Indexed OCR Text

Pages 121-140

٥٣ - کتاب الرؤيا
(١) باب
(١٧٢٠) حديث
قال المهلب: المراد غالب رؤيا الصالحين، وإلا فالصالح قد يرى
الأضغاث، ولكنه نادر لقلة تمكن الشيطان منهم بخلاف عكسهم، فإن
الصدق فيها نادر لغلبة تسلط الشيطان عليهم، قال: فالناس في هذا على
ثلاث درجات: الأنبياء: ورؤياهم كلها صادق، وقد يقع فيها ما يحتاج إلى
تعبير، والصالحون: والأغلب على رؤياهم الصدق، وقد يقع فيها ما لا
يحتاج إلى تعبير، ومن عداهم: ويقع في رؤياهم الصدق والأضغاث، وهي
على ثلاثة أقسام: مستورون: فالغالب استواء الحال، وفَسَقة: والغالب على
رؤياهم الأضغاث، ويقِلُّ الصدقُ، وكفار: ويندر في رؤياهم الصدق جداً،
ويشير إلى ذلك قوله: (وَلجر: ((أصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً)) أخرجه مسلم(١)
من حديث أبي هريرة، وقد وقعت الرؤيا الصادقة من بعض الكفار، كما
في رؤيا صاحبي السجن مع يوسف - عليه السلام -، ورؤيا ملكهما وغير
ذلك.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: رؤيا المؤمن الصالح هي التي تنسب
إلى أجزاء النبوة، ورؤيا الفاسق لا تُعَدّ عندي في أجزاء النبوة، وقيل: تُعَدُّ من
أقصى الأجزاء، وأما رؤيا الكافر فلا تُعَدُّ أصلاً، وقال القرطبي: المسلم
الصادق الصالح، هو الذي يناسب حاله حال الأنبياء، فأكرم بنوع مما أكرم به
الأنبياء، وهو الاطلاع على الغيب، وأما الكافر والفاسق والمخلط فلا، ولو
صدقت رؤياهم أحياناً فذاك كما قد يصدق الكذوب، وليس كل من حدث عن
غيب يكون خبره من أجزاء النبوة، كالكاهن والمنجم، وقوله: ((الرجل)) ذكر
للغالب فلا مفهوم له، فإن المرأة الصالحة كذلك، قاله ابن عبد البر، اهـ.
وفي ((الزرقاني)): قال أبو عمر: مفهومه أنها من غير الصالح لا يقطع
بأنها كذلك، ويحتمل أنه خرج على جواب سائل، فلا مفهوم له، ويؤيده
(١) (صحيح مسلم)) (٢٢٦٣).
١٢١

٥٣ - کتاب الرؤيا
(١) باب
(١٧٢٠) حدیث
جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ)) .
أخرجه البخاريّ في: ٩١ - كتاب التعبير، ٢ - باب رؤيا الصالحين.
قوله وَّ في مرسل عطاء الآتي: ((يراها الرجل الصالح أو تُرى له)) فعمّ قوله:
ترى، الصالحَ وغيره، اهـ.
(جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) في الحديث إشكالان: الأول: ما
قال الحافظ: قد استشكل كون الرؤيا جزءاً من النبوة، مع أن النبوة قد انقطعت
بموت النبي ◌ّ﴾؟ فقيل في الجواب: إن وقعت الرؤيا من النبي ◌َّ فهي جزءٌ
من أجزاء النبوة حقيقة، وإن وقعت من غير النبي وَّ فهي جزء من أجزاء النبوة
على سبيل المجاز، اهـ.
قال النووي: قال الخطابي: هذا الحديث توكيد لأمر الرؤيا وتحقيق
منزلتها، وإنما كانت جزءاً من أجزاء النبوة في حق الأنبياء دون غيرهم، اهـ.
وقال الحافظ، وقال الخطابي: قيل: معناه أن الرؤيا تجيء على موافقة
النبوة، لا أنها جزء باقٍ من النبوة، وقيل: المعنى جزء من علم النبوة؛ لأن
النبوة وإن انقطعت فعلمها باقٍ، وتُعُقِّبَ بقول مالك فيما حكاه ابن عبد البر أنه
سئل: أيعبر الرؤيا كل واحد؟ قال: أبالنبوة يلعب؟ ثم قال: الرؤيا جزء من
النبوة، فلا يلعب بالنبوة، والجواب أنه لم يُرد أنها نبوة باقية، وإنما أراد أنها
لما أشبهت بالنبوة من جهة الاطلاع على بعض الغيب لا ينبغي أن يتكلم فيها
بغير علم.
وقال ابن بطال: كون الرؤيا جزءاً من أجزاء النبوة مما يستعظم، ولو
كانت جزءاً من ألف جزء، فيمكن أن يقال: إن لفظ النبوة مأخوذ من الإنباء،
وهو الإعلام لغةً، فالمعنى أن الرؤيا خبر صادق من الله لا كذب فيه، كما أن
معنى النبوة نبأ صادق من الله لا يجوز عليه الكذب، فشابهت الرؤيا النبوة في
صدق الخبر، وقال المازري: يحتمل أن يكون المراد بالنبوة في هذا الحديث
الخبر بالغيب لا غير، وإن كان يتبع ذلك إنذار أو تبشير، فالخبر بالغيب أحد
ثمرات النبوة.
١٢٢

