Indexed OCR Text

Pages 21-40

٥٢ - كتاب الشَّعَر
(١) باب
(١٧٠٤) حديث
وفي ((الهداية)): لا يجوز بيع شعر الإنسان ولا الانتفاع به، لأن الآدمي
مكرم، فلا يجوز أن يكون شيء من أجزائه مهاناً مبتذلاً، وقد قال عليه
السلام: (لعن الله الواصلة))، الحديث، إنما يرخص فيما يتخذ من الوبر فيزيد
في قرون النساء وذوائبهن.
قال ابن الهمام(١): وهذا اللعن للانتفاع بما لا يحل به الانتفاع، ألا ترى
الترخيص في اتخاذ القراميل، وهو ما يتخذ من الوبر، ليزيد في قرون النساء
للتكثير مع عدم الكثرة، وإلا لمنع القراميل، ولا شك أن الزينة حلال، قال
تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ الآية، فلولا لزوم الإهانة بالاستعمال لحل
وصلها بشعور النساء أيضاً، اهـ.
وفي ((الدر المختار))(٢): وصل الشعر بشعر الآدمي حرام، سواء كان
شعرها أو شعر غيرها، لحديث ((لعن الواصلة)) قال ابن عابدين: لما فيه من
الزور، وفي شعر غيرها انتفاع بجزء الآدمي أيضاً.
لكن في ((التتارخانية)): إذا وصلت المرأة شعر غيرها بشعرها فهو مكروه،
وإنما الرخصة في غير شعر بني آدم تتخذه المرأة لتزيد في قرونها، وهو مرويٌ
عن أبي يوسف، وفي ((الخانية)): لا بأس للمرأة أن تجعل في قرونها وذوائبها
شيئاً من الوبر، وفي ((نهاية ابن الأثير)): روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها
قالت: ليست الواصلة بالتي تعنون، ولا بأس أن تعرى المرأة عن الشعر،
فتصل قرناً من قرونها بصوف أسود، وإنما الواصلة التي تكون بغياً في شبيبتها،
فإذا أسنت وصلتها بالقيادة، اهـ.
وفي ((المحلى)): ومن الغرائب ما رواه ابن عساكر عن أنس أنه سئل: ما
(١) ((فتح القدير)) (٦٣/٦).
(٢). انظر ((رد المحتار على الدر المختار)) (٦١٤/٩).
٢١

٥٢ - كتاب الشَّعَر
(١) باب
(١٧٠٤) حديث
الواصلة والمستوصلة؟ قال: هي التي ترتزني(١) في شبابها ثم تصلها بالقيادة إذا
صَلَىالَّهِ
كبرت، وما رواه ابن جرير عن ابن شريح قلت لعائشة: ألعن النبي
وسيلة
الواصلة؟ قالت: سبحان الله، وما بأس المرأة أن تأخذ شيئاً من صوف تتصل
به شعرها تزين به عند زوجها، إنما لعن النبي ◌ّله المرأة الشابة تبغي في
شبابها، حتى إذا أسَنَّتْ وصلت بالقيادة. اهـ. وفي ((هامش المجمع)): القيادة
دلالي، اهـ.
قلت: والمعروف عن عائشة - رضي الله عنها - كقول الجمهور، كما
تقدم عن النووي، وأخرج الطحاوي في ((المشكل)) (٢) عن عائشة: أتت امرأة
إلى رسول الله وَّر، فقالت: يا نبي الله إني أنكحت امرأةً رجلاً، وإنها اشتكَتْ
فَتَمزَّق شعرُها، وقد أراد زوجُها أن يجمعها، أفأضَعُ على رأسها شيئاً أُجَمِّلُها
به؟ فقال رسول الله وَله: ((لعن الله الواصلة والمستوصلة)) واستدل الطحاوي
لذلك الرواية، ولسكوتها بعد ذلك على الصوف على جواز وصل الشعر
بالصوف وغيره.
وعُلِم مما سبق أنهم اختلفوا في ذلك على أقوال:
الأول: الإباحة مطلقاً، وروي عن عائشة - رضي الله عنها -، وتعقبه
النووي بأنه لا يصح عنها، وحكاه الحافظ قولاً لبعضهم، وقال: أحاديث
الباب حجة عليه.
والثاني: مقابله المنع مطلقاً لا بشعر ولا بغيره، وهو مذهب الإمام مالك
والطبري، ورواية عن الإمام أحمد. وقال النووي: وهو الظاهر المختار.
وعزاه القاضي عياض إلى الأكثر.
(١) كذا في الأصل ((ش)).
(٢) ((مشكل الآثار)) (١٦٣/٣).
٢٢

٥٢ - كتاب الشَّعَر
(١) باب
(١٧٠٥) حديث
٣/١٧٠٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ:
الثالث: مذهب الإمام الشافعي أن الوصل بشعر الآدمي حرام مطلقاً.
وفيما سوى ذلك فيجوز للمزوجة أو الأمة لها سيد بأمرهما بالشعر الطاهر،
وأماغير ذلك فكل الصور ممنوع.
والرابع: مختار الموفق من الحنابلة أن الممنوع وصل الشعر بالشعر
مطلقاً، وأما غير الشعر فلا بأس.
والخامس: مذهب الحنفية أن الوصل بشعر الآدمي حرام، وبغيره يجوز،
وهو مذهب ابن عباس والليث، وحكاه أبو عبيدة عن كثير من الفقهاء، وهو
مؤدى ما رواه أبو داود عن سعيد بن جبير والإمام أحمد.
٣/١٧٠٥ - (مالك عن زياد بن سعد) بن عبد الرحمن الخراساني (عن
ابن شهاب) الزهري شيخ الإمام مالك، روى عنه لههنا بواسطة (أنه سمعه يقول)
قال أبو عمر (١): كذا أرسله رواة مالك، إلا حماد بن خالد الخياط فأسنده عن
أنس فأخطأ فيه، والصواب عن مالك مرسل، والصواب من غير رواية مالك
عن ابن شهاب عن عبيد الله عن ابن عباس لا عن أنس، اهـ. كذا في
((الزرقاني))(٢) .
وحديث ابن عباس هذا أخرجه البخاري في ((صحيحه))(٣) عن أحمد بن
يونس نا إبراهيم بن سعد نا ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن
عباس، قال: كان النبي وَل﴾ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه، وكان
(١) انظر: ((التمهيد)) (٨٩/٦).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٦/٤).
(٣) أخرجه البخاري في اللباس (٥٩١٧)، باب الفرق، ((فتح الباري)) (٣٦١/١٠)،
والحديث في «التمهيد)» (٧١/٦).
٢٣

