Indexed OCR Text

Pages 201-220

٤٩ - كتاب اللباس
(٧) باب
(١٦٤٢) حديث
لَعَلَّكَ تَأَوَّلْتَ هَذِهِ الْآيَةَ - ﴿فَأَخْلَعْ نَعْلَيْكٌ إِنَّكَ بِالْوَادِ اُلْمُقَدَّسِ طُوَّى﴾.
الإنكار لفعله، أو توقع أن يفعله على وجه ممنوع، ويحتمل أن يكون إنما أنكر
عليه خلع نعليه الصلاة أو ما أشبهها من دخول مسجد أو دخول حرم، ولذلك
قال: لعلك تأولت إلخ، ويحتمل أن يكون أنكر عليه خلع نعليه حال الجلوس
إيثاراً للبسهما على كل حال إلا أن يمنع منه مانع، فأما دخول الحرم والمسجد
الحرام بالنعلين فمباح، لأنه لا وطء عليهما، وإنما فيهما تراب أو حصباء،
وكذلك مسجد المدينة، اهـ.
وقال السيوطي في ((الدر المنثور)): أخرج الطبراني(١) عن علقمة أن ابن
مسعود أتى أبا موسى الأشعري في منزله، فحضرت الصلاة، فقال أبو موسى:
تَقَدَّمْ يا أبا عبد الرحمن، فإنك أقدم سنّاً وأعلمُ، قال: لا، بل تقدم أنت،
فإنما أتيناك في منزلك، فتقدم أبو موسى، فخلع نعليه، فلما صلّى، قال له ابن
مسعود: لِم خلعتَ نعليك، أبالوادي المقدس أنت؟ لقد رأيت رسول الله وَله
يصلي في الخفين والنعلين.
(لعلك تَأوَّلْتَ هذه الآية) التي في سورة طه(٢)، وهي قوله تعالى: (﴿فَأُخْلَعْ
نَعْلَيْكَ﴾) بالفاء في أوله في جميع النسخ الهندية وأكثر المصرية، فما في بعضها
من حذفها ليس بصحيح، فإنها موجودة في التنزيل (﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾)
المطهر أو المبارك الذي مَنَّ الله به عليك، وبهما فسره صاحب ((الجلالين)).
وأخرج السيوطي في ((الدر)) عن الحسن: وادٍ بفلسطين قدس مرتين
(طوى) بدل أو عطف بيان بالتنوين، وتركه مصروف باعتبار المكان، وغير
مصروف للتأنيث باعتبار البقعة مع العلمية، كذا في ((الجلالين)).
(١) ((المعجم الكبير)) (٢٩٣/٨)، ح (٩٣٦٢) قال في ((مجمع الزوائد» (٦٦/٢): رواه أحمد،
وفيه رجل لم يسم، ورواه الطبراني متصلاً برجال ثقات.
(٢) رقم الآية: ١٢.
٢٠١

٤٩ - كتاب اللباس
(٧) باب
(١٦٤٢) حديث
قَالَ: ثُمَّ قَالَ كَعْبٌ لِلرَّجُلِ: أَتَدْرِي مَا كَانَتْ نَعْلَا مُوسَى؟
قَالَ مَالِكٌ: لَا أَدْرِي مَا أَجَابَهُ الرَّجُلُ. فَقَالَ كَعْبٌ: كَانَتَا مِنْ
جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ.
(ثم قال كعب) الأحبار (للرجل) المذكور، وليس في الهندية لفظ للرجل
(أتدري) بهمزة الاستفهام (ما كانت) بصيغة الإفراد في النسخ المصرية، وما
كانتا بصيغة المثنى في النسخ الهندية (نعلا موسى) على نبينا وعليه الصلاة
والسلام (قال مالك: لا أدري) أي لا أعلم (ما أجابه الرجل) وفي النسخ الهندية
((ما أجابه به الرجل))، وهو الأوضح، وفي بعض الهندية ((أجاء به))، وهو
تحريف من الناسخ، أي لا أعلم ما الذي قال الرجل المذكور في جواب كعب
(فقال كعب: كانتا) أي نعلاه (من جلد حمار ميت)(١) ولذا أمر الله عزّ وجلّ
بخلعهما .
قال الزرقاني(٢): يحتمل أنها كانت مدبوغة فترك ذكر الدباغ للعلم به،
ولجري العادة بدباغها قبل لبسها، ويحتمل أن شرع موسى - عليه السلام -
استعمالها بلا دباغ، وهذا من الإسرائيليات؛ لأن كعباً من أحبارها، اهـ.
قال صاحب ((الجمل)): قوله: ﴿فَأَخْلَعْ نَعْلَيْكٌ﴾ أي تعظيماً، قيل: ليباشر
الوادي بقدميه تبركاً به، وقيل: لأن الحفوة تواضع لله تعالى، ومن ثم طاف
السلف بالكعبة حُفَاةً، وقيل: أمر بخلع نعليه لنجاستهما؛ لأنهما كانا من جلد
حمار ميت غير مدبوغ، كما روي عن السدي وقتادة، اهـ.
قال الباجي(٣): يقول: طأ الأرض بقدميك حافياً، قاله مجاهد، وذهب
(١) الحديث في ((التمهيد)) (١٨١/١٨ - ١٨٢)، وأخرجه أحمد في «مسنده» (٣٥٤/٢)، وأبو
داود (٤١٤١)، والترمذي (١٧٦٦).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٧٦/٤).
(٣) ((المنتقى)) (٢٢٨/٧).
٢٠٢