٥٣ - کتاب الرؤيا
(١) باب
(١٧٢٠) حديث
وقال ابن العربي: أجزاء النبوة لا يعلم حقيقتها إلا ملك أو نبي، وإنما
القدر الذي أراده النبي وب لو أن يبين أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة في الجملة؛
لأن فيها اطلاعاً على الغيب من وجه، وأما تفصيل النسبة فيختص بمعرفته
درجة النبوة، وقال المازري: لا يلزم العالم أن يعرف كل شيء جملة
وتفصيلاً، فقد جعل الله للعالم حداً يقف عنده، فمنه ما يعلم المراد به جملة
وتفصيلاً، ومنه ما يعلم جملة لا تفصيلاً، وهذا من هذا القبيل انتهى كلام
الحافظ(١).
وفي ((المرقاة)) (٢): قال التوربشتي: قيل: معناه أن النبوة جزء من أجزاء
علم النبوة، والنبوة غير باقية وعلمها باقٍ، وهو معنى قوله وَله: ((ذهبت النبوة
وبقيت المبشرات الرؤيا الصالحة))، وأرى الذاهبين إلى التأويلات المذكورة
قد هالهم القول بأن الرؤيا جزء من النبوة، وقد قال عليه السلام: ((ذهبت
النبوة)) ولا حرج على أحد في الأخذ بظاهر هذا القول، فإن جزءاً من النبوة لا
يكون نبوة، كما أن جزءاً من الصلاة على الانفراد لا يكون صلاة، وكذلك
عمل من أعمال الحج وشعبة من شعب الإيمان، اهـ.
وقال الحافظ(٣) في موضع آخر: قال ابن الجوزي: لما كانت النبوة
تتضمن اطلاعاً على أمور يظهر تحقيقها فيما بعد وقع تشبيه رؤيا المؤمن بها،
وقيل: إن جماعة من الأنبياء كانت نبوتهم وحياً في المنام فقط، وأكثرهم ابتدئ
بالوحي في المنام، ثم رقوا إلى الوحي في اليقظة، فهذا بيان مناسبة تشبيه
المنام الصادق بالنبوة، اهـ.
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٣٦٣/١٢).
(٢) (٢٣/٩).
(٣) ((فتح الباري)) (٣٦٧/١٢).
١٢٣

٥٣ - كتاب الرؤيا
(١) باب
(١٧٢٠) حديث
وقال الباجي(١): وصفها بأنه جزء من النبوة لما كان فيها من الإنباء بما
يكون في المستقبل على وجه يصح، ويكون من عند الله عز وجل، اهـ.
وأفاد شيخ مشايخنا الشاه ولي الله في ((المسوى)) (٢) في شرح قوله عليه
الصلاة والسلام: ((لم يبق من النبوة إلا المبشرات)): أنه أراد تحقيق أمر الرؤيا
وتأكيده بقول: إنها جزء من النبوة في حق الأنبياء، فاعلموا أنها حق واعتنوا
بها إذا وجد فيكم؛ لأن النبوة تتجزى، وجزء منها باقٍ بعد خاتم الأنبياء، اهـ.
والثاني: الإشكال في العدد المذكور في الحديث، والروايات في ذلك
مختلفة جداً، والعدد المذكور هو الأشهر في الروايات، سيأتي بعض هذه
الروايات قريباً في مرسل عطاء، قال القاري: هو ما في أكثر الأحاديث.
قال الحافظ: كذا وقع في أكثر الأحاديث، ولمسلم من حديث أبي هريرة
((جزء من خمسة وأربعين))، وعنده أيضاً من حديث ابن عمر ((جزء من سبعين))
وعزا القاري رواية السبعين إلى ابن ماجه عن أبي سعيد، قال الحافظ: وكذا
أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود موقوفاً، وأخرجه الطبراني من وجه آخر
عنه مرفوعاً، وله من وجه آخر عنه (جزء من ستة وسبعين))، وسنده ضعيف،
وأخرجه ابن عبد البر عن ثابت عن أنس مرفوعاً ((من ستة وعشرين))،
والمحفوظ من هذا الوجه كالجادة، كما عند البخاري.
وأخرج أحمد وأبو يعلى والطبري في ((تهذيب الآثار)) عن سليمان بن
عريب، بمهملة على زنة عظيم، كالجادة، قال سليمان: فذكرته لابن عباس،
فقال: جزء من خسمين، قلت له: إني سمعت أبا هريرة، فقال ابن عباس:
سمعت العباس بن مطلب يقول: سمعت رسول الله صل يقول: ((جزء من
خمسین)) .
(١) ((المنتقى)) (٢٧٦/٧).
(٢) (٣٨٧/٢) ((فتح الباري)) (٣٦٢/١٢).
١٢٤

٥٣ - کتاب الرؤيا
(١) باب
(١٧٢٠) حديث
وعزا القاري(١) رواية خمسين إلى ((الجامع الصغير)) عن الحاكم والطبراني
عن العباس، وللترمذي والطبري من حديث أبي رزين العقيلي ((جزء من
أربعين))، وأخرجه الترمذي من وجه آخر كالجادة، وأخرجه الطبري من وجه
آخر عن ابن عباس ((أربعين))، وللطبري من حديث عبادة ((جزء من أربعة
وأربعين))، والمحفوظ عن عبادة كالجادة، وأخرجه الطبري وأحمد من حديث
عبد الله بن عمرو بن العاص ((جزء من تسعة وأربعين))، وذكره القرطبي في
((المفهم)) بلفظ ((سبعة)) بتقديم السين، فحصلنا عن هذه الروايات على عشرة
أوجهٍ أقلها جزء من ستة وعشرين، وأكثرها من ستة وسبعين، وبين ذلك ((٤٠
و٤٤ و٤٥ و٤٦ و٤٧ و٤٩ و٥٠ و٧٠))، أصحها مطلقاً الأول يعني ستة
وأربعين، ويليه السبعين.
وفي (شرح النووي)) في رواية عبادة أربعة وعشرين، وفي رواية ابن عمر
ستة وعشرينَ، وهاتان الروايتان لا أعرف من أخرجهما إلا أن بعضهم نسب
رواية ابن عمر هذه لتخريج الطبري.
ووقع في كلام ابن أبي جمرة أنه ورد بألفاظ مختلفة، فذكر بعض ما
تقدم، وزاد في رواية ((اثنين وسبعين))، وفي أخرى ((اثنين وأربعين))، وفي أخرى
(سبعة وعشرين))، وفي أخرى ((خمسة وعشرين))، ذكره الزرقاني برواية ابن
النجار عن ابن عمر، فبلغت على هذا خمسة عشر لفظاً، كذا في ((الفتح))
بزيادة، والمذكور بعد العشرة ستة، كما ترى، ولعله لم يعدّ في هذا عدد ستة
وعشرين، لأنه تقدم في العدد السابق المعدود بعشرة من حديث أنس عند ابن
عبد البر، فبقيت الزيادة خمسة، وهي ((٢٤ و٢٥ و٢٧ و٤٢ و٧٢))، وبقي أكثر
ما ورد فيه على حاله وهي ستة وسبعون، وصار أقل ما ورد في ذلك أربع
وعشرون.
(١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٢٣/٩).
١٢٥

