Indexed OCR Text

Pages 1-20

أوْجَ المَالِك
إِلى
موظأمالكن
الُزْءُ السَّادِسِ عَشَرَ
تَألِيفُ
الإِمَامِ المُحدِّثْ
محمد زكريَّا الكان هلوي المدني
المتوفى سَنَّة ١٤٠٢ هـ
اعتَنَى بِهِ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ
الأستاذ الدكتور في الذين الندوي
دار القلم
دمشق

إِوَ السَالِك
إلى
موظا مالك

الطّبْعَةُ الأوْلِى
مُحَقّقَةٌ وَمُنَقْحَةٌ
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ مـ
حُقُوقُ الطَّبْعِ مِحَفُوظَةٌ لِلْمُحَقِّقِ
SHEIKH ABUL HASAN NADWI CENTER
مركز الشيخ أبي الحسن الندوي
For Research & Islamic Studies.
للبحوث والدراسات الإسلامية
مظفرفور - أعظم جراه یوبي (الهند).
MOZAFFAR PUR, AZAMGARH, U.P. (INDIA).
Tel: 0091 54622 70104
0091 54622 70317
Fax: 0091 54622 70786

٤٧ - كتاب القدر
(١) باب
بسم الله الرحمن الرحيم
٤٧ - كتاب القدر
(١) باب النهي عن القول بالقدر
(١) النهي عن القول في القدر
وفي النسخ المصرية ((عن القول بالقدر))، والأول أوجه، وهو بفتح القاف
والدال المهملة، وقد تسكن الدال، قال الراغب: هو التقدير، والقضاء هو
التفصيل والقطع، فالقضاء أخص من القدر، لأنه الفصل بين التقدير، فالقدر
هو التقدير، والقضاء هو الفصل، والقطع، وقد ذكر بعض العلماء أن القدر
بمنزلة المعد للكيل، والقضاء بمنزلة الكيل، وهذا كما قال أبو عبيدة لعمر
- رضي الله عنه - لما أراد الرجوع عن الشام للطاعون: أتفرُّ من القضاء؟ قال
عمر - رضي الله عنه -: أفرّ من قضاء الله إلى قدر الله، تنبيهاً على أن القدر ما
لم يكن قضاء، فمرجو أن يدفعه الله، فإذا قضى فلا مدفع له، اهـ.
وفي ((الفتح))(١): قال الكرماني: المراد بالقدر حكم الله، وقالوا، أي
العلماء: القضاء هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل، والقدر جزئيات ذلك
الحكم وتفاصيله، اهـ.
قال الزرقاني(٢): قال أهل السنة: قدر الله الأشياء، أي علم مقاديرها
وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه، فلا يحدث
في العالم العلوي والسفلي شيء إلا وهو صادر عن علمه تعالى وقدرته وإرادته
دون خلقه، وإن خلقه ليس لهم فيها إلا نوع اكتساب ومحاولة ونسبة وإضافة،
وإن ذلك كله إنما حصل لهم بتيسير الله وقدرته، وإلهامه، لا إله إلا هو، ولا
خالق غيره، كما نص عليه القرآن والسنة.
(١) ((فتح الباري)) (١١/ ٤٧٧).
(٢) (شرح الزرقاني)) (٢٤٣/٤).

٤٧ - كتاب القدر
(١) باب
قال الحافظ(١): قال أبو المظفر بن السمعاني: سبيل معرفة هذا الباب
التوقيف من الكتاب والسنة دون محض القياس والعقل، فمن عدل عن التوقيف
ضلّ وتاهَ في بحار الحيرة، ولم يبلغه شفاء العين ولا ما يطمئن به القلب؛ لأن
القدر سِرٌّ من أسرار الله تعالى اختص العليم الخبير به، وضرب دونه الأستار،
وحجبه عن عقول الخلق؛ لما علمه من الحكمة، فلم يعلمه نبي مرسل ولا
ملك مقرب، وقيل: إن سر القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة، ولا ينكشف
لهم قبل دخولها، وقد أخرج الطبراني بسند حسن من حديث ابن مسعود رفعه:
((إذا ذكر القدر فأمسكوا)).
وأخرج مسلم من طريق طاووس: أدركت ناساً من أصحاب رسول الله وَليه
يقولون: كل شيء بقدر، وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله وَالله:
((كل شيء بقدر حتى العجز والكيس))، ومعناه أن كل شيء لا يقع في الوجود
إلا وقد سبق به علم الله ومشيئته، وإنما جعلها في الحديث غاية لذلك للإشارة
إلى أن أفعالنا وإن كانت معلومة لنا ومرادة منا، فلا تقع مع ذلك منا إلا
بمشيئة الله، وهذا الذي ذكره طاووس موقوفاً ومرفوعاً مطابق لقوله تعالى: ﴿إِنَّا
كُلَّ شَىْءٍ خَقْنَهُ بِقَدَرٍ ﴾﴾(٢)، فإن هذه الآية نصٍّ في أن الله خالق كل شيء
ومقدره، وهو أنص من قوله تعالى: ﴿خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾، واشتهر على ألسنة
السلف والخلف أن هذه الآية نزلت في القدرية، وأخرج مسلم من حديث أبي
هريرة: ((جاء مشركوا قريش يخاصمون النبي وقّيل في القدر، فنزلت))، اهـ.
وفي ((المحلى)) عن ((شرح المواقف)): قضاء الله عند الأشاعرة هو الإرادة
الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال، وقدره إيجادها على
قدر مخصوص، ونقل القسطلاني عن بعضهم أن القدر بمنزلة المعد للكيل،
(١) ((فتح الباري)) (١١/ ٤٧٧).
(٢) سورة القمر: الآية ٤٩.
٦