٤٩ - كتاب اللباس
(٧) باب
(١٦٤٢) حديث
كعب الأحبار إلى أنه أمره لما كانتا من جلد حمار ميت، فأمر أن لا يطأ بهما
الأرض المقدسة لنجاستهما، وبذلك قال قتادة وعكرمة، وقال الحسن بن أبي
الحسن البصري ومجاهد: لم تكونا من جلد حمار ميت، وإنما أراد الله تبارك
وتعالى أن يباشر بقدميه بركةَ الأرض المقدسة وهي الطاهرة، وقيل: المباركة،
وقال الحسن: كانتا من جلود البقر، وقد روي عن كعب الأحبار أيضاً أمر
موسى أن يخلع نعليه؛ لأنهما كانتا من جلد حمار ميت، وليباشر القدس
بقدميه، فجمع بين المعنيين(١)، اهـ.
وقال السيوطي في ((الدر))(٢): أخرج عبد الرزاق وغيره عن عليّ - رضي الله
عنه - قال: كانتا من جلد حمار ميت، فقيل له: اخلعهما، وأخرج عبد بن
حميد عن الحسن، قال: ما بال خالع النعلين في الصلاة؟ إنما أمر موسى بخلع
نعليه أنهما كانا من جلد حمار ميت، وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال:
كانت نعلا موسى التي قيل له: اخلعهما من جلد خنزير، وأخرج عبد بن حميد
عن عكرمة في قوله تعالى: ((فاخلع)) قال: كي تمس راحبة قدميك الأرض
الطيبة، اهـ.
وفي ((المحلى)): يشهد لكعب من المرفوع ما رواه الترمذي(٣) من حديث
ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: ((كان على موسى يوم كلَّمه ربه كساء
صوف، وجُبَّةُ صوف، وسراويل صوف، وكمة صوف، وكانت نعلاه من جلد
حمار میت)).
قال الزرقاني(٤): أخرجه الترمذي من حديث حميد الأعرج عن عبد الله بن
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٠٠/٢٦).
(٢) ((الدر المنثور)) (٤٩١/٥).
(٣) الحديث أخرجه الترمذي (٢٢٤/٤).
(٤) ((شرح الزرقاني)) (٢٧٧/٤).
٢٠٣

٤٩ - كتاب اللباس
(٨) باب
(١٦٤٣) حديث
(٨) باب ما جاء في لبس الثياب
١٧/١٦٤٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ
الْأَعْرَجِ،
الحارث عن ابن مسعود رفعه وصححه الحاكم، قال المنذري ظناً منه: إن
حميداً الأعرج هو ابن قيس المكي، وإنما هو ابن علي، وقيل: ابن عمار أحد
المتروكين، قال الترمذي: سألت عنه البخاري، فقال: حميد هذا منكر
الحديث، قال الحاكم: هذا أصل كبير في التصوف، قال ابن العربي: إنما
جعل ثيابه كلها صوفاً؛ لأنه كان بمحل لم يتيسر له سواه، فعمل باليسر، وترك
التكلف والعسر، وكان من الاتفاق الحسن أن آتاه الله تلك الفضيلة، وهو على
تلك اللبسة التي لم يتكلفها .
وقال الزين العراقي: يحتمل كونه مقصوداً للتواضع وترك التنعم، أو لعدم
وجود ما هو أرفع، ويحتمل أنه اتّفاقي لا عن قصدٍ، بل كان يلبس كل ما وجد
كما كان نبينا وَ ل﴿ يفعل، وكُمَّةٌ بضم الكاف وكسرها وشد الميم: قلنسوة صغيرة
أو مدوّرة، اهـ.
قال ابن بطال: كره مالك لبس الصوف لمن يجد غيره، لما فيه من
الشهرة بالزهد؛ لأن إخفاء العمل أولى، قال: ولم ينحصر التواضع في لبسه،
بل في القطن وغيره ما هو بدون ثمنه، كذا في ((الفتح))(١).
(٨) ما جاء في لبس الثياب
بضم اللام وسكون الموحدة، أي ما جاء في كيفية اللبس وبعض أنواع
اللباس.
١٧/١٦٤٣ - (مالك عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج)
(١) ((فتح الباري)) (٢٦٩/١٠).
٢٠٤

٤٩ - كتاب اللباس
(٨) باب
(١٦٤٣) حدیث
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: نَهى رَسُولُ اللَّهِ بِهَ عَنْ لِبْسَتَيْنِ. وَعَنْ
بَيْعَتَيْنِ. عَنِ الْمُلَامَسَةِ وَعَنِ الْمُنَابَذَةِ. وَعَنْ أَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي
ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ .
عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) قال الزرقاني: وهذا مما قيل: إنه أصح
الأسانيد، اهـ. قلت: وعدد ابن عبد البر في ((التجريد))(١) بهذا السند ستة
وخمسين حديثاً في ((الموطأ)) (أنه قال: نهى رسول الله وَّل عن لبستين) بكسر
اللام وسكون الموحدة، أي عن الهيئتين من هيئات اللباس (وعن بيعتين) بفتح
الباء، ويجوز كسرها على إرادة الهيئة، قاله الحافظ(٢) وغيره، فمقتضاه أن
الرواية بالفتح، وإن قال بعضهم: الكسر أحسن نظراً للهيئة، قاله الزرقاني،
وأبدل من قوله: ((بيعتين)) قوله: (عن الملامسة وعن المنابذة) تقدم الكلام عليهما
في بابهما من (كتاب البيوع)).
وبَيَّنَ اللبستين بقوله: (وعن أن يحتبي) بفتح أوله وكسر الموحدة (الرجلُ)
والاحتباء أن يقعد على أليتيه، وينصب ساقيه، ويَلُفُّ عليه ثوباً، ويقال له:
الحبوةُ، وكان من شأن العرب، (في ثوب واحد) يلُفُّه على ساقيه (ليس على
فرجه) قال صاحب ((المحلى)): أي على عورته، فيعم الفخذ، اهـ. قلت: هذا
عند من قال: بأن الفخذ عورة، وأما من لم يقل بذلك فلا تعميم عنده (منه)
أي من الثوب المذكور (شيء) قال الحافظ: مقتضاه أن الفرج إذا كان مستوراً
فلا نهي، اهـ.
ولفظ البخاري عن أبي سعيد ((اللبسة الأخرى احتباؤه بثوبه وهو جالس
ليس على فرجه منه شيء))، وفي رواية لأبي هريرة عنده ((أن يحتبي بالثوب
الواحد ليس على فرجه منه شيء بينه وبين السماء))، قال الزرقاني(٣): لما فيه من
(١) (ص٩٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٧٩/١٠).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٢٧٧/٤)
٢٠٥

