤيا، كما جعل الدعاء
راداً للقضاء، والصدقة وقاية للمال وأنها تدفع البلايا.
قال الباجي(٢): جعل هذا ما يرفع به مضرة الشيطان، وذلك لأن المؤمن
الواثق بفضل الله إذا فعل هذا زال عنه شغل البال بها، ورجع إلى التوكل
على الله عزّ وجلّ، ويحتمل أن يريد بذلك أن الله جل ذكره قد قدر أنه إذا فعل
(١) ((شرح الزرقاني)) (٤٥٤/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٢٧٧/٧).
١٤٤

٥٣ - کتاب الرؤيا
(١) باب
(١٧٢٣) حديث
هذا وتعوذ أنه لا يصيبه شيء مما رآه في منامه، وأنه إن ترك ذلك وَلَهاً عنه
أصابه ما رآه في منامه، كما قدر أن الداعي إذا دعا صرف عنه البلاء، وأنه لو
لم يدع لنزل به ذلك البلاء، اهـ.
وفي ((الحصن)) (١): إذا رأى ما يكره فليتفل ((خ م)) أو ليبصق ((م)) أو
لينفث ((ع)) ثلاثاً ثلاثاً عن يساره ((ع)) وليتعوذ بالله من الشيطان ومن شرها (ع))
ثلاثاً، ولا يذكر لأحد ((خ م د س ق))، فإنها لا تضره ((ع)) وليتحول عن جنبه
الذي كان عليه ((م)) أو ليقم فليصل ((خ))، اهـ.
قال الحافظ(٢) بعد ذكر حديث أبي سعيد الخدري وغيره: حاصل ما
ذكر من آداب الرؤيا الصادقة ثلاثة أشياء: أن يحمد الله عليها، وأن يستبشر بها،
وأن يتحدث بها، لكن لم يحبّ دون من يكره، وحاصل ما ذكر من أدب الرؤيا
المكروهة أربعة أشياء: أن يتعوذ بالله من شرها، ومن شر الشيطان، وأن يتفل
حين يهبّ من نومه عن يساره ثلاثاً، ولا يذكرها لأحد أصلاً.
ووقع عند البخاري في ((باب القيد في المنام)) عن أبي هريرة خامسة،
وهي الصلاة، ولفظه ((فمن رأى شيئاً يكرهه فلا يقصّه على أحد، وليقم فليصل))
لكنه لم يصرح بوصله، وصرح به مسلم، وزاد مسلم سادسة، وهي التحول عن
جنبه الذي كان عليه، ورأيت في بعض الشروح سابعة، وهي قراءة آية
الكرسي، ولم يذكر لذلك مستنداً، فإن كان أخذه من عموم قوله في حديث أبي
هريرة: ((ولا يقربنك شيطان، فيتجه)).
وقد ذكر العلماء حكمة هذه الأمور: فأما الاستعاذة بالله من شرها
فواضح، وهي مشروعة عند كل مكروه، وأما الاستعاذة من الشيطان، فلما وقع
(١) ((الحصن الحصين)) (٦١).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٧٠/١٢).
١٤٥

٥٣ - کتاب الرؤيا
(١) باب
(١٧٢٣) حديث
في بعض طرق الحديث أنها منه، كما تقدم، وأما التفل، فلما تقدم عن عياض
أمر به طرداً للشيطان، والتثليث للتأكيد.
قال النووي: وأما قوله: ((فإنها لا تضره))، فمعناه أن الله جعل ما ذكر
سبباً للسلامة من المكروه، كما جعل الصدقة وقايةً للمال، وأما الصلاة، فلما
فيها من التوجه إلى الله واللجأ إليه، ولأن في التحرم بها عصمة من الأسواء،
وبها تكمل الرغبة، وتصح الطلبة لقرب المصلي من ربه عند سجوده، وأما
التحول فللتفاؤل بتحول تلك الحال التي كان عليها، وأما كتمها مع أنها قد
تكون صادقة فخفیت حکمته.
ويحتمل أن يكون لمخافة تعجيل اشتغال سرائر الرائي بمكروه تفسيرها؛
لأنها قد تبطئ، فإذا لم يخبر بها زال تعجيل روعها وتخويفها، ويبقى إذا لم
يعبرها له أحد بين الطمع في أن لها تفسيراً حسناً، أو الرجاء من أنها من
الأضغاث، فيكون ذلك أسكن لنفسه، واستدل بقوله: ((ولا يذكرها على أن
الرؤيا يقع على ما يعبر به)).
قال النووي: وينبغي أن يجمع بين هذه الروايات كلها، ويعمل بجميع ما
تضمنته، فإن اقتصر على بعضها أجزا في دفع ضررها بإذن الله، كما صرحت به
الأحاديث. قال الحافظ: لم أر في شيء من الأحاديث الاقتصار على واحدة،
نعم أشار المهلب، إلى أن الاستعاذة كافية في دفع شرِّها، وكأنه أخذه من قوله
تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرَْنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَُ عَلَى
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾﴾(١)، فيحتاج مع الاستعاذة إلى صحة
التوجه، ولا يكفي إمرار الاستعاذة باللسان.
وقال القرطبي في ((المفهم)): الصلاة تجمع ذلك كله؛ لأنه إذا قام فصلى
(١) سورة النحل: الآية ٩٨.
١٤٦