٤٧ - كتاب القدر
(١) باب
والقضاء الكيل، فالقدر ما لم يكن قضاء، فمرجو أن يدفعه الله، فإذا قضى فلا
يدفع. وقال محيي السنة: القدر سر من أسرار الله تعالى، لم يطلع عليها ملكاً
ولا نبياً، ولا يجوز الخوض فيه والبحث عنه بطريق العقل، وسأل رجل علياً
- رضي الله عنه - قال: طريق مظلم، لا تسلكه، فأعاد السؤال، فقال: بحر
عميق لا تلجه، فأعاد السؤال، فقال: سر الله قد خفي عليك فلا تفتشه، اهـ.
وقال الحافظ(١) في موضع آخر: إن الله تعالى علم مقادير الأشياء
وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد، فكل محدث
صادر عن علمه وقدرته وإرادته، وهذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية،
وعليه كان السلف من الصحابة وخيار التابعين، إلى أن حدثت بدعة القدر في
أواخر زمن الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين ..
وقد روى مسلم(٢) القصة في ذلك عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من
قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، قال فانطلقت أنا وحميد الحميري، فذكر
اجتماعهما بعبد الله بن عمر - رضي الله عنه -، وأنه سأله عن ذلك، فأخبره أنه
بريء ممن يقول ذلك، وأن الله لا يقبل ممن لم يؤمن بالقدر عملاً.
وقد حكى المصنفون في المقالات عن طوائف من القدرية إنكاركون
الباري عالماً بشيء من أعمال العباد قبل وقوعها منهم، وإنما يعلمها بعد
كونها، قال القرطبي وغيره: قد انقرض هذا المذهب، ولا أعرف أحداً ينسب
إليه من المتأخرين، قال: والقدرية اليوم مطبقون على أن الله تبارك تعالى عالم
بأفعال العباد قبل وقوعها، وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأن أفعال العباد
مقدورة لهم، وواقعة منهم على جهة الاستقلال، وهو مع كونه مذهباً باطلاً
(١) ((فتح الباري)) (١١٨/١).
(٢) ((صحيح مسلم)) (٢٢٥٢) باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام و((التمهيد)) (١٣/١٨، ١٤).
٧

٤٧ - كتاب القدر
(١) باب
(١٥٩٩) حدیث
١/١٥٩٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ
الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ قَالَ: ((تَحَاجَّ آدَمُ
وَمُوسَى.
أخفُّ من المذهب الأول، وأن المتأخرين منهم، فأنكروا أفعال الإرادة بأفعال
العباد فراراً من تعلق القديم بالمحدث، اهـ.
١/١٥٩٩ - (مالك عن أبي الزناد) بكسر الزاي المعجمة عبد الله بن
ذكوان، (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز، (عن أبي هريرة)، قال الحافظ(١):
هذا الحديث ثابت بالاتفاق، رواه عن أبي هريرة جماعة من التابعين، وروي
عن النبي ◌َل﴾ من وجوه أخرى من رواية الأئمة الثقات، ثم ذكر عشرة طرق عن
أبي هريرة ثم قال: ومن رواه عن النبي وَل ﴿ عمر - رضي الله عنه - عند أبي
داود وأبي عوانة، وجندب بن عبد الله عند النسائي، وأبو سعيد عند البزار،
وأخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرازق والحارث من وجه آخر عنه، وقد أشار إلى
هذه الثلاثة الترمذي، اهـ.
(أن رسول الله وَ ل* قال: تَحَاجَّ) بفتح المثناة الفوقية والحاء المهملة آخره
جيم مشددة، أصله تحاجج، فأدغمت أولاهما في الأخرى (آدم وموسى) - على
نبينا وعليهما الصلاة والسلام - بحرف العطف بين آدم وموسى، فما في بعض
النسخ من حذفها تحريف من الناسخ، أي ذكر كل واحد منهما حجته، قال
القابسي وابن عبد البر: التقت أرواحهما في السماء أول ما مات موسى عليه
السلام، فتحاجًّا، قال عياض: ويحتمل أن الله أحياهما فاجتمعا، فتحاجًّا
بأشخاصهما، كما جاء في الإسراء، وقيل: كان هذا في حياة موسى، قاله
الزرقاني (٢).
(١) ((فتح الباري)) (٥٠٦/١١).
(٢) (شرح الزرقاني)) (٢٤٣/٤).
٨