٤٩ - كتاب اللباس
(٨) باب
(١٦٤٣) حديث
وَعَنْ أَنْ يَشْتَمِلَ الرَّجُلُ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ.
أخرجه البخاريّ في: ٧٧ - كتاب اللباس، ٢١ - باب الاحتباء في ثوب
واحد.
الإفضاء به إلى السماء، ولأنه إذا لم يكن عليه إلا ثوب واحد، ربما تحرك
فتبدو عورته، فإن كان مستور العورة فلا حرمة، اهـ.
قال صاحب ((المحلى)) في حديث جابر الآتي قريباً: الاحتباء أن يقعد
الإنسان على أليتيه وينصب ساقيه، ويحتوي عليهما بثوبه أو بيده، وهذه القعدة
تسمى الحبوة بضم الحاء وكسرها، اهـ.
قال الباجي(١): الاحتباء أن يحرم(٢) بالثوب على حقويه وركبتيه، وفرجه
بادٍ، وهو من عادة العرب ترتفق في جلوسها، والاحتباء بالرداء لمن كان عليه
إزار(٣)، وإنما منع لمن احتبى بثوب ولم يكن على فرجه شيء، لما في ذلك
من إبداء عورته، وهو مأمور بسترها، اهـ.
قلت: وعلى الإزار يحمل ما في ((الشمائل)) عن أبي سعيد الخدري قال:
((كان رسول الله وَ﴿ إذا جلس في المسجد احتبى بيديه))، وعن قيلة بنت
مخرمة: ((أنها رأت رسول الله وَّر في المسجد وهو قاعد القُرفصاء))، الحديث،
وقد فسر هذا بجلسة المحتبي، وما ورد من النهي عن الحبوة يوم الجمعة تقدم
الكلام عليه في أبواب الجمعة.
(وعن أن يشتمل الرجل بالثوب الواحد على أحد شقيه) فيبدو شقه الآخر،
ليس عليه شيء.
قال الزرقاني(٤): فيحرم إن انكشف بعض عورته وإلا كره، وهذه اللبسة
(١) ((المنتقى)) (٢٠٢/٧).
(٢) كذا في الأصل، اهـ. ((ش)).
(٣) كذا في الأصل، والظاهر سقط لفظ جائز، اهـ. ((ش)).
(٤) ((شرح الزرقاني)) (٤/ ٢٧٧).
٢٠٦

٤٩ - كتاب اللباس
(٨) باب
(١٦٤٣) حديث
هي المعروفة عند الفقهاء بالصمّاء؛ لأن يده حينئذٍ تصير داخل ثوبه، فإن أصابه
شيء يريد الاحتراس منه، والاتقاء بيديه تعذر عليه، وإن أخرجها من تحت
الثوب انكشفت عورته، وبها فسر في حديث أبي سعيد، ولفظه: ((والصماء أن
يجعل الرجل ثوبه على أحد عاتقيه، فيبدو أحد شقيه، ليس عليه ثوب)).
وفسرها اللغويون بأن يشتمل بالثوب حتى يجلل به جسده، لا يرفع منه جانباً
فلا يبقى ما تخرج منه يده، قاله الأصمعي.
قال ابن قتيبة: ولذا سميت صمّاء لسدّ المنافذ كلها كالصخرة الصمّاء، لا
خرق فيها، ولا صدع، فيكره على هذا لعجزه عن الاستعانة بيده فيما يعرض له
في الصلاة كدفع بعض الهوام، اهـ.
وفي ((المنتقى))(١): قال أبو عبيد: اشتمال الصمّاء أن يشتمل الرجل
بثوب، فيُجَلِّلُ به جسده، ولا يرفع منه جانباً يخرج منه يده، قال: وربما
اضطجع فيه على هذه الحال، كأنه يذهب إلى أنه لا يدري هل يصيبه شيء يريد
الاحتراس منه والاتقاء بيديه فلا يقدر لأنهما تحت يده، فهذا كلام العرب.
والذي عندي أن هذا التأويل يقتضي أن المنع لا يختص بحال الصلاة،
بل يمنع جميع الأحوال، والاضطباع أن يدخل الثوب تحت يده اليمنى، فيلقيه
على منكبه الأيسر، قال ابن القاسم: وهو من ناحية الصماء، ومعنى ذلك أنه
إذا أخرج يده اليسرى بَدَتْ عورته، وفي ((العتبية)) هذا لمن لم يكن عليه مئزر،
فأما من كان عليه مئزر فأجازه مالك ثم كرهه، قال ابن القاسم: تركه أحبُّ
إليّ، وليس بضيق، ووجه ذلك أنه يمنع التصرف على ما تقدم، اهـ.
قلت: ولما كان الاضطباع من ناحية الصماء عند المالكية لم يقولوا بسنية
الاضطباع في الحج مطلقاً، لا في الطواف ولا في السعي، وهو سنة عند
(١) (٢٢٨/٧).
٢٠٧