٥٣ - كتاب الرؤيا
(١) باب
(١٧٢٠) حديث
وتقدم ما قال المازري يحتمل أن يراد بالنبوة في هذا الحديث الخبر
بالغيب لا غير، قال: أما خصوص العدد فهو مما أطلع الله عليه نبيه؛ لأنه
يعلم من حقائق النبوة ما لا يعلمه غيره. قال: وقد سبق بهذا الجواب جماعة،
لكنهم لم يكشفوه ولم يحققوه.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: أجزاء النبوة لا يعلم حقيقتها إلا ملك
أو نبي، وإنما القدر الذي أراده النبي و لو أن يبين، أن الرؤيا جزء من أجزاء
النبوة في الجملة، وأما تفصيل النسبة فيختص بمعرفته درجة النبوة، وقال
المازري: لا يلزم العالم أن يعرف كل شيء جملة وتفصيلاً، فقد جعل الله
للعالم حداً يقف عنده، كما تقدم في الإشكال السابق.
قال الخطابي: وليس كل ما خفي علينا علمه لا يلزم علينا حجته كأعداد
الركعات، وأيام الصيام، ورمي الجمار، فإنا لا نصل من علمها إلى أمر يوجب
حصرها تحت أعدادها، ولم يقدح ذلك في موجب اعتقادنا للزومها، وهو كقوله
في حديث آخر: ((الهدي الصالح والسمت الصالح جزء من خمسة وعشرين جزءاً
من النبوة)) فإن تفصيل هذا العدد وحصر النبوة متعذر، وإنما فيه أن هاتين
الخصلتين من جملة هدي الأنبياء وسمتهم، فكذلك معنى حديث الباب، اهـ.
قال الحافظ(١): وقد تكلم بعضهم على الرواية المشهورة، وأبدى لها
مناسبة، فذكر أن الله أوحى إلى نبيه في المنام ستة أشهر، ثم أوحى إليه بعد
ذلك في اليقظة بقية مدة حياته، ونسبتها من الوحي في المنام جزء من ستة
وأربعين جزءاً، لأنه عاش بعد النبوة ثلاثاً وعشرين سنة على الصحيح، قال ابن
بطال: هذا التأويل يفسد من وجهين؛ أحدهما: أنه قد اختلف في قدر المدة
التي بعد بعثته وَي﴿ إلى موته، والثاني: أنه يبقى حديث السبعين جزءاً بغير
معنى .
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٣٦٤/١٢).
١٢٦

٥٣ - کتاب الرؤيا
٠
(١) باب
(١٧٢٠) حديث
قال الحافظ(١): ويضاف إليه بقية الأعداد الواقعة، وقد سبقه الخطابي
إلى إنكار هذه المناسبة، فقال: كان بعض أهل العلم يقول في تأويل هذا العدد
قولاً لا يكاد يتحقق، ثم قال الخطابي بعد ذكر التأويل المذكور: هذا وإن كان
وجهاً تحتمله قسمة الحساب والعدد، فأول ما يجب على من قاله أن يُثْبت بما
ادّعاه خبراً، ولم يسمع فيه أثرٌ، ولا ذكر مدعيه في ذلك خبراً، فكأنه قاله على
سبيل الظن، والظن لا يُغْني من الحق شيئاً، ولئن كانت هذه المدة محسوبة من
أجزاء النبوة على ما ذهب إليه، فليلحق بها سائر الأوقات التي كان يوحى إليه
فيها في منامه في طول المدة، كما ثبت عنه ذلك في أحاديث كثيرة، والرؤيا
في أحد، وفي دخول مكة وغير ذلك، فإنه يتلفق من هذا مدة أخرى، وتزاد في
الحساب.
قال الحافظ (٢): وقد قبل جماعة من الأئمة المناسبة المذكورة، وأجابوا
عما أورده الخطابي بأن الدليل على كون الرؤيا ستة أشهر أن ابتداء الوحي كان
على رأس الأربعين من عمره وَلّ، كما جزم به ابن إسحاق وغيره، وذلك في
ربيع الأول، ونزول جبرئيل عليه السلام إليه، وهو بغار حراء كان في رمضان،
وبينهما ستة أشهر.
وفي هذا الجواب نظر؛ لأنه على تقدير تسليمه ليس فيه تصريح بالرؤيا،
وقد قال النووي: لم يثبت أن زمن الرؤيا للنبي صلى الله عليه وسلم ستة
أشهر، وأما ما ألزمه من تلفيق أوقات المرائي وضمها إلى المدة فإن المراد
وحي المنام المتتابع، وما وقع منه في غضون وحي اليقظة فهو يسير بالنسبة إلى
وحي اليقظة، فهو مغمور فيه، وهو نظير ما اعتمدوه في تقسيم النزول إلى مكيّ
ومدني قطعاً، فالمكي ما نزل قبل الهجرة، ولو وقع بغيرها، كالطائف ونخلة،
(١) (٣٦٤/١٢).
(٢) ((فتح الباري)) (١٢/ ٣٦٤).
١٢٧