٥٣ - کتاب الرؤيا
(١) باب
(١٧٢٣) حديث
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: إِنْ كُنْتُ لَأَرَى الرُّؤْيَا هِيَ أَثْقَلُ عَلَيَّ مِنَ الْجَبَلِ. فَلَمَّا
سَمِعْتُ هُذَا الْحَدِيثَ، فَمَا كُنْتُ أُبَالِيهَا .
أخرجه البخاريّ في: ٧٦ - كتاب الطب، ٣٩ - باب النفث في الرقية. ومسلم
في: ٤٢ - كتاب الرؤيا، حديث ٢.
تحول عن جنبه، وبصق ونفث عندالمضمضة في الوضوء، واستعاذ قبل القراءة
ثم دعا الله في أقرب الأحوال إليه، فيكفيه الله شرها بمنه وكرمه، واستثنى
الداودي من عموم قوله: إذا رأى ما يكره ما يكون في الرؤيا الصادقة لكونها
قد تقع إنذاراً كما تقع تبشيراً، وفي الإنذار نوع ما يكرهه الرائي، فلا يشرع إذا
عرف أنها صادقة ما ذكر من الاستعاذة ونحوها .
واستند إلى ما ورد في مرائي النبي ◌َّ كالبقر التي تنحر ونحو ذلك،
ويمكن أن يقال: لا يلزم من ترك الاستعاذة في الصادقة أن لا يتحول عن جنبه
وأن لا يصلي، فقد يكون ذلك سبباً لدفع مكروه الإنذار مع حصول مقصود
الإنذار، اهـ
(قال أبو سلمة) المذكور: (إن كنت لأرى) باللام في أوله بصيغة الإثبات
في جميع النسخ المصرية، وكذا في ((المحلى))، فما في بعض النسخ الهندية
بلفظ: لا أرى بصيغة النفي تحريف من الناسخ (الرؤيا) أي المكروهة منها،
فتكون (هي أثقل عليّ) بشد الياء (من الجبل) بالجيم والموحدة واحد الجبال
(فلما سمعت هذا الحديث) من أبي قتادة (فما كنت أباليها) من المبالاة أي لا
ألتفت إليها .
وفي ((البخاري))(١) برواية شعبة عن عبد ربه بن سعيد، قال: سمعت أبا
سلمة، يقول: لقد كنت أرى رؤيا فتُمرِضني حتى سمعت أبا قتادة يقول: وأنا
كنت أرى رؤيا تمرضني حتى سمعت النبي ◌ُّه يقول: ((الرؤيا الحسنة من الله،
(١) أخرجه البخاري ح (٧٠٤٤) من كتاب التعبير.
١٤٧

٥٣ - کتاب الرؤيا
(١) باب
(١٧٢٤) حديث
٥/١٧٢٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ، فِي هذِهِ الآية - ﴿لَهُمُ الْبُشْرَىَ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا
وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ .
قَالَ: هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ.
فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب، وإذا رأى ما يكره
فليتعوذ بالله من شرها وشر الشيطان))، الحديث.
قال الحافظ(١): وعند مسلم من رواية الزهري عن أبي سلمة ((كنت أرى
الرؤيا أعرى منها)) أي أُحَمَّ لخوفي من ظاهرها في ظني، اهـ.
٥/١٧٢٤ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يقول في) تفسير
(هذه الآية) وهي قوله تعالى في سورة يونس (٢): (﴿لَهُمُ الْبُتْرَى فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا
وَفِي الْأَخِرَةِ﴾) هي أي البشرى في الدنيا (قال: هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل
الصالح) بنفسه (أو تُرَى له) ببناء المجهول أي يراها له أحد من الخير، وقد ورد
هذا التفسير مرفوعاً في روايات عديدة، وتقدم قريباً ما قال الحافظ: أخرجه
الترمذي وابن ماجه والحاكم عن عبادة بن الصامت إلى آخر ما نقلنا من كلامه.
وقال السيوطي في ((الدر))(٣): أخرج أحمد، والترمذي وحسّنه، والبيهقي
((الشعب))، وابن أبي شيبة، وآخرون عن عطاء عن رجل من أهل مصر، قال:
سألت أبا الدرداء - رضي الله عنه - عن هذه الآية، فقال: ما سألني عنها أحد
منذ سألتُ رسول الله وَ﴿ فقال: ما سألني عنها أحد غيرك منذ أنزلت، هي
الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، فهي بُشْراه في الحياة الدنيا، وبُشْرَاه
في الآخرة الجنة.
(١) ((فتح الباري)) (١٢/ ٤٣١).
(٢) سورة يونس: الآية ٦٤.
(٣) (٣٣٦/٤).
١٤٨