٥٢ - كتاب الشَّعَر
(١) باب
(١٧٠٥) حديث
سَدَلَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ نَاصِيَتَهُ.
أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، فسدل
النبي ◌ُّ﴾ ناصيته ثم فرق بعد.
قال الحافظ: كذا وصله إبراهيم بن سعد ويونس، واختلف على معمر في
وصله وإرساله، أخرجه عبد الرازق في ((مصنفه)) عن معمر عن الزهري عن
عبيد الله: لما قدم رسول الله وَلّر المدينة، فذكره مرسلاً. وكذا أرسله مالك
حيث أخرجه في ((الموطأ)) عن زياد بن سعد عن الزهري، ولم يذكر من
فوقه، اهـ.
وقال في موضع آخر: عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة
عن ابن عباس، هذا هو المشهور عن ابن شهاب، وعنه فيه إسناد آخر، أخرجه
الحاكم من طريق مالك عن زياد بن سعد عن أنس، وأخرجه أيضاً أحمد،
وقال: تفرد به حماد بن خالد عن مالك، وأخطأ فيه، والصواب عن عبيد الله بن
عبد الله، وقال ابن عبد البر: الصواب عن مالك فيه مرسلاً، كما في
((الموطأ))، اهـ.
وقال في موضع ثالث: قوله: ((عن عبيد الله بن عبد الله)) هذا هو
المحفوظ عن الزهري. ورواه مالك في «الموطأ)» عن الزهري مرسلاً لم يذكر
من فوقه، وأغرب حماد بن خالد فرواه عن مالك عن الزهري عن أنس، قال
أحمد بن حنبل: أخطأ فيه حماد بن خالد، والمحفوظ عن الزهري عن عبيد الله
عن ابن عباس، اهـ.
(لرجل) كذا في النسخ الهندية، وليس هذا في المصرية (سدل
رسول الله ( 8﴿ ناصيته) أي أرسل شعر الرأس على جبهته، قال النووي: قال
العلماء: المراد إرساله على الجبين واتخاذه كالقُصّةِ، وقيل: سَدَلَ الشعر إذا
أرسله، ولم يضم جوانبه، وقيل: السدل أن يُرْسل الشخص شعره من ورائه ولا
يجعله فرقتين، والفرق أن يجعله فرقتين كل فرقة ذؤابة، وهذا هو المناسب للمقابلة
٢٤

٥٢ - كتاب الشّعَر
(١) باب
(١٧٠٥) حديث
مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ فَرَقَ بَعْدَ ذُلِكَ.
بالفرق، كذا في ((جمع الوسائل))(١).
(ما شاء الله) أول ما قدم المدينة موافقة لأهل الكتاب، كما تقدم عن
رواية البخاري.
قال الباجي(٢): وكان - عليه الصلاة والسلام - يحب موافقة أهل الكتاب
فيما لم يؤمر فيه بمخالفتهم، وذلك يحتمل - والله أعلم - أنه كان يعلم أن ذلك
مما لم يُغَيِّرُوه من شريعة أنبيائهم، إما بوحي أو بخبر متواتر، وقد أمر النبي ◌َّ
بأن يقتدى بهم، فكان يتبع أهل الكتاب في ذلك.
(ثم فرق) بفتح الفاء والراء، روي مشدداً ومخففاً أي ألقى شعره إلى
جانبي رأسه، فلم يترك منه شيئاً على جبهته، وفي رواية معمر: ((ثم أمر بالفرق
ففرق وكان آخر الأمرين)) كذا في ((الزرقاني)). قال الحافظ: الفرق بفتح الفاء
وسكون الراء، هو قسمة شعر الرأس في المفرق، وهو وسط الرأس يقال: فرق
شعره فرقاً بالسكون، وأصله من الفرق بين الشيئين، والمفرق مكان انقسام
الشعر من الجبين إلى دارة وسط الرأس، اهـ.
(بعد ذلك) حين أسلم غالب الوثنيين، وغلبت الشقوة على اليهود، ولم
ينفع فيهم الاستئلاف فخالفهم، وأمر بمخالفتهم في أمور كثيرة.
قال الحافظ(٣): قد جمعت المسائل التي وردت الأحاديث فيها بمخالفة
أهل الكتاب، فزادت على الثلاثين حكماً قد أودعتها في كتابي الذي سميته
((القول الثبت في الصوم يوم السبت))، وقال عياض: الفرق سنة؛ لأنه الذي
استقر عليه الحال، والذي يظهر أن ذلك وقع بوحي لقول الراوي في أول
::
(١) (٧٩/١).
(٢) ((المنتقى)) (٢٦٨/٧).
(٣) انظر: ((فتح الباري)) (٣٦٢/١٠).
٢٥