٥٣ - کتاب الرؤيا
(١) باب
(١٧٢٠) حديث
والمدني ما نزل بعد الهجرة، ولو وقع بغير المدينة، كالغزوات وسفر الحج
والعمرة، حتى مكة، قال الحافظ: وهذا اعتذار مقبول، اهـ.
ثم قال: لكن يبقى إشكال آخر، وهو أن المتبادر من الحديث إرادة
تعظيم رؤيا المؤمن الصالح، والمناسبة المذكورة تقتضي قصر الخبر على صورة
ما اتفق لنبينا وَلّر، ولا يلزم من ذلك أن كل رؤيا لكل صالح يكون كذلك،
وقد أنكر الشيخ أبو محمد بن جمرة التأويل المذكور، فقال: ليس فيه كبير
فائدة، ولا ينبغي أن يحمل كلام المؤيد بالفصاحة والبلاغة على هذا المعنى،
ولعل قائله أراد أن يجعل بين النبوة والرؤيا نوع مناسبة فقط، ويُعَكِّرُ عليه
الاختلاف في العدد المذكور، اهـ.
ومع ذلك فهذا التوجيه معروف بين شراح الحديث، وعامتهم يذكرون هذا
التوجيه إما مقتصراً عليه أو مع توجيه آخر.
وثالث الأجوبة: ما قال الحافظ: ويمكن الجواب عن اختلاف الأعداد
أنه وقع بحسب الوقت الذي حدث فيه النبي # بذلك، كان يكون لما أكمل
ثلاث عشرة بعد مجيء الوحي إليه حدث بأن الرؤيا جزء من ستة وعشرين إن
ثبت الخبر بذلك، وذلك وقت الهجرة، ولما أكمل عشرين حدّث بأربعين،
ولما أكمل اثنين وعشرين حدّث بأربعة وأربعين، ثم بعدها بخمسة وأربعين، ثم
حدث بستة وأربعين في آخر حياته.
وأما ما عدا ذلك من الروايات بعد الأربعين فضعيف، ورواية الخمسين
يحتمل أن تكون لجبر الكسر، ورواية السبعين للمبالغة، وماعدا ذلك لم يثبت،
وهذه مناسبة لم أر مَنْ تعرض لها .
والرابع: ما قال الحافظ: ووقع في بعض الشروح مناسبة للسبعين ظاهرة
التكلف، وهي أنه و ﴿ل قال في الحديث الذي أخرجه أحمد وغيره: ((أنا بشارة
عيسى، ودعوة إبراهيم، ورأت أمي نوراً))، فهذه ثلاثة أشياء تضرب في مدة
نبوته، وهي ثلاثة وعشرون تضاف إلى أصل الرؤيا، فتبلغ سبعين، اهـ.
١٢٨

٥٣ - کتاب الرؤيا
(١) باب
(١٧٢٠) حديث
والخامس: ما قال الحافظ: وقد أبدى غير الخطابي المناسبة باختلاف
الروايات، وجمع بينها جماعة أولهم الطبري، فقال: رواية السبعين عامة في
كل رؤيا صادقة من كل مسلم، ورواية الأربعين خاصة بالمؤمن الصادق
الصالح، وأما ما بين ذلك فبالنسبة لأحوال المؤمنين، اهـ.
وحكاه الباجى(١) عن الطبري بلفظ آخر فقال: يحتمل جزء من ستة
وأربعين يريد به رؤيا المؤمن، وجزء من سبعين جزءاً، يريد به رؤيا الفاسق،
قال: ويشهد لهذا التأويل قوله في حديث أنس وأبي هريرة: ((الرؤيا الحسنة من
الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً)) فخص بذلك الرجل الصالح، اهـ.
قلت: وهذا أولى الأجوبة عندي، فبذلك تجتمع سائر الروايات الواردة في
ذلك بلا تكلف ولا طرح رواية، ويعظم أمر الرؤيا أيضاً، وهذا نظير ما حكى
الحافظ من كلام الغزالي في كتاب الفقر والزهد من ((الإحياء)) (٢) لما ذكر حديث
(يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام)) وفي رواية ((بأربعين سنة)): أن
ذلك باعتبار تفاوت درجات الفقراء، كالفقير الحريص والفقير الزاهد، اهـ.
ثم رأيت شيخ مشايخنا الكنكوهي اختار هذا التوجيه، فقال في
((الكوكب))(٣): ووجه الجمع اختلاف أحوال الرجال في إخلاصهم وتفاوتهم في
صدق نیاتهم، اهـ.
والسادس: ما قال ابن بطال: أما الاختلاف الواقع في العدد، فأصح ما
ورد فيها من ستة وأربعين ومن سبعين وما بين ذلك أحاديث الشيوخ، وقد
وجدنا الرؤيا تنقسم قسمين: جلية ظاهرة: كمن رأى في المنام أنه يعطى تمراً
(١) انظر: ((المنتقى)) (٢٧٦/٧).
(٢) انظر: ((إحياء علوم الدين)) (١٩٣/٤).
(٣) ((الكوكب الدري)) (١٩١/٤).
١٢٩

