Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥١ - كتاب العين
(٤) باب
(١٦٩٤) حديث
قَالَتْ: فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ. كُنْتُ أَنَا أَقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ.
رَجَاءَ بَرَكَتِهِا .
أخرجه البخاريّ في: ٦٦ - كتاب فضائل القرآن، ١٤ - باب فضل المعوّذات.
ومسلم في: ٣٩ - كتاب السلام، ٢٠ - باب رقية المريض بالمعوذات والنفث،
حديث ٥١.
كالأسود بن يزيد أحد التابعين تمسكاً بقوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّشَتِ فِى
اٌلْعُقَدِ﴾، وعلى من كره النفث عند قراءة القرآن خاصة، كإبراهيم النخعي،
أخرج ذلك ابن أبي شيبة وغيره، أما الأسود فلا حجة له في ذلك؛ لأن
المذموم ما كان من نفث السحرة وأهل الباطل، ولا يلزم منه ذم النفس مطلقاً،
ولا سيما بعد ثبوته في الأحاديث الصحيحة.
وأما النخعي فالحجة عليه ما ثبت في حديث أبي سعيد الخدري عند
البخاري وغيره في رقية اللديغ، فقد قصوا على النبي ◌َّ القصة، وفيها، أنه
قرأ بفاتحة الكتاب، وتفل، ولم ينكر عليه النبي ◌َلّر، فكان ذلك حجة، وكذا
حدیث الباب، فهو واضح، اهـ.
قال الباجي(١): قولها: ينفث، سُنَّةٌ في نفث الراقي، قال عيسى بن
دينار: النفث شبه البزاق، ولا يلقي شيئاً، وروي عن عائشة - رضي الله عنها -
أنها سئلت عن نفث النبي ﴿، فقالت: كان ينفث كما ينفث آكلُ الزبيب،
وهذا يقتضي أنه كان يلقي اليسير من الريق، وأما التفل، فإنه يكون معه إلقاء
الريق، كما في حديث أبي سعيد الخدري في قصة اللديغ، اهـ.
(قالت) عائشة - رضي الله عنها -: (فلما اشتد وجعه) وَ ل# في مرضه الذي
توفي فيه (كنت أقرأ عليه) ◌َّ المعوذات (وأمسح عليه) قال أبو عمر: كذا
ليحيى، وقال غيره عنه: أمسح عنه (بيمينه) كذا في النسخ المصرية، وفي
الهندية ((بيده)) (رجاء بركتها) أي بركة يده الشريفة، ولمسلم عن هشام بن عروة
(١) ((المنتقى)) (٢٦٠/٧).
٥٢١

٥١ - كتاب العين
(٤) باب
(١٦٩٤) حديث
عن أبيه عن عائشة ((فلما مرض مرضه الذي مات فيه، جعلت أنفث عليه أمسح
بيده نفسه؛ لأنها كانت أعظم بركة من يدي))، وللطبراني عن أبي موسى: فأفاق
وهي تمسح صدره وتدعو بالشفاء، فقال: ((لا، ولكن أسأل الله الرفيق الأعلى)»
كذا في ((الزرقاني))(١).
وهذه الروايات تدل على أن الحديث المذكور في قصة مرضه الذي توفي
فيه وَله، وهكذا أخرجه البخاري برواية مالك عن الزهري، ثم أخرج برواية
عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة ((أن النبي و لو كان إذا أوى إلى فراشه
كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما، فقرأ فيها ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾ و﴿قُلْ
أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾﴾، ثم يمسح بهما ما
استطاع عن جسده))، الحديث.
قال الحافظ(٢): رواية عقيل عن ابن شهاب في هذا الباب، وإن اتحد
سندها بالذي قبله من ابن شهاب فصاعداً، لكن فيها: ((أنه وَ ل # كان يقرأ
المعوذات عند النوم))، فهي مغايرة لحديث مالك المذكور، فالذي يترجح أنهما
حديثان عن ابن شهاب بسند واحد، عند بعض الرواة عنه ما ليس عند بعض.
فأما مالك ومعمر ويونس وزياد بن سعد عند مسلم، فلم تختلف الرواة
عنهم في أن ذلك كان عند الوجع، ومنهم من قيده بمرض الموت، ومنهم من
زاد فيه فعل عائشة، ولم يفسر أحد منهم المعوذات.
وأما عقيل فلم تختلف الرواة عنه في ذلك عند النوم، ووقع في رواية
يونس من طريق سليمان بن بلال عنه أن فعل عائشة - رضي الله عنها - كان
بأمره وَله، وقد جعلهما أبو مسعود حديثاً واحداً، وتعقبه أبو العباس الطرفي،
وفَرَّق بينهما خلف، وتبعه المزي، والله أعلم، اهـ.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٧/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (٦٢/٩).
٥٢٢

٥١ - كتاب العين
(٤) باب
(١٦٩٥) حديث
١١/١٦٩٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمنِ؛ أَنَّ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ وَهْيَ
تَشْتَكِي. وَيَهُودِيَّةٌ تَرْقِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ارْفِيهَا بِكِتَابِ اللهِ.
١١/١٦٩٥ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن عمرة بنت
عبد الرحمن) بن سعد بن زرارة الأنصارية (أن أبا بكر الصديق) رضي الله عنه
(دخل على) ابنته (عائشة) أم المؤمنين (وهي تشتكي ويهودية) لم تسم (ترقيها)
بفتح التاء وكسر القاف من الرقية (فقال أبو بكر) - رضي الله عنه - لليهودية
المذكورة: (ارقِيها) بكسر الهمزة بصيغة الخطاب، فالمراد بكتاب الله التوراة،
وروي (أرقيها)) بصيغة المتكلم، فالمراد بالكتاب القرآن، كذا في ((المحلى))،
وكذا في ((التعليق الممجد))(١) عن ((شرح القاري لموطأ محمد)»، وزاد في
الاحتمال الثاني يحتمل أن يكون على صيغة المتكلم، أي أنا أرقيها بكتاب الله،
فيكون متضمناً للنهي عن رقيتها، اهـ.
(بكتاب الله) قال الزرقاني(٢): أي القرآن إن رُجِي إسلامُها، أو التوراة إن
كانت معربة بالعربي، أو أمن تغييرهم لها، فتجوز الرقية به، وبأسماء الله تعالى
وصفاته، وباللسان العربي، وبما يعرف معناه من غيره بشرط اعتقاد أن الرقية لا
تؤثر بنفسها بل بتقدير الله تعالى، اهـ.
قال صاحب ((المحلى)): اختلفوا في رقية أهل الكتاب، فجوزه أبو بكر.
وكرهه مالك خوفاً أن يكون مما بدلوه، وقال الشيخ ابن حجر المكي: وبتحريم
الرقية بغير العربية صرح أئمة المذاهب الأربعة، كذا قال، ولعل مراده بغير
العربي ما لا يوقف على معناه، اهـ.
وقال الباجي(٣): قول أبي بكر - رضي الله عنه - ظاهره أنه أراد التوارة؛
(١) (٣٨٢/٣).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٨/٤).
(٣) ((المنتقى)) (٢٦١/٧).
٥٢٣

