Indexed OCR Text

Pages 261-280

٥٠ - كتاب صفة النبي وَل
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
وَنَتْفُ الْإِبْطِ،
(ونتف الإبط) قال الحافظ (١): بكسر الهمزة والموحدة وسكونها، وهو
المشهور، يذكر ويؤنث، ويتأدى أصل السنة بالحلق، ولا سيما من يؤلمه
النتف، وقد أخرج ابن أبي حاتم في ((مناقب الشافعي)) عن يونس بن
عبد الأعلى، قال: دخلت على الشافعي ورجل يحلق إبطه، فقال: إني علمت
أن السنة النتف، ولكن لا أقوى على الوجع، قال الغزالي: هو في الابتداء
موجع، لكن يسهل على من اعتاده، قال: والحلق كافٍ؛ لأن المقصود
النظافة، وتُعُقِّب بأن الحكمة في نتفه أنه محل للرائحة الكريهة، وإنما ينشأ ذلك
من الوسخ الذي يجتمع بالعرق، فيتلبّدُ ويُهَيِّجُ، فشرع فيه النتف الذي يضعفه،
فتخف الرائحة به بخلاف الحلق، فإنه يقوي الشعر، ويهيجه، فتكثر الرائحة
لذلك.
وقال ابن دقيق العيد: من نظر إلى اللفظ وقف مع النتف، ومن نظر إلى
المعنى أجازه بكل مزيل، لكن بَيَّنَ أن النتف مقصود من جهة المعنى، فذكر
نحو ما تقدم، قال: وهو معنى ظاهر لا يهمل، فإن مورد النص إذا احتمل
معنى مناسباً يحتمل أن يكون مقصوداً في الحكم، لا يترك، والذي يقوم مقام
النتف في ذلك التَّنُّورُ، لكنه يرقُّ الجلد، فقد يتأذى صاحبه به، ولا سيما إن
كان جلده رقيقاً، وتستحب البداءة في إزالته باليد اليمنى، ويزيل ما في اليمنى
بأصابع اليسرى، وكذا اليسرى إن أمكن وإلا فباليمنى، اهـ.
وفي ((المحلى)): قال الطيبي: نتفها سنة، ويحصل أيضاً بالحلق والنورة،
وقيل: في وجه تخصيصها بالنتف أنه محل الرائحة الكريهة باحتباس الأبخرة
عند المسام، فالنتف يضعف أصول الشعر والحلق يقويه، اهـ.
قال الزرقاني(٢): قد جاء عن جماعة من الصحابة بياض إبطيه وَّر، فقال
(١) ((فتح الباري)) (٣٤٤/١٠).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٥/٤).
٢٦١

٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َالعمل
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
وَحَلْقُ الْعَانَةِ،
الطبري: من خصائصه ول # أن الإبط من جميع الناس متغير اللون إلا هو عليه
الصلاة والسلام، ومثله القرطبي، وزاد: وأنه لا شعر عليه، ونازعه الولي
العراقي، وقال: لم يثبت بوجه، والخصائص لا تثبت بالاحتمال، ولا يلزم من
ذكر أنس وغيره بياض إبطيه أن لا يكون له شعر، فإن الشعر إذا نتف بقي
المكان أبيض، وإن بقي فيه آثار الشعر.
وقال عبد الله بن أقرم (١)، وقد صلى معه وَل: كنت أنظر إلى عفرة
إبطيه، حسنه الترمذي(٢)، والعفرة بياض ليس بالناصع، كما قاله الهروي
وغيره، وهذا يدل على أن آثار الشعر هو الذي جعل المكان أعفر، وإلا فلو
كان خالياً عن نبات الشعر جملة لم يكن أعفر. نعم، الذي نعتقده أنه لم يكن
لإبطيه رائحة كريهة، وقال الحافظ: اختلف في المراد ببياض إبطيه، فقيل: لم
يكن تحت إبطيه شعر، فكانا كَلَوْنِ جسده، وقيل: كان لدوام تعاهده له لا يبقى
فيه شعر، اهـ.
وقال الزبيدي: ذكر بعض الشافعية أنه وَلو لم يكن له شعر تحت إبطه،
لحديث أنس المتفق عليه أنه ◌ّر كان يرفع يديه في الاستسقاء حتى يُرَى بياض
إبطيه، ثم ذكر ما تقدم من كلام الزرقاني، وذكر لحديث عبد الله بن أقرم
أخرجه الترمذي وحسنه، والنسائي، وابن ماجه، وفي ((المحلى)): ما يروى لم
يكن في إبطه وَلِّ شَعْرٌ لم يصح، وحديث ((يرى بياض إبطيه)) لا يدل عليه كما
زعم، اهـ.
(وحلق العانة) ولفظ البخاري في حديث الباب بدله ((الاستحداد))، قال
الحافظ(٣): استفعال من الحديد، والمراد به استعمال الموسى في حلق الشعر
(١) انظر ترجمته في ((أسد الغاية)) (٥٥٢/٢)، و((الإصابة)) (٣٥/٢/٣).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٧٤).
(٣) ((فتح الباري)) (٣٤٣/١٠).
٢٦٢

