Indexed OCR Text

Pages 681-700

٤٦ - كتاب الجامع
(٧) باب
(١٥٩٤) حديث
إِحْدَاهُمَا مُخْصِبَةٌ وَالْأُخْرَىْ جَدْبَةٌ، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصِبَةَ رَعَيْتَهَا
بِقَدَرِ اللَّهِ؟ وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ؟
المكان المرتفع من الوادي، وهو شاطؤه، كذا في ((الفتح)). أي نزلت وادياً
له حافتان وشاطئان (إحداهما مخصبة) بضم الميم وسكون الخاء المعجمة
وكسر الصاد المهملة فموحدة، قال الزرقاني: وفي رواية ((خصبة)) بفتح
الخاء وكسر الصاد بلا ميم، قلت: وفي رواية البخاري خصيبة، قال
الحافظ: بوزن عظيمة، وحكى ابن التين سكون الصاد بغير ياء (والأخرى
جدبة) بفتح الجيم وسكون الدال المهملة وتكسر (أليس إن رعيت) بصيغة
الخطاب (الخصبة) بفتح المعجمة وكسر المهملة (رعيتها بقدر الله؟ وإن
رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟).
قال الباجي: يريد أن من كانت له إبل يريد حفظها وحسن القيام بها،
فهبط بها وادياً له عدوتان، أليس إن رعى الخصبة رعاها بقدر الله؟ وإن رعى
الجدبة رعاها بقدر الله؟ فهذا مثل أمره إن انصرف بهم إلى موضع يأمن الوباء
انصرف بقدر الله، وإن أقدمهم على ما يخاف عليهم من الوباء أقدمهم عليه
بِقَدَرٍ، فكما يلزم صاحب الإبل أن ينزل بها الجانب الخصب، ولا يعدُّ بذلك
أنه فارٌّ من قدر الله، بل مصيباً ممتثلاً لما أمره الله ومسلماً لقدره وراجياً خيره،
فكذلك إمام المسلمين إذا انصرف بهم عن بلاد الوباء إلى بلاد الصحة
والسلامة، اهـ.
قال الحافظ(١) زاد مسلم في رواية معمر، وقال له أيضاً: أرأيت لو أنه
رعى الجدبة وترك الخصبة أكنت معجزه وهو بتشديد الجيم، قال: نعم، قال:
فسر إذاً فسار حتى أتى المدينة، قال الحافظ (٢): وقد أخرج الطحاوي بسند
صحيح عن أنس أن عمر - رضي الله عنه - أتى بالشام فاستقبله أبو طلحة وأبو
(١) ((فتح الباري)) (١٨٦/١٠).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٣٨/٤).
٦٨١

٤٦ - كتاب الجامع
(٧) باب
(١٥٩٤) حدیث
فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ عَوْفٍ، وَكَانَ غَائِباً فِي بَعْضٍ حَاجَتِهِ، فَقَالَ: إِنَّ
عِنْدِي مِنْ هُذَا عِلْماً. سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ يَقُولُ: ((إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ
...
فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلَا تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْهُ)»
عبيدة، فقالا: يا أمير المؤمنين إن معك وجوه الصحابة وخيارهم وإنا تركنا من
بعدنا مثل حريق النار، فارجع العام فرجع، وهذا بظاهره يخالف حديث
الباب، فإن فيه الجزم بأن أبا عبيدة أنكر الرجوع.
ويمكن الجمع بأن أبا عبيدة أشار أولاً بالرجوع، ثم غلب عليه مقام
التوكل لما رأى أكثر المهاجرين والأنصار جنحوا إليه، فرجع عن رأي
الرجوع، وناظر عمر - رضي الله عنه - على ذلك، فاستظهر عليه عمر - رضي الله
عنه - بالحجة فتبعه، ثم جاء عبد الرحمن بن عوف بالنص فارتفع الإشكال، اهـ.
(قال) أي ابن عباس وليس هذا في النسخ المصرية (فجاء عبد الرحمن بن
عوف) أحد العشرة المبشرة (وكان) عند المشورة (غائباً) ذاهباً (في بعض
حاجته) ولم يحضرهم المشورة (فقال: إن عندي من هذا) الذي اختلفتم فيه وفي
رواية في هذا (علماً) مأثوراً، وهو إني (سمعت رسول الله وَل يقول: إذا سمعتم
به) أي بالطاعون (بأرض فلا تقدموا عليه) قال صاحب ((المحلى)): بفتح التاء
والدال من قدم يقدم قدوماً، وقال التوربشتي: المحفوظ عند الحفاظ ضم التاء
من الإقدام، قال الزرقاني(١): ليكون أسكن لأنفسكم، وأقطع بوسواس
الشيطان .
قال في ((الأحوذي)): لأن الله تبارك وتعالى أمر أن لا يتعرض للحتف
والبلاء، وإن كان لا نجاة من قدر الله إلا أنه من باب الحذر الذي شرعه الله،
ولئلا يقول القائل: لو لم أدخل لم أمرض، اهـ.
(وإذا وقع بأرض وأنتم بها) أي بأرض الوباء (فلا تخرجوا) منها (فراراً
منه) لئلا يكون معارضاً للقدر، فلو خرج لقصد آخر غير الفرار جاز، قال ابن
(١) (شرح الزرقاني)) (٢٣٨/٤).
٦٨٢