٥١ - كتاب العين
(٤) باب
(١٦٩٥) حديث
لأن اليهودية في الغالب لا تقرأ القرآن، ويحتمل - والله أعلم - أن يريد بذكر الله
عز اسمه، أورقية موافقة لما في كتاب الله، ويعلم صحة ذلك بأن تظهر رقيتها،
فإن كانت موافقة لكتاب الله تعالى أمرها بها، وما لم يكن على هذا الوجه،
ففي ((المستخرجة)) عن مالك لا أحبُّ رُقي أهل الكتاب، وكرهه، وذلك - والله
أعلم - إذا لم تكن رقيتهم موافقة لما في كتاب الله تعالى، وإنما كانت من
جنس السحر، وما فيه كفر منافٍ للشرع.
وروى ابن وهب عنه عن المرأة التي ترقي بالحديدة والملح، وعن الذي
يكتب الحرز، ويعقد فيما يعلقه به عقداً، والذي يكتب حرز سليمان أنه كره
ذلك كله، وكان العقد عنده في ذلك أشدّ كراهة لما في ذلك من مشابهة
السحر، ولعله تأوّل قوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّشَتِ فِى الْعُقَدِ (@).
وكانت عائشة - رضي الله عنها - كثيرة الاسترقاء، قال مالك في
((العتبية)): بلغني أنها كانت ترى البثرة الصغيرة في يدها، فتُلح عليها بالتعويذ،
فيقال لها: إنها صغيرة، فتقول: إن الله عز وجل يُعَظِّمُ ما يشاء من صغير،
ويُصَغّرُ ما يشاء من عظيم، اهـ.
وقال أيضاً في موضع آخر: رقية أهل الكتاب كرهها مالك، وقال ابن
وهب: لا أكره، وأخذ بحديث أبي بكر هذا، ولم يأخذ بكراهية مالك في
ذلك، وكره مالك أن يرقي الراقي، وبيده الحديدة أو الملح، والعقد في الخيط
أعظم كراهية عنده، ووجه ذلك عندي أنه لم يعرف وجه منفعته، فإنه يكره
استعماله لما يضاف إليه، وقال مالك في ((العتبية)): وأما الشيء ينجم، فيجعل
عليه حديدة أرجو أن يكون خفيفاً، وأنه ليقع في قلبي أن التنجيم لطول
الليل، اهـ.
وفي ((الزرقاني))(١): قال عياض: اختلف قول مالك في رقية اليهودي
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٨/٤).
٥٢٤

٥١ - كتاب العين
(٤) باب
(١٦٩٥) حديث
والنصراني لمسلم، وبالجواز قال الشافعي، قال الربيع: سألت الشافعي عن
الرقية؟ فقال: لا بأس أن ترقي بكتاب الله، وبما يعرف من ذكر الله، قلت:
أيرقي أهل الكتاب المسلمين؟ قال: نعم، إذا رقوا من كتاب الله، وروى ابن
وهب عن مالك كراهة الرقية بالحديدة والملح، والذي يكتب خاتم سليمان،
وقال: لم يكن ذلك من أمر الناس القديم، اهـ.
زاد في ((الفتح))(١): قال المازري: اختلف في استرقاء أهل الكتاب،
فأجازه قوم، وكرهه مالك، لئلا يكون مما بدلوه، وأجاب من أجاز بأن مثل
هذا يبعد أن يقولوه، وهو كالطب، سواء كان غير الحاذق لا يحسن أن يقول،
والحاذق يأنف أن يبدل حرصاً على استمرار وصفه بالحذق، لترويج صناعته،
والحق أنه يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، وسئل ابن عبد السلام عن
الحروف المقطعة، فمنع منها ما لا يعرف، لئلا يكون فيها كفر، اهـ.
ويظهر الجواز من صنيع الإمام محمد في ((موطئه))(٢) إذ قال بعد أثر
الباب: وبهذا نأخذ، لا بأس بالرقى بما كان في القرآن وما كان من ذكر الله،
فأما ما كان لا يعرف من الكلام، فلا ينبغي أن يرقى به، اهـ.
وأخرج أبو داود(٣) عن امرأة ابن مسعود عن ابن مسعود، قال: سمعت
رسول الله ﴿ يقول: ((إن الرقى والتمائم والتولة شرك))، قالت: قلت: لم تقول
هذا؟ والله لقد كانت عيني تقذف، فكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيني،
فإذا رقاني سكنت، فقال عبد الله: إنما ذلك عمل الشيطان، فإذا رقاها كفَّ
عنها، إنما يكفيكِ أن تقولي كما كان رسول الله 183 يقول: ((اذهب البأس رب
الناس))، الحديث.
(١) ((فتح الباري)) (١٩٧/١٠).
(٢) (ص٣١٢).
(٣) ((سنن أبي داود)) (٣٨٨٣) من كتاب الطب.
٥٢٥

