Indexed OCR Text
Pages 221-240
٥٠ - كتاب صفة النبي وَل (١) باب (١٦٤٦) حديث تخفيفاً، والأدمة شدة السمرة، قال الباجي(١): الآدم فوق الأسمر يعلوه سواد قليل، اهـ. قال المناوي(٢): فنفيه لا ينافي إثبات السمرة في حديث آخر، فالمراد بهذه الرواية أنه ليس بأبيض شديد البياض، ولا بآدم شديد الأدمة، وإنما يخالط بياضه حمرة، ومما يدل على أن المنفي شدة السمرة ما في ((الدلائل)) عن أنس: ((كان أبيض بياضه إلى السمرة))، وفي ((مسند أحمد)) عن الحبر: ((جسمه ولحمه أحمر))، وفي رواية: ((أسمر إلى البياض))، فثبت بمجموع هذه الروايات أن المراد بالسمرة حمرة تخالط البياض، وبالبياض المثبت ما يخالط الحمرة. وأما وصف لونه في أخبار بشدة البياض، كخبر البزار عن أبي هريرة: ((كان شديد البياض))، وخبر الطبراني عن أبي الطفيل: ((ما أنسى شدة بياض وجهه))، فمحمول على البريق واللمعان كما يشير إليه حديث ((كأن الشمس تحرك في وجهه))، واعلم أن أشرف الألوان الأبيض المُشْرَبُ كان بحمرة أو صفرة، أما الأول فظاهر، وأما الثاني، فلأنه لون أهل الجنة في الجنة، والعرب تتمدح به في الدنيا، كما في لامية امرئ القيس وغيرها، فجمع الله في المصطفى بين الأشرفين، ولم يكن لونه في الدنيا كلونه في الأخرى، كي لا يفوته إحدى الحسنيين، اهـ. وبسط الحافظ في ((الفتح)) (٣) في الجمع بين روايات نفي البياض وإثباته، ثم قال: وتبين من مجموع الروايات: أن المراد بالبياض المثبت ما يخالطه الحمرة، والمنفي ما لا يخالطه، وهو الذي تكره العرب لونه، وتسميه أمهق، (١) ((المنتقى)) (٢٣٠/٧). (٢) ((شرح المناوي)) (١٢/١). (٣) ((فتح الباري)) (٥٦٩/٦). ٢٢١ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَ لجر (١) باب (١٦٤٦) حديث وبهذا تبين أن رواية المروزي أمهق ليس بأبيض مقلوبة، ويمكن توجيهها بأن المراد بالأمهق الأخضر اللون، الذي ليس بياضه في الغاية ولا سمرته ولا حمرته، فقد نقل عن رؤية أن المهق خضرة الماء، فهذا التوجيه يتم على تقدير ثبوت الرواية. ثم قال بعد ذكر الروايات المصرحة بشدة البياض: والجمع بينهما بما تقدم، وقال البيهقي: يقال: إن المشرب منه حمرة، وإلى السمرة ما ضحي منه للشمس والريح، وأما ما تحت الثياب فهو الأبيض الأزهر، قال: وهذا ذكره ابن أبي خيثمة عقب حديث عائشة - رضي الله عنها - في صفته وقّ بالبسط من هذا، وزاد: ولونه الذي لا يشك فيه الأبيض الأزهر، اهـ. قال القاري: (١) من تمام الإيمان به اعتقاد أنه لم يجتمع في بدن آدمي من المحاسن الظاهرة الدالة على محاسنه الباطنة ما اجتمع في بدنه وَ لله، ومن ثم نقل القرطبي عن بعضهم أنه لم يظهر تمام حسنه وَله، وإلا لما أطاقت أعين الصحابة النظر إليه، وأما الكفار، فكانوا كما قال تعالى: ﴿وَقَرَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُصِرُونَ﴾(٢). وقال بعض الصوفية: أكثر الناس عرفوا الله عز وجل، وما عرفوا رسول الله وَالير؛ لأن حجاب البشرية غطت أبصارهم، اهـ. قلت: وذكره شيخ مشايخنا الشاه ولي الله الدهلوي في الحديث العشرين من ((الدر الثمين))، قال: أخبرني سيدي الوالد قال: بلغني أن النبي وَّر قال: ((أنا أملح، وأخي يوسف أصبح))، فتحيرتُ في معناه؛ لأن الملاحة توجب قلق العشاق أكثر من الصباحة، وقد روي في قصة سيدنا يوسف - عليه السلام - أن النساء قطعن أيديهن حين رأينه، وأن الناس ماتوا عند رؤيته، ولم يرو عن (١) ((جمع الوسائل)) (٩/١). (٢) سورة الأعراف: الآية ١٩٨. ٢٢٢ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَله (١) باب (١٦٤٦) حديث وَلَا بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ وَلَا بِالسَّبِطِ . نبينا وَير من هذا الباب شيء، فرأيت النبي ◌َّر في المنام، فسألته عن ذلك، فقال: جمالي مستور عن أعين الناس غيرة من الله عز وجل، ولو ظهر لفعل الناس أكثر مما فعلوا حين رأوا يوسف - عليه السلام -، اهـ. قلت: وقد ذكرت شيئاً من ذلك في هامش الجزء الثاني(١) من ((الكوكب الدري))، وأخصر ما قيل في شأنه وَليقول: كشف الدجى بجماله بلغ العلى بكماله صلوا عليه وآله حسنت جميع خصاله (وليس) في النسخ الهندية وفي المصرية بدله ((ولا)) أي ليس شعره (بالجعد) بفتح الجيم وسكون العين أي منقبض الشعر يتجعّد ويَتكسر كشعر الحبش والزنج (القطط) بفتح القاف والطاء المهملة الأولى على الأشهر، ويجوز كسرها هو شدة الجعودة (ولا بالسبط) بفتح السين المهملة وكسر الموحدة على ما ضبطه الأكثر. قال القاري(٢): وتسكن وتفتح، والسبوطة في الشعر ضد الجعودة، وهو