٥٠ - كتاب صفة النبي
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
من مكان مخصوص من الجسد، قال النووي: المراد بالعانة الشعر الذي فوق
ذَكَر الرجل وحواليه، وكذا الشعر الذي حوالي فرج المرأة، ونقل عن أبي
العباس بن سريج: أنه الشعر النابت حول حلقة الدبر.
فتحصل من مجموع هذا استحباب حلق جميع ما على القبل والدبر
وحولهما، وقال أبو شامة: العانة الشعر النابت على الركب - بفتح الراء
والكاف -، وهو ما انحدر من البطن، فكان تحت أنثييه وفوق الفرج، وقيل:
ظاهر الفرج، وقيل: الفرج بنفسه، سواء من رجل أو امرأة، قال: ويستحب
إماطة الشعر عن القبل والدبر، بل هو من الدبر أولى خوفاً من أن يعلق شيء
من الغائط، فلا يزيله المستنجي إلا بالماء، ولا يتمكن من إزالته بالاستجمار.
وقال ابن دقيق العيد: قال أهل اللغة: العانة الشعر النابت على الفرج،
وقيل: هو منبت الشعر، قال: وهو المراد في الخبر، وقال ابن العربي: شعر
العانة أولى الشعور بالإزالة، لأنه يكثّف ويتلبّد فيه الوسخ، بخلاف شعر
الإبط، قال: وأما حلق حول الدبر فلا يشرع، وكذا قال الفاكهي في ((شرح
العمدة)): إنه لا يجوز، ولم يذكر للمنع مستنداً، والذي استند إليه أبو شامة
قويٌّ، بل ربما تصور الوجوب في حق من تعين ذلك في حقه، كمن لم يجد
من الماء إلا القليل، وأمكنه أن لو حلق الشعر أن لا يعلق به شيء من الغائط
يحتاج معه إلى غسله، قال ابن دقيق العيد: كان الذي ذهب إلى حلق ما حول
الدبر ذكره بطريق القياس، اهـ.
وقال الزبيدي: اختلف اللغويون في العانة، فقال الأزهري وجماعة:
منبت الشَعَر فوق قُبل الرجل، والشعر النابت عليها الإسب(١) والشعرة، وقال
ابن فارس: العانة الإسب، وقال الجوهري: هي شعر الركب، وقال ابن
(١) الإسب: شَعَرُ الرَّكَبِ أو الفَرْج أو الإست.
٢٦٣

٥٠ - كتاب صفة النبي وَلـ
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
الأعرابي وابن السكيت: استحدّ واستعان: حَلَقَ عانته، وعلى هذا فالعانة
الشعر النابت، وفي حديث بني قريظة: ((من كان له عانة فاقتلوه))، ظاهره دليل
لهذا القول، وصاحب القول الأول يقول: معناه من كان له شعر عانة، فحذف
للعلم به، واختلف الفقهاء في تفسير العانة التي يستحب حلقها، فالمشهور
الذي عليه الجمهور: أنها ما حول ذكر الرجل وفرج المرأة، ثم ذكر قول
النووي تبعاً لابن سريج المذكور.
قال الطحطاوي على ((المراقي))(١): العانة هي الشعر الذي فوق الذكر
وحواليه وحوالي فرجها، ويستحب إزالة شعر الدبر خوفاً من أن يعلق به شيء
من النجاسة الخارجة، فلا يتمكن من إزالته بالاستجمار، اهـ.
وقال ابن رسلان: وفي (كتاب الودائع)) لأبي العباس: العانة الشعر
المستدير حول حلقة الدبر، قال النووي: هو غريب، لكن لا منع من حلقه،
أما الاستحباب، فلم أر فيه شيئاً غير هذا، اهـ.
ثم قال الحافظ (٢): قال النووي: ذكر الحلق لكونه هو الأغلب، وإلا
فيجوز الإزالة بالنورة(٣) والنتف وغيرهما، وقد سئل أحمد عن أخذ العانة
بالمقراض؟ فقال: أرجو أن يجزئ، قيل: فالنتف؟ قال: وهل يَقْوَى على هذا
أحدٌ؟ وقال ابن دقيق العيد: الأولى ههنا الحلق اتباعاً، ويجوز النتف بخلاف
الإبط، فإنه بالعكس؛ لأنه تحتبس تحته الأبخرة، بخلاف العانة، والشعر من
الإبط بالنتف يضعف، وبالحلق يقوى، فجاء الحكم في كل من الموضعين
بالمناسب.
(١) (ص٤٣١).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٤٣/١٠).
(٣) النورة: حجر الكلس، ثم غلبت على أخلاط تضاف إلى الكلس من زرنيخ وغيره،
وتستعمل لإزالة الشعر.
٢٦٤

٥٠ - كتاب صفة النبي وَل -
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
وقال النووي وغيره: السنة في العانة الحلق بالموسى في حق الرجل
والمرأة معاً، وقد ثبت الحديث الصحيح في النهي عن الطروق ليلاً حتى
تستحِدّ المغيبةُ، لكن يتأدى أصل السنة بكل مزيل.
وقال النووي أيضاً: الأولى في حق الرجل الحلق، وفي حق المرأة
النتف، واستشكل بأن فيه ضرراً على المرأة بالألم، وعلى الزوج باسترخاء
المحل، فإن النتف يرخي المحل باتفاق الأطباء، ومن ثم قال ابن دقيق العيد:
إن بعضهم مال إلى ترجيح الحلق في حق المرأة؛ لأن النتف يرخي المحل.
قال ابن العربي: إن كانت شابة فالنتف في حقها أولى؛ لأنه يربو مكان
النتف، وإن كانت كهلة فالأولى في حقها الحلق؛ لأن النتف يُرْخِي المحل،
ولو قيل: الأولى في حقها التنور مطلقاً لما كان بعيداً، وأما التنور فسئل عنه
أحمد فأجازه، وذكر أنه يفعله، وفيه حديث عن أم سلمة أخرجه ابن ماجه
والبيهقي ورجاله ثقات، ولكنه أعلّه بالإرسال، وأنكر أحمد صحته، ولفظه:
((إن النبي ◌َّ إذا طلى وَلِيَ عانته بيده))، ومقابله حديث أنس: ((أن النبي اَّ
كان لا يتنور، وكان إذا كثر شعره حلقه))، ولكن سنده ضعيف جداً، اهـ.
قال الزرقاني(١): روى الخرائطي عن أم سلمة، أن النبي ◌َّلَ كان يُنَوِّرُه
الرجل، فإذا بلغ مراقه تولى هو ذلك، قال ابن القيم: ورد في النورة أحاديث،
هذا أمثلها، قال السيوطي: هو مثبت، وأجود إسناداً من حديث النفي، فيقدم
عليه، واستعمالها مباح لا مكروه، وقال الزبيدي: يستحب إزالته بالحلق، وهو
الذي في الحديث عند الجماعة عن أبي هريرة، أو بالنورة، وهو أنظف، أو
بالقصِّ بالمقراض، أو بالنتف، وتحصل السنة بكل منها، إذ المقصود حصول
النظافة، قال المناوي: الحكمة فيه التنظف مما يكره عادة، والتحسن للزوجين
وهو للمرأة آكد، اهـ.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٥/٤).
٢٦٥

٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َليه
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
وَالاخْتِتَانُ.
وقال الموفق(١): الاستحداد مستحبُّ؛ لأنه من الفطرة، وبأي شيء أزاله
صاحبه فلا بأس به؛ لأن المقصود الإزالة، قيل لأبي عبد الله: أيأخذ الرجل
سِفْلَتَه بالمقراض وإن لم يستقص؟ قال: أرجو أن يجزئه إن شاء الله قيل: ما
تقول في النتف؟ قال: وهل يقوى على هذا أحد؟ انتهى مختصراً.
وفي ((الدر المختار))(٢): يستحب حلق عانته في كل أسبوع مرة، قال ابن
عابدين: قال في ((الهندية)): يبتدئ من تحت السرة، ولو عالج بالنورة يجوز،
وفي ((الأشباه)): السنة في عانة المرأة النتف، اهـ.
وقال الطحطاوي(٣): السنة في حلق العانة أن يكون بالموسى لأنه يقوي،
وأصل السنة يتأدى بكل مزيل لحصول المقصود، وهو النظافة، وسواء في ذلك
الرجل والمرأة، وقال النووي: الأولى في حقه الحلق وفي حقها النتف، اهـ.
(والاختتان) كذا في جميع النسخ المصرية والهندية، وفي رواية البخاري
بدله ((الختان))، قال الحافظ: بكسر المعجة وتخفيف المثناة مصدر ختن، أي
قطع، والختن بفتح ثم سكون، قطع بعض مخصوص من عضو مخصوص،
والختان اسم لفعل الخاتن، ولموضع الختان أيضاً كما في حديث عائشة، ((إذا
التقى الختانان))، والأول المراد ههنا، اهـ. قال المجد: ختن الولد يختنه فهو
ختين ومختون: قَطَعَ غُرْلَتَه، اهـ.
قال النووي: يسمى ختان الرجل إعذاراً بذال معجمة، وختان المرأة
خفضاً بخاء وضاد معجمتين، وقال أبو شامة: كلام أهل اللغة يقتضي تسمية
الكل إعذاراً، والخفض يختص بالنساء.
(١) ((المغني)) (١١٧/١).
(٢) (٦٧١/٩).
(٣) (ص٤٣١).
٢٦٦

٥٠ - كتاب صفة النبي وَله
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
قال الماوردي: ختان الذكر قطع الجلدة التي تُغَطّ الحشفة، والمستحب
أن تستوعب من أصلها عند أول الحشفة، وأقلُّ ما يجزئ أن لا يبقى منها ما
يتغشى به شيء من الحشفة، وقال إمام الحرمين: المستحق في الرجال قطع
القلفة، وهي الجلدة التي تغطي الحشفة حتى لا يبقى من الجلدة شيء مُتَدَلِّ،
وقال ابن الصباغ: حتى تنكشف جميع الحشفة، وقال ابن كج فيما نقله
الرافعي: يتأدى الواجب بقطع شيء مما فوق الحشفة، وإن قَلّ بشرط أن
يستوعب القطع تدوير رأسها، قال النووي: هو شاذٌّ، والمعتمد الأول، قال
الإمام: والمستحق من ختان المرأة ما ينطلق عليه الاسم.
قال الماوردي: ختانها قطع جلدة تكون في أعلى فرجها فوق مدخل
الذكر، كالنواة أو كعرف الديك، والواجب قطع الجلدة المستعلية منه دون
استئصاله، وقد أخرج أبو داود من حديث أم عطية أن امرأة كانت تختن
بالمدينة، فقال لها النبي ◌َّة: ((لا تنهكي، فإن ذلك أحظى للمرأة))، وقال: إنه
ليس بالقوي، قال الحافظ (١): وله شاهدان من حديث أنس وحديث أم أيمن
عند أبي الشيخ، وآخر من حديث الضحاك بن قيس عند البيهقي، اهـ.
قال النووي(٢): الواجب في الرجل أن يقطع جميع الجلدة التي تغطي
الحشفة حتى ينكشف جميع الحشفة، وفي المرأة يجب قطع أدنى جزء من
الجلدة التي في أعلى الفرج، اهـ.
قال الحافظ: أفاد الشيخ أبو عبد الله بن الحاج في ((المدخل)) أنه اختلف
في النساء هل يخفضن عموماً أو يفرق بين نساء المشرق، فيخفضن، ونساء
المغرب فلا يخفضن لعدم الفضلة المشروع قطعها منهن، فمن قال: إن من ولد
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٣٤٠/١٠).
(٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٤٨/٣).
٢٦٧