٤٧ - كتاب القدر
(١) باب
(١٥٩٩) حديث
وترجم البخاري في ((صحيحه)) ((باب تحاج آدم وموسى عند الله)). قال
الحافظ (١): زعم بعض شيوخنا أنه أراد أن ذلك يقع منهما يوم القيامة، ثم رده
بما وقع في بعض طرقه، وذلك فيما أخرجه أبو داود من حديث عمر، قال:
قال موسى: يا رب أرنا آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة، فأراه الله آدم،
فقال: ((أنت أبونا))، الحديث، قال: وهذا ظاهر أنه وقع في الدنيا، قال
الحافظ: فيه نظر، فليس قول البخاري: ((عند الله)) صريحاً في أن ذلك يقع يوم
القيامة، فإن العندية عندية اختصاص وتشريف، لا عندية مكان، فيحتمل وقوعه
في الدارين، وقد وردت العندية في القيامة بقوله تعالى: ﴿فِى مَقْعَدٍ صِدْقٍ عِندَ
مَلِكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾﴾(٢)، وفي الدنيا بقوله وَله: ((أَبيْتُ عند ربي يطعمني ويسقيني)).
والذي ظهر لي أن البخاري لمح في الترجمة بما وقع في بعض طرق
الحديث، وهو ما أخرجه أحمد عن أبي هريرة بلفظ: ((احتجَّ آدم وموسى عند
ربهما)»، الحديث، ثم قال: واختلف العلماء في وقته، فقيل: يحتمل أنه في
زمان موسى، فأحيا الله له آدم معجزة له فكلمه، أو كشف له عن قبره فتحدثا،
أو أراه الله روحه كما أرى النبيّ ﴾ ليلة المعراج أرواح الأنبياء، أو أراه الله
له في المنام، ورؤيا الأنبياء وحي، ولو كان في بعضها ما يقبل التعبير، أو كان
ذلك بعد وفاة موسى في عالم البرزخ أول ما مات موسى، فالتقت أرواحهما
في السماء، وبذلك جزم ابن عبد البر والقابسي.
وذكر ابن الجوزي احتمال التقائهما في البرزخ واحتمال أن يكون ذلك
ضربَ مثل، والمعنى لو اجتمعا لقالا ذلك، وخص موسى بالذكر لكونه أول
نبي بُعِثَ بالتكاليف الشديدة، قال: هذا وإن احتمل لكن الأول أولى، قال:
وهذا مما يجب الإيمان به لثبوته عن خبر الصادق، وإن لم يطلع على كيفية
(١) ((فتح الباري)) (٥٠٥/١١).
(٢) سورة القمر: الآية ٥٥.
٩

٤٧ - كتاب القدر
(١) باب
(١٥٩٩) حدیث
فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى. قَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَغْوَيْتَ النَّاسَ
الحال، وليس هو بأول ما يجب علينا الإيمان به، وإن لم نقف على حقيقة
معناه، كعذاب القبر ونعيمه، ومتى ضاقت الحيل في كشف المشكلات لم يبق
إلا التسليم، وقال ابن عبد البر: مثل هذا عندي يجب فيه التسليم ولا يوقف
فيه على التحقيق؛ لأنا لم نؤت من جنس هذا العلم إلا قليلا، اهـ.
(فحَجَّ آدم) بالرفع على الفاعلية (موسى) في محل النصب على المفعولية
أي غلب عليه بالحجة، قال صاحب ((المحلى)): والمراد غلبته في دفع اللوم
بعد التوبة على أمر قد قضي قبل خلقه للإجماع على توجه اللوم على المعصية
قبل التوبة وانتفائه بعدها، اهـ.
قال الحافظ(١): قوله: فحجّ آدم أي غلبه بالحجة، وقوله بعد ذلك: قال
موسى: ((أنت آدم))، توضيح لذلك، وتفسير لما أجمل، وقوله في آخره في
حديث البخاري: ((فحج آدم))، تقرير لما سبق وتأكيد له، وسيأتي الكلام على
الغلبة في آخر الحديث.
(قال له) أي لآدم (موسى) عليهما السلام: (أنت آدم) وفي البخاري
برواية عمرو بن طاووس عن أبي هريرة: ((يا آدم أنت أبونا))، قال الحافظ:
وفي رواية يحيى بن أبي كثير: ((أنت أبو الناس))، وفي رواية الشعبي: ((أنت آدم
أبو البشر)) (الذي أغويت الناس) أي كنت سبباً لغواية من غوى منهم، وهو
سبب بعيد إذ لو لم يقع الأكل من الشجرة لم يقع الإخراج من الجنة، ولو لم
يقع الإخراج ما تسلط عليهم الشهوات والشيطان المسبب عنهما الإغواء،
والغَيُّ ضد الرشد، وهو الانهماك في غير الطاعة، ويطلق أيضاً على مجرد
الخطأ، يقال: غوى أخطأ صواب ما أمر به، قاله الحافظ، وبسط في اختلاف
الروايات في هذا السياق أشد البسط.
(١) ((فتح الباري)) (٥٠٦/١١).
١٠