٥٣ - کتاب الرؤيا
(٢) باب
(٢) باب ما جاء في النرد
وأخرج أحمد والطيالسي والدارمي والترمذي والحاكم وصححه وجماعة
عن عبادة بن الصامت قال: سألت رسول الله وَلّ عن قوله: ﴿لَهُمُ اُلْبُشْرَى فِ
الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا﴾ قال: ((هي الرؤيا الصالحة، يراها المؤمن أو ترى له)).
وأخرج أحمد وابن جرير والبيهقي وغيرهم عن عبد الله بن عمر عن
رسول الله وَ﴿ في قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ قال: ((الرؤيا الصالحة
يبشر بها المؤمن [وهي] جزءٌ من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)»، الحديث.
وأخرج ابن جرير وغيره عن أبي هريرة عن النبي ◌ّر قال: ((هي في الدنيا
الرؤيا الصالحة، يراها العبد الصالح، أو تُرى له، وفي الآخرة الجنة)).
وأخرج ابن سعد والبزار وغيرهما عن أبي صالح عن جابر بن عبد الله بن
رباب وليس بالأنصارى عن النبي ◌َّلر قال: ((هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم
أو تری له)».
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه وغيرهما من طريق أبي جعفر عن
جابر بن عبد الله قال: أتى رجل من أهل البادية، فقال: يا رسول الله أخبرني
عن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴿ لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ فقال رسول اللهِ وَالَ: ((أما قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَوْةِ
الذُّنْيَا﴾ فهي الرؤيا الحسنة، تُرَى للمؤمن، فيبشر بها في دنياه، وأما قوله:
﴿وَفِ الْأَخِرَةِ﴾ فإنها بشارة المؤمن عند الموت إن الله قد غفر لك ولمن
حملك إلى قبرك)) ثم ذكر السيوطي تخريج الروايات في ذلك عن جابر وابن
مسعود وابن عباس وغيرهم مبسوطاً.
(٢) ما جاء في النرد
اقتصر عليه في جميع النسخ المصرية والهندية إلا أنه زيد في النسخ
الهندية بعد ذلك لفظ ((والشطرنج)) على الحاشية بطريق النسخة، ولم يذكره
١٤٩

٥٣ - کتاب الرؤيا
(٢) باب
صاحب ((المحلى))، والنرد، بفتح النون وإسكان الراء، قال الزرقاني(١): معناه
بلغة الفرس حَلْوٌ، كذا قال، ولعل فيه سقوطاً، فإن الحلو معنى الشير، وقال
في موضع آخر: النرد قِطَعٌ مَلَوّنَة من خشب البَقس وعظم الفيل وغير ذلك،
قال: ويسمى الكعاب والأرق والنردشير، اهـ.
وفي ((المحلى)): النرد معروف معرب وضعه أردشير، ولهذا يقال له:
النردشير، كذا في ((القاموس))، وفي ((النهاية)): عجمي معرّب، وشير معناه
حلو، اهـ.
هذا هو الصواب أن الشير معناه الحلو، قال النووي: قال العلماء:
النردشير هو النرد، فالنرد عجمي معرّب، وشير معناه حلو، اهـ.
قال الزرقاني: قيل: إن الأوائل لما نظروا في أمور الدنيا وجدوها على
أسلوبين؛ أحدهما: ما يجري بحكم الاتفاق، فوضعوا له النرد لتشعر (٢) النفس
به، والثاني: ما يجري بحكم السعي والتحيل، فوضعوا له الشطرنج لتشعر
النفس بذلك، وتنهض الخواطر إلى عمل مثله من المطلوبات، ويقال: إن
واضع النرد وضعه على رأي أصحاب الجبر، وواضع الشطرنج وضعه على
رأي القدرية، اهـ.
وفي ((نفائس اللغات)): النرد لغة فارسية، تستعمل هكذا في الهندي
والأردو والعربي أيضاً.
وحكى الدميري عن ابن خلكان أن أردشير بن بابك أول ملوك الفرس
المؤرخة به قد وضع النرد، ولذلك قيل له: النردشير، نسبوه إلى واضعه
المذكور، وجعلوه مثالاً للدنيا وأهلها، فجعل الرقعة إثني عشر بيتاً بعدد شهور
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٦/٤)، و((تفسير غريب الموطأ)) لابن حبيب (١٥٣/٢).
(٢) كذا في الأصل والصواب عندي لعدم تشعر النفس به، ((ش)). اهـ.
١٥٠