٥٠ - كتاب صفة النبي ولة
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
مختوناً استحب إمرار الموسى على الموضع امتثالاً للأمر، قال في حق المرأة
كذلك، ومن لا فلا، اهـ.
وفي ((الدر المختار)): لو ختن ولم يقطع الجلدة كلها ينظر، فإن قطع أكثر
من النصف كان ختاناً، وإن قطع النصف فما دونه لا يكون ختاناً يعتد به لعدم
الختان حقيقة، اهـ.
وقال الغزالي في ((الإحياء)) (١): ينبغي أن لا يبالغ في خفض المرأة
لقوله وَّ لأم عطية، وكانت تخفض: ((يا أم عطية أَشِمِّي ولا تَنْهَكي، فإنه
أَسْرَى للوجه وأحظَى عند الزوج)»(٢) أي أكثر لماء الوجه ودمه وأحسن في
جماعها .
قال الزبيدي: رواه الحاكم والبيهقي من حديث الضحاك بن قيس، ولأبي
داود نحوه من حديث أم عطية، وكلاهما ضعيف، والإشمام هو أن يكون بين
بين، والنهك هو المبالغة في العمل، قاله الزمخشري، وقوله: أكثر لماء الوجه
ودمه، لأن شهوتها تبقى بالإشمام، فيرجع الدم إلى الوجه، ويظهر فيه الطراوة.
وقوله: أحسن في جماعها؛ لأن الخافضة إذا استأصلت جلدة الختان
ضعفت شهوتها، فكرهت الجماع، فقلت حظوتها عند بعلها، كما أنها إذا
تركت بحالها فلم تأخذ منها شيئاً بقيت غلتها، فقد لا تكتفي بجماع حليلها
فتقع في الزنا، فأخذ بعضها تعديل للخلقة، اهـ.
ثم اختلفوا في حكم الختان، قال الحافظ في ((الفتح)) (٣): قد ذهب إلى
(١) ((إحياء علوم الدين)) (١٤٢/١).
(٢) ذكره الهيثمي، في كتاب اللباس، ((مجمع الزوائد» (١٧٢/٥)، وقال: رواه الطبراني في
«الأوسط» وإسناده حسن.
(٣) ((فتح الباري)) (٣٤٠/١٠).
٢٦٨

٥٠ - كتاب صفة النبي وَلخل
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
وجوب الختان دون باقي الخصال الخمس المذكورة في حديث الباب الشافعي
وجمهور أصحابه، وقال به من القدماء عطاء حتى قال: لو أسلم الكبير لم يتم
إسلامه حتى يختن، وعن أحمد وبعض المالكية يجب، وعن أبي حنيفة واجب
ليس بفرض، وعنه سنة يأثم بتركه، وفي وجه للشافعية لا يجب في حق النساء،
وهو الذي أورده صاحب ((المغني)) عن أحمد، وذهب أكثر العلماء وبعض
الشافعية إلى أنه ليس بواجب لحديث شدّاد بن أوس رفعه: ((الختان سنة
للرجال، مكرمة للنساء))، وهذا لا حجة فيه لما تقرر أن لفظ السنة إذا ورد في
الحديث لا يراد به التي تقابل الواجب، لكن لما وقعت التفرقة بين الرجال
والنساء في ذلك دل على أن المراد افتراق الحكم.
وتُعقب بأنه لم ينحصر في الوجوب، فقد يكون في حق الرجال آكد منه
في حق النساء، أو يكون في حق الرجال الندب، وفي حق النساء الإباحة إلى
آخر ما بسط في دلائل الوجوب، والجواب عنها أشد البسط، فارجع إليه لو
شئت التفصيل.
وقال النووي(١): الختان واجب عند الشافعي وكثير من العلماء، وسنة
عند مالك وأكثر العلماء، وهو عند الشافعي واجب على الرجال والنساء
جميعاً، والواجب في الرجل أن يقطع جميع الجلدة التي تغطي الحشفة حتى
تنكشف جميع الحشفة، وفي المرأة يجب قطع أدنى جزء من الجلدة، اهـ.
قال الزبيدي: اختلف العلماء في حكمه، فذهب أكثر العلماء إلى أنه
سنة، وليس بواجب، وهو قول مالك وأبي حنيفة في رواية، وفي أخرى عنه
واجب، وأخرى عنه يأثم بتركه، وإليه ذهب بعض أصحاب الشافعي، وذهب
الشافعي إلى وجوبه مطلقاً، وذهب أحمد، وبعض أصحاب الشافعي إلى أنه
واجب في حق الرجال، سنة في حق النساء، اهـ.
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٤٨/١).
٢٦٩

٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َ *-
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
قال الموفق(١): الختان واجب على الرجال ومكرمة في حق النساء،
وليس بواجب عليهن، هذا قول كثير من أهل العلم، قال أحمد: الرجل أشدُّ
في ذلك لأنه إذا لم يختتن، فتلك الجِلْدةُ مُدَلَّةً على الكَمَرة، ولا يُنَقَّى ما ثَمَّ،
والمرأة أهون، وكان ابن عباس - رضي الله عنهما - يُشَدِّد في ذلك، وروي عنه
أنه لا حج له ولا صلاة له يعني إذا لم يختتن، والحسن يُرخّص فيه، يقول:
إذا أسلم لا يبالي أن لا يختتن، ويقول: أسلم الناسُ الأسود والأبيضُ، لم
يُفتَّشْ أحدٌ منهم، ولم يختتنوا، والدليل على وجوبه أن ستر العورة واجب،
فلولا أن الختان واجب لم يجز هتك حرمة المختون بالنظر إلى عورته من
أجله، ولأنه من شعار المسلمين، فكان واجباً كسائر شعارهم، اهـ.
وذكر ابن قدامة في ((الشرح الكبير)) رواية أخرى أنه يجب على المرأة
أيضاً كالرجل، ولم يذكر الموفق هذه الرواية.
قال الحافظ (٢): والاستدلال بكشف العورة أقدم، من نقل عنه الاحتجاج
بهذا أبو العباس بن سريج نقله عنه الخطابي وغيره، وذكر النووي أنه رآه في
((كتاب الودائع)) المنسوب إليه، قال: ولا أظنه يثبت عنه، قال أبو شامة: وعَبَّر
عنه جماعةٌ من المصنفين بعده بعبارات مختلفة، كالشيخ أبي حامد، والقاضي
حسين، وأبي الفرج السرخسي، والشيخ في ((المهذب))، وتعقبه عياض بأن
كشف العورة مباح لمصلحة الجسم، والنظر إليها يباح للمداواة، وليس ذلك
واجباً بالإجماع، وإذا جاز في المصلحة الدنيوية كان في المصلحة الدينية
أولى، والاستدلال بكونه شعاراً سبقه الخطابي وتعقبه أبو شامة كما في ((الفتح))
بأن شعار الدين ليست كلها واجبة، اهـ.
(١) «المغني)) (١١٥/١).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٤١/١٠).
٢٧٠