٤٧ - كتاب القدر
(١) باب
(١٥٩٩) حديث
وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ له أَدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ
عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ.
وقال الباجي(١): معنى أغويت - والله أعلم - يحتمل أن يريد به عرضتهم
للإغواء لما كنت سبب خروجهم من الجنة وتعريضهم للتكليف، ويحتمل أن
يريد جعلتهم غاوين لكونهم من ذريتك حين غويت، من قوله سبحانه: ﴿وَعَصَىّ
ءَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَ﴾ .
(وأخرجتهم من الجنة) قال الزرقاني: فيه أن الجنة التي أهبط منها آدم هي
الجنة التي يسكنها المؤمنون في الآخرة، فَيَرُدُّ قولَ المبتدعة: إنها غيرها، قال
الأبي(٢): كأن موسى جَوَّز الولادة في الجنة مع أنها مشقة؛ لأنها إنما هي
مشقة في الدنيا، وقد قيل في هابيل: إنه من حمل الجنة، وذكر الغزالي عن
أبي سعيد مرفوعاً: ((أن الرجل من أهل الجنة، ليولد له الولد كما يشتهي،
ويكون حمله وفصاله وشبابه في ساعة واحدة».
وفي ((الصحيحين)) من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعاً: ((احتجّ آدم
وموسى، فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خَيَّبْتَنا وأخرجتنا من الجنة))، وفي
رواية: ((أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك
ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض)).
(فقال له) أي لموسى (آدم: أنت موسى الذي أعطاك) كذا في النسخ
الهندية، وفي المصرية بدله ((أعطاه الله)) بضمير الغائب وذكر الفاعل، والأوجه
الأول كما سيأتي (علم كل شيء) قال عياض: عام يراد به الخصوص، أي مما
علمك، ويحتمل مما علمه البشر، وفي البخاري في القدر: ((يا موسى
اصطفاك الله بكلامه، وخط لك بیده)).
(١) ((المنتقى)) (٢٠١/٧).
(٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٨٥/٧).
١١

٤٧ - كتاب القدر
(١) باب
(١٥٩٩) حدیث
وَاصْطَفَاهُ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَتِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرِ قَدْ
قُدِّرَ عَلَيَّ
قال الحافظ(١): وفي رواية الأعرج: ((أنت موسى الذي أعطاك الله علم
كل شيء، واصطفاك على الناس برسالته))، وفي رواية همام نحوه لكن بلفظ:
((اصطفاه وأعطاه))، زاد في رواية يزيد بن هرمز: ((وقَرَّك نجياً، وأعطاك
الألواح، فيها بيان كل شيء))، وفي ((المحلى)): قوله: ((عَلَّم كل شيء)) بأن
أعطاه الألواح، وفيها تبيان كل شيء، من جملة ذلك عصيان آدم فمكتوب فيها
قبل خلقه بأربعين سنة، اهـ.
(واصطفاك) كذا في النسخ الهندية، وفي النسخ المصرية بدله ((اصطفاه))،
وتقدم قريباً في كلام الحافظ أن رواية الأعرج بضمير الخطاب ورواية همام
بضمير الغائب، فالصواب ما في النسخ الهندية (على الناس) من أهل زمانه،
وليس في النسخ الهندية لفظ ((على الناس)) (برسالته) بالإفراد في النسخ الهندية
والمصرية. قال الزرقاني(٢): وقرئت الآية به وبالجمع، اهـ. يعني في قوله عز
اسمه: ﴿يَمُوسَىَ إِنِ أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِ وَبِكَلَِّى﴾(٣) الآية (قال: نعم) وفي
حديث عمر - رضي الله عنه - قال: أنا موسى، قال: نبي بني إسرائيل؟ قال:
نعم، قال: أنت الذي كلمك الله من وراء حجاب، ولم يجعل بينك وبينه
رسولاً من خلقه؟ قال: نعم، كذا في ((الفتح)).
(قال) آدم: (أفتلومني على أمر قد قدر) بشد الدال مبنياً للمجهول على ما
ضبطه الزرقاني، وفي ((المحلى)): بزنة المجهول من الثلاثي، وفي نسخة بتشديد
الدال، اهـ (عليَّ) بشد الياء، ولفظ البخاري في القدر من رواية ابن طاووس
عن أبي هريرة: ((على أمرٍ قد قدر الله عليّ))، قال الحافظ: كذا السرخسي
(١) ((فتح الباري)) (٥٠٨/١١).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٤٣/٤).
(٣) سورة الأعراف: الآية ١٤٤.
١٢