٥٢ - كتاب الشَّعَر
(١) باب
(١٧٠٥) حدیث
قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى شَعَرِ امْرَأَةِ ابْنِهِ، أَوْ
شَعَرِ أُمِّ امْرَأَتِهِ، بَأسٌ.
الحديث: كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، فالظاهر أنه
فَرَّقَ بأمره تعالى، حتى ادّعى بعضُهم فيه النسخ، ومَنْعَ السدل، واتخاذ
الناصية، وحكي ذلك عن عمر بن عبد العزيز.
وتعقبه القرطبي بأن الظاهر أن الذي كان يفعله وَل# إنما هو لأجل
استئلافهم، فلما لم ينجح فيهم أحبّ مخالفتهم، فكانت مستحبة لا واجبة،
وأما توهم النسخ في هذا ليس بشيء، لإمكان الجمع، بل يحتمل أن لا يكون
الموافقة والمخالفة حكماً شرعياً إلا من جهة المصلحة، قال: ولو كان السدل
منسوخاً لصار إليه الصحابة أو أكثرهم، والمنقول عنهم أن منهم من كان يفرق،
ومنهم من كان يسدل، ولم يعِب بعضهم على بعض، وقد صح أنه كانت له وَاليهود
لمّة، فإن انفرقت فَرقَها وإلا تركها، فالصحيح أن الفرق مستحب لا واجب،
وهو قول مالك والجمهور.
وقد جزم الحازمي أن السدل نسخ بالفرق، واستدل برواية معمر
المذكورة، وهو ظاهر، وقال النووي: الصحيح جواز السدل والفرق، اهـ.
كلام الحافظ .
وفي ((جمع الوسائل))(١): قال القرطبي: إنه مستحب، وحكي ذلك عن
عمر بن عبد العزيز، وهو قول مالك والجمهور، اهـ.
وقال الباجي: قال مالك: رأيت عامر بن عبد الله وربيعة وهشام بن عروة
يفرقون شعورهم، قال مالك: فرق الرأس للرجال أحبُّ إلي، اهـ.
(قال مالك: ليس على الرجل) الذي (ينظر إلى شعر امرأة) أي زوجة (ابنه
أو) إلى (شعر أم امرأته بأس) أي حرج وإثم، اسم ليس وخبره مقدم، قال
(١) (١/ ١٨٠).
٢٦

٥٢ - كتاب الشَّعَر
(١) باب
(١٧٠٥) حديث
الزرقاني: لجواز ذلك بلا شهوة، قال صاحب ((المحلى)): وبه قال علماؤنا: إنه
يحل للرجل النظر إلى شعرهما، كالمحارم النسبية .
قال الباجي(١): وذلك على وجه المباح من نظره إلى ذوات محرمه، كأمه
وأخته وابنته، ولا خلاف في ذلك، كما أنه لا خلاف في منعه على وجه
الالتذاذ والاستمتاع به، اهـ.
وأخرج أبو داود في ((السنن)) عن جابر أن أم سلمة استأذنت النبي وَّ في
الحجامة، فأمر أبا طيبة أن يحجمها، قال: حسبت أنه قال: كان أخاها من
الرضاعة أو غلاماً لم يحتلم، قال الشيخ في ((البذل)) (٢): وفي الحديث أن
المحرم يجوز له أن يطلع من ذات محرمه على بعض ما يحرم على الأجنبي
وكذلك الصبي، اهـ.
وفي ((الهداية)) (٣): ينظر الرجل من ذوات محارمه إلى الوجه والرأس
والصدر والساقين والعضدين، ولا ينظر إلى ظهرها وبطنها وفخذها، والأصل
فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية، والمراد - والله أعلم -
مواضع الزينة، وهي ما ذكرنا، ويدخل في ذلك الساعد والأذن والعنق والقدم؛
لأن كل ذلك مواضع الزينة، بخلاف الظهر والبطن والفخذ؛ لأنها ليست
مواضع الزينة، اهـ.
قال صاحب ((الجلالين)) في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ
أَوْ ءَبَّ بِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَ﴾(٤) الآية: المراد الزينة الخفية، وهي ما عدا
(١) ((المنتقى)) (٢٦٨/٧).
(٢) انظر: ((بذل المجهود)) (٤٣٢/١٦).
(٣) (٣٧٠/٢).
(٤) سورة النور: الآية ٣١.
٢٧

٥٢ - كتاب الشَّعَر
(١) باب
(١٧٠٦) حدیث
٤/١٧٠٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
عُمَرَ؛ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الْإِخْصَاءَ.
الوجه والكفين، فيجوز لهم نظره إلا ما بين السُّرَّة والركبة، فيحرم نظره لغير
الأزواج، وقال البغوي: فيجوز لهؤلاء أن ينظروا إلى الزينة الباطنة، ولا
ينظرون إلى ما بين السُرِّة والركبة، ويجوز للزوج أن ينظر إلى جميع بدنها غير
أنه يكره له النظر إلى فرجها، اهـ.
وقال الجصاص في ((أحكام القرآن)) (١): وروي أن محمد بن الحنفية كان
يُمَشِّطُ أمه، وروي أن الحسن والحسين كانا يدخلان على أختهما أم كلثوم،
وهي تمشط، وعن ابن الزهير مثله في ذات المحرم، وعن إبراهيم: لا بأس أن
ينظر الرجل إلى شعر أمه وأخته وخالته وعمته، وكره الساقين، قال أبو بكر
الرازي: لا فرق بينهما في مقتضى الآية، وروى هشام عن الحسن في المرأة
تضع خمارها عند أخيها، قال: والله مالها ذلك.
وروي عن طاووس أنه كره أن ينظر إلى شعر ابنته وأخته، وروي عن
الشعبي أنه كره أن يسدد الرجل النظر إلى شعر ابنته أو أخته، وهذا عندنا
محمول على الحال التي يخاف فيها أن تشتهى؛ لأنه لو حمل على الحال التي
يأمن بها الشهوة، لكان خلاف الآية والسنة، ولكان ذو محرمها والأجنبيون
سواء، اهـ.
٤/١٧٠٦ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما (أنه
كان يكره الإخصاء) قال الزرقاني(٢): قيل: صوابه الخِصاء بكسر الخاء والمد
مصدر خصى : سلُّ الخصية، وفيه نظر، فقد نطق بذلك سيد الفصحاء، فروى
ابن عدي عن معاوية يرفعه ((سيكون قوم ينالهم الإخصاء فاستوصوا بهم خيراً))
(١) (٣١٧/٣).
(٢) (شرح الزرقاني)) (٣٣٦/٤).
٢٨