٥٠ - كتاب صفة النبي وَل -
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
وقال الباجي(١): الاختتان عند مالك من السنن كقص الأظفار، وحلق
العانة، وقال الشافعي: واجب، وهو مقتضى قول سحنون، واستدل القاضي
أبو محمد على نفي وجوبه بأنه قرنه النبي صل18 بقص الشارب، ونتف الإبط،
ولا خلاف أن هذه ليست بواجبة، وهذا استدلال بالقرائن، وأكثر أصحابنا على
المنع منه، وروى ابن حبيب عن مالك: من تركه من غير عذر ولا علة لم تجز
إمامته ولا شهادته.
ووجه ذلك عندي أن ترك المروءة مؤثر في رد الشهادة، ومن ترك
الاختتان من غير عذر فقد ترك المروءة فلم تقبل شهادته، وأما الخفاض فقد
قال مالك: أحب للنساء قص الأظفار، وحلق العانة، والاختتان مثل ما هو
على الرجال، قال: ومن ابتاع أمة فليخفضها إن أراد حبسها، وإن كانت للبيع
فليس ذلك عليه، قال مالك: والنساء يخفضن الجواري، وقال غيره: وينبغي
أن لا يبالغ في قطع المرأة، اهـ.
وفي ((الدر المختار))(٢): الختان سنة كما جاء في الخبر، وهو من شعائر
الإسلام، فلو اجتمع أهل البلدة على تركه حاربهم الإمام فلا يترك إلا لعذر،
وختان المرأة ليس بسنة، بل مكرمة للرجال، وقيل: سنة، قال ابن عابدين:
قوله: مكرمة للرجال؛ لأنه ألذ في الجماع، وقوله: قيل: سنة، جزم به
البزازي، وقال: لكن لا كالسنة في حق الرجال، وفي كتاب الطهارة من
((السراج الوهاج)): أن الختان سنة عندنا للرجال، والنساء، وقال الشافعي:
واجب، وقال بعضهم: سنة للرجال مستحب للنساء، اهـ.
وفي ((المحلى)): ختان المرأة ليست بسنة عند أبي حنيفة، لكنه مكرمة كما
في ((الدر المختار)).
(١) ((المنتقى)) (٢٣٢/٧).
(٢) (٥١٥/١٠).
٢٧١

٥٠ - كتاب صفة النبي وَ لـ
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
ثم اختلفوا في وقته، قال النووي: الصحيح من مذهبنا الذي عليه جمهور
أصحابنا أن الختان جائز في حال الصغر، ليس بواجب، ولنا وجه أنه يجب
على الولي أن يختن الصغير قبل بلوغه، ووجه أنه يحرم ختانه قبل عشر سنين،
وإذا قلنا بالصحيح، استحب أن يختن في اليوم السابع من ولادته، وهل
يحسب يوم الولادة من السبع أم تكون سبعة سواء؟ فيه وجهان؛ أظهرهما
يحسب، اهـ.
وقال الحافظ في ((الفتح)) (١): اختلف في الوقت الذي يشرع فيه الختان،
قال الماوردي: له وقتان، وقت وجوب، ووقت استحباب، فوقت الوجوب
البلوغ، ووقت الاستحباب قبله، والاختيار يوم السابع من بعد الولادة، وقيل:
من يوم الولادة، فإن أخر ففي الأربعين يوماً، فإن أخّر ففي السنة السابعة، فإن
بلغ وكان نضواً نحيفاً يعلم من حاله أنه إذا اختتن تلف، سقط الوجوب،
ويستحب أن لا يؤخر عن وقت الاستحباب إلا لعذر.
وذكر القاضي حسين أنه لا يجوز أن يختتن حتى يصير ابن عشر سنين؛
لأنه يومُ ضربه على ترك الصلاة، وألم الختان فوق ألم الضرب، فيكون أولى
بالتأخير، وزَيَّفَه النووي في ((شرح المهذب)).
وقال إمام الحرمين: لا يجب قبل البلوغ؛ لأن الصبيّ ليس من أهل
العبادة المتعلقة بالبدن، فكيف مع الألم، قال: ولا يرد وجوب العدة على
الصبية، لأنه لا يتعلق به تعب، بل هو مضي زمان محض، وقال أبو الفرج
السرخسي: في ختان الصغير مصلحة من جهة أن الجلد بعد التمييز يغلظ
ويخشن، فمن ثم جَوَّزَ الأئمة الختان قبل ذلك.
(١) ((فتح الباري)) (٣٤٢/١٠).
٢٧٢

٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َله
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
ونقل ابن المنذر عن الحسن ومالك كراهة الختان يوم السابع، لأنه فعل
اليهود، وقال مالك: يحسن إذا أثغر أي ألقى ثغره، وهو مقدم أسنانه، وذلك
يكون في السبع سنين، وما حولها، وعن الليث يستحب ما بين سبع سنين إلى
عشر سنين، وعن أحمد: لم أسمع فيه شيئاً .
وأخرج الطبراني في ((الأوسط)) عن ابن عباس، قال: سبعة من السنة في
الصبي: يوم السابع يُسَمَّى، ويختن، ويماط عنه الأذى، وتثقب أذنه، ويعق
عنه، ويحلق رأسه، ويلطخ من عقيقته، ويتصدق بوزن شعر رأسه ذهباً أو فضة،
وفي سنده ضعف، وأخرج أبو الشيخ من طريق الوليد بن مسلم بسنده عن جابر
((أن النبي ◌َّل ختن حسناً وحسيناً لسبعة أيام)) قال الوليد: فسألت مالكاً عنه؟
فقال: لا أدري، ولكن الختان طهرة، فكلما قَدَّمَها كان أحبّ إليّ.
وأخرج البيهقي حديث جابر، وأخرج أيضاً من طريق موسى بن علي عن
أبيه: أن إبراهيم عليه السلام ختن إسحاق وهو ابن سبعة أيام، اهـ.
قال الغزالي(١): أما التطيهر بالختان فعادة اليهود في يوم السابع من
الولادة، ومخالفتهم بالتأخير إلى أن يثغر الولد أحبُّ، وأبعد عن الخطر، قال
الزبيدي: أشار به إلى وقته، وهو البلوغ أو بعده على الصحيح من مذهب
المصنف؛ لما روى البخاري في ((صحيحه)) عن ابن عباس أنه سُئِل مثل من
أنت حين قبض رسول الله وَ﴿؟ قال: أنا يومئذ مختون، وكانوا لا يختنون
الرجل حتى يُدرك، وأما وقت الاستحباب، فقال الماوردي، فذكر كلام
الحافظ المذكور قبل إلى قوله: زَيَّفَه النوويّ في ((شرح المهذب)).
وفي ((الشرح الكبير))(٢) لابن قدامة: اختلف العلماء في وقت الختان،
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٥٩٤/٩).
(٢) (١/ ٧٠).
٢٧٣

٥٠ - كتاب صفة النبي وَلـ
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
فقال مالك: يختن يوم أسبوعه، وهو قول الحسن، وقال أحمد: لم أسمع في
ذلك شيئاً، وقال الليث: الختان للغلام ما بين سبع سنين إلى العشرة، وروى
محكول أو غيره أن إبراهيم - عليه السلام - ختن إسحاق بسبعة إيام، وإسماعيل
لثلاث عشرة سنة، وروي عن أبي جعفر أن فاطمة - عليها السلام - كانت تختن
ولدها يوم السابع، قال ابن المنذر: ليس في باب الختان خبرٌ حتی یرجع إليه،
ولا سُنَّةٌ تتبع، والأشياء على الإباحة، قال الشارح: ولا يثبت في ذلك توقيت،
فمتى ختن قبل البلوغ كان مصيباً، اهـ.
قلت: ما حكي من مذهب الإمام مالك والحسن يخالفه ما تقدم في كلام
الحافظ عن ابن المنذر عنهما، والصواب ما في ((الفتح))؛ لأن الباجي حكى
عنه الكراهة، وهو صاحب المذهب، ولما تقدم عن الوليد أنه ذكر لمالك سبعة
أيام، فقال: لا أدري.
وقال الزرقاني(١): وفي (التمهيد)): تواتر عن جمع من العلماء أنَّ إبراهيم
- عليه السلام - ختن إسماعيل لثلاث عشرة سنة وإسحاق لسبعة أيام، وكره
جماعة الختان يوم السابع، قال ابن وهب: قلت لمالك: أترى أن تختن الصبي
يوم السابع؟ فقال: لا أرى ذلك، إنما ذلك من عمل اليهود، ولم يكن من
عمل الناس إلا حديثاً، قلت: فما حد ختانه؟ قال: إذا أدب على الصلاة،
قلت: عشر سنين أو أدنى من ذلك؟ قال: نعم، اهـ.
وقال الباجي(٢): وقت الاختتان الصبا على ما اختاره مالك وقت
الإثغار، وقيل: عن مالك من سبع سنين إلى العشرة، قال: ولا بأس أن يعجل
قبل الإثغار أو يؤخر، وكل ما عجل بعد الإثغار فهو أحبُّ إليّ، وكره أن يختن
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٦/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٢٣٢/٧).
٢٧٤

٥٠ - كتاب صفة النبي
(٣) باب
(١٦٤٨) حدیث
الصبي ابن سبعة أيام، وقال: هذا من فعل اليهود، وكان لا يرى بأساً أن يفعل
لعله يخاف على الصبي، والأصل في ذلك ما روى ابن عباس، ومن جهة
المعنى أن هذا وقت يفهم، ويمكن منه امتثال الأمر والنهي، وهو أول ما يؤخذ
بالشرائع، ولذلك يؤمر بالصلاة، اهـ.
وفي ((المحلى)): قال مالك: يحسن إذا أثغر أي ألقى ثغره، وذلك يكون
في سبع سنين، اهـ.
وفي ((الدر المختار))(١): وقته غير معلوم، وقيل: سبع سنين، كذا في
((الملتقى))، وقيل: عشر، وقيل: أقصاه اثنتا عشرة سنة، وقيل: العبرة بطاقته،
وهو الأشبه، وقال أبو حنيفة: لا علم لي بوقته، ولم يرو عنهما أي الصاحبين
فيه شيء، فلذا اختلف المشايخ فيه، قال ابن عابدين: قوله: غير معلوم، أي
غير مقدر بمدة، وقوله: سبع لأنه يؤمر بالصلاة إذا بلغها، فيؤمر بالختان حتى
يكون أبلغ في التنظيف، قاله في ((الكافي))، زاد في ((خزانة الأكمل)): وإن كان
أصغر منه فحسن، وإن كان فوق ذلك قليلاً فلا بأس به، اهـ.
ثم اختلفوا في الشيخ الكبير الذي أسلم ولم يختتن، قال الباجي (٢):
اختلف في الشيخ الكبير يسلم، فيخاف على نفسه من الاختتان، فقال محمد بن
الحكم: له تركه، وبه قال الحسن البصري. وقال سحنون: لا يتركه وإن خاف
على نفسه، كالذي يجب عليه القطع في السرقة أنه لا يترك القطع من أجل أنه
يخاف على نفسه، وهذا من سحنون يقتضي كونه واجباً متأكد الوجوب، اهـ.
وتقدم في كلام الحافظ عن الماوردي إن بلغ وكان نضواً نحيفاً يعلم من
حاله أنه إذا اختتن تلف سقط الوجوب، وكذا عند الحنفية لا يختن، ففي ((الدر
(١) (٥١٥/١٠).
(٢) ((المنتقى)) (٢٣٢/٧).
٢٧٥