٥٣ - کتاب الرؤيا
(٢) باب
السنة، وجعل القطع ثلاثين قطعة بعدد أيام الشهر ، وجعل الفصوص مثل
القضاء والقدر وتقلبه في الدنيا، فافتخرت الفرس بوضع النرد، فوضع صِصَّة
الهندي الشطرنج لملك الهند، وأردشير بالراء المهملة، وقيل: بالزاي هو الذي
أباد ملوك الطوائف، ومهد لنفسه الملك، وهو جدّ ملوك الفرس الذين آخرهم
يزدجر، انقرض ملكهم في خلافة عثمان - رضي الله عنه - سنة ٣٢هـ، انتهى.
قال الدميري(١): قد أغفل ابن خلكان من وصف النرد أشياء؛ منها: أن
الاثني عشر بيتاً التي في الرقعة مقسومة أربعة على عدد فصول السنة، ومنها:
أن الثلاثين قطعة بيض وسود كالأيام والليالي، ومنها: أن الفصوص مسدسة
إشارة إلى أن الجهات ست لا سابع لها .
ومنها: أن ما فوق الفصوص وتحتها كيفما وقعت سبع فقط عدد
الأفلاك، وعدد الأرضين، وعدد السموات، وعدد الكواكب السيارة، ومنها :
أنه جعل تصرف اللاعب في تلك الأعداد لاختياره وحسن التدبير بعقله، كما
يرزق العاقل شيئاً قليلاً، فيحسن التدبير فيه، ويرزق المفرط شيئاً كثيراً، فلا
يحسن التصرف فيه، فالنرد جامع لحكم القضاء والقدر وحسن التصرف لاختيار
لاعبه، والشطرنج مفوض لاختيار اللاعب وعقله وتصرفه الجيد والرديء، اهـ.
وقال الزرقاني(٢): إن واضعه سابور بن أردشير أول ملوك ساسان شبه
رقعته بوجه الأرض، والتقسيم الرباعي بالفصول الأربعة، والشخوص والثلاثين
بثلاثين يوماً، والسواد والبياض بالليل والنهار، والبيوت الاثني عشر بشهور
السنة، والكعاب الثلاثة بالأقضية السماوية فيما للإنسان، وعليه، وما ليس له ولا
عليه، والخصال بالأغراض التي يسعى الإنسان لأجلها واللعب بها بالكسب،
(١) ((حياة الحيوان)) (١٩٦/٢).
(٢) («شرح الزرقاني)) (٣٥٦/٤) وانظر: ((الاستذكار)) (١٢٩/٤٧).
١٥١

٥٣ - کتاب الرؤيا
(٢) باب
فصار من يلعب به حقيقاً بالوعيد لاجتهاده في إحياء سنة المجوس المستكبرة
على الله، اهـ.
قال الموفق(١): كل لعب فيه قمار فهو محرم أيّ لعبٍ كان، وهو من
الميسر الذي أمر الله تعالى باجتنابه، ومن تكرر منه ذلك رُدّت شهادتُه، وما
خلا من القمار، وهو اللعب الذي لا عوض فيه من الجانبين، ولا من
أحدهما، فمنه ما هو محرَّمٌ، ومنه ما هو مباحٌ، فأما المحرم فاللعب بالنرد،
وهذا قول أبي حنيفة وأكثر أصحاب الشافعي، وقال بعضهم: هو مكروه غير
محرم.
ولنا، ما روى أبو موسى قال: سمعت رسول الله وَ﴾ يقول: ((من لعب
بالنَّرْدَ شِير، فقد عصى الله ورسوله)) وروى بريدة أن النبي ◌َّر قال: ((من لعب
بالنَّرْدَ شير فكأنما غمس يده في لحم الخنزير ودمه)) رواهما أبو داود(٢)، وكان
سعيد بن جبير إذا مر على أصحاب النردشير لم يسلم عليهم، اهـ.
قلت: وحديث بريدة أخرجه مسلم في ((صحيحه))(٣)، وقال النووي: فيه
حجة للشافعي والجمهور في تحريم اللعب بالنرد، وقال أبو إسحاق المروزي
من أصحابنا: مكروه ولا يحرم، اهـ. وعلم منه أن مذهب الإمام الشافعي
الحرمة، والكراهة قول بعض أصحابهم، وفي ((المحلى)): وبتحريم النرد قالت
الأئمة الأربعة والجمهور، وقال أبو إسحاق المروزي من الشافعية: يكره ولا
يحرم، وعن عبد الله بن مغفل أنه كان يلعب به مع أهله، وجاء عن ابن
المسيب فيه رخصة عند عدم القمار، اهـ.
(١) «المغني)) (١٤/ ١٥٤).
(٢) ((سنن أبي داود)) (٥٨٢/٢) من كتاب الأدب في باب في النهي عن اللعب بالفرد.
(٣) ((صحيح مسلم)) (٤/ ١٧٧٠) في كتاب الشعر في باب تحريم اللعب بالنردشير.
١٥٢