٤٧ - كتاب القدر
(١) باب
(١٥٩٩) حديث
قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟)).
أخرجه مسلم في: ٤٦ - كتاب القدر، ٢ - باب حجاج آدم وموسى عليهما
السلام، حديث ١٤.
والمستملي بحذف المفعول، وللباقين: ((قدره الله عليّ)) (قبل أن أُخْلق) ببناء
المجهول، زاد في رواية البخاري المذكورة: ((قدر الله عليَّ قبل أن يخلقني
بأربعين سنة)) .
قال الحافظ(١): ووقع في حديث أبي سعيد الخدري: ((أتلومني على أمرٍ
قدرّه الله عليّ قبل أن يخلق السموات والأرض))، والجمع بينه وبين الرواية
المقيدة بأربعين سنة حملها على ما يتعلق بالكتابة، وحمل الأخرى على ما
يتعلق بالعلم، وقال ابن التين: يحتمل أن يكون المراد بالأربعين سنة، ما بين
قوله تعالى: ﴿إِ جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِفَةٌ﴾ إلى نفخ الروح في آدم.
وأجاب غيره أن ابتداء المدة وقت الكتابة في الألواح، وآخرها ابتداء
خلق آدم، وقال ابن الجوزي: المعلومات كلها قد أحاط بها علم الله القديم
قبل وجود المخلوقات كلها، لكن كتابتها وقعت في أوقات متفاوتة.
وقد ثبت في ((صحيح مسلم))(٢): ((إن الله قَدَّرَ المقادِير قبل أن يخلق
السموات والأرض بخمسين ألف سنة))، فيجوز أن تكون قصة آدم بخصوصها
كتبت قبل خلقه بأربعين سنة، ويجوز أن يكون ذلك القدر مدة لبثه طيناً إلى أن
نفخت فيه الروح، فقد ثبت في ((صحيح مسلم)): ((أن بين تصويره طيناً ونفخ
الروح فيه كان مدة أربعين سنة))، ولا يخالف ذلك كتابة المقادير عموماً قبل
خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.
وقال المازري: الأظهر أن المراد أنه كتبه قبل خلق آدم بأربعين عاماً،
(١) ((فتح الباري)) (٥٠٨/١١).
(٢) ((صحيح مسلم)) (٢٦٥٣).
١٣

٤٧ - كتاب القدر
(١) باب
(١٥٩٩) حديث
ويحتمل أن يكون المراد أظهره للملائكة، أو فعل فعلاً ما أضاف إليه هذا
التاريخ، وإلا فمشيئة الله وتقديره قديم، والأشبه أنه أراد أنه كتبه في التوارة
لقوله في رواية أبي سلمة بلفظ: ((فكم تجد في التوراة أنه كتب على العمل
الذي عملته قبل أن أخلق؟ قال: بأربعين سنة))، وقال النووي: المراد بتقديرها
كتبه في اللوح المحفوظ أو في التوارة أو في الألواح، ولا يجوز أن يراد أصل
القدر؛ لأنه أزليٌّ، ولم يزل الله سبحانه وتعالى مريداً لما يقع من خلقه. وكان
بعض شيوخنا يزعم أن المراد إظهار ذلك عند تصوير آدم طيناً، فإن آدم أقام في
طينه أربعين سنة، والمراد على هذا بخلقه نفخ الروح فيه.
قال الحافظ (١): ويُعَكِّرُ عليه رواية أبي صالح: ((كتبه الله علي قبل أن
يخلق السموات والأرض))، لكنه يحمل قوله: ((كتبه الله علي)) قدره أو على
تعدد الكتابة لتعدد المكتوب، والعلم عند الله تعالى، اهـ. زاد البخاري في آخر
الحديث: ((فحج آدم موسى فحج آدم موسى ثلاثاً))، قال الحافظ: كذا في هذه
الرواية، ولم يكرر في أكثر الطرق عن أبي هريرة، واتفق الرواة والنقلة والشراح
على أن آدم بالرفع، وهو الفاعل، وشَذَّ بعضُ الناس فقرأه بالنصب على أنه
المفعول، وموسى فاعله، نقله الحافظ أبو بكر عن مسعود السجزي الحافظ
قال: سمعته يقرأ فحج آدَمَ بالنصب، وكان قدرياً، قال الحافظ: وهو محجوج
بالاتفاق قبله، على أن آدم بالرفع على أنه فاعل، وقد أخرجه أحمد من رواية
أبي سلمة فحجَّه آدمُ، وهذا يرفع الإشكال، فإن رواته أئمة حفاظ، فالرواية هي
المعتمدة في ذلك، ومعنى حَجَّه: غلبه بالحجة.
قال ابن عبد البر: هذا الحديث أصل جسيم لأهل الحق في إثبات
القدر، قال: وليس فيه حجة للجبرية، وإن كان في بادي الرأي يساعدهم.
(١) ((فتح البارى)) (٥٠٩/١١).
١٤