٥٠ - كتاب صفة النبي وقال :
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
المختار))(١): شيخ أسلم، وقال أهل النظر: لا يطيق الختان، ترك، اهـ.
ثم قال الزبيدي: قال الفخر الرازي: الحكمة في الختان أنّ الحشفة قوية
الحس، فما دامت مستورة بالقلفة تقوى اللذة عند المباشرة، فإذا قطعت القلفة
تصلبت الحشفة، فضعفت اللذة، وهو اللائق بشريعتنا تقليلاً للذة، لا قطعاً
لها، فالعدل الختان، اهـ.
قلت: والأوجه عندي في حكمته أن الشهوة تزيد في القلفة، والرجل
بالطبع يكون حاراً والمرأة باردة، كما هو معروف، فإذا جامع الأقلف يسرع
إنزاله لكثرة الشهوة، وقوة الحس في القلفة قبل إنزال المرأة لبرودة طبعها، فلله
در الشريعة المطهرة إذ جعلت نظاماً يتقارب به إنزالهما معاً.
وأفاد شيخ مشايخنا الدهلوي - نور الله مرقده - في ((حجة الله))(٢): أن
الغُرْلَة(٣) عضو زائد يجتمع فيها الوسخ، ويمنع الاستبراء من البول، وينقص لذة
الجماع، وفي ((التوراة)): إن الختان مَيْسَمُ الله على إبراهيم وذريته، معناه أن
الملوك جرت عادتهم بأن يسموا ما خصهم من الدواب لتتميز من غيرها،
والعبيد الذين لا يريدون إعتاقهم، فكذلك جعل الختان ميسما عليهم، وسائر
الشعائر يمكن أن يدخلها تغيير وتدليس، والختان لا يتطرق إليه تغيير إلا
بجهد، اهـ.
وقال ابن عابدين: قيل: السبب في الختان أن إبراهيم لما ابتلي بالترويع
بذبح ولده أحبّ أن يجعل لكل واحد ترويعاً بقطع عضو منه، وإراقة دم، اهـ.
ثم اختلفوا في ختانه ◌َّ، قال الشيخ ابن القيم في ((زاد المعاد)) (٤):
(١) (٥١٥/١٠).
(٢) ((حجة الله البالغة)) (١/ ١٨٢).
(٣) القلفة.
(٤) (١/ ٨٠).
٢٧٦

٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َله
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
اختلف فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ولد مختوناً مسروراً، وروي في ذلك
حديث لا يصح، ذكره ابن الجوزي في ((الموضوعات))، وليس فيه حديث
ثابت، وليس هذا من خواصه بَّله، فإن كثيراً من الناس يولد مختونا، والناس
يقولون لمن ولد كذلك: ختنه القمر، وهذا من خرافاتهم، القول الثاني: أنه وَلّ
ختن يوم شق قلبه الملائكة عند ظئره حليمة، القول الثالث: أن جده
عبد المطلب ختنه يوم سابعه، وصنع له مأدبة، وسماه محمداً ..
قال ابن عبد البر: في هذا الباب حديث مسند غريب، فذكره بسنده من
طريق يحيى بن أيوب العلاف عن محمد بن أبي السري العسقلاني إلى ابن
عباس: أن عبد المطلب ختن النبي وَل﴿ يوم سابعه، وجعل له مأدبة وسماه
محمداً، قال يحيى بن أيوب: طلبت هذا الحديث فلم أجده عند أحد من أهل
الحديث ممن لقيته إلا عند ابن أبي السري، وقد وقعت هذه المسألة بين رجلين
فاضلين، صنف أحدهما مصنفاً في أنه ولد مختوناً، وأجلب فيه من الأحاديث
التي لا خطام لها ولا زمام، وهو كمال الدين بن طلحة (١)، فنقضه عليه كمال
الدين بن العديم، وبَيَّن فيه أنه وَلَ ختن على عادة العرب، وكان عموم هذه
السنة في العرب مغنياً عن نقل معين فيها، اهـ.
وذكر هذه الأقوال الثلاثة الزبيدي في ((شرح الإحياء)) أيضاً، فقال:
اختلف في ختان نبينا وَلَّ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه ولد مختوناً مقطوع السُّرَّة، أخرجه ابن عساكر من حديث أبي
هريرة، والطبراني في ((الأوسط))، وأبو نعيم، والخطيب من طرق عن أنس
نحوه، وصححه الضياء في ((المختارة))، لكن نقل العراقي عن الكمال بن
(١) فإن له جزءاً في الختان، وصنف في التعقب عليه الكمال بن العديم جزءاً سماه ((الملحة
في الرد على ابن طلحة))، سيأتي ذكرهما في كلام الحافظ في الحديث الآتي، ((فتح
الباري)) (٨٩/١١)، اهـ. (ش)).
٢٧٧