٤٦ - كتاب الجامع
(٧) باب
(١٥٩٤) حديث
دقيق العيد: الذي يترجح عندي في النهي عن الفرار والنهي عن القدوم أن
الإقدام عليه تعرض للبلاء، ولعله لا يصبر عليه، وربما كان فيه ضربٌ من
الدعوى في مقام الصبر أو التوكل، فمنع ذلك لاغترار النفس، وأما الفرار فقد
يكون داخلاً في التوغل في الأسباب متصوراً بصورة من يحاول النجاة مما قدر
عليه.
ونظيره قوله ◌َله: ((لا تتمنوا لقاء العدو، وإذا لقيتموهم فصابروا)) فأمرهم
بترك التمني لما فيه من التعرض للبلاء وخوف الاغترار بالنفس، إذ لا يؤمن
غدرها عند الوقوع، ثم أمر بالصبر عند الوقوع تسليماً لأمر الله تعالى، اهـ.
قال النووي(١): وفي هذه الأحاديث منع القدوم على بلد الطاعون، ومنع
الخروج منه فراراً، أما الخروج لعارضٍ فلا بأس به، وهذا الذي ذكرناه هو
مذهبنا ومذهب الجمهور، قال القاضي: هو قول الأكثرين، حتى قالت عائشة:
الفرار منه كالفرار من الزحف، ومنهم من جَوَّز القدوم عليه والخروج منه
فراراً، وروي هذا عن عمر بن الخطاب، وأنه ندم على رجوعه من سرغ، وعن
أبي موسى الأشعري ومسروق والأسود بن هلال أنهم فروا من الطاعون، وقال
عمرو بن العاص: فرّوا عن هذا الرجز في الشعاب والأودية ورؤوس الجبال،
فقال معاذ: بل هو شهادة ورحمة، ويتأول هؤلاء النهي على أنه لم ينه عن
الدخول عليه والخروج منه مخافة أن يصيبه غير المقدر، لكن مخافة الفتنة على
الناس لئلا يظنوا أن هلاك القادم إنما حصل بقدومه، وسلامة الفار إنما كانت
بفراره.
قالوا: وهو من نحو النهي عن الطيرة والقرب من المجذوم، وقد جاء
عن ابن مسعود قال: الطاعون فتنة على المقيم والفار، أما الفار فيقول: فررت
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٤/ ٢٠٥).
٦٨٣