الامتداد الذي ليس فيه تعقد، ولا نتوء(٣) أصلاً، والمراد أن شعره وَلو كان متوسطاً بين الجعودة والسبوطة، وفي توصيف الجعد بالقطط إشارة إلى شيء من الجعودة . قال الحافظ: ووقع في حديث علي عند الترمذي وابن أبي خيثمة، لم يكن بالجعد القطط ولا بالسبط، كان جعداً رَجِلاً بكسر الجيم أي متسرحاً، اهـ (١) انظر: الجزء الرابع (ص٣٨٢) و((الكوكب الدري)) في الطباعة القديمة كان في الجزئين، وفي الطباعة الجديدة صار في أربعة أجزاء. (٢) ((جمع الوسائل)) (١٢/١). (٣) النتوء: البروز. ٢٢٣ ٥٠ - كتاب صفة النبي صل ى (١) باب (١٦٤٦) حديث بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً. (بعثه الله وَّة) قال القاري: خبر ثان لكان، أي أرسله الحق إلى الخلق للنبوة والرسالة، قيل: ولد ◌َّه يوم الاثنين، وأنزل عليه الوحي يوم الاثنين، وخرج من مكة مهاجراً يوم الاثنين، وقدم المدينة(١) يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين، اهـ. (على رأس أربعين سنة) قال القاري: حال من المفعول، وقيل: على بمعنى في، وقيل: الرأس مقحم، ويؤيده ما في البخاري ((أنزل عليه، وهو ابن أربعين سنة))، قال شُرّاح الحديث: المراد بالرأس الطرف الأخير منه لما عليه الجمهور من أهل السير من أنه وق لقه بعث بعد استكمال أربعين سنة. قال الطيبي: الرأس ههنا مجاز عن آخر السنة، كقولهم رأس الآية أي آخرها، وتسمية آخر السنة رأسها باعتبار أنه مبدأ مثله من عقد آخر، وأما لفظ الأربعين، فتارة يراد به مجموع السنين، وتارة يراد به السنة التي تنضم إلى تسعة وثلاثين، والاستعمالان شائعان، فالأول كما يقال: عمر فلان أربعون، والثاني كقولهم: الحديث الأربعون، وإيراد التمييز، وهو قوله: سنة، يؤيد الأول، اهـ. ولفظ البخاري: ((أنزل عليه وهو ابن أربعين سنة))، قال الحافظ: وهذا إنما يتم على القول بأنه بعث في الشهر الذي ولد فيه، والمشهور عند الجمهور أنه ولد في شهر ربيع الأول، وأنه بعث في شهر رمضان، فعلى هذا يكون له حين بعث أربعون سنة ونصف، أو تسع وثلاثون ونصف، فمن قال: أربعين ألغى الكسر أو جبر. لكن قال المسعودي وابن عبد البر: إنه بعث في شهر ربيع الأول، فعلى هذا يكون له أربعون سنة سواء، وقال بعضهم: بعث وله أربعون سنة وعشرة (١) أي قباء، اهـ. ((ش)). ٠٠ ٢٢٤ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَل (١) باب (١٦٤٦) حديث فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، أيام، وعند الجعابي: أربعون سنة وعشرون يوماً، وعن الزبير بن بكّار: أنه وُلد في شهر رمضان، وهو شاذ، فإن كان محفوظاً وضم إلى المشهور أن المبعث في رمضان، فيصُّ أنه بعث عند إكمال الأربعين أيضاً. وأبعد منه قول من قال: ((بعث في رمضان، وهو ابن أربعين سنة وشهرين))، فإنه يقتضي أنه ولد في شهر رجب، ولم أر من صرح به، ثم رأيتُه كذلك مصرحاً به في ((تاريخ أبي عبد الرحمن العتقي)) وعزاه للحسين بن علي، وزاد (لسبع وعشرين من رجب)). وهو شاذ، ومن الشاذ أيضاً ما رواه الحاكم عن سعيد بن المسيب قال: ((أنزل على النبي (وَ ل18 وهو ابن ثلاثة وأربعين))، وهو قول الواقدي وتبعه البلاذري وابن أبي عاصم. وفي ((تاريخ يعقوب بن سفيان)) وغيره عن مكحول ((أنه بعث بعد ثلاث وأربعين))، اهـ ما في ((الفتح))(١). وقال الباجي(٢): قوله: بعث على أربعين سنة، وأوقفه على ذلك عبد الله بن عباس وأبو هريرة وعروة بن الزبير وجماعة، وروى ابن عباس: بعث على رأس ثلاث وأربعين، اهـ. قال القاري: ولعل الجمع بينهما بأن بعث النبوة في أول الأربعين، وبعث الرسالة في رأس ثلاث وأربعين، اهـ. (فأقام بمكة) بعد البعث (عشر سنين) بسكون الشين، قال الباجي: اختلف في مقامه بمكة، فقال أنس بن مالك في هذا الحديث: عشر سنين، وروي عن عائشة وابن عباس، وهو قول سعيد بن المسيب، ولم يختلف أهل السير أنه ولد عام الفيل، اهـ. قال القاري(٣): قوله: عشر سنين، أي رسولاً وثلاث عشرة نبياً ورسولاً؛ (١) ((فتح الباري)) (٦/ ٥٧٠). (٢) ((المنتقى)) (٢٣٠/٧). (٣) ((جمع الوسائل)) (١٣/١)، و((التمهيد)» (١٣/٣ - ١٤). ٢٢٥ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َّلات (١) باب (١٦٤٦) حديث وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رَأْسِ سِتِّيْنَ سَنَةً، ... لأن العلماء متفقون على أنه لم أقام بمكة بعد النبوة قبل الهجرة ثلاث عشرة سنة، فقوله: أقام بمكة عشر سنين، محتاج إلى التأويل، وهو ما ذكرناه، ويحتمل أن الراوي اقتصر على العقد، وترك الكسر، ولا خلاف في قوله: وبالمدينة