٤٩ - كتاب اللباس
(٨) باب
(١٦٤٤) حديث
١٨/١٦٤٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُمَرَ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَىْ حُلَّةً سِيَرَاءَ
الأئمة الثلاثة في كل طواف بعده سعي، ويُسَنُّ عند الشافعية فقط في السعي
أيضاً، بخلاف الأئمة الثلاثة، إذ لم يقولوا بسنيته في السعي.
وقال الحافظ(١): الصماء بالصَاد المهملة والمد، قال أهل اللغة: هو أن
يجلل جسده بالثوب، لا يرفع منه جانباً، ولا يبقى ما يخرج منه يده، قال ابن
قتيبة: سميت صماء؛ لأنه يَسُدُّ المنافذ كلها، فتصير كالصخرة الصمّاء التي ليس
فيها خرق. وقال الفقهاء: هو أن يلتحف بالثوب، ثم يرفعه من أحد جانبيه
فيضعه على منكبه فيصير فرجه بادياً، قال النووي: فعلى تفسير أهل اللغة يكون
مكروهاً، لئلا يعرض له حاجة فيتعسر عليه إخراج يده، فيلحقه الضرر، وعلى
تفسير الفقهاء يحرم لأجل انكشاف العورة.
قال الحافظ: ظاهر سياق البخاري في ((اللباس)) أن التفسير المذكور
مرفوع، وهو موافق لما قال الفقهاء، ولفظه: والصماء أن يجعل ثوبه على أحد
عاتقيه فيبدو أحد شقيه، وعلى تقدير أن يكون موقوفاً فهو حجة على الصحيح؛
لأنه تفسير من الراوي لا يخالف ظاهر الخبر، اهـ.
١٨/١٦٤٤ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر) رضي الله عنه (أن)
أباه (عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (رأى) قال الحافظ: هكذا رواه أكثر
أصحاب نافع، وأخرجه النسائي من رواية عبيد الله بن عمر العمري عن نافع
عن ابن عمر عن عمر: ((أنه رأى حلة))، الحديث، فجعله من مسند عمر، قال
الدارقطني: المحفوظ أنه من مسند ابن عمر - رضي الله عنه -، اهـ. (حلة
سيراء) .
قال الحافظ (٢): قال أبو عبيد: الحلل برود اليمن، والحلة إزار ورداء،
(١) ((فتح الباري)) (١/ ٤٧٧).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٩٧/١٠).
٢٠٨

٤٩ - كتاب اللباس
(٨) باب
(١٦٤٤) حديث
نقله ابن الأثير، زاد: إذا كان من جنس واحد، قال ابن سيده في ((المحكم)):
الحلة برد أو غيره، وحكى عياض أن أصل تسمية الثوبين حلة أنهما يكونان
جديدين كما حل طيهما، وقيل: لا يكون الثوبان حلة حتى يلبس أحدهما فوق
الآخر، فإذا كان فوقه فقد حل عليه، والأول أشهر.
والسيراء بكسر المهملة وفتح التحتانية والراء مع المد، قال الخليل: ليس
في الكلام فعلاء، بكسر أوله مع المد سوى سيراء وحولاء وعنباء لغة في
العنب، قال مالك: هو الوشي من الحرير، كذا قال، وقال الأصمعي: ثياب
فيها خطوط من حرير أو قزّ، وإنما قيل لها سيراء لتسيير الخطوط فيها، وقال
الخليل: ثوب مضلع بالحرير، وقيل: مختلف الألوان، فيه خطوط ممتدة كأنها
السيور، ووقع عند أبي داود في حديث أنس: أنه رأى على أم كلثوم حلة
سيراء، والسيراء المضلع بالقز، وقد جزم ابن بطال أنه تفسير من الزهري.
وقال ابن سيده: هو ضرب من البرود، وقيل: ثوب مسيَّر فيه خطوط
يُعملُ من القَزِّ، وقيل: ثياب من اليمن، وقال الجوهري: برد فيه خطوط صفر،
ونقل عياض عن سيبويه، قال: لم يأت فعلاء صفة، لكن اسماً، وهو الحرير
الصافي.
واختلف في حلة سيراء هل هو بالإضافة أو لا؟ فوقع عند الأكثر بتنوين
حلة على أن سيراء عطف بيان أو نعت، وجزم القرطبي بأنه الرواية، وقال
الخطابي: قالوا: حلة سيراء كما قالوا: ناقة عشراء، ونقل عياض عن أبي
مروان بن السراج أنه بالإضافة، قال عياض: وكذا ضبطناه عن متقني شيوخنا،
وقال النووي: إنه قول المحققين، ومتقني العربية، وإنه من إضافة الشيء لصفته
كما قالوا: ثوب خز، اهـ.
ونص النووي أنهم ضبطوا الحلة لههنا بالتنوين على أن سيراء صفة، ويغير
تنوين على الإضافة، وهما وجهان مشهوران، والمحققون ومتقنوا العربية
٢٠٩

٤٩ - كتاب اللباس
(٨) باب
(١٦٤٤) حديث
تُبَاعُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ .
يختارون الإضافة، قال سيبويه: لم تأت فعلاء صفة، وأكثر المحدثين
ینونون، اهـ.
وقال الباجي(١): الحلة ثوبان، رداء وإزار، والسيراء قال أبو علي: هو
ثوب مُسَيَّر فيه خطوط تعمل من القز، وقال الخليل: السيراء المضلع بالحرير،
ومعنى ذلك كثرة الحرير فيه؛ لأنه إذا كان جميع سداه حريراً وبعض لحمته
حريراً كان ذلك أكثر من وزن ثلثه، فهذا الذي يقتضي تحريمه على أن الصحيح
أن السيراء معنى يعود على اختلاف ألوانه(٢) وهيئتها، وأن الحلة كانت من
حرير، ولذلك روى سالم عن أبيه في هذا الحديث: حلة إستبرق، وهو غليظ
الحرير، وروى نافع: حلةَ حرير، وروي عن مالك أنه قال: هو وشيٍّ من
حرير، اهـ.
وفي ((المحلى)): قال ابن قرقول: هو الحرير الصافي ، وفي ((الصحاح)):
بردٌ فيه خطوط أصفر، وقال أبو عمر: قال أهل العلم: إنها كانت حلة من
حرير وجاء من إستبرق، وهو الغليظ، وفي أخرى: من ديباج أو خز، وفي
رواية: من سندس، وكلها دالة على أنها كانت حريراً محضاً، وهو الصحيح؛
لأنه المحرم، وأما المختلط فلا يحرم إلا أن يكون الحرير أكثر وزناً عند
. الشافعية، وعند الحنفية العبرة للحمة، اهـ.
وما قال ابن عمر به جزم النووي، إذ قال بعد ذكر هذه الروايات
المختلفة: وهذه الألفاظ تُبَيِّنُ أن الحلة كانت حريراً محضاً، وهو الصحيح
الذي يتعين القول به في هذا الحديث جمعاً بين الروايات.
(تباع عند باب المسجد) كذا في جميع النسخ المصرية من المتون
(١) ((المنتقى)) (٢٢٩/٧).
(٢) كذا في الأصل، اهـ. ((ش)).
٢١٠

