Indexed OCR Text
Pages 421-440
٥٠ - كتاب صفة النبي (١٠) باب (١٦٧٣) حديث فَأَمَرَ لَهُمْ بِشَعِيرٍ عِنْدَهُ يُعْمَلُ. وَقَامَ يَذْبَحُ لَهُمْ شَاةً. وترجم البخاري في (صحيحه)) ((باب من استوهب من أصحابه شيئاً))، قال الحافظ(١): أي جائز بغير كراهة في ذلك إذا كان يعلم طيب أنفسهم، قال البخاري: وقال أبو سعيد: قال النبي وَّ: ((اضربوا لي معكم سهماً))، وأشار بذلك إلى قصة الرقية المعروفة، قال ابن بطال: استيهاب الصديق حسن إذا علم أن نفسه تطيب به، وإنما طلب النبي ◌َّل من أبي سعيد وكذا من أبي قتادة وغيرهما ليؤنسهم به، اهـ. وغاية سرور أبي الهيثم ظاهر من ألفاظ كثيرة وردت في الروايات، ففي (الكنز)) من مسند عمر - رضي الله عنه -: فجاء أبو الهيثم، وفرح بهم، وقَرَّت عينه لهم، ومن مسند الصديق: وقال: مرحباً وأهلاً، ما زار ناس أحداً قط مثل من زارني، وفي الترمذي: ثم جاء يلتزم النبي وَّ، ويفديه بأبيه وأمه، وفي ((الدر)) من مسند أبي هريرة: قال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني. (فأمر) أبو الهيثم امرأته (لهم) أي الأضياف (بشعير) كان موجوداً (عنده يعمل) ببناء المجهول أي يطحن، ولفظ ((كنز العمال)) من مسند الصديق: وقال لامرأته: قومي، فطبخت، وخبزت، وفي ((الدر)) من حديث أبي الهيثم: فقال لأم الهيثم: هل أطعمت رسول الله وَّل﴿ وصاحبيه شيئاً؟ فقالت: إنما جلس النبي ◌َ﴾ّ الساعة؟ فقال: ما عندك؟ قالت: عندي حبات من شعير، قال: کرکریھا، واعجني، واخبزي. (وقام) أبو الهيثم وأخذ المدية (يذبح لهم شاة) ولفظ مسلم: قال: فانطلق فجاءهم بعذقٍ فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا من هذه، وأخذ المدية، فقال له رسول الله وَه: ((إياك والحلوب))، ولفظ الترمذي: ثم انطلق بهم إلى حديقته فبسط لهم بساطاً، ثم انطلق إلى نخلة فجاء بقنو فوضعه، فقال النبي وَالر: ((أفلا (١) ((فتح الباري)) (٢٠٠/٥). ٤٢١ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَل ـ (١٠) باب (١٦٧٣) حديث فَقَالَ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ: ((نَكِّبْ عَنْ ذَاتِ الدَّرِّ) فَذَبَحَ لَهُمْ شَاةً. تنقيت لنا من رطبه))؟ فقال: يا رسول الله أردت أن تخيروا من رطبه وبسره، فأكلوا وشربوا من ذلك الماء، فانطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعاماً، الحديث. قال القرطبي: فعل ذلك لأنه الذي تيسر فوراً بلا كلفة، لا سيما مع تحققه حاجتهم، ولأن فيه ألواناً ثلاثة، ولأن الابتداء بما يتفكّه به من الحلاوة أولى؛ لأنه مقوٍ للمعدة، لأنه أسرع هضماً، كذا في ((الزرقاني))(١). قال النووي(٢): إنما أتى بالعذق ليكون أطرف، وليجمعوا بين أكل الأنواع، فقد يطيب لبعضهم هذا ولبعضهم هذا، وفيه استحباب المبادرة إلى الضيف بما تيسر، وإكرامه بعده بطعام يصنعه له، لا سيما إذا ظن حاجته في الحال إلى الطعام، وقد يكون شديد الحاجة إلى التعجيل، وقد يشق الانتظار، اهـ. (فقال رسول الله وَله: نكب) بفتح النون وكسر الكاف المشددة، آخره موحدة، أي تَجَنَّب وأعرض (عن ذات الدر) بفتح الدال وتشديد الراء، أي لبن، ولفظ الترمذي: ((لا تذبحن ذات درّ))، وفي مسلم: ((فقال له: إياك والحلوب)). قال القاري (٣): إنما نهاه عن ذبحها شفقة على أهلها بانتفاعهم باللبن مع حصول المقصود بغيرها، والظاهر أنه نهي إرشاد وتلطف، فلا كراهة في المخالفة؛ لأنه زيادة في إكرام الضيف، وإن أسقط حقه بصدور نحو ذلك النهي منه، لكنه امتثل الأمر. (فذبح لهم شاة) عناقاً أو جدياً بالشك في الترمذي، والعناق: أنثى المعز لها أربعة أشهر، وقيل: ما لم يتم سنة، والجدي: ذكر المعز لم يبلغ سنة، (١) ((شرح الزرقاني)) (٣١٢/٤). (٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢١٣/١٣/٧). (٣) ((جمع الوسائل)) (١٩٢/٢). ٤٢٢ ٥٠ - كتاب صفة النبي رَلل (١٠) باب (١٦٧٣) حديث وَاسْتَغْذَبَ لَهُمْ مَاءَ. فَعُلِّقَ فِي نَخْلَةٍ. ثُمَّ أُتُوا بِذَلِكَ الطَّعَامِ. وفي (الدر)) من حديث أبي الهيثم: قال: وأخذ الشفرة فرآه النبي ◌َّل مولياً، فقال: ((إياك وذات الدر))؟ فقال: يا رسول الله إني أريد عنيقاً في الغنم، فذبح، وفي حديث ابن عباس في قصة أبي أيوب: ثم ذبح جدياً، ثم لا يدخل ذلك في التكلف المكروه، بل هو داخل في إكرام الضيف المأمور به في قوله وَالآتى: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)). قال النووي(١): فذكره جماعة من السلف التكلف للضيف، وهو محمول على ما يشق على صاحب البيت مشقة ظاهرة؛ لأن ذلك يمنعه من الإخلاص وكمال السرور بالضيف، وربما ظهر عليه شيء من ذلك فيتأذى به الضيف، وقد يحضر شيئاً يعرف الضيف من حاله أنه يشق عليه، فيتأذى الضيف لشفقته عليه، وأما فعل الأنصاري وذبحه الشاة فليس مما يشق عليه، بل لو ذبح أغناماً، بل جمالاً، وأنفق أموالاً في ضيافة رسول الله وَ له وصاحبيه كان مسروراً بذلك مغبوطاً فيه، اهـ. (واستعذب لهم ماء) أي جاء لهم بماء عذب، فإن أكثر مياه المدينة كانت مالحة إذ ذاك، وفيه حل استعذاب الماء، وأنه لا ينافي الزهد (فعلّق) بتشديد اللام، أي الماء العذب (في نخلة) ليصيبه برد الهواء فيصير بارداً أيضاً، كما في ((الكنز)) من مسند الصديق بلفظ: ((ثم قام إلى القربة وقد شققها الريح فبرد)» (ثم أُتوا) ببناء المجهول أي أتاهم أبو الهيثم (بذلك الطعام) وفي ((الكنز))(٢) من مسند عمر - رضي الله عنه - بعد ذكر أكلهم من الرطب والبسر وشربهم الماء: وقامت أم الهيثم تعجن لهم وتخبز، ووضع رسول الله وَله وأبو بكر وعمر رؤوسهم للقائلة، فانتبهوا وقد أدرك طعامهم، فوضع الطعام بين أيديهم، فأكلوا وشبعوا، وردت عليهم أم الهيثم بقية العذق، فأكلوا من رطبه ومن تذنوبه. (١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٣/٧/ ٢١٣). (٢) ((كنز العمال)) (١٨٦٢١). ٤٢٣ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَالـ (١٠) باب (١٦٧٣) حديث فَأَكَلُوا مِنْهُ. وَشَرِبُوا مِنْ ذُلِكَ الْمَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لَتُسْأَلَنَّ عَنْ نَعِيم هُذَا الْيَوْمِ)). أخرجه مسلم عن أبي هريرة في: ٣٦ - كتاب الأشربة، ٢٠ - باب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه، حديث ١٤٠. وفي ((الدر)) من حديث ابن عباس - رضي الله عنه - في قصة أبي أيوب: ثم ذبح جدياً، فشوى نصفه، وطبخ نصفه، فلما وضع بين يدي النبي ◌َّ، أخذ من الجدي، فجعله في رغيف، وقال: ((يا أبا أيوب أبلغ بهذا فاطمة، فإنها لم تصب مثل هذا منذ أيام))، فذهب به أبو أيوب إلى فاطمة. (فأكلوا منه وشربوا من ذلك الماء) العذب البارد المعلق على النخلة (فقال لهم) وليس في النسخ المصرية لفظ لهم (رسول الله وَليقول: لتسألن) ببناء المجهول بالنون الثقيلة (عن نعيم هذا اليوم). قال الباجي(١): قيل : - والله أعلم - إنه سؤال امتنانٍ لا سؤالُ حساب، ويحتمل أن يريد به سؤال حساب، لا سؤال مناقشة، وهو أن يسألهم، وهو أعلم بماذا توصلوا إليه بوجه مباح، أو بمأمور به، أو بمحظور، أو على أي وجه تناولوه، وعن قدر ما تناولوه منه، ثم يثيبهم الله عز وجل على ما أتوا في ذلك من حسن العمل والنية، اهـ. قال النووي(٢): قال القاضي عياض: المراد السؤال عن القيام بحق شكره والذي نعتقده أن السؤال ههنا سؤال تعداد النعم، وإعلام بالامتنان بها، وإظهار الكرامة بإسباغها، اهـ. وفي ((الزرقاني))(٣): قال ابن القيم: هذا سؤال تشريف وإنعام وتعديد (١) ((المنتقى)) (٢٤٧/٧). (٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢١٤/١٣/٧). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٣١٢/٤). ٤٢٤ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَل- (١٠) باب (١٦٧٣) حديث فضل، لا سؤال تقريح ومحاسبة، والمراد أن كل أحد يسأل عن نعيمه الذي كان فيه، هل ناله من حل أم لا؟ فإذا خلص من ذلك، سئل هل قام بواجب الشكر، فاستعان به على الطاعة أم لا؟ فالأول سؤال عن سبب استخراجه، والثاني عن محل صرفه، قال: وإنما ذكر ◌َلوهذا في هذا المقام إرشاداً للآكلين والشاربين إلى حفظ أنفسهم في الشبع عن الغفلة، والاشتغال بالحديقة، والتنعم عن الآخرة، أو هو تسلية للحاضرين المفتقرين بأنهم إن حرموا عن التنزه فقد اتقوا السؤال عنه يوم القيامة. وفي مسلم: فلما أن شبعوا ورووا، قال وَلّر لأبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -: ((والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم))، وفي رواية الترمذي قوله ﴿ هذا بعد أكل التمر قبل أكل الغذاء، ولفظه: فقال رسول الله وَل: («هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة، ظل بارد، ورطب طيب، وماء بارد))، فانطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعاماً، الحديث(١). وجمع القاري في ((المرقاة))(٢) بين روايتي مسلم والترمذي على تكرار هذا القول منه ◌َ﴿ جمعاً بين الروايتين، وفي ((الدر)) في قصة أبي أيوب الأنصاري: فلما أكلوا وشبعوا، قال النبي ◌َلير: ((خبز ولحم، وتمر وبسر ورطب ـ ودمعت عيناه - والذي نفسي بيده إن هذا لهو النعيم الذي تسألون عنه، قال الله تعالى: · فهذا النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة))، ﴿ثُمَّ لَتُسْتَلُنَّ يَؤْمَيِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ( فكبر ذلك على أصحابه، فقال: ((بلى إذا أصبتم هذا فضربتم بأيديكم، فقولوا: بسم الله، فإذا شبعتم، فقولوا: الحمد لله الذي هو أشبعنا، وأنعم علينا، وأفضل، فإن هذا كفاف هذا)). (١) أخرجه الترمذي (٢٣٦٩). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٠٥/٨). ٤٢٥ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َ * (١٠) باب (١٦٧٣) حديث زاد في رواية الترمذي بعد ذلك فقال النبي ◌َّ: ((هل لك خادم؟ قال: لا، قال: فإذا أتانا سبي فائتِنا)) فأتي النبيّ وَّه برأسين ليس معهما ثالث، فأتاه أبو الهيثم، فقال النبي ◌َّ: ((اختر منهما))، فقال: يا نبي الله اختر لي، فقال النبي ◌ّ: ((المستشار مؤتمن، خذ هذا، فإنه رأيته يصلي، واستوص به معروفاً)). فانطلق أبو الهيثم إلى امرأته، فأخبرها بقول رسول الله وَلتر، فقالت امرأته: ما أنت ببالغ ما قال فيه النبي وَ له إلا أن تعتقه، قال: هو عتيق، فقال النبي ◌َّلين: ((إن الله لم يبعث نبياً ولا خليفة إلا وله بطانتان، بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوا خبالاً، ومن وقي بطانة السوء فقد وقي)). وفي ((الكنز)) (١) في مسند الصديق ثم قال أي ◌َّ للواقفي: ((مالك خادم يسقيك الماء؟)) قال: لا والله يا رسول الله، قال: ((فإذا أتانا سبي فائتنا حتى نأمر لك بخادم))، فلم يلبث إلا يسيراً حتى أتاه سبي، فأتاه الواقفي، فقال: ((ما جاء بك؟)) فقال: يا رسول الله وعدك الذي وعدتني؟ قال: ((هذا سبي، فقم فاختر منه))، فقال: كن أنت تختار لي، فقال: ((خذ هذا الغلام، وأحسن إليه))، فأخذه وانطلق به إلى امرأته، فقالت: ما هذا؟ فقصَّ عليها القصة، قالت: فأي شيء قلت له؟ قال: قلت له: كن أنت الذي تختار لي، قالت: قد أحسنت، قال لك: أحسن إليه، فأحسن إليه، قال: ما الإحسان إليه؟، قالت: أن تعتقه، قال: هو حرٌّ لوجه الله، وفي رواية أخرى عنده من مسند عمر: قال أبو الهيثم: فلما بلغني أنه أتى رسول الله وَ ل رقيق، أتيته، فأعطاني رأساً، وكاتبته على أربعين ألف درهم، فما رأيت رأساً كان أعظم بركة منه. ولا مانع في الجمع بینھما . وفي (الدر)) من مسند الهيثم: فما مكث النبي ◌َلّ إلا يسيراً حتى أتي بأسير من اليمن، فجاءته فاطمة ابنة النبي وقَيّ تشكو إليه العمل، وتريه يديها، (١) ((كنز العمال)) (١٨٦١٨). ٤٢٦ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَلقه (١٠) باب (١٦٧٤) حديث ٢٩/١٦٧٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَأْكُلُ خُبْزاً بِسَمْنٍ. فَدَعَا رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ وَيَتَبَعُ بِاللُّقْمَةِ وَضَرَ الصَّحْفَةِ. وتسأل إياه، قال: ((لا ولكن أعطيه أبا الهيثم، فقد رأيته وما لقي هو وامرأته يوم ضفناهم))، فأرسل إليه فأعطاه إياه، فقال: ((خذ هذا الغلام يعينك على حائطك، واستوص به خيراً))، فمكث عند أبي الهيثم ما شاء الله أن يمكث، فقال: لقد كنت مستقلاً أنا وصاحبتي بحائطنا، اذهب، فلا رب لك إلا الله، فخرج ذلك الغلام إلى الشام، ورزق فيها . ٢٩/١٦٧٤ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أن عمر بن الخطاب) في زمان خلافته (كان يأكل خبزاً بسمن) كذا في جميع النسخ الهندية والمصرية(١) بباء الجارة على سمن، وعليه بنى الباجي شرحه إذ قال: هذا يقتضي استباحة طيب الأدم، وفي نسخة ((المحلى)): خبز السمين، قال: أي المعمول بالسمن، وهو من إضافة الموصوف إلى صفته، اهـ. والأوجه الأول كما يدل عليه مسحه الصحفة. (فدعا) عمر - رضي الله عنه - (رجلاً من أهل البادية) لم يسم، قال الباجي(٢): دعاه تواضعاً بمؤاكلة أهل البادية، ولعله قصد تعليمه آداب الأكل، كما علم النبي ◌ُّ عمر بن أبي سلمة عند مؤاكلته، فقال له: ((سم الله وكل مما يليك))، ولعله قصد أيضاً أن يتعرف حاله بما يظهر إليه من أكله (فجعل) الرجل البادي (يأكل ويَتَبع) بشد المثناة الفوقية (باللقمة وَضَر) بفتح الواو والضاد المعجمة: الوسخ، كما في ((الزرقاني))(٣)، وفي ((المحلى)): الوضر محركاً: وسخ الدسم واللبن، وغسالة السقاء، والقصعة وغير ذلك (الصحفة) أي ما (١) كذا في نسخة ((الاستذكار)) (٣٢٨/٢٦). (٢) ((المنتقى)) (٢٤٧/٧). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٣١٣/٤). ٤٢٧ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َل (١٠) باب (١٦٧٤) حديث فَقَالَ عُمَرُ: كَأَنَّكَ مُقْفِرٌ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَكَلْتُ سَمْناً وَلَا رَأَيْتُ أَكْلاً بِهِ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ عُمَرُ: لَا آكُلُ السَّمْنَ يعلق بها من دسم الطعام والودك، قاله عيسى بن دينار، وهذا يدل على قلة السمن الذي كان يأكلانه، كذا في ((المنتقى))، وفي ((المحلى)): الصحفة دون القصعة، وهي ما تشبع خمسة، والقصعة عشرة. (فقال عمر) - رضي الله عنه - للرجل المذكور، وقد توسّم أنه