٥٣ - کتاب الرؤيا
(١) باب
(١٧٢٠) حديث
فأعطي تمراً مثله في اليقظة، فهذا القسم لا إغراب في تأوليها، ولا رمز في
تفسيرها، والثاني: مرموزة بعيدة المرام، فهذا القسم لا يقوم به حتى يُعَبِّرَه إلا
حاذق لبعد ضرب المثل فيه، فيمكن أن يكون هذا من السبعين، والأول من
ستة وأربعين؛ لأنه إذا قَلَّتِ الأجزاء كانت الرؤيا أقرب إلى الصدق وأسلم من
وقوع الغلط في تأويلها، بخلاف ما إذا كثرت. قال: وقد عرضتُ هذا الجواب
على جماعة فَحَسَّنُوه، وزادني بعضُهم فيه أن النبوة على مثل هذين الوصفين
تلقاها الشارع عن جبرئيل عليه السلام إلى آخر ما قاله.
ولخصه المازري فقال: قيل: إن المنامات دلالات، والدلالات منها ما
هو جليٍّ، ومنها ما هو خفيُّ، فالأقل في العدد هو الجليّ، والأكثر في العدد
هو الخفيّ، وما بین ذلك.
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة ما حاصله: إن النبوة جاءت بالأمور
الواضحة، وفي بعضها ما يكون فيه إجمال مع كونه مبيناً في موضع آخر،
وكذلك المرائي منها ما هو صريح لا يحتاج إلى تأويل، ومنها ما يحتاج،
فالذي يفهمه العارف من الحق الذي يعرج عليه منها جزء من أجزاء النبوة،
وذلك الجزء يكثر مرة ويقل أخرى بحسب فهمه، فأعلاهم من يكون بينه وبين
درجة النبوة أقل ما ورد من العدد، وأدناهم الأكثر من العدد، ومن عداهما ما
بين ذلك، اهـ (١).
وهذا أحد الوجوه التي جمع بها الباجي(٢)، إذ قال: ويحتمل أن يجمع
بينها بحمل ستة وأربعين جزءاً على الرؤيا الجلية، ومن سبعين جزءاً على الرؤيا
الخفية، اهـ، ملخصاً.
(١) انظر: ((بهجة النفوس)) (٢٤٠/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٢٧٦/٧).
١٣٠

٥٣ - کتاب الرؤيا
(١) باب
(١٧٢٠) حديث
والسابع: ما قال القاضي عياض: ويحتمل أن تكون هذه التجزئة في طرق
الوحي، إذ منه ما سمع من الله بلا واسطةٍ، ومنه ما جاء بواسطة الملك، ومنه
ما أُلقي في القلب من الإلهام، ومنه ما جاء به الملك وهو على صورته، أو
على صورة آدميّ معروف، أو غير معروف، ومنه ما أتاه به في النوم إلى غير
ذلك مما وقفنا عليه، ومما لم نقف عليه، فتكون تلك الحالات إذا عددت
انتهت إلى العدد المذكور.
قال القرطبي في (المفهم)): لا يخفى ما فيه من التكلف والتساهل، فإن
تلك الأعداد هي أجزاء النبوة وأكثر الذي ذكره القاضي إنما هي أحوال لغير
النبوة، لكونه يعرف الملك أو لا يعرفه أو يأتيه على صورته أو على غير
صورته، ثم مع هذا التكلف لم يبلغ عدد ما ذكر عشرين فضلاً عن سبعين، قال
الحافظ: والذي نحاه القاضي سبق إليه الحليمي.
ثم بسط الحافظ(١) في كلام الحليمي إلى أن بلغ صور الوحي إلى
السادسة والأربعين، ثم قال: فقد بلغت خصائص النبوة فيما مرجعه العلم ستة
وأربعين وجهاً، ليس منها وجه إلا وهو يصلح أن يكون مقارباً للرؤيا الصالحة
التي أخبر أنها جزء من ستة وأربعين جزءاً.
والثامن: ما قال القرطبي في ((المفهم)): يحتمل أن يكون المراد أن المنام
الصادق خصلة من خصال النبوة، كما جاء في الحديث الآخر («التؤدة
والاقتصاد وحسن السمت جزء من ستة وعشرين جزءاً من النبوة)) أي النبوة
مجموع خصال مبلغ أجزائها ذلك، وهذه الثلاثة جزء منها، وعلى مقتضى ذلك
يكون كل جزء من الستة والعشرين ثلاثة أشياء، فإذا ضربنا ثلاثة في ستة
وعشرين انتهت إلى ثمانية وسبعين.
(١) ((فتح الباري)) (٣٦٦/١٢).
١٣١

٥٣ - کتاب الرؤيا
(١) باب
(١٧٢٠) حديث
فيصح لنا أن عدد خصال النبوة من حيث آحادها ثمانية وسبعون، قال:
ويصح أن يسمى كل اثنين منها جزءاً، فيكون العدد بهذا الاعتبار تسعة
وثلاثين، ويصح أن يسمى كل أربعة منها جزءاً، فتكون تسعة عشر جزءاً ونصف
جزء، فيكون اختلاف الروايات في العدد بحسب اختلاف اعتبار الأجزاء، ولا
يلزم منه اضطراب.
قال: وهذا أشبه ما وقع لي في ذلك مع أنه لم ينشرح به الصدر، ولا
اطمأنت إليه النفس، قال الحافظ: وتمامه أن يقول في الثمانية والسبعين بالنسبة
لرواية السبعين ألغى فيها الكسر، وفي التسعة والثلاثين بالنسبة لرواية الأربعين
جبر الكسر.
والتاسع: ما حكى الحافظ عن القرطبي أنه قال: وظهر لي وجه
آخر، وهو أن النبوة لا يخص الله بها، إلا من خصه بصفات كمال نوعه
من المعارف والعلوم والفضائل والآداب مع تنزهه عن النقائص، أطلق على
تلك الخصال نبوة، كما في حديث ((التؤدة والاقتصاد»، أي تلك الخصال
من خصال الأنبياء، والأنبياء مع ذلك متفاضلون فيها، كما قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبْعِنَ عَلَى بَعْضٍ﴾ ومع ذلك فالصدق أعظم أوصافهم يقظة
ومناماً، فمن تأسى بهم في الصدق حصل من رؤياه على الصدق، ثم لما
كانوا في مقاماتهم متفاوتين كان أتباعهم من الصالحين كذلك، وكان أقل
خصال الأنبياء ما إذا اعتبر كان ستة وعشرين جزءاً وأكثرها ما يبلغ
سبعين، وبين العددين مراتب مختلفة بحسب ما اختلفت ألفاظ الروايات،
وعلى هذا فمن كان من غير الأنبياء في صلاحه وصدقه على رتبة تناسب
حال نبي من الأنبياء كانت رؤياه جزءاً من نبوة ذلك النبي، ولما كانت
كمالاتهم متفاوته كانت نسبة أجزاء منامات الصادقين متفاوتة، قال: وبهذا
يندفع الاضطراب.
١٣٢
:

٥٣ - کتاب الرؤيا
(١) باب
(١٧٢٠) حديث
وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ،
والعاشر: ما قال الحافظ: وذكر الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة(١)
وجهاً آخر ملخصه: أن النبوة لها وجوه من الفوائد الدنيوية والأخروية
خصوصاً وعموماً، منها ما يعلم، ومنها ما لا يعلم، وليس بين النبوة والرؤيا
نسبة إلا في كونها حقاً، فيكون مقام النبوة بالنسبة لمقام الرؤيا بحسب تلك
الأعداد راجعة إلى درجات الأنبياء، فنسبتها من أعلاهم، وهو من ضم له
النبوة والرسالة أكثر ما ورد من العدد، ونسبتها إلى الأنبياء غير المرسلين أقل
ما ورد من العدد، وما بين ذلك، ومن ثم أطلق في الخبر النبوة ولم يقيدها
بنبوة نبي بعينه.
والحادي عشر: ما قال الحافظ: ورأيت في بعض الشروح أن معنى
الحديث أن للمنام شِبْهاً بما حصل للنبي، وتميّز به عن غيره لجزء من ستة
وأربعين جزءاً، قال الحافظ (٢): فهذه عدة مناسبات لم أر من جمعها في موضع
واحد، فلله الحمد على ما ألهم وعلّم، اهـ.
والثاني عشر: ما قال الباجي(٣): يحتمل - والله أعلم - أن الجزء من
الستة والأربعين هي الرؤيا المبشرة على ما روي في حديث عطاء بعد هذا
لكثرة تكرر هذا الصنف من الرؤيا الصادقة، وأما ما كان من ذلك على سبيل
الإنذار وغير ذلك من الأنواع يكون جزءاً من سبعين جزءاً لقلة تكرره، ولما
يكون من جنسه من قبل الشيطان تحزيناً وتخويفاً، اهـ. وستأتي الإشارة إلى
ذلك في كلام الباجي في مرسل عطاء أيضاً.
(مالك عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن
(١) انظر: ((بهجة النفوس)) لأبي جمرة (٢٤١/٢).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٣٦٨/١٢).
(٣) ((المنتقى)) (٢٧٦/٧).
١٣٣

٥٣ - کتاب الرؤيا
(١) باب
(١٧٢١) حديث
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلَهَ بِمِثْلٍ ذُلِكَ.
٢/١٧٢١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ
أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ زُفَرَ بْنِ صَعْصَعَةَ،
هرمز (عن أبي هريرة عن رسول الله (سير مثل ذلك)(١) الذي تقدم من حديث
أنس، لعله أشار بذكر ذلك ترجيح رواية الستة والعشرين، فإن الروايات في
ذكر العدد مختلفة جداً، كما تقدم، وتقدم أيضاً ما قال الحافظ وغيره: إن هذا
العدد وقع في أكثر الأحاديث، وحديث أبي هريرة أخرجه البخاري برواية
سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بنحوه، ثم أخرج برواية أبي سعيد الخدري
بمعناه .
قال الزرقاني(٢): والحديث متواتر جاء عن جمع من الصحابة، اهـ.
وفي ((الجامع الصغير))(٣): الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً،
رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري، ومسلم عن ابن عمرو بن العاص وأبي
هريرة معاً، وأحمد وابن ماجه عن أبي رزين العقيلي، والطبراني عن ابن
مسعود، قال العزيزي: بأسانيد صحيحة، وأشار بتعداد مخرجه إلى تواتره، اهـ.
١٧٢١/ ٢ - (مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري (عن
زفر) بضم الزاي وفتح الفاء ممنوع عن الصرف للعدل (ابن صعصعة) بن مالك،
ثقة، قال الحافظ في ((تهذيبه))(٤): روى له أبو داود والنسائي هذا الحديث
الواحد، اهـ. وكذا في ((الزرقاني)) عن ابن عبد البر قال: لا أعلم لزفر ولا
لأبيه غير هذا الحديث، اهـ.
(١) الحديث في ((التمهيد)) (٩/١٨).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٤٥٢/٤).
(٣) (٤٨/٤).
(٤) (٣/ ٣٢٧).
١٣٤

٥٣ ۔ کتاب الرؤيا
(١) باب
(١٧٢١) حديث
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ كَانَ، إِذَا انْصَرَفَ مِنْ
صَلَاةِ الْغَدَاةِ، يَقُولُ: ((هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيا؟))
قلت: ومتن الحديث معروف روي في البخاري وغيره، كما سيأتي في
ذيل الحديث.
(عن أبيه) صعصعة، قال الحافظ في ((التهذيب))(١): صعصعة بن مالك،
روى عن أبي هريرة في الرؤيا، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ما أظنه لقي
أبا هريرة، اهـ.
وقال ابن عبد البر في ((التجريد))(٢): هكذا قال يحيى في هذا الحديث:
عن مالك عن إسحاق عن زفر بن صعصعة عن أبيه، وتابعه أكثر الرواة، ومنهم
من يقول: عن زفر عن أبي هريرة ولا يقول: عن أبيه، اهـ. وفي ((التنوير))(٣)،
و ((الزرقاني))(٤) عنه، وفي رواية معن عن زفر عن أبي هريرة بإسقاط أبيه،
والصواب إثباته، كما رواه الأكثر.
(عن أبي هريرة) أخرجه أبو داود برواية القعنبي عن مالك مثل رواية
((الموطأ)) سنداً ومتناً، قال المنذري: أخرجه النسائي من حديث زفر بن
صعصعة عن أبي هريرة من غير ذكر صعصعة، والمحفوظ من حديث الإمام
مالك بن أنس إثبات صعصعة في إسناده، اهـ.
(أن رسول الله وَلّم كان إذا انصرف من صلاة الغداة) بالغين المعجمة أي
صلاة الصبح (يقول: هل رأى أحد منكم الليلة) بالنصب أي في هذه الليلة
(رؤيا؟) وفي ((البخاري)) من حديث سمرة بن جندب قال: ((كان رسول الله وَله
(١) (٤٢٣/٤).
(٢) (ص١٩).
(٣) (ص٦٨٩).
(٤) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٢/٤)، و((الاستذكار)) (١٢١/٢٧).
١٣٥