٥٢ - كتاب الشَّعَر
(١) باب
(١٧٠٦) حديث
وَيَقُولُ: فِيهِ تَمَامُ الْخَلْقِ .
وروى البيهقي وغيره عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَّمُهَنَّهُمْ فَلَيُغَيُِّنَ خَلْقَ
اُللَّهِ﴾ (١)، قال: هو الإخصاء، ولابن أبي شيبة وغيره عن أنس مثله، اهـ.
(ويقول: فيه) أي في إبقائه، فالضمير راجع إلى ترك الخصاء المفهوم من
النهي (تمام الخلق) بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام، قال أبو عمر (٢): في
ترك الخصاء تمام، وروي نماء الخلق بالنون من النمو، وقد أخرجه الدارقطني
من طريق عمر بن أبي إسماعيل عن نافع عن ابن عمر قال: قال وَلات: ((لا
تُخْصوا ما ينمي خلق الله)) وقد روى الطبراني وأبو عدي عن ابن مسعود ((نهى
رسول الله وَلّ أن يُخْصي أحد من بني آدم)) كذا في ((الزرقاني)).
قال الباجي(٣): يريد - والله أعلم - ما لم يكن في إخصائه منفعة، وقد
كره مالك إخصاء الخيل، وقال: لا بأس بإخصائها إذا أكلت، وإخصاء بني آدم
محرم، كقطع أعضائهم، وقد كره مالك شراء الخصي من الصقالبة، وقال: لو
لم يشتروا منهم لم يخصوه، وأما خصاء الغنم وما ينتفع بإخصائه لطيب لحمه
فلا بأس بذلك، اهـ.
وفي ((المحلى)): قال النووي: يحرم خِصاء الآدمي، وكل حيوان لا
يؤكل، وأما المأكول، فيجوز في صغيره، ويحرم في كبيره، وقال ابن أبي زيد
المالكي في ((رسالته)): إنه لا بأس بخِصاء الغنم، لما فيه من إصلاح لحومها،
ونهى عن خصاء الخيل، ويجوز عند أبي حنيفة خصاء البهائم دون الآدمي،
أخرج محمد في ((كتاب الآثار)) (٤): نا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه قال:
(١) سورة النساء: الآية ١١٩.
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (٧٢/٢٧).
(٣) ((المنتقى)) (٢٦٨/٧).
(٤) (ص١٧٦).
٢٩

٥٢ - كتاب الشَّعَر
(١) باب
(١٧٠٦) حديث
لا بأس بإخصاء البهائم إذا كان يراد به صلاحها، قال: وبه نأخذ، وهو قول
أبي حنيفة، اهـ.
وفي ((مختصر الطحاوي)): يكره كسب الخصيان من بني آدم
واستخدامهم، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لولا استخدام الناس إياهم لما
أخصاهم الذين يُخصون، ولا بأس بإخصاء البهائم، اهـ.
وفي ((الهداية))(١): عن عائشة - رضي الله عنها -: الخصاء مثلة، وفي
موضع آخر: ويكره استخدام الخصيان رغبة في استخدامهم حث الناس على
هذا الصنيع، وهو مثلة محرمة، ولا بأس بإخصاء البهائم؛ لأن فيه منفعة
البهيمة والناس، اهـ. قال الزيلعي: قول عائشة غريب، وأخرجه ابن أبي شيبة
في ((مصنفه)) عن ابن عباس قال: خصاء البهائم مثلة، ثم تلا ﴿وَلَّمُنَّهُمْ
فَلَيُغَيُِّنَ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (٢)، وأخرجه عبد الرازق عن مجاهد وعن شهر بن
حوشب: الخصاء مثلة، اهـ.
وبسط السيوطي في ((الدر)) (٣) في تفسير الآية المذكور الآثار في الخصاء،
وقد ورد في عدة روايات، أنه وَل# كان يضحي بكبشين موجوئين، وبذلك
استدل الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) على جواز إخصاء البهائم.
قال الحافظ (٤): أخرج أبو داود(٥) عن جابر ((ذبح النبي مَ ل كبشين أقرنين
أملحين موجوئين))، قال الخطابي: الموجوء بالهمزة منزوع الأنثيين، والوجاء
(١) (٣٨٠/٢).
(٢) سورة النساء: الآية ١١٩.
(٣) انظر: ((الدر المنثور)) (٦٤٠/٢).
(٤) فتح الباري (١٠/ ١٠).
(٥) ((سنن أبي داود)) (٨٨/٢) باب ما يكره من الضحايا.
٣٠