٥٣ - كتاب الرؤيا
(٢) باب
وقال الزرقاني: يحرم اللعب به باتفاق السلف، بل حكى بعضهم عليه
الإجماع ونُؤْزِعَ، اهـ.
وقال الباجي(١) في حديث الباب: أخبر النبي وَ ار أن من لعب بها
عاصٍ لله عز وجل، وهذا عام في اللعب بها على أيّ وجه كان من قمار أو
غيره، ولا يجوز عند مالك اللعب بالنرد ولا بالشطرنج، حكاه القاضي أبو
محمد، زاد الشيخ أبو محمد: كره مالك كل ما يلعب به من النرد والأربعة
عشر والشطرنج؛ لأن ذلك مما يلهي عن ذكر الله تعالى غالباً، ولأنه نوع من
الميسر يقصد به المبالغة فيما لا منفعة فيها من عمل دين ولا دنيا .
وقد علق الباري تعالى تحريم الخمر على هذا المعنى، فقال عز وجل:
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ فِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ
اَلَّهِ وَعَنِ اٌلْضَّلََّةِ فَهَلْ أَنُْم مُّنْنَهُونَ ﴾﴾(٢) وما روي عن عبد الله بن مغفل والشعبي
وعكرمة أنهم كانوا يلعبون بالنرد، وأن الشعبي كان يلعب بالشطرنج غير ثابت،
ولو ثبت لحمل على أنهم لم يعلموا النهي وأغفلوا النظر وأخطأوا فيه، وروي
عن ابن المسيب وابن شهاب إجازة اللعب بالنرد، وذلك كله غير ثابت عمن
تقدم ذكره، وإنما هي أخبار يتعلق بها أهل البطالة حرصاً على تخفيف ما هم
عليه من الباطل، والله المستعان، اهـ.
وفي ((التعليق الممجد)) (٣) بعد ذكر روايات النهي: وبهذه الأحاديث ذهب
أكثر العلماء إلى كون اللعب بالنرد حراماً، تُرَدُّ به شهادة اللاعب، وهناك أقوال
لبعض الشافعية مخالفة لهذا القول، قد ردّها ابن حجر المكي في
((الزواجر))، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (٢٧٨/٧).
(٢) سورة المائدة: الآية ٩١.
(٣) (٤٢٢/٣).
١٥٣

٥٣ - کتاب الرؤيا
(٢) باب
(١٧٢٥) حدیث
٦/١٧٢٥ - حدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَه
قَالَ: ((مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللّهَ وَرَسُولَهُ)).
٦/١٧٢٥ - (مالك عن موسى بن ميسرة) الديلي بكسر الدال المهملة
وسكون التحتية (عن سعيد) بفتح السين وكسر العين المهملتين (ابن أبي هند)
الفزاري، مولى سمرة بن جندب، ثقة من رواة الستة، قال الحافظ في
((التقريب)): أرسل عن أبي موسى الأشعري مات سنة ١١٦ هـ، أو بعدها.
(عن أبي موسى) عبد الله بن قيس (الأشعري) الصحابي الشهير، هكذا
السياق في جميع النسخ المصرية والمتون، وكذا في ((المحلى))، و((المصفَّى))
من الشروح الهندية، وهو الصواب، وما في النسخ الهندية بدل ذلك عن
سعيد بن أبي موسى الأشعري تحريف من الناسخ وسقوط في العبارة، جعل
الراويين واحداً لسقوط العبارة، وعلى وفق الجادة أخرجه أبو داود(١) برواية
القعنبي عن مالك عن موسى عن سعيد عن أبي موسى، وأخرجه ابن ماجه(٢)
برواية نافع عن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى.
وفي ((المرقاة))(٣): أخرجه أحمد والحاكم يعني من حديث أبي موسى
الأشعري، وفي ((الزرقاني)) (٤): قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين وأقره
الذهبي، ووهم من عزاه لمسلم، وإنما روى مسلم حديث بريدة الآتي.
(أن رسول الله وَّر قال: من لعب بالنرد) بفتح النون وسكون الراء، تقدم
تفسيره (فقد عصى الله ورسوله) قال الزرقاني: لأنه يوقع العداوة والبغضاء
(١) (سنن أبي داود)) في الأدب (٤٩٣٨)، والحديث في ((التمهيد)) (١٧٣/١٣).
(٢) ((سنن ابن ماجه)) (٣٧٦٢) باب اللعب بالنرد.
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٣٣/٨).
(٤) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٦/٤).
١٥٤