محتاج إلى ذلك جداً (كأنك) بفتح الهمزة وتشديد النون وضمير الخطاب اسم كأن (مقفر) بضم الميم وإسكان القاف وكسر الفاء أي لا أدم عندك، كذا في ((الزرقاني»، وفي ((المحلى)): بتقديم القاف على الفاء من الإقفار، وهو خبز بلا أدم، ومنه أرض قفراء أي خالية عن (١) المادة ولا ماء لها، ومنه حديث ((ما أقفر بيت من أدم فيه خل))، كذا في ((الصحاح)) اهـ. وفي ((مختار الصحاح)): يقال: أقفر الرجل إذا لم يبق عنده إدام. (فقال) الرجل المذكور: (والله ما أكلت) بصيغة المتكلم (سمناً) منذ كذا وكذا (ولا رأيت آكلا) بمد الهمزة (به) أي ما رأيت أحداً يأكل بالسمن، هكذا السياق في جميع النسخ الهندية، وكذا نسخة ((الزرقاني))، وعليه بنى الباجي شرحه إذ قال: يريد أنه لم يأكله وإن عدم ذلك عامٌ شامل للناس، ولذلك لم ير آكلاً به المدة التي ذكرها، اهـ. وفي متن ((المنتقى)) بدل قوله: ولا رأيت آكلاً به، ولا لُكْتُ أكلاً به، وكذا في جميع النسخ المصرية غير ((الزرقاني))، فهو بضم اللام وسكون الكاف، من لاك الشيء في فمه علكه، و((أكلاً)) بقصر الهمزة، بمعنى المأكول أي ما علكت في فمي شيئاً ملطخاً بالسمن (منذ كذا وكذا) مدة عَيَّنَها . (فقال عمر) - رضي الله عنه -: (لا آكل) بمد الهمزة بصيغة المتكلم (السمن (١) كذا في الأصل، وفي ((مختار الصحاح)): القفر: مفازة لا نبات فيها ولا ماء، اهـ، ((ش)). ٤٢٨ ٥٠ - كتاب صفة النبي (١٠) باب (١٦٧٤) حديث حَتَّى يُحْيَا النَّاسُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَحْيَوْنَ. حتى يحيا الناس) بضم التحتية الأولى على زنة المجهول، أي حتى يمطروا ويخصبوا، والحيا مقصوراً المطر لإحيائه الأرض، كذا في ((المحلى))، وفي ((مختار الصحاح)): الحياة مقصوراً المطر والخصب، والحياء ممدوداً الاستحياء، اهـ. (من أول ما يحيون) أي من أول ما يمطرون، قال الباجي: يريد - والله أعلم - يمطرون، والحياء المطر، يقال: حيى الناس يحيون، وإنما كان ذلك في عام الرمادة، قال مالك: كان الرمادة ستة أعوام، اهـ. وقال الباجي(١) أيضاً: يريد مساواة المساكين في ضيق عيشهم، ليذكر بذلك أحوالهم، ولا يغفل النظر لهم، وقد روي أن يوسف - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - قيل له: أتجوع وبيدك خزائن الأرض؟ فقال: أخاف أن أشبع فأنسى الجياع، وروي عن أنس بن مالك: أن عمر بن الخطاب لما أكل الزيت ولم يكن ألفه بطنه، فكان يقرقر على المنبر، فيقول: أتمرن على أكل الزيت ما دام السمن يباع بالأواقي، اهـ. وفي ((تاريخ الخلفاء))(٢): قال أنس: تقرقر بطن عمر - رضي الله عنه - من أكل الزيت عام الرمادة(٣)، وكان قد حرم على نفسه السمن، فنقر بطنه بأصبعه، وقال: إنه ليس عندنا غيره حتی یحیی الناس، اهـ. وفي ((الخميس)) (٤): قال أبو عمر: وكان عمر - رضي الله عنه - آدم شديد الأدمة، وهكذا وصفه رزين بن حبيش وغيره، يعني شديد الأدمة، وعليه الأكثر، وقال الواقدي: لا يعرف أنه كان آدم إلا أن يكون تغير لونه من أكل الزيت عام الرمادة. (١) ((المنتقى)) (٢٤٨/٧). (٢) (ص١٤٨). (٣) هو عام أصاب الناس فيه مجاعة، وذلك في سنة ١٧ من الهجرة. (٤) ((تاريخ الخميس)) (٢٤٠/٢). ٤٢٩ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َالعهد (١٠) باب (١٦٧٥) حديث ١٦٧٥/ ٣٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، يُظْرَحُ لَهُ صَاعٌ مِنْ تَمْرِ فَيَأْكُلُهُ حَتَّى يَأْكُلَ حَشَفَهَا . وفي ((الصحاح)): عام الرمادة أعوام تتابعت على الناس في أيام عمر، فهلكت فيه الناس والأموال، وقال أيضاً: كان عام الرمادة سنة ثمان عشرة، واستسقى عمر - رضي الله عنه - بالعباس، اهـ. وفي «صفة الصفوة)) (١): عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: كان عمر - رضي الله عنه - يَصُوم الدهر، وكان زمان الرمادة إذا أمسى أتي بخبز قد ثرد في الزيت، إلى أن نحروا يوماً جزوراً، وغرفوا له طيبها، قال: بخ بخ، بئس الوالي أنا إن أكلت أطيبها، وأطعمت الناس كراديسها، ارفع هذه الجفنة، فأتي بخبز وزيت، فجعل يكسر بيده، ويثرد ذلك الخبز، ثم قال: ويحك يا يرفأ، ارفع هذه الجفنة حتى تأتي بها أهل بيت بثمغ، فإني لم آتهم منذ ثلاثة أيام، وأحسبهم مقفرين، اهـ. ٣٠/١٦٧٥ - (مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري (عن) عمه (أنس بن مالك) رضي الله عنه (قال) أنس: (رأيت عمر بن الخطاب، وهو يومئذ) جملة حالية (أمير المؤمنين) يعني في زمان خلافته (يطرح له) ببناء المجهول أي يلقى له، قال الباجي: يقتضي تكرار هذا الفعل منه، ولو كان مرة واحدة لقال رأيته طرح له صاع تمر فأكله (صاع من تمر) بتنكير الصاع في جميع النسخ الهندية والمصرية، غير ((المنتقى)) ففيها الصاع بالتعريف (فيأكله