عشر سنين، اهـ. قال المناوي: قول الشارح: عشر سنين رسولاً وقبلها ثلاث سنين نبياً، فيه ما فيه، فإنه ثبت أنه كان في الثلاث، وهي زمان فترة الوحي، يدعو الناس إلى دين الإسلام سِرّاً، فكيف يدعو من لم يرسل الله؟. قال في ((الهدي)) وغيره: أقام المصطفى بعد أن جاءه الملك بالنبوة ثلاث سنين يدعو إلى الله مستخفياً، هذه عبارته، وحينئذ فإما أن يقال: إن رواة العشر ألغوا الكسر، أو يقال بترجيح رواية الثلاث عشرة التي عليها الجمهور، اهـ. (و) أقام (بالمدينة عشر سنين) لا خلاف بين أهل السير في ذلك، حكى الاتفاق على ذلك النووي والزرقاني والقاري والمناوي وغيرهم (وتوفاه الله) تبارك وتعالى (على رأس ستين سنة) أي آخرها، قال الطيبي: مجازه كمجاز قولهم: رأس آية أي آخرها، اهـ. قال الزرقاني(١): صريحه أنه عاش ستين سنة فقط، وفي مسلم من وجه آخر عن أنس: ((أنه عاش ثلاثاً وستين سنة))، ومثله في حديث عائشة في ((الصحيحين))، وبه قال الجمهور، قال الإسماعيلي: لا بد أن يكون الصحيح أحدهما، وجمع غيره بإلغاء الكسر، وللبخاري عن ابن عباس: ((لبث بمكة ثلاث عشرة، ومات وهو ابن ثلاث وستين))، وجمع السهيلي بأن من قال: ثلاث عشرة عَدَّ من أول ما جاءه الملك بالنبوَّة، ومن قال: عشراً عدّ ما بعد الفترة، ونزول ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾﴾، ويؤيده زيادة ((ينزل عليه الوحي)). (١) (شرح الزرقاني)) (٢٨٠/٤). ٢٢٦ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَلا قه (١) باب (١٦٤٦) حديث قال الحافظ ابن حجر: هو مبنيٌّ على صحة خبر الشعبي في ((تاريخ الإمام أحمد)) أن مدة الفترة ثلاث سنين، لكن وقع في حديث ابن عباس عند ابن سعد ما يخالفه، وهو أن مدة الفترة كانت أياماً، قال الحافظ بعد ذكر الروايات المختلفة: والحاصل أن كل من روي عنه من الصحابة ما يخالف المشهور - وهو ثلاث وستون - جاء عنه المشهور، وهم ابن عباس وعائشة وأنس، ولم يختلف على معاوية أنه عاش ثلاثاً وستين، وبه جزم ابن المسيب والشعبي ومجاهد، وقال أحمد: هو الثبت عندنا، وأكثر ما قيل في سنه أنه خمس وستون، أخرجه مسلم عن ابن عباس، وجمع بعضهم بين الروايات المشهورة بأن من قال: خمس وستون جبر الكسر. قال الحافظ (١): فيه نظر؛ لأنه يخرج منه أربع وستون فقط، وقَلَّ من تنبَّهَ لذلك، ومن الشاذ ما رواه عمر بن شَبَّةً أنه عاش إحدى أو اثنتين وستين، ولم يبلغ ثلاثاً وستين، وكذا رواه ابن عساكر من وجه آخر أنه عاش اثنتين وستين ونصفاً، وهذا يصح على قول من قال: ولد في رمضان، وقد بينا أنه شاذ، قاله الحافظ . وقال ابن العربي: روايات ستين وثلاث وخمس ليست باختلاف، إذ لا خلاف أنه أقام أربعين سنة لا يُوحَى إليه، ثم أقام خمسة أعوام ما بين رؤيا وفترة، ثم حَمِيَ الوحي، وتتابع عشرين سنة، فمن عَدَّها قال: ستين، ومن عَدَّ الجملة قال: خمساً وستين، ومن أسقط عامي الفترة قال: ثلاثاً وستين. قال الزرقاني: فيه نظر؛ لأن الصحيح أنه عاش ثلاثاً وستين، وجمعه صريح في أنه عاش خمساً وستين، فالأولى الحمل على جبر الكسر، كذا في ((الزرقاني)) (٢) بزيادة. (١) ((فتح الباري)) (١٥١/٨). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٠/٤). ٢٢٧ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َلا (١) باب (١٦٤٦) حديث وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ وَه. أخرجه البخاريّ في: ٦١ - كتاب المناقب، ٢٣ - باب صفة النبي وَّ. ومسلم في: ٤٣ - كتاب الفضائل، ٣١ - باب صفة النبيّ ثَّ﴾ ومبعثه وسنه، حديث ١١٣. قال الباجي (١): روى الزبير بن عدي عن أنس بن مالك: توفي رسول الله ﴾ وهو ابن ثلاث وستين سنة، وتوفي أبو بكر - رضي الله عنه - وهو ابن ثلاث وستين سنة، وتوفي عمر - رضي الله عنه - وهو ابن ثلاث وستين سنة، قال البخاري: وهذا أصح من رواية ربيعة عن أنس أنه توفي، وهو ابن ستين سنة، وروى قتادة عن أنس أنه توفي ابن خمس وستين سنة، اهـ. قلت: رواية الزبير بن عديّ أخرجه مسلم في ((صحيحه))، قال النووي(٢): روي في سِنِّه وََّ ستون، وخمس وستون، وأصح الروايات وأشهرها ثلاث وستون، رواه مسلم عن أنس وعائشة وابن عباس، واتفق العلماء على أن أصحها ثلاث وستون، وتأولو الباقي عليه، فرواية ستين اقتصر فيها على العقود وترك الكسر، ورواية الخمس متأولة أيضاً، وحصل فيها اشتباه، وقد أنكر عروة على ابن عباس قوله: خمس وستون، ونسبه إلى الغلط، وأنه لم يدرك أول النبوة، ولا كثرت صحبته بخلاف الباقين، واتفقوا أنه والر أقام بالمدينة بعد الهجرة