٥١ - كتاب العين
(٥) باب
(٥) باب تعالج المريض
(٥) تعالج المريض
أي جواز ممارسة المريض بالعلاج والدواء، قال الحافظ(١): طب الجسد
منه ما جاء في المنقول عنه وَلّر، ومنه ما جاء عن غيره، وغالبه راجع إلى
التجربة، ثم هو نوعان: نوع لا يحتاج إلى فكر فطر الله على معرفته
الحيوانات، مثل ما يدفع الجوع والعطش، ونوع يحتاج إلى الفكر والنظر كدفع
ما يحدث في البدن مما يخرجه عن الاعتدال.
قال القاري(٢): الطب - مثلث الطاء - علاج الأمراض، ومداره على
ثلاثة أشياء: حفظ الصحة، والاحتماء عن المؤذي، واستفراغ الأخلاط والمواد
الفاسدة، وقال بعضهم:
لكل داء دواء يستطيبُ به إلا الحماقة أعيت من يداويها
وقد روى البزار عن عروة، قلت لعائشة - رضي الله عنها -: إني أجدك
عالمة بالطب، فمن أين؟ فقالت: إن رسول الله وَل كثرت أسقامه، فكانت
أطباء العرب والعجم ينعتون له، فتعلمت ذلك.
قال السيوطي: والأحاديث المأثورة في علمه بَلّ بالطب لا تحصى، وقد
جمع منها دواوين، واختلف في مبدأ هذا العلم على أقوال كثيرة، والمختار أن
بعضه علم بالوحي إلى بعض أنبيائه، وسائره بالتجارب؛ لما روى البزار
والطبراني(٣) عن ابن عباس عن النبي وَّ: ((أن نبي الله سليمان - عليه السلام -
كان إذا قام يصلي، رأى شجرة ثابتة بين يديه، فيقول لها: ما اسمك؟ فتقول
كذا، فيقول: لأي شيء أنت؟ فتقول لكذا، فإن كانت لدواء كتبت))، الحديث،
(١) ((فتح الباري)) (١٣٤/١٠).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٣٩/٨).
(٣) أخرجه البزار (٢٣٥٥ - ٢٣٥٦)، والطبراني في ((الكبير)) (١٢٢٨١).
٥٢٦

٥١ - كتاب العين
(٥) باب
ثم قال بعد قوله وَلقول: (لكل داوء دواء))، الحديث: قال النووي: فيه إشارة إلى
استحباب الدواء. وهو مذهب السلف، وعامة الخلف، وإلى رد من أنكر
التداوي، فقال: كل شيء بقضاء وقدر، فلا حاجة إلى التداوي، وحجة
الجمهور هذه الأحاديث، واعتقدوا أن الله تبارك هو الفاعل وأن التداوي أيضاً
من قدر الله عز وجل، وهذا كالأمر بالدعاء ومجانبة الإلقاء باليد إلى التهلكة
مع أن الأجل لا يتأخر والمقادير لا تتغير.
وحاصله أن رعاية الأسباب بالتداوي لا تنافي التوكل، كما لا ينافيه دفع
الجوع بالأكل، ومن ثم قال المحاسبي: المتوكل يتداوى اقتداء بسيد
المتوكلين، وإن أردت الاستيفاء فعليك بكتاب ((الإحياء))، انتهى مختصراً.
وكتب الشيخ - رضي الله عنه - في ((البذل))(١) في حديث أسامة، قال:
جاء الأعراب، فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: ((تداووا)): الظاهر أن
الأمر للإباحة والرخصة، وهو الذي يقتضيه المقام، فإن السؤال كان عن
الإباحة قطعاً، فالمتبادر في جوابه أنه بيان للإباحة، ويفهم من كلام بعضهم أنه
للندب، وهو بعيد، نعم قد تداوى رسول الله وَ ل# بياناً للجواز، فمن نوى
موافقته وقيل يؤجر على ذلك، كذا في ((فتح الودود)»، اهـ.
وبه جزم شيخ مشايخنا الكنگوهي في ((الكوكب))(٢)؛ إذ قال: الأمر أمر
إباحة وتخيير، ثم اعلم أن التوكل أقسام بمقابلة النص، كمن شرب سُمّاً
متوكلاً، أو تَردَّى من جبل، فكان عدولاً عن امتثال قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُواْ
بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى النَّْكَةِ﴾، وهو حرام، وتوكلٌ بترك ما غلب الظن بسببيته كشرب الدواء
للمرض، وهو أعلى مراتب التوكل، وعلى هذا فالأولى ترك المعالجة بتوكيله الله
(١) ((بذل المجهود)) (١٦ /١٨٤).
(٢) ((الكوكب الدري)) (٧٨/٣).
٥٢٧

٥١ - كتاب العين
(٥) باب
سبحانه، وتوكلٌ بترك ما لم يغلب الظن على سببيته، كترك الرُّقي، وهذا أدنى
مراتب التوكل، بل ليس فوقه شيء من التوكل، وبما قررنا ظهر لك أن
تداويه وَله لنفسه أو أمره لغيره بذلك إنما كان لبيان الجواز، اهـ.
وفي هامشه عن ((العالمكيرية)): أن الأسباب المزيلة للضرر تنقسم إلى
مقطوع به، كالماء المزيل لضرر العطش، والخبز المزيل لضرر الجوع، وإلى
مظنونٍ كالفصد والحجامة، وسائر أبواب الطب، وإلى موهوم كالكيّ والرقية،
أما المقطوع به فليس تركه من التوكل، بل تركه حرام عند خوفٌ الموت.
وأما الموهوم فشرط التوكل تركه، إذ به وصف رسول الله وم # المتوكلين،
وأما المتوسطة، وهي المظنونة كالمداواة بالأسباب الظاهرة عند الأطباء، ففعله
ليس مناقضاً للتوكل، وتركه ليس محظوراً، بل قد يكون أفضل من فعله في
بعض الأحوال، وفي حق بعض الأشخاص، فهو على درجة بين الدرجتين، اهـ.
وما اختاره مشايخنا في ((الكوكب)) و((البذل)) إليه مال الحافظ في
((الفتح)) (١) إذ قال في الأجوبة عن حديث السبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير
حساب: رابعها؛ أن المراد بترك الرُّقي والكتيّ الاعتماد على الله في دفع الداء
والرضاء بقدره، لا القدح في جواز ذلك لثبوت وقوعه في الأحاديث
الصحيحة، وعن السلف الصالح، لكن مقام الرضا والتسليم أعلى من تعاطي
الأسباب، وإلى هذا نحا الخطابي ومن تبعه، قال ابن الأثير: هذا من صفة
الأولياء المعرضين عن الدنيا وأسبابها وعلائقها، وهؤلاء هم خواص الأولياء.
ولا يرد وقوع ذلك من النبي ول﴿ فعلاً وأمراً، لأنه كان في أعلى مقامات
العرفان، ودرجات التوكل، فكان ذلك منه للتشريع وبيان الجواز، ومع ذلك
فلا ينقص ذلك من توكله؛ لأنه كان كامل التوكل يقيناً، فلا يؤثر فيه تعاطي
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٢١٢/١٠)
٥٢٨