حتى يأكل حشفها) بفتح الشين المعجمة رديء التمر، والضعيف الذي لا نوى له، أو اليابس الفاسد، كذا في ((المحلى)). (١) (١٠٧/١). ٤٣٠ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َليه (١٠) باب (١٦٧٥) حديث وحدَّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ ؛ أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنِ الْجَرَادِ فَقَالَ: وَدِدْتُ أَنَّ عِنْدِي قَفْعَةً . قال الزرقاني(١): أي يابسها الرديء، قال الباجي(٢): ليس في كثرة أكله ما ينقص من حاله، فقد أكل مع النبي ﴾ مراراً فما أنكر أكله، وما كان ليخالف أمراً قد أنكره عليه النبي و ﴿، وكان ذلك غاية قوته الذي لا يقوم جسمه إلا به، ولا خلاف في إباحة ذلك عند العلماء، اهـ. وقال أيضاً في موضع آخر: يحتمل أن يكون هذا مقدار أكله غير أنه لا يبلغه اقتداء بالنبي في ترك الشبع، اهـ. قلت: وليس الأثر بنص في أنه - رضي الله عنه - يأكله كله مرة واحدة، بل الظاهر عندي في معناه أنه يطرح له هذا المقدار، فيأكله مرة بعد مرة، حتى يأكل الحشف أيضاً، ولا يتركه لرداءته، فنص الأثر بيان زهادته، لا كثرة أكله، على أن الصاع من التمر وإن كان كثيراً جداً باعتبار زماننا لضعف القوى، ليس بكثير باعتبار زمانهم، ألا ترى أن الشرع أدار الكفارات بين تمليك صاع من تمر وغيره وإشباع يوم، فكأن الشرع حَزَرَ الإشباع غداء وعشاء، بمقدار صاع من تمر، ولذا جعل أحدهما بدل الآخر. (مالك عن عبد الله بن دينار) مولى ابن عمر (عن) مولاه (عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (أنه قال: سئل) ببناء المجهول (عمر بن الخطاب عن الجراد) بالتعريف في النسخ المصرية والتنكير في الهندية، أي سئل عن إباحة أكلها (فقال) عمر رضي الله عنه: (وددت أن عندي) منه (قفعة) بفتح القاف وسكون الفاء ثم عين مهملة، قال ابن الأثير: شيء شبيه بالزنبيل من الخوص، (١) ((شرح الزرقاني)) (٣١٣/٤). (٢) ((المنتقى)) (٢٤٨/٧). ٤٣١ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَالله (١٠) باب (١٦٧٦) حديث تَأْكُلُ مِنْهُ. ١٦٧٦/ ٣١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ خُثَيْم؛ ليس له عرى، وليس بالكبير، وقيل: شيء كالقفة تتخذ واسعة الأسفل ضيقة الأعلى، كذا في ((الزرقاني))، وفي ((المحلى)): وعاء كالزنبيل يعمل من الخوص بلا عروة، ليس بکبیر. وفي ((المنتقى)): قال عيسى بن دينار: شيء شبيه بالمكتل، وقال محمد بن عيسى الأعشى: هي قُفَّةٌ أكبر من المكتل، قال: وأهل العراق يسمونها جُلَّةً، وأهل مصر يسمونها زنبيلاً، اهـ. (فآكل منه) بصيغة المتكلم بزيادة الفاء في أوله في الهندية، وفي المصرية ((تأكل)) بصيغة الجمع بدون الفاء، قال الزرقاني(١): لإذهابه الجوع بدون ترقُّهِ، قال الباجي: يريد أن السائل سأله أحلالٌ أكله؟ والفقهاء على إباحة أكله، وإنما اختلفوا في ذكاته، هل هي شرط في جواز أكله أم لا؟ وقول عمر - رضي الله عنه -: ((وددت)) يقتضي أنه مباح عنده، لأنه لا يتمنى أكل ما ليس بمباح، اهـ. قلت: وتقدم في كتاب الحج الإجماع على إباحته مع الاختلاف في ذکاته . ٣١/١٦٧٦ - (مالك عن محمد بن عمرو بن حلحلة) بالحائين المهملتين المفتوحتين بينهما لام ساكنة الديلي المدني (عن حميد بن مالك بن خثيم) كذا في النسخ المصرية، وفي النسخ الهندية خثم بالمثلثة بدون التصغير، قال الزرقاني: هو بمعجمة ومثلثة مصغراً، كذا ضبطه تبعاً (للتقريب)). وقال الحافظ في ((التقريب)): يقال مالك جده، واسم أبيه عبد الله، وقال في ((تهذيبه))(٢) ورقم (١) ((شرح الزرقاني)) (٣١٣/٤). (٢) ((تهذيب التهذيب)) (٤٧/٣). ٤٣٢ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َلي (١٠) باب (١٦٧٦) حديث أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ جَالِساً مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَرْضِهِ بِالْعَقِيقِ. فَأَتَاهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى دَوَابَّ. فَنَزَلُوا عِنْدَهُ. قَالَ حُمَيْدٌ: فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اذْهَبْ إِلى أُمِّي له للبخاري في ((الأدب المفرد»: ذكره البخاري في ((التاريخ)) فضبطه في الرواة عنه بضم المعجمة وفتح المثناة الخفيفة، وضبطوه في رواية ابن القاسم في ((الموطأ)» كذلك، لكن بالمثلثة، وضبطه مسلم كذلك، لكن بتشديد المثناة، وضبطوه في ((الأحكام)) لإسماعيل القاضي بتشديد المثلثة، اهـ. وفي هامشه عن ((المغني)): خثيم: بضم معجمة وفتح مثلثة، قال في ((التقريب)): ثقة من الثالثة. (أنَّه قال) حميد، والحديث أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد))(١) برواية إسماعيل عن مالك بهذا السند والمتن (كنت جالساً مع أبي