عشر سنين، وبمكة قبل النبوة أربعين سنة، وإنما الخلاف في قدر إقامته بمكة بعد النبوة، والصحيح أنها ثلاث عشرة، فيكون عمره ثلاثاً وستين، اهـ. (وليس في رأسه) وَلّ (ولحيته) الشريفة بكسر اللام، ويجوز فتحها، قاله القاري: وقال المناوي: بكسر اللام. وجعل ((الكشاف)) الفتح قراءة في قوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِ﴾ الآية، واللحية: الشعر النازل على الذقن (عشرون شعرة بيضاء) صفة لشعرة، والجملة حال من مفعول توفاه، وجعله معطوفاً يفسد (١) ((المنتقى)) (٢٣٠/٧). (٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٩٩/١٥). ٢٢٨ ٥٠ - كتاب صفة النبي (١) باب (١٦٤٦) حديث المعنى خلافاً لمن وهمه، كذا في ((جمع الوسائل)) (١)، وقال المناوي: حال من مفعول توفاه، وجَوَّز العصام عطفه على قوله: ليس بالطويل، وهو بعيد، لإيهامه خلاف المراد، لكنه لا ينتهي إلى القول بأنه يفسد المعنى، كما زعمه الشارح. قال الزرقاني(٢): ((ليس في رأسه)) الحديث، أي بل أقلُّ من عشرين، وروى ابن سعد بإسناد صحيح عن ثابت عن أنس: ((ما كان في رأسه وعَله ولحيته إلا سبع عشرة أو ثماني عشرة))، وفي البخاري عن عبد الله بن بسر: ((كان في عنفقته شعرات بِيْضٌ))، وفي مسلم عن أنس: ((كان في لحيته شعرات بيض))، ومقتضى هذا أنه لا يزيد على عشرة لإيراده بصيغة جمع القلة، وهو لا يزيد على عشرة إلا أن ابن بسر خصه بعنفقته، فيحمل الزائد على أنه في صدغيه كما جاء في حديث البراء. وجمع بأن أخباره اختلف باختلاف الأزمان، وللطبراني عن الهيثم بن وهب أنها ثلاثون عدداً، وإسناده ضعيف، وروى أبو نعيم عن عائشة - رضي الله عنها - كان أكثر شيب رسول الله وَلّ في الرأس في فودي رأسه، وكان أكثر شيبه في لحيته حول الذقن، وكان شيبه كأنه خيوط الفضة، يتلألأ بين سواد الشعر، فإذا مسه بصفرة، وكان كثيراً ما يفعل ذلك، صار كأنه خيوط الذهب، اهـ. قال المناوي: قال بعض الأثبات: والمراد بالنفي والإثبات فيما يُرَى من الشعرات بالتخمين، إذ يبعد أن الصحابي يتفحص ما في أثناء شعره بالتحقيق، اهـ. (13) كذا في جميع النسخ الهندية والمصرية، وزاد في المصرية بعد ذلك، وعليه السلام ورحمة الله وبركاته. (١) (١٣/١). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٨١/٤). ٢٢٩ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَلي- (٢) باب (١٦٤٧) حديث (٢) باب ما جاء في صفة عيسى ابن مريم عليه السلام، والدجال ٢/١٦٤٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَ ◌ّهِ قَالَ: ((أَرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ. (٢) صفة عيسى ابن مريم والدجال (صفة عيسى ابن مريم) على نبينا وعليه الصلاة والسلام (والدجال) هكذا في جميع النسخ المصرية والهندية بذكرهما، وليس في بعض النسخ الهندية ذكر الدجال، ولعل من ذكره ذكره لوجوده في الرواية، ومن حذفه فلأن الظاهر أن المقصود بالذكر هو ذكر عيسى عليه السلام. ولعل ذكره من جملة الأنبياء لما في مسلم(١) عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله * يقول: ((أنا أولى الناس بابن مريم، الأنبياء أولاد عَلّاتٍ، وليس بيني وبينه نبيّ))، وفي لفظ: ((أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة، قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: الأنبياء إخوة من عَلّاتٍ وأمهاتهم شتى، ودينهم واحد، وليس بيننا نبي)). ٢/١٦٤٧ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر) رضي الله عنه (أن رسول الله وَ* قال: أراني) بفتح الهمزة، ذكره بلفظ المضارع مبالغة في استحضار صورة الحال (الليلة عند الكعبة) قال الباجي(٢): يريد في المنام، قلت: هو نصُّ رواية البخاري من طريق الزهري عن سالم عن أبيه، قال: ((لا والله ما قال النبي وَ لّ لعيسى أحمر، ولكن قال: بينما أنا نائم أطوف بالكعبة، فإذا رجل آدم سبط الشعر، يُهادى بين رجلين، ينطف رأسه ماءً، أو يُهراق رأسه ماء، فقلت: من هذا؟ قالوا: ابن مريم، فذهبت ألتفتُ، فإذا رجل أحمر، جسيم، جعد الرأس، أعور عينه اليمنى، فإن عينه طافية، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا الدجال)). (١) أخرجه مسلم ح (١٨٣٧)، والبخاري ح (٣٤٤١ - ٣٤٤٢). (٢) ((المنتقى)) (٣٣١/٧). ٢٣٠ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَل ـ (٢) باب (١٦٤٧) حديث فَرَأَيْتُ رَجُلاً آدَمَ. كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ قال الحافظ(١): هذا يدل على أن رؤيته عليه السلام للأنبياء في هذه المرة غير التي وردت في حديث أبي هريرة، فإن تلك كانت ليلة الإسراء، وإن كان قد قيل في الإسراء: جميعه منام، لكن الصحيح أنه كان في اليقظة، وقيل: كان مرة أو مراراً، كما بسطه في محله، اهـ. قلت: وأشار بحديث أبي هريرة ما في البخاري عنه قال: قال النبي وَل: ((ليلة أسري بي لقيت موسى))، فنعته، ثم قال: ((ولقيت عيسى)) فنعته النبي وَل فقال: ((ربعة أحمر، كأنما خرج من ديماس يعني الحمام))، الحديث (فرأيت رجلاً آدم) بمد الهمزة أي أسمر (كأحسن ما أنت راءٍ) بصيغة الفاعل من الرؤية أي كأحسن ما يرى من الأوصاف الجميلة في الرجال (من أدم الرجال) بضم الهمزة وسكون الدال جمع آدم بمعنى أسمر. ولا ينافي هذا ما تقدم من حديث أبي هريرة في نعته ((ربعة أحمر))، فإن الأحمر عند العرب الشديد البياض مع الحمرة، والأدم الأسمر، وجمع بين الوصفين، بأنه أحمر لونه بسبب كالتعب، وهو في الأصل أسمر، وبه تجتمع الروايتان، وما تقدم من رواية سالم عن ابن عمر، قال: ((لا والله ما قال النبي وَّ لعيسى أحمر، لكن قال: فإذا رجل آدم))، قال الحافظ: فيه جواز اليمين على غلبة الظن؛ لأن ابن عمر - رضي الله عنه - ظن أن الوصف اشتبه على الراوي، وأن الموصوف بكونه أحمر إنما هو الدجال لا عيسى، وقرب ذلك أن كلا منهما يقال له المسيح، وهي صفة مدح لعيسى عليه السلام، وصفة ذمِّ للدجال. وكان ابن عمر - رضي الله عنه - قد سمع سماعاً جزماً في وصف عيسى أنه آدم، فساغ له الحلف على ذلك، لما غلب على ظنه بأن من وصفه بأنه (١) ((فتح الباري)) (٤٨٦/٦). ٢٣١ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَالر (٢) باب (١٦٤٧) حديث لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللِّمَمِ قَدْ رَجَّلَهَا فَهْيَ تَقْطُرُ مَاءً. أحمر وهم، وقد وافق ابن عباس أبا هريرة على أن عيسى أحمر، فظهر أن ابن عمر - رضي الله عنه - أنكر شيئاً حفظه غيره، وأما قول الداودي: إن رواية من قال: آدم أثبت، فلا أدري من أين وقع له ذلك مع اتفاق أبي هريرة وابن عباس على مخالفة ابن عمر، وقد وقع في رواية عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة في نعت عيسى ((أنه مربوع إلى الحمرة والبياض))، كذا في ((الفتح))(١). (له) أي لعيسى عليه السلام (لِمة) بكسر اللام وشد الميم، شعر جاوز شحمة الأذنين وأَلَمَّ بالمنكبين، فإن جاوزهما فجمة بضم الجيم، كذا في (الزرقاني))(٢)، قال القاري(٣): اللٍمَّةُ دون الجمة، سُمِّيت بذلك؛ لأنها ألمّت بالمنكبين، والجمة ما سقط على المنكبين، ونقل الجزري أن هذا قول أهل اللغة قاطبة، وقال المناوي: اضطرب أهل اللغة في تفسير الجمة، ثم بسط أقوالهم (كأحسن ما أنت راءٍ من اللِمَمَ) بكسراللام وفتح الميم الأولى جمع لمة (قد رجّلها) قال صاحب ((المحلى)): بتشديد الجيم أي قد مشطها بمشط، وبتشديد الجيم ضبطه الحافظ في ((الفتح)) والقاري في ((المرقاة)). (فهي تقطر ماء) قال صاحب المحلى تبعاً للحافظ: يحتمل أنها تقطر على الحقيقة من الماء الذي سَرّحها به، أو أنه عرق حتى قطر الماء من رأسه. وقال الحافظ(٤) في حديث أبي هريرة المتقدم ((كأنما خرج من ديماس)) يعني الحمام: المراد بذلك وصفه بصفاء اللون ونضارة الجسم، وكثرة ماء الوجه حتى كأنه كان في موضع كِنٍّ، والحمام من جملة الكِنِّ، فخرج منه وهو عرقان. (١) (فتح الباري)) (٤٨٦/٦). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٢/٤). (٣) ((جمع الوسائل)) (١٧/١). (٤) ((فتح الباري)) (٤٨٤/٦). ٢٣٢ ٥٠ - كتاب صفة النبي رَله (٢) باب (١٦٤٧) حديث مُتَّكِئاً عَلَى رَجُلَيْنِ، أَوْ عَلَى عَوَاتِقَ رَجُلَيْنِ. يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ. فَسَأَلْتُ: مَنْ هُذَا؟ قِيلَ: هُذَا الْمَسِيحُ وما في ((البخاري)) من حديث ابن عمر بلفظ ((ينطف رأسه ماء)) محتمل لأن يراد به الحقيقة، وأنه عرق حتى قطر الماء من رأسه، ويحتمل أن يكون كناية عن مزيد نضارة وجهه، ويؤيد ما في رواية أبي هريرة عند أحمد وأبي داود ((يقطر رأسه ماء وإن لم يصبه بللٌ)). (متكئاً) قال القاري: صفة أخرى لرجلاً، أو حال منه لوصفه بآدم أي معتمداً (على رجلين) قال الحافظ(١): لم أقف على اسمهما، وقال القاري: الظاهر أن المراد بهما من يساعدان المسيح على حقه، ولعلهما خضر والمهدي من أصحابه، اهـ. (أو) للشك من الراوي (على عوائق رجلين) جمع عاتق، وهي موضع الرداء من الكتف، وقيل: ما بين المنكب والعنق، وفي رواية موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عند البخاري بلفظ ((واضعاً يديه على منكبي رجلين، وهو يطوف بالبيت))، الحديث، (يطوف بالكعبة) استئناف أو حال. (فسألت) من عندي من الطائفين أو الملائكة (مَنْ هذا) الطائف؟ (فقيل) ولفظ البخاري برواية موسى عن نافع ((فقالوا)): (هذا المسيح) بلام التعريف في الموضعين في النسخ المصرية، وبدونها في الموضعين في الهندية، وفي بعضها بتعريف الأول دون الثاني، وهو بفتح الميم وكسر السين المهملة، مُخَفَّفَةٌ، على المشهور، وقد تشدّد وحاؤه مهملةٌ، وَصحّفَ من أعجمها، اشتهر به؛ لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن، أو لأنه مسح بدهن البركة مسحه زكريا، وقيل: يحيى، أو لأنه كان ممسوح الأخمصين، وعلى هذه الأقوال يكون الفعيل بمعنى المفعول. (١) (٤٨٦/٧). ٢٣٣ ٥٠ - كتاب صفة النبي تَلعمل (٢) باب (١٦٤٧) حديث ابْنُ مَرْيَمَ. ثُمَّ إِذَا أَنَا بِرَجُلِ جَعْدٍ قَطَطِ . وقيل: مشتق من مسح الأرض؛ لأنه لم يكن يستقرُّ في مكان، وقيل: لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برئ، وعلى هذين يكون الفعيل بمعنى الفاعل، وقيل: لأنه كان رجلاً جميلاً، يقال: مسحه الله أي خلقه خلقاً حسناً، وفيه قولهم: به مسحة من جمال، وأغرب الداودي فقال: لأنه كان يلبس المسوح، كذا في ((الفتح)) (١)، وقال في قول البخاري: قال إبراهيم: ((المسيح الصديق))، قال الطبري: مراد إبراهيم بذلك أن الله مسحه فطهره من الذنوب، زاد الزرقاني قيل: هو بالعبرانية ماسح، فعرب المسيح. عيسى (ابن مريم) بنت عمران من ذرية سليمان بن داود - عليهما السلام - من أولاد يهوذ بن يعقوب - عليه السلام -، بينهما ثمانية آباء، كما حررته في ((الوقائع والدهور))(٢). (ثم إذا أنا) للمفاجأة، ولفظ موسى عن نافع عند البخاري(٣): ((فقالوا: هذا عيسى ابن مريم، ثم رأيت رجلاً وراءه جعداً قططاً))، الحديث (برجل جعد) بفتح الجيم وسكون العين المهملة، أي منقبض الشعر، قال الهروي: الجعد في صفات الدجال يكون مدحاً، ويكون ذماً، فإذا كان ذماً، فله معنيان: أحدهما القصير المتردد، والآخر البخيل، يقال: رجل جعد اليدين أي بخيل. وإذا كان مدحاً، فله معنيان أيضاً، أحدهما: أن يكون معناه شديد الخلق، والآخر أن يكون شعره جعداً غير سبط، فيكون مدحاً؛ لأن السبوطة أكثرها في شعور العجم، قاله النووي، ولفظ البخاري برواية الزهري عن سالم: «فذهبت ألتفت، فإذا رجل أحمر، جسيم، جعد الرأس))، يعين المعنى الأخير، ومع ذلك فهو ذم؛ لأن شدة الجعودة ليست بمدح عند أحد، والممدوح الجعودة اليسيرة (قطط) بفتح القاف وفتح الطاء الأولى المهملة على المشهور، وقيل بكسرها، أي شديد جعودة الشعر. (١) انظر: ((فتح الباري)) (٣١٨/٢)، و((القبس)) (١١٠٥/٣)، و((فتح الباري)) (٩١/١٣). (٢) هو من مؤلفات الشارح، ولم يطبع بعد. (٣) ((صحيح البخاري)) (٣٤٤٠). ٢٣٤ ٥٠ - كتاب صفة النبي عليه (٢) باب (١٦٤٧) حدیث أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى. كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ. (أعور العين اليمنى كأنها عنبة طافية) بتحتية بعد الفاء في جميع النسخ، قال الحافظ(١): بياء غير مهموز من طفا الشيء يطفو إذا علا على غيرها، شبهها بالعنبة التي تقع في العنقود بارزة عن غيرها، ولبعضهم بالهمز أي ذهب ضوؤها، قال القاضي عياض: رويناه عن الأكثر بغير همز، وهو الذي صححه الجمهور، وجزم به الأخفش، ومعناه أنها ناتئة نتوء حَبةِ العنب من بين أخواتها . قال: وضبطه بعض الشيوخ بالهمز، وأنكره بعضهم، ولا وجه لإنكاره، فقد جاء في آخر ((أنه ممسوح العين مطموسة، وليست حجراء ولا ناتئة))، وهذه صفة حبة العنب إذا سال ماؤها، وهو يصحح رواية الهمزة. قال الحافظ(١): والحديث المذكور عند أبي داود يوافقه حديث عبادة بن الصامت بلفظ ((رجل قصير، أفحج، جعدٌ، أعور، مطموس العين، ليست بناتئة، ولا جحراء)) بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة أي عميقة، وبتقديم الحاء أي ليست بمتصلبة، وفي حديث عبد الله بن المغفل ((ممسوح العين))، وفي حديث سمرة مثله، وكلاهما عند الطبراني، ولكن في حديثهما ((أعور العين اليسرى))، ومثله لمسلم من حديث حذيفة، وهذا بخلاف حديث الباب ((أعور العين اليمنى))، وقد اتفقا عليه من حديث ابن عمر فيكون أرجح. وإلى ذلك أشار ابن عبد البر، لكن جمع بينهما القاضي عياض، فقال: تصحح الروايتان معاً، بأن تكون المطموسة والممسوحة، والتي ليست بحجراء. ولا ناتئه، هي العوراء الطافئة بالهمز أي التي ذهب ضوؤها، وهي العين اليمنى، كما في حديث