٥٣ - کتاب الرؤيا
(١) باب
(١٧٢١) حديث
يعني مما يكثر أن يقول لأصحابه: هل رأى أحد منكم رؤيا؟ قال: فيقص عليه
ما شاء الله أن يقص))، الحديث(١)، وفي أخرى له: ((كان النبي ◌ُّ إذا صلى
صلاة أقبل علينا بوجهه فقال: من رأى منكم الليلة رؤيا قال: فإن رأى أحد
قصها، فيقول ما شاء الله)) الحديث، وأخرجه بمواضع من كتابه مختصراً
ومطولاً، وترجم عليه بموضع ((باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح)).
قال الحافظ (٢): فيه إشارة إلى ضعف ما أخرجه عبد الرازق عن معمر
عن سعيد بن عبد الرحمن عن بعض علمائهم: لا تقص رؤياك على امرأة، ولا
تخبر بها حتى تطلع الشمس، وفيه إشارة إلى الرد على من قال من أهل
التعبير: إن المستحب أن يكون تعبير الرؤيا من بعد طلوع الشمس إلى الرابعة،
ومن العصر إلى قبل الغروب، فإن الحديث دالٌ على استحباب تعبيرها قبل
طلوع الشمس، قال المهلب: تعبير الرؤيا عند صلاة الصبح أولى من غيره من
الأوقات لحفظ صاحبها لقُرْبها، ولحضور ذهن العابر، وقلة شغله بالفكرة،
وليعرف الرائي ما يعرض له من رؤياه، فيستبشر بالخير، ويحذر من الشر،
ويتأهب لذلك، اهـ مختصراً.
قال الباجي(٣): يحتمل أن يرجو بذلك النبي وَلل رؤيا مبشرة له وَل
وللمسلمين، ويستدعي ذلك من عندهم فيما ربما توقف عنه الوحي فيه،
ويحتمل أن يريد بذلك تعليمهم العبادة، وتنبيههم على فضلها، ولذلك كان
يقول: ((ليس بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة)) حضاً لهم على تعليمها.
والاهتبال بها، اهـ.
(١) أخرجه البخاري ح (٧٠٤٧) في ((كتاب التعبير)).
(٢) (فتح الباري)) (٤٣٩/١٢).
(٣) ((المنتقى)) (٢٧٦/٧).
١٣٦

٥٣ - کتاب الرؤيا
(١) باب
(١٧٢٢) حديث
وَيَقُولُ: ((لَيْسَ يَبْقَى بَعْدِي مِنَ النُّبُوَّةِ، إِلَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ)).
٣/١٧٢٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ
عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لّهِ قَالَ: ((لَنْ يَبْقَى بَعْدِي مِنَ النُّبُوَّةِ
إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ))
(ويقول) بَله: (ليس يبقى بعدي من النبوة) قال الزرقاني(١): أل عهدية،
أي نبوته، اهـ. (إلا الرؤيا الصالحة) أي الحسنة أو الصادقة، وتقدم البسط في
معناها، والفرق بينهما، وأخرج البخاري في ((صحيحه)) (٢) برواية ابن المسيب
عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله وَل و يقول: ((لم يبق من النبوة إلا
المبشرات))، قالوا: وما المبشرات؟ قال: ((الرؤيا الصالحة)). وسيأتي في
«الموطأ)» مرسلاً.
٣/١٧٢٢ - (مالك عن زيد بن أسلم) العدوي (عن عطاء بن يسار) قال
الزرقاني(٣): مرسل، وصله البخاري(٤) من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب
عن أبي هريرة. اهـ. قلت: لكن رواية البخاري مختصرة (أن رسول الله واله
قال: لن يبقى بعدي) أي بعد وفاتي (من النبوة) أي من أجزائها (إلا المُبَشِّرَات)
بكسر الشين المعجمة المشددة، قال السيوطي: أي الوحي منقطع بموتي، ولا
يبقى ما يعلم منه ما سيكون إلا الرؤيا، والتعبير بالمبشرات خرج مخرج
الغالب، فإن من الرؤيا ماتكون منذرة، وهي صادقة يريها الله تعالى للمؤمن
رفقاً به ليستعد لما يقع قبل وقوعها، كذا في ((المرقاة))(٥).
ولفظ البخاري برواية ابن المسيب عن أبي هريرة «لم يبق من النبوة)) بلفظ
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٢/٤).
(٢) ح (٦٩٩٠).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٣/٤).
(٤) في كتاب الرؤيا، باب المبشرات. ح (٦٩٩٠).
(٥) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٣/٩).
١٣٧