٤٩ - كتاب اللباس
(٨) باب
(١٦٤٤) حديث
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهُ. لَوِ اشْتَرَيْتَ هُذِهِ الْحُلَّةَ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ
والشروح، وليس في النسخ الهندية لفظ تباع، وفي البخاري برواية جويرية عن
نافع: ((رأى حلةً سيراء تباع)) ليس فيها عند باب المسجد.
قال الحافظ (١): في رواية جرير بن حازم عن نافع عند مسلم: ((رأى عمر
- رضي الله عنه - عطارداً التميمي يقيم حلة بالسوق، وكان رجلاً يغشى
الملوك، ويصيب منهم)) .
وأخرج الطبراني من طريق أبي مجلز عن حفصة بنت عمر ((أن عطارد بن
حاجب جاء بثوب من ديباج، کساه إياه كسرى، فقال عمر - رضي الله عنه -:
ألا أشتريه لك يا رسول الله؟)) ومن طريق عبد الرحمن بن عمرو بن معاذ عن
عطارد نفسه أنه أهدى إلى النبي و لو ثوب ديباج، كساه إياه كسرى، والجمع
بينهما أن عطارداً لما أقامه في السوق ليباع لم يتفق له بيعه، فأهداه للنبي وَلـ
اهـ. قلت: ولعل السوق كان قريباً من المسجد النبوي فصح النسبة إليهما .
(فقال) عمر رضي الله عنه: (يا رسول الله لو اشتريت) بصيغة الخطاب،
قال الزرقاني(٢): لو للتمني، لا للشرط فلا تحتاج للجزاء، وفي ((المحلى)): لو
للشرط، والجزاء محذوف أي لكان خيراً، ويجوز أن يكون للتمني، اهـ. ومال
الحافظ إلى الأول إذ قال في رواية عن ابن عمر: ((ابْتَعْ هذه، فَتَجَمّل بها))،
كان عمر - رضي الله عنه - أشار بشرائها وتمنّاه (هذه الحلة) التي تباع (فلبستها
يوم الجمعة) وفي رواية سالم ((العيد)) بدل الجمعة. وجمع ابن إسحاق عن نافع
ما تضمنته الروايتان، أخرجه النسائي بلفظ: ((فتجمّل بها لوفود العرب إذا
أتوك، وإذا خطبت الناس في يوم عيد وغيره))، كذا في ((الفتح)) (٣).
(١) ((فتح الباري)) (٣٠٠/١٠).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٧٨/٤).
(٣) ((فتح الباري)) (٢٩٨/١٠).
٢١١

٤٩ - کتاب اللباس
(٨) باب
(١٦٤٤) حديث
وَلِلْوَقْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ: (إِنَّمَا يَلْبَسُ هُذِهِ مَنْ
لَا خَلَاقَ لَّهُ فِي الآخِرَةِ»
(وللوفد) بفتح الواو وسكون الفاء جمع وافد، وهو القادم أو الزائر، كذا
في ((المحلى)) (إذا قدموا عليك) قال الحافظ في رواية جرير بن حازم لوفود
العرب: وكأنه خصه بالعرب؛ لأنهم كانوا إذ ذاك الوفود في الغالب؛ لأن مكة
لما فتحت بادر العرب بإسلامهم، فكان كل قبيلة ترسل كبراءها ليسلموا،
ويتعلموا، ويرجعوا إلى قومهم، فيدعوهم إلى الإسلام، ويُعَلِّمُوهم (فقال
رسول الله وَله: إنما يلبس هذه) وفي رواية جرير إنّما يلبس الحرير (من لا
خلاق له في الآخرة).
قال الحافظ (١): الخلاق النصيب، وقيل: الحظ، وهو المراد لههنا،
ويطلق أيضاً على الحرمة وعلى الدين، ويحتمل أن يراد من لا نصيب له في
الآخرة، قاله الطيبي، وفي حديث أبي عثمان عن عمر ((لا يلبس الحرير إلا من
ليس له في الآخرة منه شيء))، قال الزرقاني(٢): هذا خرج على سبيل التغليظ
وإلا فالمؤمن العاصي لا بد من دخوله الجنة، فله خلاق في الآخرة، كما أن
عمومه مخصوص بالرجال لقيام الأدلة على إباحة الحرير للنساء، اهـ.
قال الباجي(٣): الحديث يقتضي أن يوم الجمعة شرع فيه التجمل، وأيضاً
قد شرع التجمل للواردين والوافدين في المحافل التي تكون لغير آية مخوفة
كالزلازل والكسوف، وعند الحاجة إلى التضرع والرغبة كالاستسقاء؛ لأن
النبي وَلّ أقر عمر - رضي الله عنه - على ما دعا إليه من التجمل في هذين
الموطنين، وإنما أنكر عليه لبس هذا النوع، فثبت أن التجمل إنما شرع بالجميل
من المباح، اهـ.
(١) ((فتح الباري)) (٢٩٨/١٠).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٧٨/٤).
(٣) ((المنتقى)) (٢٢٩/٧).
٢١٢