٥٣ - کتاب الرؤيا
(٢) باب
(١٧٢٥) حديث
وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ
عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَّهِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهَا: أَنَّ أَهْلَ بَيْتٍ فِي دَارِهَا كَانُوا
سُكَّاناً فِيهَا، وَعِنْدَهُمْ نَرْدٌ. فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ: لَئِنْ لَمْ تُخْرِجُوهَا
لَأُخْرِ جَنَّكُمْ مِنْ دَارِي وَأَنْكَرَتْ ذُلِكَ عَلَيْهِمْ.
ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة، فيحرم اللعب به باتفاق السلف، بل حكى
بعضهم عليه الإجماع ونُوْزِعَ، اهـ. تقدم الكلام عليه قريباً في أول الباب.
وأخرج مسلم من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي ◌َّر قال:
((من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزيز ودمه)) قال القاري:
وتخصيص الصبغ بهما لكونهما نجساً، فيكون أبلغ للرغبة عنه، قال الطيبي: فيه
تصوير قبح ذلك الفعل تنفيراً.
(مالك عن علقمة بن أبي علقمة) المدني (عن أمه) مرجانة مولاة عائشة
- رضي الله عنها - (عن عائشة) رضي الله عنها، كذا في جميع النسخ المصرية
برواية أم مرجانة عن عائشة، فما في النسخ الهندية بلفظ ((وعن عائشة)) بزيادة
الواو تحريف من الناسخ (زوج النبي ولي أنه) الضمير للشأن (بلغها أن أهل
بيت) كانوا (في دارها) أي كانوا في دار عائشة - رضي الله عنها -، وفسر
كونهم فيها بقوله: (كانوا سكاناً) جمع ساكن (فيها) أي كانوا يسكنون في دارها
بالكراء أو إعانة منها لهم عارية (وعندهم نرد) كانوا يلعبون بها (فأرسلت إليهم)
عائشة - رضي الله عنها - رسولاً (لئن لم تخرجوها) أي النرد من داري، قال
صاحب ((المحلى)): اللام توطئة للقسم، اهـ.
(لأخرجنكم من داري) قال الباجي(١): على معنى المباعدة للاعب بها
وتطهير دارها عن باطلها، وحكى القاضي أبو بكر أنه كره أن يجلس مع
اللاعب بها وينظر إليها، لأن الجلوس إليهم والنظر يدعو إلى المشاركة فيها،
اهـ. (وأنكرت ذلك) أي لعبهم بالنرد (عليهم) لحرمته عند السلف قاطبة.
(١) ((المنتقى)) (٢٧٨/٧).
١٥٥

٥٣ - کتاب الرؤيا
(٢) باب
(١٧٢٦) حديث
٧/١٧٢٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
عُمَرَ؛ أَنَّهُ كَانَ، إِذَا وَجَدَ أَحَداً مِنْ أَهْلِهِ يَلْعَبُ بِالنَّرْدِ، ضَرَبَهُ
وَكَسَرَهَا .
....
قَالَ يَحْيَى: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: لَا خَيْرَ فِي الشَّطْرَنْجِ.
١٧٢٦/ ٧ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر) رضي الله عنه (أنه كان
إذا وجد أحداً من أهله يلعب بالنرد ضربه) تنبيهاً لفعله الحرام (وكسرها) أي
النرد تغييراً للمنكر، قال الباجي: أما كسرها فعلى وجه المنع من اتخاذها،
لأنه لا منفعة فيها، وإبقاؤها داع إلى معاودتها، وأما ضرب من كان يلعب بها
من أهله، فعلى سبيل التأديب والزجر لهم عنها، ويخص أهله بذلك؛ لأنهم
هم الذين عليهم التبسط من التأديب، كما يؤدب الرجل ولده ويمنعه من مساوي
الأخلاق والأعمال السيئة، وإن لم تبلغ مبلغاً يجب فيها حد ولا تعزير يستوفيه
حاكم، اهـ.
(قال يحيى: سمعت مالكاً) - رضي الله عنه - (يقول لا خير في الشطرنج)
قال الزرقاني(١): بكسر الشين وفتحها مع الإعجام والإهمال أربع لغات،
وحكاها ابن مالك، فالإعجام من المشاطرة كان كل لاعب له شطر من القطع،
والإهمال من تسطير الرقعة بيوتاً عند التعبية، وتعقب ذلك ابن بري بأن الأسماء
العجمية لا تشتق من الأسماء العربية، وبأنها خماسية ، واشتقاقها من الشطر
يوجب أنها ثلاثية، فيكون النون والجيم زائدتين، وهذا بين الفساد، اهـ.
وفي ((الدر المختار)) (٢): الشطرنج بكسر أوله ويهمل ولا يفتح إلا نادراً،
قال ابن عابدين: معرب شدرنج، اهـ.
وقال القاري(٣): الشطرنج بكسر أوله معرب شش رنج أي ست محن،
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٧/٤).
(٢) انظر: ((رد المحتار)) (٦٥٠/٩).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٣٧/٨).
١٥٦