٥٢ - كتاب الشَّعَر
(١) باب
(١٧٠٧) حديث
٥/١٧٠٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْم؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ
الخصي، وفيه جواز الخصي في الضحية، وكرهه بعض أهل العلم لنقص
العضو، لكن ليس هذا عيباً، لأن الخصاء يفيد اللحم طيباً، وينفي عنه الزهومة
وسوء الرائحة، وقال ابن العربي: حديث أبي سعيد الذي أخرجه الترمذي
بلفظ: ((ضحى بكبش فحل)) أي كامل الخلقة لم تقطع أنثياه يرد رواية
موجوئين، وتعقب باحتمال أن يكون ذلك وقع في وقتين.
وقال الموفق(١): ولا نعلم مخالفاً في جواز الخصي في الأضحية، قال
الزرقاني(٢): ولعل وجه ذكر هذا الأثر في ترجمة ((السنة في الشعر)) أنه إذا لم
يُخْصَ نبت الشعر، فيؤمر بما يؤمر به من له شعر، اهـ.
ولا يبعد عندي أن يكون الغرض أن السنة في إزالة الشعر هي الطريقة
المسنونة المأثورة من الحلق وغيره، ولا ينبغي أن يعالج بشيء مانع عن النبات.
٥/١٧٠٧ - (مالك عن صفوان بن سليم) بضم السين مصغراً المدني (أنه
بلغه) قال ابن عبد البر في ((التجريد))(٣): هذا الحديث يتصل معناه من حديث
مالك عن ثور بن زيد الديلي عن أبي الغيث عن أبي هريرة ويتصل معناه أيضاً،
ولفظه من حديث ابن عيينة عن صفوان بن سليم عن أنيسة عن أم سعيد بنت
مرة الفهري عن أبيها مرة الفهري عن النبي ◌َّ، ذكرت إسناده
في((التمهيد))(٤)، اهـ.
وقال الحافظ(٥): وصله البخاري في ((الأدب المفرد)) والطبراني من رواية
أم سعيد بنت مرة الفهرية عن أبيها، اهـ.
(١) ((المغني)) (٣٧١/١٣).
(٢) (شرح الزرقاني)) (٣٣٦/٤).
(٣) (ص٧٣).
(٤) (١٦ / ٢٤٦).
(٥) ((فتح الباري)) (٤٣٦/٣٦).
٣١

٥٢ - كتاب الشَّعَر
(١) باب
(١٧٠٧) حديث
أَنَّ النَّبِيَّ وَسِّ قَالَ: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيم، لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، فِي الْجَنَّةِ
کَھَاتَیْنِ.
قال الزرقاني(١): ولمالك فيه إسناد آخر، أخرجه مسلم في ((الزهد))(٢) من
(صحيحه)) عنه عن ثور بن زيد الديلي، قال: سمعت أبا الغيث يحدث عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله وَل: ((كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في
الجنة)) وأشار مالك بالسبابة والوسطى، اهـ.
قلت: وأخرجه البخاري في ((صحيحه))(٣) بسند آخر عن سهل بن سعد
عن النبي وَ﴾ قال: ((أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا))، وقال: بإصبعيه السبابة
والوسطى.
(أن النبي ◌َّ- قال: أنا وكافل اليتيم)، أي القيم بأمره ومصالحه هبة من
مال نفسه أو من مال اليتيم، كذا في ((الزرقاني)) و((المحلى)) (له أو لغيره) قال
الباجي: يحتمل - والله أعلم -. أن يكون الكافل امرأة، فتكفل اليتيم وهو
ابنها، ويحتمل أن يريد الرجل يكفل يتيماً من أقاربه؛ لأن اليتيم في بني آدم
بموت الأب دون الأم، وقوله: ((لغيره)) يريد أن لا يكون من عشيرته، اهـ.
وقال الحافظ (٤): معنى قوله: (له)) بأن يكون جداً أو عماً أو أخاً أو نحو
ذلك من الأقارب أو يكون أبو المولود قد مات فتقوم أمه مقامه، أو ماتت أمه
فقام أبوه في التربية مقامها، وأخرج البزار من حديث أبي هريرة موصولاً: ((من
كفل يتيماً ذا قرابة أو لا قرابة له))، وهذه الرواية تفسر المراد بالرواية قبلها، اهـ.
(في الجنة كهاتين) قال صاحب ((المحلى)): في الجنة خبر أنا، وقوله:
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٧/٤).
(٢) باب الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم (٤٢).
(٣) في كتاب الأدب، باب فضل من يعول يتيماً، (٦٠٠٥).
(٤) ((فتح الباري)) (٤٣٦/١٠).
٣٢

٥٢ - كتاب الشَّعَر
(١) باب
(١٧٠٧) حديث
إِذَا اتَّقِى)) وَأَشَارَ بِإِصْبُعَيْهِ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ.
((كهاتين)) نصب على المصدر من متعلق الخبر، اهـ. (إذا اتقى) الله تبارك
وتعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه، ومن ذلك ما يتعلق باليتيم، كذا في
((الزرقاني)) وقال الحافظ(١): قوله: ((إذا اتقى الله تعالى)) أي فيما يتعلق باليتيم
المذكور، وقد أخرج الطبراني في ((المعجم الصغير)) من حديث جابر، قلت: يا
رسول الله مم أضرب منه يتيمي؟ قال: ((مم كنت ضارباً منه ولدك غير واقٍ
مالك بماله)»، اهـ.
(وأشار) عند قوله: ((كهاتين))، قال عياض: كذا في ((الموطأ)» بإيهام
المشير، ووقع في ((مسلم)): وأشار مالك، وفي ((موطأ بكير)): وأشار
النبي ◌َ ◌ّر، كذا في ((الزرقاني)) (٢) (بإصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام) وفي
حديث سهل المذكور: بإصبعيه السبابة والوسطى، قال الحافظ: في رواية
((السباحة)) بدل السبابة، والسباحة هي التي تلي الإبهام، سميت بذلك؛ لأنها
يسبح بها في الصلاة فيشار بها في التشهد، وهي السبابة أيضاً، لأنها يسب بها
الشيطان حينئذٍ، اهـ.
قال الباجي: قال عيسى بن دينار: يقول: لا أفضله في الجنة إلا بقدر
فضل الوسطى على التي تلى الإبهام، اهـ. قال ابن بطال: حق على من سمع
هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي ◌َّر في الجنة، ولا منزلة في الآخرة
أفضل من ذلك.
وقال الحافظ(٣): في الحديث إشارة إلى أن بين درجة النبي ◌َّ وكافل
اليتيم قدر تفاوت ما بين السبابة والوسطى، ويحتمل أن يكون المراد قرب
(١) ((فتح الباري)) (١٠/ ٤٣٧).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٤/ ٣٣٧).
(٣) ((فتح الباري)) (٤٣٦/١٠).
٣٣