ابن عمر، وتكون الجاحظة التي كأنها كوكب. وكأنها نخاعة في حائط هي الطافية بلا همز، وهي العين اليسرى كما جاء في الرواية (١) ((فتح الباري)) (١٣ / ٩٧). ٢٣٥ ٥٠ - كتاب صفة النبي (٢) باب (١٦٤٧) حديث الأخرى، وعلى هذا فهو أعور العين اليمنى واليسرى معاً، فكل واحدة منهما عوراء، أي معيبة، فإن الأعور في كل شيء المعيب، وكلا عَيْنَي الدجال معيبة، إحداهما معيبة بذهاب ضوئها حتى ذهب إدراكها، والأخرى بنتوئها، انتهى كلام عياض على ما حكاه الحافظ. ولخصه العلامة الزرقاني(١)، وأجاد فقال: قال عياض: رويناه بغير همز عن أكثر شيوخنا، وصححوه وإليه ذهب الأخفش، وأنكر بعضهم رواية الهمز، ولا وجه لإنكارها، ويصححها الرواية الأخرى أنه ممسوح العين، وأنها ليست حجراء، ولا ناتئة وأنها مطموسة، وهذه صفة حبة العنب، إذا طفئت وزال ماؤها، ويصحح رواية الياء، قولُه في الرواية الأخرى: ((كأنها كوكب وجاحظة وكأنها نخاعة في حائط مجصص)). ويجمع بين الأحاديث بأن ما صححت به رواية الياء يكون في عين، وما صححت به رواية الهمزة يكون في أخرى، وبه يجمع أيضاً ما اختلف فيه الروايات في أنه أعور العين اليمنى أو اليسرى، لأن العور عيب، وكلتا عينيه معيبة؛ إحداهما بالطمس، وهي اليمنى، والأخرى بالبروز، اهـ. قال النووي: هو في غاية الحسن. قال القرطبي في ((المفهم)): حاصل كلام القاضي أن كل واحدة من عيني الدجال عوراء، إحداهما بما أصابها حتى ذهب إدراكها، والأخرى بأصل خلقتها، لكن يبعد هذا التأويل أن كل واحدة من عينيه قد جاء وصفها في الرواية بمثل ما وصفت به الأخرى من العور، وأجاب صاحبه القرطبي في ((التذكرة)) بأن الذي تأوله القاضي صحيح، فإن المطموسة، وهي التي ليست ناتئة، ولا حجراء هي التي فقدت الإدراك، والأخرى وصفت بأن عليها ظفرة (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٣/٤). ٢٣٦ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َله (٢) باب (١٦٤٧) حديث فَسَأَلْتُ. مَنْ هُذَا؟ فَقِيلَ لِي: هُذَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ)). أخرجه البخاريّ في: ٧٧ - كتاب اللباس، ٦٨ - باب الجعد. ومسلم في: ١ - كتاب الإيمان، ٧٣ - باب ذكر المسيح بن مريم والمسيح الدجال، حديث ٢٧٣. غليظة، وهي جلدة تغشي العين، وإذا لم تقطع عميت العين، وعلى هذا فالعور فيهما؛ لأن الظفرة مع غلظها تمنع الإدراك أيضاً، فيكون الدجال أعمى أو قريباً منه، إلا أنه جاء ذكر الظفرة في العين اليمنى في حديث سفينة، وجاء في العين الشمال في حديث سمرة، وهذا هو الذي أشار إليه شيخه بقوله: إن كل واحدة منهما جاء وصفها بمثل ما وصفت الأخرى. ثم قال في ((التذكرة)): يحتمل أن تكون كل واحدة منهما عليها ظفرة، قال الحافظ: وقع في حديث أبي سعيد عند أحمد ((وعينه اليمنى عوراء جاحظة لا تخفى، كأنها نخاعة في حائط مجصص، وعينه اليسرى كأنها كوكب دري))، فوصف عينيه معاً، ووقع عند أبي يعلى من هذا الوجه ((أعور ذو حدقة جاحظة لا تخفى كأنها كوكب دري)»، ووقع في حديث سفينة عند أحمد والطبراني ((أعور عينه اليسرى، وبعينه اليمنى ظفرة غليظ)). والذي يتحصل من مجموع الأخبار أن الصواب في طافية أنه بغير همز، فإنها قيدت في رواية الباب بأنها اليمنى، وصرح في حديث عبد الله بن مغفل وسمرة وأبي بكرة بأن عينه اليسرى ممسوحة، والطافية هي البارزة، وهي غير الممسوحة، والعجب ممن يجوز رواية الهمزة وعدمه مع تضاد المعنى في حديث واحد، فلو كان ذلك في حديثين لسهل الأمر، وأما الظفرة فجائز أن يكون في كلا عينيه؛ لأنه لا يضاد الطمس ولا النتوء، اهـ. زاد في ((المشكاة)) برواية الشيخ: ((واضعاً يديه على منكبي رجلين يطوف بالبيت فسألت))، الحديث، قال القاري: الظاهر أن المراد بالرجلين من يعاونه على باطله من أمرائه، كما أن المراد بالرجلين الأولين من يساعدان المسيح، اهـ. (فسألت من هذا) الطائف؟ (فقيل: هذا المسيح الدجال) ولفظ موسى بن عقبة ٢٣٧ ٥٠ - كتاب صفة النبي (٢) باب (١٦٤٧) حديث عن نافع عند البخاري(١): ((ثم رأيت رجلاً وراءه جعداً قططاً أعور عين اليمنى، واضعاً يديه على منكبي رجل يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ فقالوا: المسيح الدجال)»، سمي مسيحاً؛ لأنه ممسوح العين، أو لأن إحدى شقي وجهه خلق ممسوحاً لاعين فيه ولا حاجب، أو لأنه يمسح الأرض إذا خرج، وقال الجوهري: من خففه فلمسحه الأرضَ، ومن شَدَّدَه فلأنه ممسوح العين، كذا في ((الزرقاني)» (٢). وتقدم في أبواب الدعاء من كتاب الصلاة أن المسيح بالتخفيف يطلق على الدجال، وعلى عيسى - عليه الصلاة والسلام -، لكن يطلق على الأول مقيداً بالدجال، وقال أبو داود: المسيح مثقلاً الدجال، ومخففاً عيسى عليه الصلاة والسلام، والمشهور الأول، وحكى الفربري عن خلف بن عامر هو بالتشديد والتخفيف واحد، يعني لا اختصاص لأحدهما بأحدهما(٣)، اهـ. وفي ((المرقاة))(٤)، قال التوربشتي: أحبُّ الوجوه إلينا أن الخير مسح عنه، فهو مسيح الضلالة، كما أن الشر مسح عن مسيح الهداية، قال القاري: المسيح وصف غلب على عيسى - عليه الصلاة والسلام -، فيوصف هذا بالدجال، ليتميز المحق من المبطل، اهـ. قال الحافظ(٥): واستشكل كون الدجال يطوف بالبيت، وكونه يتلو عيسى بن مريم، وقد ثبت أنه إذا رآه يذوب، وأجابوا عن ذلك بأن الرؤيا المذكورة كانت في المنام، ورؤيا الأنبياء وإن كانت وحياً لكن فيها ما يقبل (١) ((صحيح البخاري)) (٣٤٤٠). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٣/٤). (٣) انظر: ((فتح الباري)) (٣١٨/٢). (٤) ((مرقاة المفاتيح)) (٢١٤/١٠). (٥) ((فتح الباري)) (٩٨/١٣). ٢٣٨ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَليل (٢) باب (١٦٤٧) حديث التعبير، وقال عياض: لا إشكال في طواف عيسى - عليه الصلاة والسلام - بالبيت، وأما الدجال فلم يقع في رواية مالك أنه طاف، وهي أثبت ممن روى طوافه . وتُعُقِّبَ بأن الترجيح مع إمكان الجمع مردود؛ لأن سكوت مالك عن نافع عن ذكر الطواف لا يرد رواية الزهري عن سالم، وسواء ثبت أنه طاف أم لم يطف، فرؤيته إياه بمكة مشكلة مع ثبوت أنه لا يدخل مكة، ولا المدينة. وقد انفصل عنه القاضي عياض بأن منعه من دخولها إنما هو عند خروجه في آخر الزمان، قال الحافظ: ويؤيده ما دار بين أبي سعيد وبين ابن صياد فيما أخرجه مسلم، وأن ابن صياد قال له: ألم يقل النبي وَله: إنه لا يدخل مكة ولا المدينة، وقد خرجت من المدينة أريد مكة، فتأوله من جزم بأن ابن صياد هو الدجال على أن المنع إنما هو حيث يخرج، وكذا الجواب عن مشيه وراء عيسى - عليه الصلاة والسلام -، اهـ. وقال القاري(١): في طوافه إشعارٌ بأن أحداً لا يستغني عن هذا الجناب، ولا يفتح لهم غرض إلا من هذا الباب، وفي قوله تعالى: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ إيماء إلى ذلك، ولذا وجد الكفار في الجاهلية وزمن البعثة ما كانوا يتركون الطواف، والآن أيضاً يتمنى اليهود والنصارى أن يتشرفوا برؤية هذا البيت والطواف حوله، وقال التوربشتي: إن طواف الدجال حول الكعبة مع أنه كافر مؤول بأن رؤيا النبي ◌ّير من مكاشفاته، كوشف له أن عيسى - عليه الصلاة والسلام - في صورته الحسنة التي ينزل عليها يطوف حول الدين لإقامة أوده، وإصلاح فساده، وأن الدجال في صورته الكريهة التي ستظهر يدور حول الدين يبغي العوج والفساد، اهـ. (١) (مرقاة المفاتيح)) (٢١٤/١٠). ٢٣٩ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َلقه (٣) باب (٣) باب ما جاء في السنة في الفطرة وفي (تعبير الرؤيا)) لابن سيرين: رؤية الكعبة في المنام بشارة بخير قدمه، أو نذارة من شرِ قد همَّ به، اهـ. قال الحافظ في ((الفتح)) (١): الدجال فعّال بفتح أوله والتشديد من الدجل، وهو التغطية، وسُمِّيَ الكذّابُ دجالاً؛ لأنه يغطي الحق بباطله، ويقال: دُجِلَ البعير بالقَطِران إذا غطّاه، وقال ثعلب: الدجال المُمَوَّهُ: سيف مدجل إذا طُلي، وقال ابن دُرَيْد: سمي دجالاً؛ لأنه يغطّي الحق بالكذب، وقيل: لضربه نواحي الأرض، يقال: دجل مخففاً ومشدداً إذا فعل ذلك، وقيل: بل قيل ذلك؛ لأنه يغطي الأرض فرجع إلى الأول. وقال القرطبي في ((التذكرة)): اختلف في تسميته دجالاً على عشرة أقوال، ومما يحتاج إليه في أمر الدجال أصله، وهل هو ابن صياد أو غيره؟ وعلى الثاني، فهل كان موجوداً في عهد رسول الله وَل أولا، ومتى يخرج، وما سبب خروجه، ومن أين يخرج، وما صفته، وما الذي يدّعيه، وما الذي يظهر عنه، وخروجه من الخوارق حتى تكثر أتباعه، ومتى يهلك، ومن يقتله؟ اهـ. ثم ذكر الحافظ الكلام على هذه الأبحاث لا يسعها هذا المختصر، فارجع إليه لو شئت التفصيل. (٣) ما جاء في السنة في الفطرة هكذا في جميع النسخ المصرية وأكثر الهندية، وفي بعضها ((ما جاء في الفطرة))، وهي بكسر الفاء وسكون الطاء أي السنة القديمة التي اختارها الأنبياء، واتفقت عليها الشرائع، فكأنها أمر جبلِّي فُطرُوا عليه، هذا أحسن ما قيل في تفسيرها، قاله أبو عمر، كذا في ((الزرقاني))(٢). (١) ((فتح الباري)) (٩١/١٣). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٣/٤). ٢٤٠