٥٣ - کتاب الرؤيا
(٢) باب
(١٧٢٦) حديث
وقيل بفتحها، وهو معرب سط رنج، أي ساحل التعب ولا يفتح أوله، لعبة
معرفة، والسين لغة فيه، اهـ.
قال الدميري(١): قال ابن خلكان في ترجمة أبي بكر الصُّولي، الكاتب
المشهور: إنه كان أوحد زمانه في لعب الشطرنج، والناس إلى الآن يضربون
المثل به في ذلك، وزعم كثير من الناس أنه الذي وضع الشطرنج، وهو غلط،
وواضعه رجل يقال له صِصّة، بصادين مهملتين الأولى مكسورة، والثانية
مفتوحة مشددة، وضعه لملك الهند ((شِهرام))، بكسر الشين المعجمة، ولما
وضع أردشير بن بابك النرد، وافتخرت الفرس بوضعها، وضع صِصَّة الهندي
الحكيم الشهير الشطرنج لملك اللهند، فقضت حكماء ذلك العصر بترجيح
الشطرنج على النرد، اهـ.
قال الدميري: والصواب أن الملك الذي وضع له الشطرنج بلهيت، كما
قاله شيخنا اليافعي وغيره، وتفضيل الشطرنج على النرد فيه نظر قال: وأنه لما
قدّمه للملك، وأراه طريقة اللعب به أعجب الملك إعجاباً عظيماً، وقال له:
تَمَنَّ عليّ، فقال: أتمنَّى عليك أيها الملك أن يوضع درهم في أول بيوت
الرقعة، ويضاعف إلى آخرها، فقال له الملك: ما هذا القدر أفسدت علينا ما
صنعت! قال الوزير: مهلاً أيها الملك، فإن خزائنك وخزائن ملوك أهل الأرض
تنفد دون ذلك، اهـ.
قلت: وما قاله الوزير هو صحيح بلا مرية، فإن مجموع ما طلبه على ما
حاسبته: ٦١٥ ٥١ ٩٥ ٧٠ ٧٣ ٤٠ ٧٤ ٨٦ ٢٢ ٢
ألف لكه كروز أرب كهرب نيل پدم سنكه مهاسنكه
وقال الدميري بعد ذكر جماعة من السلف القائين بإباحته: قد ذكرت
(١) ((حياة الحيوان)) (١٩٦/٢)، وانظر: ((التعليق الممجد)) (٤٢٢/٣).
١٥٧

٥٣ - کتاب الرؤيا
(٢) باب
(١٧٢٦) حديث
وَكَرِهَهَا .
وَسَمِعْتُهُ يَكْرَهُ اللَّعِبَ بِهَا وَبِغَيْرِهَا مِنَ الْبَاطِلِ. وَيَتْلُو هُذِهِ الْآيَةَ
- ((فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّ الصَّلَالُ)) -.
الأسانيد عن هؤلاء، وتكلمت على أدلة المخالفين بكلام يشفي النفس، ويذهب
اللبس في جزء أفردته في الشطرنج والنرد نحو عشرين كراسة، اهـ.
(وكرهها) الإمام مالك، قال الزرقاني: تحريماً وعليه الجمهور ونوزع
صاحب البيان في إبقاء الكراهة على التنزية (وسمعته) أي مالكاً (يكره) تحريماً
(اللعب بها) بالشطرنج (وبغيرها من الباطل ويتلو) الإمام مالك في الاستدلال
على قوله بـ (هذه الآية) التي في سورة يونس ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّكُمُ الْحَنَّ (فَمَاذَا بَعْدَ
اُلْحَقِّ إِلَّا الضَّلَلٌ)﴾ .
وفي ((المرقاة))(١): أخرج ابن أبي حاتم عن أشهب قال: سئل مالك عن
شهادة اللعاب بالشطرنج والنرد، قال: من أدمنها فما أرى شهادتهم، يقول الله
تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ أُلْحَقِّ ◌ِلَّا الضَّلَلُّ﴾، فهذا كله من الضلال، وأخرج أبو الشيخ
عن همام بن مسلم قال: سئل مالك عن اللعب بالشطرنج، فقال: أمن الحق
هي؟ قيل: لا فتلا هذه الآية ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَلَّ﴾، اهـ.
قال الزرقاني(٢): استفهام تقرير أي ليس بعده غيره، فمن أخطأ الحق
وقع في الضلال، وقد ذهب جمهور العلماء إلى تحريم الشطرنج، وعليه الأئمة
الثلاثة، وحكى البيهقي إجماع الصحابة على ذلك، قال بعضهم: فمن نقل عن
أحد منهم أنه رخص فيه فهو غالط، فالبيهقي وغيره من علماء الحديث أعلم
بأقوال الصحابة ممن ينقل أقوالاً بلا سند، وإجماعهم كافٍ في الحجة، وقد
ورد فيه أحاديث وإن كان في بعضها ضعف وإرسال، فذلك لا يمنع من
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٣٨/٨).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٧/٤).
١٥٨