٥٢ - كتاب الشَّعَر
(٢) باب
(١٧٠٨) حديث
(٢) باب إصلاح الشعر
٦/١٧٠٨ - حدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ أَبَا
قَتَادَةَ الْأَنْصَارِي
المنزلة حال دخول الجنة، لما أخرجه أبو يعلى من حديث أبي هريرة رفعه:
((أنا أول من يفتح باب الجنة، فإذا امرأة تبادرني قأقول من أنت؟ فتقول: أنا
امرأة تأيمت على أيتام لي))، ورواته لا بأس بهم، وقوله: ((تبادرني)) أي لتدخل
معي أو تدخل في أثري، ويحتمل أن يكون المراد مجموع الأمرين: سرعة
الدخول وعلو المنزلة .
وقد أخرج أبو داود من حديث عوف بن مالك: ((أنا وامرأة سفعاء
الخدين كهاتين يوم القيامة، امرأة ذات منصب وجمال حبست نفسها على
يتاماها حتى ماتوا أو بانوا))، فهذا فيه قيد زائد على ما تقدم من قيد اتقى.
قال شيخنا يعني العراقي في ((شرح الترمذي)): لعل الحكمة في كون كافل
اليتيم بالقرب من النبي ولار، أو منزلة النبي ◌ّلتر لكون النبي شأنه أن يبعث إلى
قوم لا يعقلون أمر دينهم، فيكون كافلاً لهم ومعلماً ومرشداً، وكذلك كافل
اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل أمر دينه بل ولا دنياه ويرشده ويعلمه، فظهر
مناسبة ذلك، اهـ، مختصراً.
قال الزرقاني: ولعل إيراده في ترجمة ((السنة في الشعر)) أن من جملة
كفالة اليتيم إصلاح شعره وتسريحه ودهنه، اهـ. والظاهر عندي أن هذا الحديث
والذي سبق إيرادهما لههنا من تصرف النُسَّاخِ.
(٢) إصلاح الشعر
أي من آداب الشرع أن يصلح الرجل شعره، سواء كان في الرأس أو
اللحية، ولا يترك الشعر شعئاً جعداً، فإنه يخالف الزينة المطلوبة في الشرع.
٦/١٧٠٨ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أن أبا قتادة الأنصاري)
٣٤

٥٢ - كتاب الشَّعَر
(٢) باب
(١٧٠٨) حديث
قَالَ لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ: إِنَّ لِي جُمَّةً.
هكذا في جميع النسخ التي بأيدينا من الهندية والمصرية، وذكره ابن عبد البر
في ((التجريد))(١) في مراسيل يحيى عن الزهري، فقال في ذيل المراسيل:
يحيى بن سعيد عن ابن شهاب حديثان، فذكر فيهما مالك عن يحيى بن سعيد
عن ابن شهاب أن أبا قتادة، الحديث، ثم قال: وهذا الحديث قد روي عن
يحيى بن سعيد عن محمد بن المنكدر عن أبي قتادة، اهـ.
(قال لرسول الله (َلة) منقطع في ((الموطأ)) وقد أخرجه البزار من طريق
عمر بن علي المقدسي عن يحيى بن سعيد عن محمد بن المنكدر عن جابر أن
أبا قتادة، كذا في ((الزرقاني)). وفي ((التنوير)) (٢) من طريق عمر بن علي المقدمي
فذكر نحوه، وكلاهما ذكراه من مسند جابر، وقد أخرجه النسائي، أخبرنا
عمرو بن علي نا عمر بن علي بن مقدم نا يحيى بن سعيد عن محمد بن
المنكدر عن أبي قتادة قال: كانت له جُمَّةٌ ضخمة، فسأل النبيَّ وَّرَ، ((فأمره أن
يحسن إليها، وأن يترجَّل في كل يوم)).
(إن لي جُمَّة) بضم الجيم وشد الميم: شعر الرأس إذا بلغ المنكبين، قاله
الزرقاني، وهذا هو قول جمهور أهل اللغة، وقال المناوي في ((شرح
الشمائل))(٣): اختلف فيه قول الجوهري، فذكره على الصواب في مادة اللمة،
فقال: هي الشعر المتجاوز شحمة الأذن، فإذا بلغت المنكبين فهي جُمَّةٌ،
وخالف ذلك في مادة الوفرة، فقال: الوفرة إلى شحمته ثم الجمة ثم اللمة وهي
التي ألمت بالمنكبين، وما قاله في اللمة هو الصواب الموافق لكلام أهل اللغة.
اهـ. وقال القاري: قد يطلق أحدها موضع الآخر. اهـ. وفي ((المحلى)): الجمة
الشعر إذا بلغ المنكبين، وقيل: المراد في حديث الباب مطلق الشعر، اهـ.
(١) (ص٢٣٠) والحديث في ((التمهيد)) (٩/٢٤).
(٢) ((تنوير الحوالك)) (ص ٦٨٣).
(٣) (٧٩/١).
٣٥