٥١ - كتاب العين
(٥) باب
(١٦٩٦) حديث
١٦٩٦/ ١٢ - حدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ؛ أَنَّ رَجُلاً
فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ وَهِ أَصَابَهُ جُرٌْ فَاحْتَقَنَ الْجُرْحُ الدَّمَ. وَأَنَّ
الرَّجُلَ دَعَا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي أَنْمَارٍ. فَنَظَرَا إِلَيْهِ، فَزَعَمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَه
قَالَ لَهُمَا: ((أَيُّكُمَا أَطَبُّ؟))
الأسباب شيئاً بخلاف غيره، ولو كان كثير التوكل، لكن من ترك الأسباب،
وفوّض، وأخلص في ذلك، كان أرفع مقاماً إلى آخر ما بسطه.
١٢/١٦٩٦ - (مالك عن زيد بن أسلم) العدوي، قال الزرقاني: مرسل
عند جميع الرواة، اهـ. وقال السيوطي في ((التنوير))(١): له شواهد مسندة (أن
رجلاً) لم يسم (في زمان رسول الله وَ ل ( أصابه جرح) بضم الجيم (فاحتقن) أي
احتبس (الجرح) بالرفع (الدم) بالنصب، قال صاحب ((المحلى)): أي احتبس
دمه، فقوله: الدم تمييز محمول على الفاعل، واللام فيه زائدة، أو المعنى
حبس الجرح الدم، فقوله: الدم مفعول، واحتقن متعد، في ((القاموس)): حقنه
يحقنه: حبسه كاحتقنه، اهـ. قال الباجي: فاحتقن الجرح يريد - والله أعلم -
فأضرّ ذلك به، وخيف عليه.
(وأن الرجل) الجريح المذكور (دعا رجلين) طبيبين (من بني أنمار) بفتح
الهمزة وسكون النون، قال صاحب ((المحلى)): في ((جامع الأصول)): هو أبو
قبيلة من غطفان. وفي ((القاموس)): أنمار بن نذار ككتاب: ابن معد أبو قبيلة، اهـ.
(فنظرا) أي الطبيبان (إليه فزعما) أي قالا (أن رسول الله وَ ل قال لهما:
أيكما أطبُّ؟) بشد الباء، أي أعلَمُ بالطب، قال الباجي(٢): يحتمل أن يريد قوله-
البحث عن حالهما ومعرفتهما بالطب؛ لأنه لا يصلح أن يعالج إلا بعلاج من له
علم بالطب، قال مالك: أرى للإمام أن ينهى عن حالهما ومعرفتهما بالطب،
لأنه لا يصلح أن يعالج من هؤلاء الأطباء عن الدماء إلا طبيب معروف، اهـ.
(١) ((تنوير الحوالك)) (ص٦٧٩).
(٢) ((المنتقى)) (٢٦١/٧).
٥٢٩

٥١ - كتاب العين
(٥) باب
(١٦٩٦) حديث
فَقَالَ: أَوَ فِي الطِّبِّ خَيْرٌ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَزَعَمَ زَيْدٌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَه
قَالَ: ((أَنْزَلَ الدَّوَاءَ الَّذِي أَنْزَلَ الْأَدْوَاءَ)).
(فقالا: أو في الطب) بفتح الهمزة الاستفهامية، والواو عطف على مقدر،
أي أنعالج وفي الطب خير، كذا في ((المحلى)) (خير يا رسول الله) قال الباجي:
يحتمل - والله أعلم - أن يكونا طبيبين في حال كفرهما، فلما أسلما أمسكا عن
ذلك شكاً في أمره، ويحتمل أن يريدا تحقيق ما اعتقدا صحته (فزعم زيد) أي
قال زيد بن أسلم: (أن رسول الله وَ له قال: أنزل الدواء) بالنصب على المفعولية
وفاعله (الذي أنزل الأدواء) (١) جمع داء، وهو المرض أي الذي أنزل
الأمراض، وهو الله سبحانه وتقدس.
واختلف في معنى الإنزال، فقيل: إعلامه عباده، ومنع بأنه مَلّ أخبر
بعموم الإنزال لكل داء دواؤه، وأكثر الخلق لا يعلمون ذلك، كما صرح به في
حديث ابن مسعود عند النسائي(٢) بقوله: ((علمه من علمه، وجهله من جهله))
وقيل: إنزالهما إنزال الملائكة الموكلين بمباشرة مخلوقات الأرض، فأنزل
معهم الداء والدواء، فيخبرون بذلك النبي مثلاً أو إلهام لغيره، وقيل: عامة
الأدواء والأدوية بواسطة إنزال الغيث الذي تتولد منه الأغذية والأدوية
وغيرهما، وهذا من تمام لطف الرب بخلقه، فكما ابتلاهم بالأدواء أعانهم
عليها بالأدوية، وكما ابتلاهم بالذنوب أعانهم عليها بالتوبة.
وفي ((الفردوس)) عن علي - ضي الله عنه - مرفوعاً: ((لكل داء دواء،
ودواء الذنوب الاستغفار))، قال أبو عمر: فيه إباحة التداوي وإتيان الطبيب إلى
العليل، كذا في ((الزرقاني))(٣).
(١) الحديث في ((التمهيد)) (٢٦٣/٥).
(٢) ((السنن الكبرى)) للنسائي (٦٨٦٥).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٩/٤).
٥٣٠