٤٩ - كتاب اللباس
(٨) باب
(١٦٤٤) حديث
ثُمَّ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ مِنْهَا حُلَلٌ. فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْهَا
حُلَّةً. فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ
(ثم جاء) أي أتى إلى (رسول الله ولاير منها) أي من جنس الحلة السيراء
(حلل) جمع حلة، فاعل جاء (فأعطى عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (منها
حلة) وفي رواية جويرية عن نافع عند البخاري ((وأن النبي وَل بعث بعد ذلك
إلى عمر حلة سيراء حريراً كساها إياه))، قال الحافظ: هذا باعتبار ما فهم عمر
- رضي الله عنه - وإلا فقد ظهر من بقية الحديث أنه وَلجم لم يبعث إليه بها
ليلبسها، أو المراد بقوله: ((كساه)) أعطاه، وفي رواية مالك ((أعطى عمر حلة))،
وفي رواية جرير بن حازم، ((فلما كان بعد ذلك أتي رسول الله وملح بحلل
سيراء، فبعث إلى عمر - رضي الله عنه - بحلة، وبعث إلى أسامة بن زيد بحلة،
وأعطى علي بن أبي طالب حلة)).
(فقال عمر) رضي الله عنه: (يا رسول الله أكسوتنيها) بهمزة الاستفهام في
جميع النسخ المصرية، وبذكرها ضبطه الزرقاني، وبحذفها في جميع النسخ
الهندية، (وقد قلت) بصيغة الخطاب (في حلة عطارد) بضم العين وكسر الراء
المهملتين آخره دال مهملة ابن حاجب بن زرارة بن عدس، بمهملات كما في
((الفتح))، وذكر الزرقاني بدله ابن عدي بمهملتين، ولم يذكره العيني في نسبه،
بل قال: ابن حاجب بن زرارة بن زيد بن عبد الله بن دارم.
قال الحافظ في ((الإصابة)): أبو عكرمة، وقال في ((الفتح)): يكنى أبا
عكرشة بشين معجمة، كان من جملة وفد بني تميم أصحاب الحجرات، وقد
أسلم، وحسن إسلامه، واستعمله النبي وَلّر على صدقات قومه، وكان أبوه من
رؤساء بني تميم في الجاهلية، وقصته مع كسرى في رهنه قوسه عوضاً عن جمع
كثير من العرب عند كسرى مشهورة، حتى ضرب المثل بقوس حاجب، اهـ.
قال العيني(١): وفد على النبي وَلّ سنة تسع، وعليه الأكثرون، وقيل:
(١) ((عمدة القاري)) (٢٨/٥).
٢١٣

٤٩ - كتاب اللباس
(٨) باب
(١٦٤٤) حديث
مَا قُلْتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا)) فَكَسَاهَا عُمَرُ
أَخَاً لَهُ مُشْرِكاً بِمَكَّةَ)).
أخرجه البخاريّ في: ١١ - كتاب الجمعة، ٧ - باب يلبس أحسن ما يجد.
ومسلم في: ٣٧ - كتاب اللباس، ٢ - باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة إلخ،
حدیث ٦.
سنة عشر، وقال الذهبي: له وفادة مع الأقرع والزبرقان، وفي ((الإصابة)):
وارتدّ عطارد مع من ارتدّ من بني تميم، وتبع سجاح، ثم عاد إلى الإسلام، اهـ.
(ما قلت؟) من قولك: ((إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة))،
وفي رواية جرير بن حازم: ((فجاء عمر - رضي الله عنه - بحلته يحملها، فقال:
بعثت إليّ بهذه، وقد قلت بالأمس في حلة عطارد ما قلت))، قال الحافظ:
والمراد بالأمس لههنا يحتمل الليلة الماضية أو ما قبلها، قال الباجي(١): قال
ذلك عمر إشفاقاً أن يكون لحقه الوعيد باللبس والوصف بأن لا خلاق له في
الآخرة، ومثل عمر - رضي الله عنه - على فضله ودينه يشفق، ولعله رجا أن
یکون التحریم قد نسخ، اهـ.
(فقال رسول الله يل ر: لم أكسكها) بفتح الهمزة وسكون الكاف وضم
السين مجزوماً بحذف الواو أي لم ألبسك الحلة (لتلبسها) بفتح الموحدة، وفي
رواية جويرية عند البخاري: ((إنما بعثت بها إليك لتبيعها أو تكسوها))، قال
الحافظ: وفي رواية جرير: ((لتصيب بها))، وفي رواية الزهري عن سالم:
(تبيعها وتصيب بها حاجتك))، وفي راية سالم: ((لتصيب بها مالاً))، (فكساها
عمر) - رضي الله عنه - (أخاً له مشركاً) كائناً (بمكة).
قال الحافظ (٢): زاد في رواية عبيد الله العمري عند النسائي: ((أخاً له من
(١) ((المنتقى)) (٢٢٩/٧).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٩٩/١٠).
٢١٤

٤٩ - كتاب اللباس
(٨) باب
(١٦٤٤) حديث
أمه))، وفي البخاري من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر: ((فأرسل بها عمر
إلى أخٍ له من أهل مكة قبل أن يسلم)).
قال النووي: هذا يشعر بأنه أسلم بعد ذلك، قال الحافظ: لم أقف على
تسمية هذا الأخ إلا فيم ذكره ابن بشكوال في ((المبهمات)) نقلاً عن ابن الحذاء
في ((رجال الموطأ)) فقال: اسمه عثمان بن حكيم، قال الدمياطي: هو السلمي،
أخو خولة بنت حكيم بن أمية، قال: وهو أخو زيد بن الخطاب لأمه، فمن
أطلق عليه أنه أخو عمر لأمه لم يصب، قال الحافظ: بل له وجه بطريق
المجاز.
ويحتمل أن يكون عمر - رضي الله عنه - ارتضع من أم أخيه زيد، فيكون
عثمان أخا عمر لأمه من الرضاع، وأخا زيد لأمه عن النسب، ولم أقف على
ذكره في الصحابة، فإن كان أسلم فقد فاتهم، فليستدرك، وإن كان مات كافراً
وكان قوله: ((قبل أن يسلم)) لا مفهوم له، بل المراد أن البعث إليه كان في حال
كفره مع قطع النظر عما وراء ذلك، اهـ.
وفي ((المحلى)): في الحديث أن الكفار غير مخاطبين بالشرائع، وهو قول
أبي حنيفة خلافاً للشافعية؛ ونُوزع بأنه ليس فيه الإذن، وإنما هو هدية إلى
الكافر، اهـ.
ويشكل عليه ما في ((المحلى)) من قوله: ولأحمد ((أعطيتكها تبيعه)) فباعه
بألفي درهم، قال الحافظ(١): وفي حديث جابر الذي أوله ((أن النبي ◌َّ صلى
في قباء حرير، ثم نزعه فقال: نهاني عنه جبرئيل))، زيادة عند النسائي، وهي
((فأعطاه لعمر))، فقال: ((لم أعطكه لتلبسه، بل لتبيعه)) فباعه عمر - رضي الله
عنه -، وسنده قوي، وأصله في مسلم، فإن كان محفوظاً أمكن أن يكون عمر
- رضي الله عنه - باعه بإذن أخيه بعد أن أهداها له، اهـ.
(١) ((فتح الباري)) (٢٩٩/١٠).
٢١٥