٥٢ - كتاب الشّعَر
(٢) باب
(١٧٠٨) حديث
أَفَأُرَجِّلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: (نَعَمْ. وَأَكْرِمْهَا)) فَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ
رُبَّمَا دَهَنَهَا فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ.
قلت: لا وجه لصرفه عن اللغة لا سيما وقد تقدم قريباً في رواية النسائي
أن لي جُمَّةً ضخمة.
(أفأرجُلُّها؟) بتشديد الجيم من الترجيل بحذف حرف الاستفهام في النسخ
الهندية وإثباتها في المصرية (فقال رسول الله وَليقول: نعم) رَجِّلْها (وأكرمها) بصيغة
الأمر من الإكرام، أي بصونها من نحو وسخ وقذر وغبار، وبتعاهدها بالتنظيف
والادهان.
قال الحافظ(١): وقد أخرج أبو داود بسند حسن عن أبي هريرة رفعه:
((من كان له شعر فليكرمه))، وله شاهد من حديث عائشة في ((الغيلانيات)) وسنده
حسن أيضاً، اهـ.
قال صاحب ((المحلى)) في حديث الباب: ويحتمل أن يكون قوله:
((وأكرِمْهَا)) عطفاً تفسيرياً لقوله: ((نعم))، فيكون المراد بالإكرام الترجيل فقط،
اهـ. لكن لفظ النسائي المتقدم ((أن يحسن إليها وأن يترجل)) يشير إلى الأمرين.
(فكان أبو قتادة ربما دَهنَها) ضبطه صاحب ((المحلى)) بتشديد الهاء من
التدهين، ولم يعرب في النسخ المصرية إلا بالتخفيف، وهو الأوجه. ففي
(مختار الصحاح)): دهنه من باب نصر وقطع، وفي ((الشمائل)): كان
رسول الله وَلؤ يكثر دهن رأسه، قال القاري: بفتح الدال وسكون الهاء استعمال
الدهن بالضم، اهـ.
(في اليوم مرتين) قال الزرقاني(٢): لتشعثها بعمل أو غبار أو نحو ذلك،
لا ينافي النهي عن ذلك إلا غباً، اهـ.
(١) ((فتح الباري)) (٣٦٨/١٠).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٨/٤).
٣٦

٥٢ - كتاب الشّعَر
(٢) باب
(١٧٠٨) حدیث
لِمَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَ له: «وَأَكْرِمْهَا)).
قلت: ويحتمل أنه لم يبلغه النهي عن ذلك، وقد تقدم في رواية النسائي
أنه وَ الّ أمره بأن يترجل كل يوم، ولعل ذلك لضخامة جمته، والأمر بالغب في
عامة الأحوال.
(لما قال له رسول الله) أي عملاً على قوله (وَل﴾) المذكور وهو قوله: نعم
(وأكرمها) كذا في أكثر النسخ المصرية، وليس في النسخ الهندية ولا الزرقاني
لفظ ((نعم))، بل اقتصر فيها على ((وأكرمها)) والمعنى أن أبا قتادة كان يفعل ذلك
امتثالاً لأمره الشريف، لا لحظ نفسه في طلب الزينة تحصيلاً لأجر الامتثال.
قال ابن بطال: الترجيل تسريح شعر الرأس واللحية ودهنه، وهو من باب
النظافة، وقد ندب الشرع إليها، قال تعالى: ﴿خُذُواْ زِينَتَّكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وفي
(الموطأ)) عن زيد بن أسلم الآتي قريباً في رجل ثائر الرأس، وهو مرسل
صحيح السند، وله شاهد من حديث جابر أخرجه أبو داود والنسائي بسند
حسن، كذا في ((الفتح)).
ولعله أشار إلى ما أخرجه أبو داود(١) عن جابر قال: أتانا رسول الله وَل
فرأى رجلاً شعثاً قد تفرق شعره، فقال: ((أما كان هذا يجد ما يُسكّنُ به
شعره؟)) الحديث، قال: وقد أخرج النسائي(٢) بسند صحيح عن حميد بن
عبد الرحمن لقيت رجلاً صحب النبي و # كما صحبه أبو هريرة أربع سنين،
قال: ((نهانا رسول الله ﴾﴾ّ أن يمتشط أحدُنا كل يوم))، ولأصحاب السنن
وصححه ابن حبان من حديث عبد الله بن مغفل ((أن النبي و لو كان ينهى عن
الترجل إلا غِبًّا»، فالمراد به ترك المبالغة في الترفّهِ. وقد روى أبو أمامة رفعه
((البذاذة من الإيمان)) وهو حديث صحيح أخرجه أبو داود، والبذاذة رثاثة
(١) ح (٤٠٦٢) في كتاب اللباس.
(٢) ((سنن النسائي))، ح (٥٠٥٤) في كتاب الزينة.
٣٧

٥٢ - كتاب الشَّعَر
(٢) باب
(١٧٠٨) حديث
الهيئة، والمراد بها ترك الترفه، والتنطع في اللباس، والتواضع فيه مع القدرة لا
بسبب جحد نعمة الله علیه.
وأخرج النسائي عن عبد الله بن بريدة أن رجلاً من الصحابة يقال له:
عبيد، قال: ((كان رسول الله وَلّ ينهى عن كثير من الإرفاه)»، قال ابن بريدة:
الإرفاه: الترجل، وقال الحافظ(١): هو التنعم، وقيده في الحديث بالكثير إشارة
إلى أن الوسط المعتدل منه لا يُذَمُّ، وبذلك يجمع بين الأخبار، كذا في ((الفتح))
بتغير. وقال الشيخ في ((البذل))(٢) في النهي عن الترجل إلا غباً: وهذا عند عدم
الضرورة، وإن دعت الضرورة إلى الترجيل كل يوم لا بأس به، اهـ.
قلت: وعلى هذا يحمل ما تقدم من أمره والتر أبا قتادة في الترجيل كل
يوم، وربما يحتاج إلى مرتين في يوم واحد فيفعل كذلك، وحكاه صاحب
((المحلى)) عن المحب الطبري إذ قال: وسبيل الجمع بين الحديثين بأن يحمل
حديث أبي قتادة على من كثر شعره، واحتاج إلى كثرة الدهن لكثرة الشعر،
والأحاديث الأخر تحمل على من لم يكن كذلك، فيكون إكرام الجمة محمولاً
على عمومه، وإنما إكرام كل جمة بحسبها، اهـ.
وهذا أوجه مما في ((المنتقى)) (٣) إذ قال: وروى الحسن عن عبد الله بن
مغفل النهي عن الترجل إلا غِبًّا، وهذا الحديث وإن كان رواته ثقات إلا أنه لا
يثبت، وأحاديث الحسن عن ابن مغفل فيها نظر، ولو ثبت لاحتمل أن يكون
معناه لمن يتأذّى بإدمان ذلك لمرض أو شدة برد، فنهاه أن يتكلف من ذلك ما
يضُرُّ به.
(١) ((فتح الباري)) (٣٦٨/١٠).
(٢) ((بذل المجهود)) (٤٣/١٧).
(٣) (٢٦٩/٧).
٣٨