٤٧ - كتاب القدر
(١) باب
(١٥٩٩) حديث
وقال الخطابي في ((المعالم)): يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء
والقدر يستلزم الجبر، ويتوهم أن غلبة آدم كان من هذا الوجه، وليس كذلك،
وإنما معنى ذلك الإخبار عن إثبات علم الله تعالى بما يكون من أفعال العباد،
وصدورها عن تقدیر سابق منه.
وجماع القول فيه أنهما أمران لا يُبَدَّلُ أحدهما عن الآخر، أحدهما
بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء ونقضه، وإنما جهة حجة آدم أن الله تبارك
وتعالى علم منه أنه يتناول من الشجرة، فكيف يمكنه أن يردّ علم الله فيه، وإنما
خلق للأرض، وأنه لا يترك في الجنة، بل ينقل منها إلى الأرض، فكان تناوله
من الشجرة سبباً لإهباطه واستخلافه في الأرض.
فلما لامه موسى قال: ((أتلومني على أمر قَدَّرَه اللهُ عليّ)) فاللوم عليه
من قبلك ساقط، إذ ليس لأحد أن يُعَيِّرَ أحداً بذنب كان منه؛ لأن الخلق
كلهم تحت العبودية سواء، وإنما يتجه اللوم من قبل الله سبحانه إلى آخر ما
بسطه .
قال الحافظ: ولم يتلخص من كلامه مع تطويله دفعٌ للشبهة إلا في دعواه
أنه ليس للآدمي أن يلوم آخر مثله على فعل ما قَدّره الله عليه، وإنما ذلك لله
تعالى، وللمعترض أن يقول: وما المانع إذا كان ذلك لله أن يباشره من تلقى
عن الله من رسله، ومن تلقى عن رسله ممن أمر بالتبليغ عنهم؟ وقال القرطبي:
إنما غلبه عليه؛ لأنه علم بالتوراة أن الله تاب عليه، فكان لومه له على ذلك
نوع جفاء، كما يقال: ذكر الجفاء بعد حصول الصفاء جفاء، وهو محصل ما
أجاب به المازري وغيره من المحققين وهو المعتمد.
وأنكر القدرية الحديث؛ لأنه صريح في إثبات القدر السابق، وتقرير
النبي وقلّ لآدم على الاحتجاج، وشهادته بأنه غلبه، فقالوا: لا يصح، لأن
موسى لا يلوم على أمر قد تاب منه صاحبه، وقد قتل هو نفساً لم يؤمر بقتلها،
١٥

٤٧ - كتاب القدر
(١) باب
(١٥٩٩) حدیث
ثم قال: رب اغفر لي فغفر له، فكيف يلوم آدم على أمر قد غفر له؟ وثانيها :
لو ساغ ذلك لكان من عوتب على معصية قد ارتكبها، فيحتج بالقدر السابق
لا نسدّ باب القصاص والحدود، ولاحتجّ به كلُّ واحد على ما يرتكبه من
الفواحش، فدل ذلك على أن هذا الحديث لا أصل له.
والجواب من أوجهٍ؛ أحدها: أن آدم احتج بالقدر على المعصية لا
المخالفة، فإن محصل لوم موسى إنما هو على الإخراج، فكأنه قال: لم
أخرجكم، وإنما أخرجكم الذي رتب الإخراج على الأكل، والذي رتب
ذلك قَدَّرَه قبل أن أخلق، قال الحافظ: وهذا الجواب لا يدفع شبهة
الجبرية .
ثانيها: إنما حكم النبي وَلّ لآدم بالحجة في معنى خاص، وذلك لأنه لو
كانت في المعنى العام لما تقدم من الله تعالى لومه بقوله: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا
الشَّجَرَةِ﴾، ولا أخذه بذلك حتى أخرجه من الجنة، ولكن لما أخذ موسى في
لومه، وقدم قوله: أنت الذي خلقك الله بيده، وأنت وأنت، لِمَ فعلت ذلك؟
عارضه آدم بقوله: أنت الذي اصصفاك الله وأنت وأنت.
وحاصل جوابه إذا كنت بهذه المنزلة، كيف يخفى عليك أنه لا محيد من
القدر؟ وإنما وقعت الغلبة لآدم من وجهين:
أحدهما: أنه ليس لمخلوق أن يلوم مخلوقاً في وقوع ما قدر عليه إلا
بإذن من الله تعالى، فيكون الشارع هو اللائم، فلما أخذ موسى عليه السلام في
لومه من غير أن يؤذن له في ذلك، عارضه بالقدر، فأسكته.
والثاني: أن الذي فعله آدم اجتمع فيه القدر والكسب، والتوبة تمحو أثر
الكسب، وقد كان الله تاب عليه فلم يبق إلا القدر، والقدر لا يتوجه عليه لوم؛
لأنه فعل الله تبارك وتعالى، ولا يسأل عما يفعل.
١٦