٤٩ - كتاب اللباس
(٨) باب
(١٦٤٥) حديث
١٩/١٦٤٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن
أَبِي طَلْحَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ،
وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ، وَقَدْ رَقَعَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ بِرُقَعِ ثَلَاثٍ لَبَّدَ بَعْضَهَا
فَوْقَ بَعْضِ .
قلت: ولا مانع عندي من تعدد الواقعة كما يدل عليه سياق الروايتين،
ولبس عمر - رضي الله عنه - بعد المنع في أولى القصتين يحمل على اختلاف
أنواع الحرير، فإنها كثيرة جداً، فلعل عمر - رضي الله عنه - حملَ المنع أولاً
على نوع مخصوص من الحرير.
١٩/١٦٤٥ - (مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري (أنه
قال: قال أنس بن مالك) الصحابي الشهير (رأيت عمر بن الخطاب) - رضي
الله عنه - (وهو يومئذٍ أمير المؤمنين وقد رقع) قال صاحب ((المحلى)): بتخفيف
القاف وتشديدها في ((القاموس)): رقع الثوب كمنعه: أصلحه بالرقاع كرقعه،
اهـ. (بين كتفيه برقع) بضم الراء وفتح القاف جمع رقعة، وفي نسخة ((برقاع))
جمع رقعة أيضاً، وهو ما يرقع به الثوب (ثلاث) صفة رقع (لَبَّدَ) بتشديد
الموحدة أي ألزق، وفي ((المحلى)) عن ((القاموس)): التلبيد: الترقيع كالإلباد،
اهـ. (بعضها فوق بعض).
قال الباجي(١): يقتضي أنه رَقَّع الثوب ثم تخرق ذلك الترقع، فأعاد عليه
آخر، وهو معنى تلبيد الرقاع بعضها على بعض، اهـ. وفي ((المحلى)): وروي
أنه - رضي الله عنه - خطب وهو خليفة، وعليه إزار فيه اثنتي عشرة رقعة، اهـ.
وفي ((تاريخ الخلفاء))(٢): قال قتادة: كان عمر - رضي الله عنه - يلبس
وهو خليفة جُبَّةً من صوفة مرقوعة، بعضها بأدم، وقال أنس: رأيت بين كتفي
(١) ((المنتقى)) (٢٢٩/٧).
(٢) (ص ١٤٧).
٢١٦

٤٩ - كتاب اللباس
(٨) باب
(١٦٤٥) حديث
عمر أربع رقاع في قميصه، وقال أبو عثمان النهدي: رأيت على عمر - رضي الله
عنه - إزاراً مرفوعاً بأدم، اهـ.
وفي ((الخميس))(١): عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه -: رأيت عمر
- رضي الله عنه - مرقعة فيها سبع عشرة رقعة، قال الزرقاني(٢): لأن قصده
الستر لا الفخر، وليست الدنيا بشيء عنده، وليقتدى به في الزهد فيها، اهـ.
وقال الباجي(٣) بعد أثر الباب: يريد الحالة التي تحسن فيها ملابس
الناس، ويخرج عن العادة في جمال الملبس، فرأى في تلك الحال على عمر
- رضي الله عنه - ثوباً يرقعه في أظهر مواضعه، وهو بين كتفه برقاع كثيرة قد
لّد بعضها فوق بعض، ويحتمل أن عمر - رضي الله عنه - يفعل مثل هذا ببيته،
ويلبس ما هو أفضل منه بين الناس، لقوله: ((إذا وسع الله عليكم فأوسعوا على
أنفسكم))، ويحتمل أن يكون ذلك كان فاشياً في أهل ذلك الزمان، فلا يشتهر
به من لبسه، ويحتمل أن يفعل ذلك؛ لأنه كان لا يتسع ماله أكثر من هذا،
وكان يحب أن يقلل ما يأخذ من بيت المال.
ويؤيد هذا أنه أوصى إلى ابنه عبد الله أن عليه ديناً كثيراً لا يفي به ماله،
وليستعن على أدائه ببني عديّ وهم رهطه، فإن تأدّى بذلك وإلا فبقريش، ولا
يعدوهم إلى غيرهم، ويحتمل أن يأخذ في نفسه بهذا؛ لأن حاله قد شهرت
بالخلافة، والتقدم في الدين، وإخبار النبي ويل بأنه من أهل الجنة، فترتفع عن
مثله السمعة، وإنما يكره مثل هذا لمن لم يعلم حاله مخافة الشهرة عليه، اهـ.
(١) ((تاريخ الخميس)) (٢٤٠/٢).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٧٨/٤).
(٣) ((المنتقى)) (٣٣٩/٧).
٢١٧