٥٣ - كتاب الرؤيا
(٢) باب
(١٧٢٦) حديث
الاستشهاد به والاعتبار، لا سيما مع كثرة الطرق واشتهارها، فما كان منها
صالحاً، فهو حجة بانفرادها، وما كان معللاً، فإنه يتقوَّى بتعدد طرقه وتغاير
شيوخ مرسله، وبالقياس على النرد بجامع الضد، بل هو كما قال ابن عمر
- رضي الله عنهما - ومالك وغيرهما: شر منه؛ لأنه أبلغ في إفساد القلوب من
النرد لاحتياجه إلى فكر وتقدير وحساب النقلات قبل النقل، بخلاف النرد
یلعب صاحبه ثم یحسب.
وذهب الشافعي - رحمه الله - إلى كراهته تنزيهاً على الصحيح المشهور
عنه، ما لم يواظب عليها، وتعتبرها بالعرف، ولم يلعب مع معتقد تحريمه أو
يَكُنْ على شكل الحيوان أو يهذي عليها، بل حفظ اللسان عن الخنا والفحش
والسفه، وما لم يقترن به قمار، ولم يلعبه على الطريق، ولم يؤخر به صلاة
وإلا حرم في الجميع، وزاد بعض الشافعية: وما لم يلعبه مع الأراذل ولم يؤثر
نحو حقد أو يؤدي إلى إشارة للفظ لا يرضي، اهـ.
قال الباجي(١): أما كراهية اللعب بها، فلا خلاف عند مالك في ذلك
قليلاً كان أو كثيراً لقمار كان أو لغير قمار، قال القاضي أبو محمد: لأن
اللعب بها يؤدي إلى القمار أو الحلف كاذباً وترك الصلاة، ولا يعتبر بقول من
قال: إن الإكثار منها يؤدي إلى ذلك؛ لأن القليل منها يؤدي غالباً إلى كثيرها
فيجب حسم المادة، اهـ
وقال الموفق (٢): الشطرنج كالنرد في التحريم إلا أن النرد آكد منه في
التحريم لورود النص في تحريمه، لكن هذا في معناه فيثبت فيه حكمه قياساً
عليه، وذكر القاضي أبو حسين ممن ذهب إلى تحريمه عليّ بن أبي طالب وابن
(١) ((المنتقى)) (٢٧٨/٧).
(٢) ((المغني)) (١٤ /١٥٥).
١٥٩

٥٣ - کتاب الرؤيا
(٢) باب
(١٧٢٦) حديث
عمر وابن عباس وابن المسيب والقاسم وسالم وعروة ومالك، وهو قول أبي
حنيفة، وذهب الشافعي إلى إباحته، وحكى ذلك أصحابه عن أبي هريرة وابن
المسيب وسعيد بن جبير، واحتجوا بأن الأصل الإباحة، ولم يَرِد بتحريمها
نصٌّ، ولا هي في معنى المنصوص عليه، فتبقى على الإباحة.
ويفارق النرد من وجهين: أحدهما: أن في الشطرنج تدبير الحرب، فأشبه
اللعب بالحراب والرمي بالنُّشَّاب، والثاني: أن المعول في النرد ما يخرجه
الكعبتان(١)، فأشبه الأزلام، والمعوّل في الشطرنج على حذقه وتدبيره، فأشبه
المسابقة بالسهام.
ولنا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَتُرُ وَالْمَيْسِيرُ﴾ الآية، قال عليّ - رضي الله عنه -:
الشطرنج من الميسر (٢)، ومر عليٍّ - رضي الله عنه - على قوم يلعبون
بالشطرنج، فقال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَائِلُ الَّ أَنْتُمْ لَا عَلَكِفُونَ﴾. قال أحمد: أصح ما
في الشطرنج قول عليّ، وروى واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله وَل :
((إن الله عز وجل ينظر في كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، ليس لصاحب الشاه
فيها نصيب))، رواه أبو بكر بإسناده(٣)، ولأنه لعب يصُدُّ عن ذكر الله وعن
الصلاة، فأشبه اللعب بالنرد.
وقولهم: لا نَصَّ فيها، قد ذكرنا فيها نصاً، وهي أيضاً في معنى النرد
المنصوص على تحريمه، وقولهم : إن فيها تدبير الحرب. قلنا: لا يقصد هذا
منها، وأكثر اللاعبين بها إنما يقصدون منها اللعب أو القمار، وقولهم: إن
المعول فيها على تدبيره، فهو أبلغ في اشتغاله بها وصدِّها عن ذكر الله، وقال
(١) الكعبة في النرد: ما يعرف اليوم بالزهرة، وهي قطعة مكعبة يبين على كل وجه منها نقاط
تمثل رقماً.
(٢) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٥٢/١٠).
(٣) أخرجه ابن حبان في ((المجروحين)) (٢/ ٢٩٧).
١٦٠