هريرة) رضي الله عنه (بأرضه بالعقيق) قال الزرقاني: محل بقرب المدينة، وفي ((المحلى)): قريب البقيع، بينه وبين المدينة أربعة أميال، نزل به تُبَّعٌ، فقال: هذا عقيق الأرض فسمي به، واسم موضع بالمدينة، واليمامة، والطائف، وتهامة، ونجد، كذا في ((القاموس)). وفي ((النهاية)): هو اسم مواضع، وكل موضع شققته من الأرض فهو عقیق، اهـ. (فأتاه) أي أبا هريرة (قوم من أهل المدينة) لم تسم راكبين (على دواب) بشدة الباء جمع دابة، (فنزلوا عنده) أي عند أبي هريرة، قال الباجي: ظاهره الزيارة، ويحتمل أنهم قصدوه للتعلم منه والأخذ عنه (قال حميد: فقال لي) وليس في النسخ المصرية لفظ لي (أبو هريرة: اذهب إلى أمي) اسمها أميمة بالميمين مصغراً، بنت صبيح أو صفيح، بالموحدة أو الفاء مصغراً صحابيةٌ، روى مسلم عن أبي هريرة كنت أدعو أمي إلى الإسلام، فدعوتها يوماً فأسمعتني في رسول الله وقليل ما أكره، فأتيته وأنا أبكي، فأخبرته، وقلت: ادع الله أن (١) (٥٧٢). ٤٣٣ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَل ـ (١٠) باب (١٦٧٦) حديث فَقُلْ: إِنَّ ابْنَكِ يُقْرِتُكِ السَّلَامَ وَيَقُولُ: أَطْعِمِينَا شَيْئاً. قَالَ: فَوَضَعَتْ ثَلَاثَةَ أَقْرَاصِ فِي صَحْفَةٍ، وَشَيْئاً مِنْ زَيْتٍ وَمِلْحِ، ثُمَّ وَضَعَتْهَا عَلَى رَأْسِي، وَحَمَلْتُهَا يهديها، فقال: اللَّهم اهدِ أمَّ أبي هريرة، فخرجت مستبشراً بدعوته، فلما جئت إلى الباب، فإذا هو مجاف، فسمعت أمي حسَّ قدمي. فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء، ولبست درعها، وأعجلت عن خمارها، ففتحت الباب، وقالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فرجعت إليه بَ ل﴿ فأخبرته فحمد الله، وقال: خيراً، كذا في ((الزرقاني))(١). وفي ((الإصابة))(٢): أميمة بنت صبيح أو صفيح، بموحدة أو فاء مصغراً، ابن الحارث، اختلف في اسمها، فجاء عن أبي هريرة أنه ابن أميمة، وترجم الطبراني في النساء ميمونة بنت صبيح أم أبي هريرة، وساق قصة إسلامها، لكن لم تقع مسماة في روايته. (فقل) بصيغة الأمر زاد في النسخ الهندية بعده (لها) أي لأمي: (إن ابنك) أبا هريرة (يقرئك السلام) بضم الياء وسكون القاف وكسر الراء، وفي (الصحاح)): قرأ عليك السلام، وأقرأك السلام بمعنى، كذا في ((المحلى)) (ويقول لك) ابنك (أطعمينا) بفتح الهمزة من الإطعام (شيئاً) مما تيسر عندك، قال الباجي: وما أحضرهم أبو هريرة من الطعام، على معنى إكرام الزائر والضيف، وتقديم ما حضر. (قال) حميد: (فوضعت) الأم (ثلاثة أقراص) بفتح الهمزة جمع قرص، أي ثلاثة أقراص من الخبز (في صحفة) وتقدم قريباً أن الصحفة ما تشبع خمسة، والقصعة عشرة، (و)وضعت أيضاً (شيئاً من زيت وملح، ثم وضعتها) بسكون المثناة الفوقية (على رأسي وحملتها) بضم المثناة الفوقية على صيغة (١) ((شرح الزرقاني)) (٣١٤/٤). (٢) (١٨/٨). ٤٣٤ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َل (١٠) باب (١٦٧٦) حديث إِلَيْهِمْ. فَلَمَّا وَضَعْتُهَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، كَبَّرَ أَبُو هُرَيْرَةَ. وَقَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَشْبَعَنَا مِنَ الْخُبْزِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ طَعَامُنَا إِلَّا الْأَسْوَدَيْنِ المتكلم حتى جئتُها (إليهم فلما وضعتها بين أيديهم كَبَّر أبو هريرة) بتشديد الموحدة أي قال: الله أكبر من شدة الفرح وغاية الشكر. قال الباجي(١): كَبَّر أبو هريرة على معنى الذكر لله عز وجل، وتعظيم نعمه والشكر له على ما نقلهم الله عز وجل من حال القلة والمجاعة إلى الخصب والكثرة، حتى يوجد عنده شيء من الخبز والإدام دون استعداد، ولا تأهب، فيطعمه من يزوره، اهـ. وقد مضى عمره في غاية الفقر، فقد قال: ((لقد رأيتني أصرع بين منبر رسول الله وَ ﴿ وحجرة عائشة مغشياً عليّ، فيجئ الجائي، فيضع رجله على عنقي، يرى أن بي جنوناً، وما بي جنون، وما هو إلا الجوع))، وفي رواية ((وإن كان ليغشى عليّ فيما بين عائشة وأم سلمة من الجوع)). قال القاري في ((شرح الشمائل))(٢): ولا منافاة لوقوع التعدد، وفي (البخاري))(٣) عنه: ((لقيت عمر - رضي الله عنه - يوماً فاستقرأتهُ آيةً فذكرها، قال: فمشيت غير بعيد، فخررت على وجهي من الجهد والجوع))، اهـ. وروي عنه: ((لأعتمد على الأرض بكبدي من الجوع، وأشدُّ الحجر على بطني))، وغير ذلك من الروايات في ذلك الشهيرة. (وقال) أبو هريرة - رضي الله عنه - بعد ما أكل: (الحمد الله الذي أشبعنا) بفتح الهمزة والموحدة بصيغة الغائب من الإشباع (من الخبز) والإدام (بعد أن) بفتح الهمزة وتخفيف النون (لم يكن طعامنا) في الزمن الماضي (إلا الأسودين) (١) ((المنتقى)) (٢٤٩/٧). (٢) (١٢٥/١). (٣) ((صحيح