٥٠ - كتاب صفة النبي
(١) باب
(١٦٤٦) حديث
بسم الله الرحمن الرحيم
٥٠ - كتاب صفة النبي
(١) باب ما جاء في صفة النبيّ وَل.
صلالله
عافيه
وَسَلم
١/١٦٤٦ - حدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي
عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ وَِّ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ
(١) صفة النبي
وَسـ
قال الراغب: الوصف: ذكر الشيء بحليته ونعته، والصفة: الحالة التي
عليها الشيء من حليته ونعته، اهـ. والحِلية بكسر الحاء وسكون اللام: الهيئة
والشكل، وقد يستعمل بمعنى الزينة، ويطلق على الصفة، كذا في ((جمع
الوسائل» (١). قال المناوي: قال الحافظ ابن حجر: الأحاديث الواردة في
صفته ﴿ من قسم المرفوع اتفاقاً مع كونها ليست قولاً ولا فعلاً ولا تقريراً،
وسبقه للإشارة لنحوه الكرماني، حيث قال: علم الحديث علمٌ يعرف به أقواله
وأفعاله وأحواله، اهـ.
١/١٦٤٦ - (مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن) فروخ المعروف بربيعة
الرأي (عن أنس بن مالك) - رضي الله عنه - (أنه) أي ربيعة (سمعه) أي أنساً
(يقول: كان رسول الله (وَلو ليس بالطويل البائن) بالموحدة والهمزة، ووهم من
جعله بالياء لوجوب اعتلال اسم فاعل اعتلّ فعله.
قال القاري في ((جمع الوسائل))(٢): اسم فاعل من بان أي ظهر على
غيره، أو من بان بمعنى بعد، والمراد أنه لم يكن بعيداً عن التوسط، أو من
(١) (١/ ٧).
(٢) (١٠/١).
٢١٨

٥٠ - كتاب صفة النبي رَ المر
(١) باب
(١٦٤٦) حديث
وَلَا بِالْقَصِيرِ .
بان بمعنى فارق من سواه، وسمي فاحش الطول بائناً؛ لأن من رآه يتصور أن
كل واحد من أعضائه مبانٍ عن الآخر، أو لأنه يباين الاعتدال، أو كان طوله
يظهر عند كل أحد، اهـ.
قال الباجي(١): الطويل البائن هو الذي يضطرب من طوله، وهو عيب في
الرجال والنساء، قاله الأخفش، ويحتمل عندي أن يراد به وصفه بغير الطول،
فقال: إنه لم يكن ممن يبين بالطول حتى يوصف به، ولكنه كان له من طول
القامة ما لا يبين به، اهـ.
(ولا بالقصير) أي المتردد الداخل بعضه في بعض، كما ورد، وفي نفي
أصل القصر، ونفي الطول البائن، لا أصل الطول إشعار بأنه وَلو كان إلى
الطول أقرب، كما رواه البيهقي، ولا ينافيه وصفه ◌َ ﴿ بأنه رَبْعَةٌ؛ لأنها أمر
نسبيٌّ، ويوافقه خبر البراء ((كان ربعة))، وهو إلى الطول أقرب، وقد ورد عند
البيهقي وابن عساكر أنه لر لم يكن يماشيه أحد من الناس إلا طاله وَلغيره
ولربما اكتنفه الرجلان الطويلان فيطولهما، فإذا فارقاه نسب إلى الربعة.
وفي ((خصائص ابن سبع)): كان إذا جلس يكون كتفه أعلى من الجالس،
قيل: ولعل السرَّ في ذلك أنه لا يتطاول عليه أحد صورة، كما لا يتطاول عليه
معنى، كذا في ((جمع الوسائل))(٢).
وقال الزرقاني(٣): وذلك الذي في الحديث صفته الذاتية، فلا يرد أنه
كان إذا ماشى الطويل زاد عليه؛ لأنه معجزة، حتى لا يتطاول عليه أحد
صورة، وروى ابن أبي خيثمة عن عائشة لم يكن أحد يماشيه من الناس ينسب
(١) ((المنتقى)) (٢٣٠/٧).
(٢) (١٠/١).
(٣) (٢٧٩/٤).
٢١٩

٥٠ - كتاب صفة النبي وَله
(١) باب
(١٦٤٦) حديث
وَلَيْسَ بِالْأَبْيَضِ الْأَمْهَقِ وَلَا بِالْآدَمِ.
إلى الطول إلا طاله ◌َل﴾، وربما اكتنفه الرجلان الطويلان فيطولهما، فإذا فارقا
نسبا إلى الطول، ونسب وَل﴿ه إلى الربعة، ولعبد الله بن أحمد عن علي - رضي الله
عنه - كان رسول الله صل﴾ ليس بالذاهب طولاً، وفوق الربعة، فإذا جاء مع القوم
غمرهم - بفتح المعجمة والميم - أي زاد عليهم في الطول.
وهل بإحداث الله تعالى له طولاً حقيقة حينئذ؟ ولا مانع منه، أو أن ذلك
يرى في أعين الناظرين، وجسده باقٍ على أصل الخلقة على نحو قوله تعالى:
﴿وَإِذْ يُرِيِكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِىَّ أَعْيُنِكُمْ قَلِلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِىَّ أَعْيُنِهِمْ﴾(١) الآية، وهذا
هو الظاهر، فهو مثل تطور الولي، وذكر رزين وغيره كان إذا جلس يكون كتفه
أعلى من جميع الجالسين، ودليله قول علي: إذا جاء مع القوم غمرهم، فإنه
شامل للمشي والجلوس، اهـ.
(وليس بالأبيض الأمهق) بفتح الهمزة والهاء بينهما ميم ساكنة، آخره
قاف، أي ليس شديد البياض كلون الجص، كذا في ((الزرقاني))، وفي
((المحلى)): لم يكن كريه البياض كالجص، بل كان نَيِّرَ البياض، قال الباجي:
الأمهق الشديد البياض الذي لا يخالطه حمرة، وكان النبي وَ لّ مشوباً بحُمْرة،
قال عيسى بن دينار: الأمهق الأبيض بياضاً ليس مُشْرَباً بحمرة يخاله الناظر
برصاً .
قال المناوي: يقال: مهق مهقاً اشتدّ بياضه، يعني كان نير البياض أزهر
اللون، وروايةُ الترمذي في ((جامعه)): ((أمهق ليس بأبيض)) مقلوبةٌ كما ذهب إليه
الحافظ ابن حجر، أو وهم كما قاله عياض، كالداودي، أو مؤولةٌ بأن قد يطلق
على الخضرة المرادة بالسمرة في الرواية الأخرى. فإن المهق خضرة الماء كما
نقل عن رؤية وغيره، (ولا بالآدم) بالمد مهموز، فأصله أأدم، أبدلت الفاء ألفاً
(١) سورة الأنفال: الآية ٤٤.
٢٢٠