٥١ - كتاب العين
(٥) باب
(١٦٩٦) حديث
وأخرج البخاري في ((صحيحه))(١) عن أبي هريرة مرفوعاً: ((ما أنزل الله
دواء إلا أنزل له شفاء))، قال الحافظ (٢): وقع في رواية عن ابن مسعود رفعه:
((إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، فتداووا))، أخرجه النسائي وصححه ابن
حبان والحاكم، ولأحمد عن أنس: ((إن الله تعالى حيث خلق الداء خلق الدواء
فتداووا)).
وفي حديث أسامة بن شريك: ((تداووا يا عباد الله، فإن الله لم يضع داء
إلا وضع له شفاء، إلا داء واحداً، الهرم))، أخرجه أحمد والبخاري في
((الأدب المفرد)) والأربعة، وصححه الترمذي وابن خزيمة، وفي لفظ: ((إلا
السام)) يعني الموت، ووقع في رواية أبي عبد الرحمن السلمي عن ابن مسعود
نحو حديث الباب.
وزاد في آخره: ((علمه من علمه وجهله من جهله)) أخرجه النسائي،
وصححه ابن حبان والحاكم، ولمسلم (٣) عن جابر، رفعه: (لكل داء داوء، فإذا
أصيب دواء الداء، برأ بإذن الله))، ولأبي داود(٤) من حديث أبي الدرداء رفعه:
((إن الله جعل لكل داء دواء فتداووا، ولا تداووا بحرام)).
وفي مجموع هذه الألفاظ ما يعرف منه المراد بالإنزال في حديث الباب،
وهو إنزال علم ذلك على لسان الملك للنبي وَلثقة، أو عبّر بالإنزال عن التقدير،
وفيها التقييد بالحلال، فلا يجوز التداوي بالحرام، وفي حديث جابر إشارة إلى
أن الشفاء متوقف على الإصابة بإذن الله، وذلك أن الدواء قد يحصل معه
(١) (٥٦٧٨).
(٢) ((فتح الباري)) (١٣٥/١٠).
(٣) أخرجه مسلم في كتاب السلام (٦٩).
(٤) أخرجه أبو داود (٣٨٧٤).
٥٣١

٥١ - كتاب العين
(٥) باب
(١٦٩٧) حدیث
١٣/١٦٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ قَالَ:
بَلَغَنِي أَنَّ سَعْدَ
مجاوزة الحد في الكيفية والكمية فلا ينجع، بل ربما أحدث داء آخر. وفي
حديث ابن مسعود إشارة إلى أن بعض الأدوية لا يعلمها كل أحد، وفي كلها
إثبات الأسباب، وأن ذلك لا ينافي التوكل على الله لمن اعتقد أنها بإذن الله
وبتقديره، وأنها لا تنجع بذواتها، بل بما قدر الله تعالى فيها، وأن الدواء قد
ينقلب داء، إذا قَدَّر الله ذلك، وإليه الإشارة في حديث جابر بقوله:
((بإذن الله))، اهـ. وإليه أشار العارف الرومي.
ازقضا سر كنگبين صفرا فزود روغن بادام خشكي مي نمود
١٣/١٦٩٧ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (قال: بلغني) قال
السيوطي في ((التنوير)): (١) وصله ابن ماجه من حديث جابر، اهـ. وتبعه
الزرقاني وصاحب ((المحلى))، والظاهر عندي أنه وهم من السيوطي تبعاه فيه،
فإن الرواية عن جابر ليست في قصة ابن زرارة، بل هو حديث آخر غير هذه
القصة، وهذه أيضاً وصلها ابن ماجه(٢). لكن ليس من حديث جابر، بل من
طريقين إلى شعبة ثنا محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري
سمعتُ عمي يحيى - ما أدركت رجلاً منا به شبيهاً - يحدث الناس أن أسعد بن
زرارة أخذه وجع في حلقه، يقال له: الذِّبْح(٣)، فقال النبي ◌َّ: («لأُبْلِغَنَّ، أو
لِأَبْلِيَنَّ، في أبي أمامة عُذْرَاً))، فكواه بيده فمات، فقال النبي ◌َُّ: ((ميتةَ سوءٍ،
لليهود! يقولون: أفلا دفع عن صاحبه! وما أملك له ولا لنفسي شيئاً)).
(أن أسعد) هكذا في ((شرح التنوير)) بزيادة الألف في أوله بخلاف متنه،
(١) ((تنوير الحوالك)) (ص٦٧٩).
(٢) ((سنن ابن ماجه)) من كتاب الطب، باب من اكتوى (٣٤٩٢).
(٣) هكذا في الأصل وفي ((سنن ابن ماجه)» الذُّبْحَةُ: بفتح الباء وقد تسكن، وجع يعرض في
الحلق من الدم.
٥٣٢