٤٧ - كتاب القدر
(١) باب
(١٦٠٠) حدیث
٢/١٦٠٠ - وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي
أُنَيْسَةَ،
و
ثالثها: قال ابن عبد البر: هذا عندي مخصوص بآدم؛ لأن المناظرة بينهما
وقعت بعد أن تاب الله على آدم قطعاً، كما قال تعالى: ﴿فَلَفََّ ءَادَمُ مِن زَيِّهِ.
كَلِمَتٍ فَنَابَ عَلَيْهِ﴾(١)، فحسن منه أن ينكر على موسى لومه على الأكل من
الشجرة؛ لأنه كان قد تيب عليه من ذلك، وإلا فلا يجوز لأحد أن يقول لمن
لامه على ارتكاب معصية: هذا سبق في علم الله وقدره، فليس لك أن تلومني
عليه، فإن الأمة قد أجمعت على جواز لوم من وقع منه ذلك، بل على
استحباب ذلك، كما أجمعوا على استحباب محمدة من واظب على الطاعة،
وحكى ابن وهب في ((كتاب القدر)) عن مالك عن يحيى بن سعيد أن ذلك كان
من آدم بعد أن تيب عليه.
رابعها: إنما توجهت الحجة لآدم؛ لأن موسى لامه بعد أن مات، واللوم
إنما يتوجه على المكلف ما دام في دار التكليف، فإن الأحكام حينئذٍ جاريةٌ
عليه، فيلام العاصي، ويقام عليه الحدود والقصاص وغير ذلك، وأما بعد أن
يموت فقد ثبت النهي عن سبِّ الأموات، ((ولا تذكروا أمواتكم إلا بخير))؛ لأن
مرجع أمرهم إلى الله، وقد ثبت أنه لا يثني العقوبة على من أقيم عليه الحد،
بل ورد النهي عن التثريب على الأمة إذا زنت، وأقيم عليها الحد، إلى آخر ما
بسطه الحافظ في ((الفتح))(٢).
وقال فيه: وفي الجملة فأصحُّ الأجوبة الثاني والثالث، ولا تنافي بينهما،
فيمكن أن يمتزج منهما جواب واحد، وهو أن التائب لا يلام على ما تيب عليه
منه، ولا سيما إذا انتقل عن دار التكليف، اهـ مختصراً.
٢/١٦٠٠ - (مالك عن زيد بن أبي أنيسة) قيل: واسمه أيضاً زيد الجزري
(١) سورة البقرة: الآية ٣٧.
(٢) ((فتح الباري)) (١١/ ٥١١).
١٧

٤٧ - كتاب القدر
(١) باب
(١٦٠٠) حدیث
عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ
مُسْلِمِ بْنِ يَسَارِ الْجُهْنِيِّ؛
أبو أسامة، أصله من الكوفة، ثم سكن الرها، ثقة، متفق على الاحتجاج به،
وله أفراد، مات سنة ١١٩هـ. وقيل بعد ذلك، له مرفوعاً في ((الموطأ)) هذا
الحديث الواحد، قاله الزرقاني(١).
وفي ((التجريد))(٢): زيد بن أبي أنيسة الجزري الرهاوي أبو سعيد، كان
من سكان الرها، وبها مات، قال الواقدي: سنة ١٢٥ هـ، قد ذكرنا اسم أبيه
وولاءه ووفاته وحاله في ((التمهيد))(٣)، لمالك عنه حديث واحد، ثم ذكر حديث
الباب.
(عن عبد الحميد بن زيد بن الخطاب) العدوي المدني (أنه) أي
عبد الحميد (أخبره) أي زيداً (عن مسلم بن يسار) ضد اليمين (الجهني) بضم
الجيم وفتح الهاء ثقة، روى له أصحاب السنن، والثلاثة تابعيون يروي بعضهم
عن بعض، قاله الزرقاني. وفي ((التقريب))(٤): مقبول من الثالثة، قال الخازن:
أخرجه مالك في ((الموطأ)) وأبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن،
ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر - رضي الله عنه -، وقد ذكر بعضهم في هذا
الإسناد بين مسلم وعمر - رضي الله عنه - رجلاً.
وذكر الطبري(٥) في بعض طرق هذا الحديث الرجل، فقال: عن مسلم بن
يسار عن يعمر بن ربيعة عن عمر - رضي الله عنه - عن النبي وَّ بنحوه، اهـ.
(١) (شرح الزرقاني)) (٢٤٤/٤).
(٢) (ص٥٤).
(٣) (٢/٦).
(٤) (٢٤٨/٢).
(٥) ((تفسير الطبري)) رقم (١٥٣٥٧) (١١٠/٣).
١٨