البخاري)) ح (٥٣٧٥). ٤٣٥ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َلعر (١٠) باب (١٦٧٦) حديث الْمَاءَ وَالتَّمْرَ. فَلَمْ يُصِبِ الْقَوْمُ مِنَ الطَّعَامِ شَيْئاً. فَلَمَّا انْصَرَفُوا، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي. أَحْسِنْ إِلَى غَنَمِكَ، وَامْسَحِ الرُّعَامَ عَنْهَا . بصيغة تثنية الأسود (الماء والتمر) بدل من الأسودين، قال الزرقاني، وصاحب ((المحلى)) وغيرهما: سمي الماء أسود تغليباً، فإن الماء لا لون له. وقال الباجي(١): وصفهما بذلك؛ لأن الماء يوصف بالخضرة، وهي من ألوان السواد، والتمر كثير، والكثير منه مائل إلى السواد، ويحتمل أن يوصف بذلك اتباعاً، كما قالوا: القمران، قال القاري في ((شرح الشمائل)): إنما أطلق على التمر الأسود؛ لأنه غالب تمر المدينة، قلت: وإنما قرن الماء بالتمر؛ لأنه لم يحصل لهم الشبع بالتمر وحده، حتى يقارن به الماء، كما أشار إليه المناوي. (فلم يصب القوم من الطعام شيئاً) قال الزرقاني: لشبع أو غيره، وقال الباجي: يحتمل أن يكونوا صياماً مع أنهم بالخيار، وإن كان الأولى لحسن الأدب الإصابة منه، فذلك لنفس المزور، اهـ. قلت: ويحتمل أنهم استحسنوا أن لا يرزأوه بنقص من الطعام لما رأوه أقراصاً مع زيت. (فلما انصرفوا) أي رجعوا (قال لي) كذا في النسخ الهندية، وليست في النسخ المصرية، ولا في ((الأدب المفرد)) لفظة لي (يا ابن أخي) كذا في النسخ المصرية، وفي الهندية بحذف حرف النداء، قال الزرقاني(٢): يا ابن أخي في الإسلام، (أحسن) بصيغة الأمر (إلى غنمك) ثم ذكر بعض أنواع الإحسان بقوله: (وامسح الرعام عنها) قال الزرقاني: بضم الراء، وإهمال العين على الأشهر رواية، مخاط رقيق يجري من أنوف الغنم، ويفتح الراء وغين معجمة أي امسح التراب عنها، اهـ. وفي ((المحلى)): بضم الراء وإهمال العين، مخاط (١) ((المنتقى)) (٢٤٩/٧). (٢) (شرح الزرقاني)) (٣١٤/٤). ٤٣٦ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَال (١٠) باب (١٦٧٦) حديث وأَطِبْ مُرَاحَهَا، وَصَلِّ فِي نَاحِيَتِهَا فَإِنَّهَا مِنْ دَوَابٌ الْجَنَّةِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكُ رقيق يجري من أنوف الغنم، ويروى بتثليث الراء وغين معجمة، والفتح أفصح أي امسح التراب، والرغام التراب، ومنه قوله: أرغم الله أنف فلان، اهـ. وقال الباجي: الرغام ما يجري من أنوفها، وقال عيسى بن دينار: هو المخاط الذي يجمع في أنوفها . (وأطب) إفعال من الطيب أي نظف (مراحها) بضم الميم وخفة الراء مأواها ليلاً، كما في ((المحلى))، وقال الباجي: هو المكان الذي تروح إليه، قال الزرقاني: والأمر للإرشاد والإصلاح (وصلِّ) بصيغة الأمر من الصلاة (في ناحيتها) وفي البخاري عن أنس: ((أن النبي ◌ِّ﴿ كان يصلي في مرابض الغنم)» (فإنها من دواب الجنة) أي نزلت منها، أو تدخلها بعد الحشر، أو من نوع ما في الجنة، بمعنى أن فيها أشباهها، وشبه الشيء يكرم لأجله، وهذا موقوف صحيح له حكم الرفع، فإنه لا يقال إلا بتوقيف. وقد أخرج البزار عن أبي هريرة مرفوعاً: ((أكرموا المِعْزَى، وامسحوا برعامها، فإنها من دواب الجنة))، وإسناده ضعيف، لكنه يقويه هذا الموقوف الصحيح، وأخرج ابن عدي والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعاً: ((صلوا في مراح الغنم، وامسحوا برعامها، فإنها من دواب الجنة))، قال البيهقي: روي مرفوعاً وموقوفاً وهو أصح، كذا في ((الزرقاني))(١). وفي ((المحلى)): قوله: من دواب الجنة أي من جنسها، فإن الجنة فيها شاة، وأصل هذه منها، لا أنها تصير بعد الموقف إليها؛ لأنها تصير تراباً، كما ورد في الخبر، اهـ. (والذي نفسي بيده ليوشك) قال الحافظ: بكسر الشين المعجمة أي يسرع (١) ((شرح الزرقاني)) (٣١٤/٤). ٤٣٧ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َالمر (١٠) باب (١٦٧٧) حديث أَنْ يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تَكُونُ الثُّلَّةُ مِنَ الْغَنَم أَحَبَّ إِلَى صَاحِبِهَا مِنْ دَارٍ مَرْوَانَ. ١٦٧٧/ ٣٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي نُعَيْم وَهْبٍ بْنِ كَيْسَانَ؛ قَالَ: وزنه ومعناه، ويجوز يوشك بفتح الشين، وقال الجوهري: هي لغة رديئة، اهـ. (أن يأتي على الناس زمان) وهو زمان الفتنة، كما سيأتي إليه ميل الباجي، أو زمان قرب القيامة (تكون الثلة) قال الزرقاني: بضم المثلثة، وشد اللام، الطائفة القليلة، المائة ونحوها، وقال صاحب ((المحلى)): بفتح المثلثة جماعة من الغنم، وأما بضمها فهو اسم لجماعة الناس، قال الباجي: هي القليلة من الغنم، قاله عيسى بن دينار، وقال محمد بن عيسى الأعشى: المائة ونحوها (من الغنم أحبّ) خبر تكون (إلى صاحبها من