٥٣ - كتاب الرؤيا
(١) باب
(١٧٢٢) حديث
((لم)) بدل ((لن)) قال الحافظ(١): كذا ذكره باللفظ الدال على المضي تحقيقاً
لوقوعه، والمراد الاستقبال أي لا يبقى، وقيل: هو على ظاهره؛ لأنه قال ذلك
في زمانه، واللام في النبوة للعهد، والمراد نبوته، والمعنى لم يبق بعد النبوة
المختصة بي إلا المبشرات، ثم فسرها بالرؤيا، وصرح به في حديث عائشة عند
أحمد بلفظ ((لم يبق بعدي))، وقد جاء في حديث ابن عباس أنه وسل* قال ذلك
في مرض موته، أخرجه مسلم وغيره كما سيأتي.
وظاهر الاستثناء مع ما تقدم من أن الرؤيا جزء من النبوة أن الرؤيا نبوة،
وليس كذلك لما تقدم أن المراد تشبيه أمر الرؤيا بالنبوة، أو لأن جزء الشيء لا
يستلزم ثبوت وصفه له، كمن قال: أشهد أن لا إله رافعاً صوته لا يسمى
مؤذناً، ولا يقال: إنه أذّن وإن كانت جزءاً من الأذان، وكذا لو قرأ شيئاً من
القرآن قائماً لا يسمى مصلياً .
ويؤيده حديث أم كرز الكعبية، قالت: سمعت رسول الله وَله يقول:
((ذهبت النبوة وبقيت المبشرات)) أخرجه أحمد وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة
وابن حبان، ولأحمد عن عائشة مرفوعاً: ((لم يبق بعدي من المبشرات إلا
الرؤيا))، ولأبي يعلى (٢) من حديث أنس رفعه ((إن الرسالة والنبوة قد انقطعت،
ولا نبي ولا رسول بعدي، ولكن بقيت المبشرات، قالوا: وما المبشرات؟
قال: رؤيا المسلمين جزء من أجزاء النبوة)).
قال ابن التين: معنى الحديث أن الوحي ينقطع بموتي، ولا يبقى ما يعلم
منه ما سيكون إلا الرؤيا، ويرد عليه الإلهام فإن فيه إخباراً بما سيكون، وهو
للأنبياء بالنسبة للوحي كالرؤيا، ويقع لغير الأنبياء، كما في حديث البخاري في
(١) ((فتح الباري)) (٣٧٥/١٢).
(٢) ((مسند أبي يعلى)) (٣٩٤٧).
١٣٨

٥٣ _ کتاب الرؤيا
(١) باب
(١٧٢٢) حديث
فَقَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا
الرَّجُلُ الصَّالِحُ. أَوْ تُرَى لَهُ.
مناقب عمر - رضي الله عنه - قد كان فيمن مضى من الأمم محدثون، وفسر
المحدث بفتح الدال بالملهم بالفتح أيضاً، وقد أخبر كثير من الأولياء عن أمور
مغيبة، فكانت كما أخبروا.
والجواب أن الحصر في المنام لكونه يشمل آحاد المؤمنين، بخلاف
الإلهام، فإنه مختص بالبعض، ومع كونه مختصاً فإنه نادر، فإنما ذكر المنام
لشموله وكثرة وقوعه، ويشير إلى ذلك قوله وَ لجر: ((فإن يكن)) وكأن السر في
ندور الإلهام في زمنه وكثرته من بعده غلبة الوحي إليه وه ير في اليقظة، وإرادة
إظهار المعجزات منه، فكان المناسب أن لا يقع لغيره منه في زمانه شيء، فلما
انقطع الوحي بموته وقع الإلهام لمن اختصه الله به للأمن من اللبس في ذلك،
وفي إنكار وقوع ذلك مع كثرته واشتهاره مكابرة ممن أنكره، اهـ.
(فقالوا) أي الصحابة: (وما المبشرات يا رسول الله؟ قال) مَيقول: (الرؤيا
الصالحة) قال الحافظ(١): وقد ورد في قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا﴾ هي الرؤيا الصالحة، أخرجه الترمذي وابن ماجه وصححه الحاكم من
رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبادة بن الصامت، ورواته ثقات إلا أن أبا
سلمة لم يسمعه من عبادة، وأخرجه الترمذي أيضاً من وجه آخر عن أبي سلمة،
قال: نُبِّئْتُ عن عبادة، وأخرجه ابن مردويه عن ابن مسعود قال: سألت
رسول الله وَلو، فذكر مثله، وفي الباب عن جابر عند البزار، وعن أبي هريرة
عند الطبري، وعن عبد الله بن عمرو عند أبي يعلى (يراها) بفتح أوله (الرجل
الصالح) بنفسه (أو ترى له) بضم الفوقية أي يراها له رجل آخر.
قال الحافظ: وقد جاء في حديث ابن عباس أنه بَ لّر قال ذلك في مرض
(١) ((فتح الباري)) (٣٧٥/١٢).
١٣٩

٥٣ - کتاب الرؤيا
(١) باب
(١٧٢٢) حديث
جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ».
موته، أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من طريق إبراهيم بن عبد الله بن معبد
عن أبيه عن ابن عباس، أن النبي ◌َّ كشف الستارة، ورأسه معصوب في
مرضه الذي مات فيه، والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: ((يا أيها الناس إنه
لم يبق من مبشّرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له)»
الحديث، وتقدم أن ابن عبد البر استدل بعموم قوله { لر في هذا الحديث: ((أو
تُرى له)) على أن كون الرؤيا جزء النبوة لا يختص برؤيا الرجل الصالح.
وقال الباجي(١): يريد - والله أعلم - أن النبوة الكاملة قد ختمت به، فإذا
قبض قبض جميعها، وإن بقي جزء من ستة وأربعين جزءاً، وهي المبشرات،
ويحتمل أن يريد بها أنها ما يبشر به الرجل الصالح بما يراه هو بنفسه أو يراه
غيره له من صلاح بال، وتخلص من شدة، فيحتمل أن تكون هذه جزءاً من ستة
وأربعين جزءاً من النبوة، وإن كان غيرها من الرؤيا الصادقة تتجزأ على غير هذا
التجزي، اهـ.
قلت: وتقدم شيء من كلامه في ذلك في الجواب الثاني عشر في الجمع
بين اختلاف الروايات في تعداد الأجزاء.
(جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) تقدم الكلام على ذلك مفصلاً،
وتقدم أيضاً أن هذا العدد وهو المعروف في الروايات، ذكر بعضها السيوطي
في ((الدر)).
فذكر برواية مسلم وأبي داود والترمذي وغيرهم عن أبي هريرة مرفوعاً:
((إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب)) الحديث، وفيه ((جزء من ستة
وأربعين))، وبرواية البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي عن عبادة بن
الصامت مرفوعاً: ((رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين)) وبرواية البخاري عن أبي
(١) ((المنتقى)) (٢٧٧/٧).
١٤٠