٥٢ - كتاب الشَّعَر
(٢) باب
(١٧٠٩) حدیث
٧/١٧٠٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ؛ أَنَّ
عَطَاءَ بْنَ يَسَارِ أَخْبَرَهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي الْمَسْجِدِ. فَدَخَلَ
رَجُلٌ ثَائِرَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ،
ويحتمل أن يريد نهى من يعتقد أن ما كان يفعله أبو قتادة من دهنه في
اليوم مرتين أمراً لازماً فنهى عن ذلك، وأعلمه أن السنة اللازمة في ذلك
الإغباب به، لا سيما لمن منعه ذلك من شغله وعمله، اهـ.
١٧٠٩/ ٧ - (مالك عن زيد بن أسلم) العدوي (أن عطاء بن يسار أخبره)
أي أخبر زيداً، قال أبو عمر(١): لا خلاف عن مالك في إرساله، وجاء
موصولاً بمعناه عن جابر وغيره، اهـ. قلت: أخرجه أبو داود(٢) بسنده إلى
محمد بن المنكدر عن جابر قال: أتانا رسول الله وَ ل﴿ فرأى رجلاً شعثاً قد
تفرق شعره فقال: ((أما كان هذا يجد ما يُسَكِّن به شعره))، ورأى رجلاً آخر
وعليه ثياب وسخة فقال: ((أما كان هذا يجد ما يغسل به ثوبه))، وتقدم قريباً في
كلام الحافظ، إذ قال: أخرجه أبو داود والنسائي بسند حسن، اهـ.
(قال) عطاء: (كان رسول الله وَلّ في المسجد فدخل رجل) لم يسم، وفي
((المحلى)): روى محمد في ((آثاره): أن أبا قحافة أتى النبي وَ ل قد انشرت(٣)،
فقال النبي ◌َّر: لو يعني أخذتم وأشار بيده إلى نواحي لحيته، فلعل أبا قحافة
هو الرجل الداخل المذكور في الكتاب، اهـ. كذا في الأصل وفيه تحريف من
الناسخ، ولم أجده فيما عندي من نسخة (الآثار)) (ثائر الرأس) بالمثلثة أي شعثه
(واللحية) أي ثائر اللحية بترك تعاهدهما بما يصلحهما من الترجيل والدهن
وغيرهما. قال صاحب ((المحلى)): مرفوع على الوصفية والاضافة لفظية أي
منتشر شعر رأسه ولحيته، اهـ.
(١) ((تنوير الحوالك)) (ص٦٨٣)، و((التمهيد)) (٥٠/٥).
(٢) ((سنن أبي داود)) (٤٠٦٢) في اللباس.
(٣) هكذا في الأصل، والظاهر انتشرت، والله أعلم بالصواب.
٣٩

٥٢ - كتاب الشّعَر
(٢) باب
(١٧٠٩) حدیث
فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَلَ بِيَدِهِ أَنِ اخْرُجْ. كَأَنَّهُ يَعْنِي إِصْلَاحَ شَعَرٍ
رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ. فَفَعَلَ الرَّجُلُ ثُمَّ رَجَعَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَلَيْسَ
هذَا خَيْراً مِنْ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُكُمْ ثَائِرَ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ؟)).
قلت: ويحتمل النصب على كونه حالاً من الرجل (فأشار إليه) أي إلى
الرجل المذكور (رسول الله ◌َي بيده) الشريفة (أن اخرج) من المسجد (كأنه) وَل
(يعني) بذلك (إصلاح شعر رأسه ولحيته).
قال الباجي(١): وذلك يقتضي أن الخروج من المسجد لإصلاح الشعر
مأمور به؛ لأن إصلاحه في المسجد منهيّ عنه لما فيه من تشعيث المسجد بما
يقع فيه من الشعر، وربما كان مع ذلك ما يؤذي أهل المسجد من القمل لمن
لا يتعاهد رأسه من الترجيل والتنظيف، وحكم اللحية في ذلك حكم الرأس بل
آكد؛ لأن الرأس قد يُغَطَّى واللحية بادية، اهـ.
(ففعل الرجل) ما أشار إليه النبي ◌َّر من إصلاحهما (ثم رجع) إليه ◌َّل
(فقال رسول الله مليون: أليس هذا) النوع من الهيئة (خيراً من أن يأتي أحدكم ثائر
الرأس) شعثاً (كأنه شيطان) في قبح المنظر على عرف العرب في تشبيه القبح
بالشيطان، وإن كان لا يرى لما أوقع الله في نفوسهم من كراهة طلعته، ومنه
قوله تعالى: ﴿كَأَنَُّ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ وفي ((البخاري)) في حديث السحر ((كأن
رؤوس نخلها رؤوس الشياطين)).
قال الحافظ(٢): وقد وقع تشبه طلع شجرة الزقوم في القرآن برؤوس
الشياطين، قال الفرّاء وغيره: يحتمل أن يكون شبه طلعها في قبحه برؤوس
الشياطين؛ لأنها موصوفة بالقبح، وقد تقرر في اللسان أن من قال: فلان
شيطان، أراد أنه خبيث أو قبيح، ويحتمل أن يكون المراد بالشياطين الحيات،
والعرب تسمي بعض الحيات شيطاناً، وهو ثعبان قبيح الوجه، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (٢٦٩/٧).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٣٠/١٠).
٤٠