٥٠ - كتاب صفة النبي وَالـ
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
العديم أنه قال: لا يثبت في هذا شيء، وأقَرَّه عليه، وبه صرح ابن القيم(١)،
وردّ على من جعله من خصائصه وَّر، فقد نقل ابن دريد في ((الوشاح)) عن ابن
الكلبي أن غيره من الأنبياء كذلك.
وذكر الحافظ ابن حجر (٢) أن العرب تزعم أن الغلام إذا ولد في القمر
فسخت قلفته، أي اتسعت فيصير كالمختون.
الثاني: أنه وَّ ختنه جده عبد المطلب يوم سابعه، وصنع له مأدبةً،
وسماه محمداً، أورده ابن عبد البر في ((التمهيد)) من حديث ابن عباس
- رضي الله عنه -.
الثالث: أنه وَل ختن عند حليمة السعدية، ذكره ابن القيم(٣)، والدمياطي
ومغلطاي وقالا: إن جبرئيل ختنه حين طهر قلبه، وكذا أخرجه الطبراني في
((الأوسط))، وأبو نعيم من حديث أبي بكرة، لكن قال الذهبي: إن هذا منكر، اهـ.
وفي ((الدر المختار))(٤): قد جمع السيوطي من ولد مختوناً من الأنبياء
- عليهم السلام - فقال:
ثَمَانٍ وتسعٌ طَيِّبُون أَكَارِمُ
وفي الرسل مختون لَعَمْرُكَ خَلْقَةٌ
وحنظلةُ عيسى وموسى وآدمُ
وهم زكريّا شيثُ إدريسُ يوسُف
سليمانُ یحیی هودُ یَس خائَمُ
ونوحٌ شعيبٌ سامُ لوطٌ وصالحُ
قال ابن عابدين قوله: في الرسل صريح في أن ساماً وحنظلة مرسلان،
وقوله: شيث إدريس بلا تنوين كسام وهود، واختلف الرواة في ولادة نبينا وَاليه
مختوناً، ولم يصح فيه شيء.
(١) انظر: ((زاد المعاد)) (٨٠/١).
((فتح الباري)) (٣٤٠/١٠).
(٢)
(٣) ((زاد المعاد)) (٨٠/١).
(٤) (٥١٦/١٠).
٢٧٨

٥٠ - كتاب صفة النبي وَالم
(٣) باب
(١٦٤٩) حديث
٤/١٦٤٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ؛ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ وََّ أَوَّلَ النَّاسِ ضَيَّفَ
الضَّيْفَ .
وأطال الذهبي في ردّ قول الحاكم أنه تواترت به الرواية، وقد ثبت
عندهم ضعف الحديث به، وقال بعض المحققين من الحفاظ: الأشبه بالصواب
أنه وَّ لم يولد مختوناً، اهـ.
قال الحافظ في ((الفتح)) (١): قد ذكرت في أبواب الوليمة من كتاب النكاح
مشروعية الدعوة في الختان، وما أخرجه أحمد عن عثمان بن أبي العاص أنه
دُعي إلى ختان، فقال: ما كنا نأتي الختان على عهد رسول الله وَلّ ولا ندعى
له، أخرجه أبو الشيخ من روايته، فَبَّن أنه كان ختان جارية، وقد نقل الشيخ
أبو عبد الله بن الحاج في ((المدخل)): أن السنة إظهار ختان الذكر، وإخفاء
ختان الأنثى، اهـ.
وتقدم الكلام على الولائم في كتاب النكاح من هذا ((الأوجز)) أيضاً،
ويحتمل إنكار عثمان لما في البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنه - وقد
سُئِل مثل من أنت حين قبض النبي وَ﴾؟ قال: أنا يومئذ مختون، قال: وكانوا
لا يختنون الرجل حتى يُدْرِكَ، فإذا كان الختان عند الإدراك، فكيف يجمع له
الناس؟.
٤/١٦٤٩ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن سعيد بن
المسيب) موقوفاً في ((الموطأ))، قال السيوطي(٢): وصله ابن عدي والبيهقي في
((شعب الإيمان)) من حديث أبي هريرة مرفوعاً، اهـ.
(أنه قال: كان إبراهيم) خليل الله (صلى الله) على نبينا و(عليه وسلم أول
النّاس ضيف) بتشديد التحتية المفتوحة أي أضاف (الضيف) بسكون التحتية اسم
(١) «فتح الباري)) (٩/ ٢٤١).
(٢) (تنوير الحوالك)) (ص٦٦٥).
٢٧٩

٥٠ - كتاب صفة النبي
(٣) باب
(١٦٤٩) حديث
وَأَوَّلَ النَّاسِ إِخْتَتَنَ.
جنس يطلق على الواحد والجماعة، قال الطيبي(١): ضيف خبر كان، وأول
الناس ظرف له، وكذلك ما بعده، ويحتمل أن يكون أول الناس خبر كان،
وضيف يكون مؤولاً بمصدر وقع تمييزاً، أي أول الناس تضييفاً، أو يقدر
المميز ويكون المذكور بياناً له، ولا يخفى أن ضَيَّفَ الضيف مجاز باعتبار ما
يؤول، كذا في ((المحلى))، زاد القاري: الأظهر أن ضَيَّفَ ههنا بمعنى أَطْعَمَ
الضيفَ، وأَمْرمهم، ففيه نوع تجرید، اهـ.
(وأول الناس اختتن) بهمزة وصل، قال القاري(٢): لأن سائر الأنبياء كانوا
يولدون مختونين، ولم يكن سائرالناس مأمورين به، ولما اختتن إبراهيم عليه
السلام صار سنة لجميع الأنام إلا من ولد مختوناً، اهـ.
وفي الصحيحين(٣) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله مَله: ((اختتن
إبراهيم النبي (8﴿ وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم))، قال الحافظ: رويناه بالتشديد
عن الأصيلي والقابسي، ووقع في رواية غيرهما بالتخفيف، قال النووي: لم
يختلف الرواة عند مسلم في التخفيف، وأنكر يعقوب بن شيبة التشديد أصلاً،
واختلف في المراد به، فقيل: اسم مكان، وقيل: اسم آلة النجار، فعلى الثاني
هو بالتخفيف لا غير، وعلى الأول ففيه اللغتان، هذا قول الأكثر، وعكسه
الداودي، وأنكر ابن السكيت التشديد في الآلة.
والراجح أن المراد في الحديث الآلة، فقد روى أبو يعلى من طريق
علي بن رباح، قال: ((أمر إبراهيم بالختان، فاختتن بقدوم، فاشتد عليه
(١) (شرح الطيبي)) (٩/ ٢٩٤٣).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٢٥/٨).
(٣) أخرجه البخاري في الأنبياء (٣٣٥٦)، وفي الاستئذان (٦٢٩٨)، باب الختان بعد الكبر،
وأخرجه مسلم في الفضائل (١٨٣٩/٤)، وانظر ((التمهيد)) (١٣٨/٢٣).
٢٨٠