٥١ - كتاب العين
(٥) باب
(١٦٩٧) حديث
ابْنَ زُرَارَةَ
ففيه بدون الألف، وهكذا في ((شرح المحلى))، وضبطه بزيادة الألف من أوله،
وهكذا في ((تجريد التمهيد)) وفي غير هذه الثلاثة من جميع النسخ الهندية
والمصرية من المتون والشروح بدون الألف في أوله، وهما أخوان، وجزم
الزرقاني أن القصة لسعد إذ قال في («شرحه)»: سعد بسكون العين ابن زرارة بن
عدس الأنصاري الخزرجي أخو أسعد بألف أوله، ذكره جماعة في الصحابة،
وذكر الواقدي والعدوي أنه كان ينسب إلى النفاق، ولعله تاب، اهـ.
وجزم صاحب ((المحلى)) أن القصة لأخيه أسعد إذ قال في ((شرحه)):
أسعد بزيادة الألف من أوله ابن زرارة أبو أمامة الأنصاري الخزرجي، شهد
العقبة الأولى والثانية، ولما أرسل النبي وَلغير مصعب بن عمير إلى المدينة، اتفق
ابن زرارة معه، واجتهد في تأييد الإسلام، وآمن لبيعته كثير من الأنصار، أهـ.
والصواب عندي ما في ((المحلى)) لوجوه: الأول: لموافقة رواية ابن
ماجه المذكورة، والثاني: لتصريح التكني بأبي أمامة في رواية ابن ماجه، وهي
كنية أسعد بالألف، والثالث: أن الحافظ في ((الإصابة)) ذكر قصة الكيّ لأسعد
لا لسعد، وذكر في ذلك روايات يأتي بعضها.
(ابن زرارة) بضم الزاي وتخفيف الرائين بينهما ألف، كذا في ((المحلى))،
قال صاحب ((التجريد))(١): وهذا الحديث روي مسنداً من حديث ابن شهاب
عن أنس، إلا أنه لم يروه بهذا الإسناد عن ابن شهاب إلا معمر وحده، وهو
عند أهل العلم بالحديث خطأ. يقولون: إنما أخطأ فيه معمر بالبصرة؛ لأنه
حدث بها - إذ نزلها - من حفظه، فلم تكن معه كتبه، فحفظ عليه في ذلك غلط
كثير في الأسانيد، ويقولون: إن الصواب في ذلك حديث ابن شهاب عن أبي
أمامة بن سهل ((أن رسول الله مير كوى أسعد بن زرارة)»، اهـ.
(١) (ص٢٣٢) وانظر: ((الاستيعاب)) (٨٠/١)، و((الاستذكار)) (٣٨٢٧).
٥٣٣

٥١ - كتاب العين
(٥) باب
(١٦٩٧) حديث
اكْتَوَى فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ لَّهِ مِنَ الذُّبْحَةِ،
قلت: وحديث معمر هذا أخرجه الترمذي(١) عنه عن الزهري عن أنس
((أن النبي (وَلّر كوى سعد بن زرارة من الشوكة))، قال: وهذا حسن غريب، اهـ.
هكذا في نسختنا من الترمذي، واختلفت نسخ الترمذي في لفظ سعد وأسعد،
وهكذا في رواية الطحاوي.
وقال الحافظ في ((الإصابة))(٢): قال عبد الرزاق: عن معمر عن الزهري
عن أبي أمامة بن سهل، قال: ((دخل النبي وَ لّ على أسعد بن زرارة، وكان
أحد النقباء ليلة العقبة، وقد أخذته الشوكة، فكواه))، الحديث، وكذا رواه
الحاكم من طريق يونس عن الزهري.
قال الحافظ: وهذا هو المحفوظ، ورواه عبد الأعلى عن معمر عن
الزهري عن أنس أخرجه الحاكم أيضاً وهي شاذّة، ورواه ابن أبي ذئب عن
الزهري عن عروة عن عائشة، وهي شاذة أيضاً، ورواه زمعة بن صالح عن
الزهري عن أبي أمامة بن سهل عن أبي أمامة أسعد بن زرارة، وهذا موافق
الرواية عبد الرزاق؛ لأنه لم يرد بقوله: عن أبي أمامة أسعد بن زرارة الرواية،
وإنما أراد أن يقول عن قصة أسعد بن زرارة، وقد اتفق أهل المغازي،
والتواريخ أنه مات في حياة النبي وَّ قبل وقعة بدر، وذكر ابن إسحاق أنه مات
والنبي ◌َّ يبني المسجد، وقال الواقدي: كان ذلك في شوال، اهـ.
(اكتوى في زمان رسول الله وَل#) قبل بدر، أيام بناء المسجد، كذا في
((المحلى)) (من الذبحة) بذال معجمة وموحدة، قال في ((القاموس)): كهمزة وعنبة
وكسوة وصبرة: وجع في الحلق أو دم يخنق، فيقتل، وفي ((النهاية)): بفتح
الموحدة، وقد تسكن، وجع يعرض في الحلق من الدم، وقيل: قرحة تظهر فيه
(١) أخرجه الترمذي من كتاب الطب ح (٢٠٥٠) وهو في ((التمهيد)) (٦٠/٢٤).
(٢) (٣٢/١).
٥٣٤

٥١ - كتاب العين
(٥) باب
(١٦٩٧) حديث
فَمَاتَ .
فينسدّ معها، وينقطع النفس، وفي ((الغريبين)): الذبحة: وجع الحلق، وقال ابن
شميل: قرحة في حلق الإنسان مثل الزبيبة التي تأخذ الحمير، كذا في
((الزرقاني))(١) .
(فمات) وفي الحديث جواز الكيّ، بل عالجه النبي ◌َّ بيده الشريفة،
كما في حديث ابن ماجه، وترجم البخاري في ((صحيحه)) ((باب من اكتوى أو
كوى غيره وفضل من لم يكتو))، وأخرج فيه حديث جابر مرفوعاً: ((إن كان في
شيء من أدويتكم شفاء، ففي شرطة محجم أو لذعة بنار))، ثم أخرج حديث
ابن عباس في السبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، ((وهم الذين لا
يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون)).
قال الحافظ(٢): كأن البخاري أشار بالترجمة أن الكي جائز للحاجة، وأن
الأولى تركه إذا لم يتعين، وأنه إذا جاز كان أعمَّ من أن يباشر الشخصُ ذلك
بنفسه أو بغيره لنفسه أو لغيره، وعموم الجواز مأخوذ من نسبة الشفاء إليه في
أول حديثي الباب، وفضل تركه من قوله: ((ما أحبُّ أن أكتوي)).
وقد أخرج مسلم عن جابر، قال: ((رمي سعد بن معاذ على أكحله، فحسمه
رسول الله وَّ))، وفي ((البخاري))(٣) عن أنس: ((كُوِيْتُ من ذات الجنب،
ورسول الله وَ﴿ حيٌّ))، الحديث، وعند الترمذي عن أنس: ((أن النبي وَل كوى
أسعد بن زرارة من الشوكة))، ولمسلم (٤) عن عمران بن حصين: ((كان يُسَلَّمُ(٥)
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٩/٤).
(٢) «فتح الباري)) (١٥٥/١٠).
(٣) ح (٥٧٢١).
(٤) ح (١٣٣٦).
(٥) معنى الحديث أن عمران بن الحصين - رضي الله عنه - كانت به بواسير، فكان يصبر على
ألمها، وكانت الملائكة تسلّم عليه، فاكتوى فانقطع سلامهم عليه، ثم ترك الكيّ فعاد
سلامهم علیه .
٥٣٥