دار مروان) بن الحكم أمير المدينة يومئذ، قال صاحب ((المحلى)): وكانت بالمدينة مُزَيَّنَةً حسنَ المنظر. قال الباجي(١): وذلك للفتنة الواقعة بالمدينة، وتفرق الناس عنها إلى التبري بالماشية والغنم اعتزالاً لأهل الفتنة، وترجم البخاري في ((صحيحه)) (٢) (باب التعرب في الفتنة»، وأخرج فيه عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً(٣): ((يوشك أن يكون خير مال المسالم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن))، وأخرجه في علامات النبوة برواية عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري قال: قال لي: إني أراك تحب الغنم، وتتخذها، فأصلحها، وأصلح رعامها، فإني سمعتُ النبي ◌َّه يقول: ((يأتي على الناس زمان يكون الغنم فيه خير مال المسلم))، الحديث. ١٦٧٧/ ٣٢ - (مالك عن أبي نعيم) مصغراً (وهب بن كيسان) التابعي (أنه قال) (١) ((المنتقى)) (٢٤٩/٧). (٢) ((كتاب الفتن)) (١٤). (٣) ح (٧٠٨٨) و((فتح الباري)) (٤١/١٣). ٤٣٨ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َليو (١٠) باب (١٦٧٧) حديث أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ بِطَعَام، وَمَعَهُ رَبِيبُهُ عُمَرُ بْنُ سَلَمَةَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ: ((سَمِّ اللّهَ قال الزرقاني: مرسلاً عند الأكثر ورواه خالد بن مخلد ويحيى بن صالح الوحاظي، فقالا: عن مالك عن وهب عن عمر بن أبي سلمة موصولاً أخرجهما الدارقطني، والأول النسائي، وكذا رواه محمد بن عمرو بن حلحلة عن وهب عن عمر، اهـ. وأخرج البخاري في ((صحيحه)(١) عن عبد الله بن يوسف عن مالك مثل ((الموطأ))، قال الحافظ(٢): كذا رواه أصحاب مالك في ((الموطأ)) وصورته الإرسال، وقد وصله خالد بن مخلد ويحيى بن صالح فقالا: عن مالك عن وهب عن عمر بن أبي سلمة، وخالف الجميع إسحاق بن إبراهيم الحنيني أحد الضعفاء، فقال: عن مالك عن وهب بن كيسان عن جابر، وهو منكر، وإنما استجاز البخاري إخراجه - وإن كان المحفوظ فيه عن مالك الإرسال - لأنه تبين بالطريق الذي قبله - وهو طريق ابن حلحلة - صحة سماع وهب بن كيسان عن عمر بن أبي سلمة، واقتضى ذلك أن مالكاً قصر بإسناده حيث لم يصرح بوصله، وهو في الأصل موصول، ولعله وصله مرة، فحفظ ذلك عنه خالد ويحيى وهما ثقتان، أخرج ذلك الدارقطني في ((الغرائب)) عنهما، اهـ. (أتي) ببناء المجهول (رسول الله والر بطعام ومعه) وَمَر (ربيبه) ابن زوجته أم سلمة - رضي الله عنها - (عمر) بضم العين (ابن أبي سلمة) الصحابي ابن الصحابي، قال ابن عبد البر: ولد في السنة الثانية من هجرة الحبشة، كذا في (المحلى)) (فقال له) أي لعمر: (رسول الله وَّ﴾) يا غلام (سم) بفتح السين وشد الميم (الله) وقد أخرج البخاري في ((صحيحه)) (٣) من رواية الوليد بن كثير عن (١) (٥٣٧٧). (٢) ((فتح الباري)) (٩/ ٥٢٤). (٣) ح (٥٣٧٦) والحديث في ((التمهيد)) (١٦/٢٣ - ١٧). ٤٣٩ ٥٠ - كتاب صفة النبي (١٠) باب (١٦٧٧) حديث وهب بن كيسان أنه سمع عمر بن أبي سلمة، يقول: ((كنت غلاماً في حجر رسول الله ◌َ، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله وتلقى: يا غلام سَمِّ الله، وكُل بيمينك، وكل مما يليك، فما زالت تلك طعمتي بعد)). قال الحافظ (١): المراد بالتسمية على الطعام قول بسم الله في ابتداء الأكل، وأصرح ما ورد في صفة التسمية ما أخرجه أبو داود والترمذي عن عائشة مرفوعاً: ((إذا أكل أحدكم طعاماً، فليقل بسم الله، فإن نسي في أوله فليقل بسم الله في أوله وآخره))، وأما قول النووي في أدب الأكل من (الأذكار)): صفة التسمية من أهم ما ينبغي معرفته، والأفضل أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فإن قال: بسم الله، كفاه وحصلت السنة، فلم أر لما ادّعاه من الأفضلية دليلاً خاصاً، وأما ما ذكره الغزالي في أدب الأكل من ((الإحياء)): أنه لو قال في كل لقمة: بسم الله كان حسناً، وأنه يستحب أن يقول مع الأولى: بسم الله، ومع الثانية بسم الله الرحمن، ومع الثالثة بسم الله الرحمن الرحیم، فلم أر لاستحباب ذلك دليلاً . وقال النووي: أجمع العلماء على استحباب التسمية على الطعام في أوله، وفي نقل الإجماع على الاستحباب نظر، إلا أن يريد بالاستحباب أنه راجح الفعل، وإلا فقد ذهب جماعة إلى وجوب ذلك، اهـ. وفي (المحلى)): قوله: سم الله أي ندباً طرداً للشيطان ومنعاً له من الأكل، وهو سنة كفاية، فلو سمى واحد منهم أجزأ عن الباقين، نص عليه الشافعي، ومع ذلك يستحب لكل واحد بناء على ما عليه الجمهور من أن السنة كونها مطلوبة من الكل لا من البعض، اهـ. قلت: ويؤيد ذلك ما في أبي داود(٢) من قصة الأعرابي والجارية اللذين (١) ((فتح الباري)) (٥٢١/٩). (٢) ((سنن أبي داود)) (٣٧٦٦). ٤٤٠