٤٧ - كتاب القدر
(١) باب
(١٦٠٠) حديث
أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ - ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ
ءَدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِيَّنَهُمْ
كذا في ((الخازن)). وفي ((تهذيب الحافظ)): نعيم بن ربيعة بدل يعمر بن ربيعة،
وبه جزم ابن عبد البر، كما سيأتي في آخر الحديث.
(أن عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (سئل) ببناء المجهول (عن هذه الآية
وإذ) حين (أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم) بدل اشتمال مما قبله بإعادة
الجار (ذريتهم)(١) هكذا في جميع النسخ الهندية والمصرية بالإفراد، وهي
قراءتنا في التنزيل، وفي ((الزرقاني)) تبعاً للجلالين بلفظ ذرياتهم بالجمع، قال
الرازي: قرأ نافع وابن عامر وابن عمرو ذرياتهم بالألف على الجمع، والباقون
ذريتهم على الواحد.
قال الواحدي: الذرية تقع على الواحد والجمع، فمن أفرد فإنه قد
استغنى عن جمعه بوقوعه على الجمع فصار كالبشر، فإنه يقع على الواحد،
كقوله: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾، وعلى الجمع كقوله تعالى: ﴿أَبَشَرٌّ ◌َدُونَنَا﴾، وكما لا
يجمع بشر بتصحيح ولا تكسير، كذلك لا يجمع الذرية، ومن جمع قال: إن
الذرية إن كان واحداً، فلا إشكال في جواز الجمع، وإن كان جمعاً، فجمعه
أيضاً حسن، فإن الجموع المكسرة قد جمعت كالطرقات والجدرات، اهـ.
قال الخازن في ((تفسيره)): وإنما لم يذكر ظهر آدم وإن كان الله سبحانه
وتعالى أخرج جميع الذرية من ظهره؛ لأن الله تعالى أخرج ذرية آدم بعضهم من
ظهر بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء، فلذلك قال سبحانه ﴿مِنْ بَنِىّ
ءَآدَمَ﴾ ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾، فاستغنى عن ذكر ظهر آدم - عليه السلام - لما علم أنهم
كلهم بنو آدم، وأخرجوا من ظهره، فترك ذكر ظهر آدم استغناء.
قال صاحب ((الجلالين))(٢): أخرج بعضهم من صلب بعض، من صلب
(١) سورة الأعراف: الآية ١٧٢.
(٢) سورة الأعراف: الآية ١٧٢، ((الجلالين)) (ص١٧٣).
١٩

٤٧ - كتاب القدر
(١) باب
(١٦٠٠) حديث
وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىَّ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَىْ شَهِدْنَهُ أَنْ تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا
آدم نسلا بعد نسل، كنحو ما يتوالدون كالذر بنعمان يوم عرفة، ونصب لهم
دلائل على ربوبيته، وركب فيهم عقلا، اهـ.
قال صاحب ((الجمل))(١): إن الله تعالى أخذ ذلك عليهم ببطن نعمان،
وهو وادٍ بجنب عرفة، قاله ابن عباس وغيره، وقال بعضهم: أخذه بسَرَنْديب
من أرض الهند، وهو الموضع الذي أهبط فيه آدم من الجنة، وقال الكلبي:
كان أخذ العهد بين مكة والطائف، وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -:
كان أخذ العهد في الجنة، وكل هذه الأمور محتملة، ولا يضرنا الجهل
بالمكان بعد صحة الاعتقاد بأخذ العهد، اهـ.
وفي ((المشكاة)) برواية أحمد(٢) عن ابن عباس عن النبي صَلّ قال:
((أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنَعْمان يعني عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرية))،
الحديث، وهو مرفوع، فهو أولى من غيره، ونعمان بفتح النون وسكون العين
کسلمان وادٍ بعرفة.
(وأشهدهم على أنفسهم) أي قررهم بربوبيته، فإن إشهاد المرء على نفسه
هي الإقرار، قال تعالى: (ألست بربكم) بضم الفوقية، وهذا بيان الذي طلب
عليه الإقرار (قالوا: بلى) أنت ربنا (شهدنا) بذلك، قال صاحب ((المحلى)):
الصحيح أن جوابهم بقول بلى كان بالنطق، وهم أحياء، عقلاء، وقيل بلسان
الحال، اهـ. قلت: والبسط في كتب التفسير في ((الخازن)) و((الكبير)) وغيرهما،
قالوا: الأول قول أهل السنة، والثاني قول المعتزلة.
(أن تقولوا) بالمثناة الفوقية في جميع النسخ، وقال صاحب ((الجلالين)):
بالياء والتاء، يعني كان ذلك الإشهاد لئلا تقولوا (يوم القيامة إنا كنا عن هذا)
(١) (١٣٩/٣).
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده)) (٤٤/١ - ٤٥).
٢٠