٥١ - كتاب العين
(٥) باب
(١٦٩٧) حديث
علي حتى اكتويتُ، فتُرِكَتْ، ثم تركت الكيّ فعاد)). وله عنه من وجه آخر: ((أن
الذي كان انقطع عني رجع إليّ يعني تسليم الملائكة)).
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن عمران ((نهى رسول الله وَل عن
الكي فاكتوينا، فما أفلحنا ولا أنجحنا))، وسنده قوي، والنهي فيه محمول على
الكراهة أو على خلاف الأولى لما يقتضيه مجموع الأحاديث، وقيل: إنه خاص
بعمران؛ لأنه كان به الباسور، وموضعه خطر، فنهاه عن كيه، فلما اشتد عليه
کواه، فلم ينجح.
وقال ابن قتيبة: الكي نوعان؛ كيّ الصحيح لئلا يعتلّ، فهذا الذي قيل
فيه: لم يتوكل من اكتوى، لأنه يريد أن يدفع القدر، والقدر لا يدافع،
والثاني: كيّ الجرح إذا فسد، والعضو إذا قُطع، فهو الذي يشرع التداوي به،
فإن كان الكي لأمر محتمل فهو خلاف الأولى، لما فيه من تعجيل التعذيب
بالنار لأمر غير محقق.
وحاصل الجمع أن الفعل يدل على الجواز، وعدم الفعل لا يدل على
المنع، بل يدل على أن تركه أرجح من فعله، وكذا الثناء على تاركه، وأما
النهي عنه، فإما على سبيل الاختيار والتنزيه، وإما عمَّا لا يتعين طريقاً إلى
الشفاء، اهـ.
وقال النووي(١): قوله وسلم: ((ما أحب أن أكتوي)) إشارة إلى تأخير العلاج
بالكي حتى يضطر إليه؛ لما فيه من استعجال الألم الشديد في دفع ألم قد يكون
أضعف من ألم الكي، اهـ.
وترجم الطحاوي في ((شرح الآثار)) (٢) ((باب الكي هل هو مكروه أم لا؟))
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٧/ ١٩٢).
(٢) (٣٨٥/٢).
٥٣٦

٥١ - كتاب العين
(٥) باب
(١٦٩٧) حديث
ثم ذكر فيه أولاً الآثار الدالة على المنع، ثم قال: فذهب قوم إلى أن الكي
مكروه، وأنه لا يجوز لأحد أن يفعله على حال من الأحوال، واحتجُوا في
ذلك بهذه الآثار، وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس بالكي لما علاجه
الكيّ، ثم أخرج روايات الإباحة.
ثم قال: ففي هذه الآثار إباحة الكي للداء المذكور فيها، فاحتمل أن
يكون المعنى الذي كانت له الإباحة في هذه الآثار غير المعنى الذي كان له
النهي في الآثار الأول، وذلك أن قوماً كانوا يكتوون قبل نزول البلاء بهم،
يرون أن ذلك يمنع البلاء أن ينزل بهم كما تفعل الأعاجم، فهذا مكروه؛ لأنه
ليس على طريق العلاج، وهو شرك؛ لأنهم يفعلونه ليدفع قدر الله عنهم.
فأما ما كان بعد نزول البلاء إنما يراد به الصلاح، والعلاج مباح مأمور،
وقد بَيّن ذلك جابر في حديثه، إذ قال: إن النبي ◌َّير قال: ((إن يكن في شيء
من أدويتكم هذه خير، ففي شَرْطَةِ محْجم أو شَربة عسل، أو لذعة نار توافق
داء، وما أحبّ أن أكتوي))، ففي هذا الحديث أن لذعة النار التي توافق الداء
مباحة، والكي مكروه، وكانت اللذعة بالنار كية، ثبت أن الكيَّ الذي يوافق
الداء مباحٌ، والكي الذي لا يوافقه مكروه، ويحتمل أن يكون الكي منهياً عنه
على ما في الآثار الأول، ثم أبيح بعد ذلك على ما في الآثار الأخر.
وذلك لما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: جاء رجل
إلى رسول الله ﴿ يستأذنه في الكي، فقال: ((لا تكتو))، الحديث، وفي آخره،
ثم أمره أن يكتوي ففيه نهيه بكثير عن الكي وإباحته إياه بعد ذلك، فاحتمل أن
يكون ما في الآثار الأول، كان من رسول الله و ليل في حال النهي المذكور في
هذا الحديث، وما كان من الإباحة في الآثار الأخر كان بعد ما كانت منه
الإباحة، فتكون الإباحة ناسخةً للنهي، وقد اكتوى أصحاب النبي ◌َّر من بعده.
ثم قال بعد ذكر الآثار: فهؤلاء أصحاب رسول الله وَ اليوم قد اكتووا وكووا
٥٣٧

٥١ - كتاب العين
(٥) باب
(١٦٩٨) حديث
١٤/١٦٩٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ
عُمَرَ اكْتَوَى مِنَ اللَّقْوَةِ. وَرُقِيَ مِنَ الْعَقْرَبِ.
غيرهم، وفيهم ابن - عمر رضي الله عنه -، وقد روينا عنه أن رسول الله وَلخلقه
قال: ((ما أحبُّ أن أكتوي))، فدل ذلك على ثبوت نسخ ما كان النبي وقّ كرهه
من ذلك، وفيهم عمران بن حصين، وهو الذي روى عن النبي ◌ُّر مدحه الذي
لا يكتوون، فدل ذلك أيضاً على علمه بإباحة رسول الله وَل لذلك، اهـ.
١٤/١٦٩٨ - (مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما
(اكتوى من اللَّقْوَة) بلام مفتوحة فقاف ساكنة، داءٌ يصيب الوجه، كما في
((القاموس)) وغيره، وأخرج الطحاوي بسنده إلى أبي الزبير، قال: رأيت
عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - اكتوى من اللقوة في أصل أذنيه، قال
الباجي(١): قال مالك في ((العتبية)): لا بأس بالاكتواء من اللقوة، اهـ.
(ورقي من العقرب) أخرجه الطحاوي بسنده إلى ابن وهب، عن مالك إلى
أبي عبد الرحمن المقرئ، عن أبي حنيفة، عن نافع، وفي ((المحلى)): روى
الطبراني في ((الصغير)) عن علي - رضي الله عنه - قال: ((لدغ النبي ◌َّر وهو
يصلي فلما فرغ قال: ((لعن الله العقرب، لا تدع مصلياً ولا غيره))، ثم دعا
بماء، فجعل يمسح عليها، ويقرأ الكافرون والمعوذتين)). وفي ((التمهيد)) (٢) عن
ابن المسيب: من قال حين يمسي: سلام على نوح في العالمين لم يلدغه
عقرب، اهـ.
وفي ((المشكاة)) برواية البيهقي في ((شعب الإيمان)) عن عليّ - رضي الله
عنه - قال: ((بينا رسول الله وَلقوله ذات ليلة يصلي، فوضع يده على الأرض،
فلدغته عقرب، فناولها رسول الله وَ له بنعله فقتلها، فلما انصرف قال: ((لعن الله
(١) ((المنتقى)) (٢٦٢/٧).
(٢) (٢٤١/٢١).
٥٣٨

٥١ - كتاب العين
(٦) باب
(٦) باب الغسل بالماء من الحمى
العقرب ما تدع مصلياً ولا غيره أو نبياً وغيره))، ثم دعا بملح وماء فجعله في
إناء، ثم جعل يصبه على أصبعه حيث لدغته ويمسحها، ويعوذها
بالمعوذتين)»، اهـ.
ولعل الإمام مالكاً - رضي الله عنه - أشار بذكر أثر ابن عمر إلى تعامل
الصحابة بالكيّ بعده وَ ◌ّر، وعمل أهل المدينة على ذلك الدال على إباحته.
واختلفوا هل اكتوى النبي ◌َر؟ قال الحافظ(١): لم أر ذلك في أثر
صحيح إلا أن القرطبي نسب إلى ((كتاب أدب النفوس)) للطبري أن النبي
اكتوى، وذكره الحليمي بلفظ: روي أنه وَّر اكتوى للجرح الذي أصابه بأحد،
قال الحافظ: والثابت في الصحيح كما في ((البخاري)) في غزوة أحد أن
فاطمة - رضي الله عنها - أحرقت حصيراً، فحشَتْ به جرحه، وليس هذا
الكي المعهود، وجزم ابن التين بأنه اكتوى، وعكسه ابن القيم في
«الهدي))، اهـ.
(٦) الغسل بالماء من الحمى
هي حرارة غريبة تشتعل في القلب، وتنتشر منه بتوسط الروح والدم في
العروق إلى جميع البدن، وهي قسمان: عرضية: وهي الحادثة عن ورم، أو
حركة، أو إصابة حرارة الشمس أو القبض الشديد ونحوها، ومرضية: وهي
ثلاثة أنواع، وتكون عن مادة، ثم منها ما يسخن جميع البدن.
فإن كان مبدأ تعلقها بالروح فهي حُمَّى يوم، فإنها تقلع غالباً في يوم،
ونهايتها إلى ثلاث، وإن كان تعلقها بالأعضاء الأصلية فهي حمَّى دق، وهي
أخطرها وإن كان تعلقها بالأخلاط سميت عفنية، وهي بعدد الأخلاط الأربعة،
(١) ((فتح الباري)) (١٥٦/١٠).
٥٣٩

٥١ - كتاب العين
(٦) باب
وتحت هذه الأنواع أصناف كثيرة بسبب الأفراد والتركيب، كذا في ((الزرقاني))(١).
قال الشيخ ابن القيم في ((الهدي)) (٢): ثبت في ((الصحيحين)) عن ابن عمر أن
النبي ◌ُ ﴾ قال: ((الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء)»، وقد أشكل هذا الحديث
على كثير من جهلة الأطباء، ورأوه منافياً لدواء الحُمى وعلاجها، ونحن نبين
بحول الله وقوته وجهه وفقهه، فنقول: خطاب النبي و 18 نوعان: عام لأهل
الأرض، وخاصٌ ببعضهم، فالأول كعامة خطابه، والثاني كقوله: ((ولا تستقبلوا
القبلة بغائط ولا بول، لكن شَرِّقوا أو غَرِّبُوا))(٣) فهذا ليس بخطاب لأهل المشرق
والمغرب، لكن لأهل المدينة ومن على سمتها، كأهل الشام وغيرها.
إذا عرف هذا، فخطابه في هذا الحديث خاص بأهل الحجاز، وما
والاهم إذ كان أكثر الحُمَّيات التي تعرض لهم من الحمى اليومية العرضية
الحادثة عن شدة حرارة الشمس، وهذه ينفعها الماء البارد شرباً، واغتسالاً إلى
آخر ما بسط من أنواع الحمى، وتفاصيلها .
وقال بعد ذلك: فيجوز أن يكون المراد من أقسام الحميات العرضية،
فإنها تسكن على المكان بالانغماس في الماء البارد، وسقي الماء البارد
المثلوج، ولا يحتاج صاحبها مع ذلك إلى علاج آخر، فإنها مجرد كيفية حادّة
متعلقة بالروح، فيكفي في زوالها مجرد وصول كيفية باردة، ويجوز أن يراد به
جميع أنواع الحميات، وقد اعترف فاضل الأطباء جالينوس بأن الماء البارد
ينفع فيها، قال في المقالة العاشرة من كتاب ((حيلة البرء)»: لو أن رجلاً شاباً
حسَن اللحم خِصب البدن في وقت القيظ، وفي وقت منتهى الحمّى، وليس في
(١) (شرح الزرقاني)) (٣٣٠/٤).
(٢) ((زاد المعاد)) (٤/ ٢٣، ٢٤).
(٣) أخرجه البخاري (١٤٨/١) في القبلة: باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق.
٥٤٠