٤٦ - كتاب الجامع
(٧) باب
(١٥٩٤) حدیث
فنجوت، وأما المقيم فيقول: أقمت فمت، وإنما فرّمن لم يأت أجله، وأقام
من حضر أجله، والصحيح ما قدمناه من النهي عن القدوم والفرار لظاهر
الأحاديث الصحيحة، قال العلماء: وهو قريب المعنى من قوله بقوله: ((لا تتمنوا
لقاء العدو))، الحديث، اهـ.
وفي ((مجالس الأبرار)): قد وقع فيه النهي عن القدوم عليه وعن الفرار
عنه، فالنهي الأول لبيان الحذر عن التعرض للتلف، والثاني لبيان لزوم التوكل
والرضاء بقضاء الله، ولبيان أن العذاب الواقع لسبب المعصية لا يدفعه الفرار،
وإنما يدفعه التوبة والاستغفار.
واختلف في هذا النهي فقال السبكي: مذهبنا وهو الذي عليه الأكثرون
أن النهي عن الفرار منه للتحريم، واتفقوا على جواز الخروج لشغل عرض غير
الفرار؛ لقوله 18 في آخر الحديث: ((لا تخرجوا منها فراراً منه))، ويدل على
التحريم ما روي عن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - أنه عليه السلام
قال: ((الفارُّ من الطاعون كالفارّ من الزحف))، وأخرج ابن خزيمة في ((صحيحه))
أن الفرار منه من الكبائر، والله يعاقب عليه إن لم يعف.
واختلف العلماء في حكمة ذلك النهي، فقيل: هو تَعْبُّديٌّ لا يعقل؛ لأن
الفرار من المهالك مأمور به، وقد وقع النهي عنه، وهو سرٌّ لا يعلمه إلا الله
تعالى، وقيل: معلل بأن الطاعون إذا وقع في بلد يعم من كان فيه بمداخلة
سببه، فلا يفيد الفرار، بل إن كان أجله حضر فالطاعون سبب موته، سواء أقام
أو رحل، ونقل أبو الحسن المدائني عن أبيه قال: قلّما فَرَّ أحد من الطاعون
فسلم، قال السبكي: وهو مُجرَّبٌ، وليس ببعيد أن يجعل الله تعالى الفرار سبباً
لقصر العمر، وقد جاء في الكتاب العزيز: ﴿قُل لَّنْ يَنَفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَّتُم مِّنَ
اَلْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾(١) الآية. وحكى أن والده استنبط ذلك من هذه الآية، أهـ.
(١) سورة الأحزاب: الآية ١٦.
٦٨٤

٤٦ - كتاب الجامع
(٧) باب
(١٥٩٤) حدیث
قال الحافظ(١): في هذا الحديث جواز الرجوع لمن أراد دخول بلدة،
فعلم أن بها الطاعون، وأن ذلك ليس من الطيرة، وإنما هي من منع الإلقاء إلى
التهلكة أو سدّ الذريعة، وقد زعم قوم أن النهي عن ذلك للتنزيه، وأنه يجوز
الإقدام عليه لمن قوي توكله، وتمسكوا بما جاء عن عمر - رضي الله عنه - أنه
ندم على رجوعه من سرغ، كما أخرجه ابن أبي شيبة بسند جيد عن ابن عمر
- رضي الله عنه - قال: جئت عمر - رضي الله عنه - حين قدم فوجدته قائلاً في
خبائه، فانتظرته في ظل الخباء فسمعته يقول حين تَضوّر(٢): اللَّهم اغفر لي
رجوعي من سرغ، وأخرجه إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) أيضاً.
وأجاب القرطبي في ((المفهم)) بأنه لا يصح عن عمر، قال: وكيف يندم
على فعل ما أمر به النبي وَلّ، ويرجع عنه ويستغفر منه؟ وأجيب بأن سنده قوي
والأخبار القوية لا ترد بمثل هذا مع إمكان الجمع، فيحتمل أنه يكون كما
حكاه البغوي في ((شرح السنة)) عن قوم أنهم حملوا النهي على التنزيه، وأن
القدوم جائز لمن غلب عليه التوكل، والانصراف عنه رخصة، ويحتمل وهو
أقوى أن يكون سبب الندامة أنه خرج لأمر مهم من أمور المسلمين، فلما وصل
إلى قرب البلد المقصود رجع مع أنه كان يمكنه أن يقوم بالقرب من البلد إلى
أن يرتفع الطاعون، فيدخل إليها، ويقضي حاجة المسلمين.
ويؤيد ذلك أن الطاعون ارتفع عنها عن قريب، فلعله كان بلغه ذلك،
فندم على رجوعه إلى المدينة، لا على مطلق رجوعه، فرأى أنه لو انتظر لكان
أولى لما في رجوعه على العسكر الذي كان صحبته من المشقة، والخبر لم يرد
بالأمر بالرجوع، وإنا ورد بالنهي على القدوم والله أعلم.
(١) ((فتح الباري)) (١٠/ ١٨٧).
(٢) استدار فى النوم.
٦٨٥

٤٦ - كتاب الجامع
(٧) باب
(١٥٩٤) حدیث
وأخرج الطحاوي بسند صحيح عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: قال عمر
- رضي الله عنه -: اللَّهم إن الناس قد نحلوني ثلاثاً، أنا أبرأ إليك منهن،
زعموا أني فررت من الطاعون، وأنا أبرأ إليك من ذلك، وذكر الطلاء
والمكس، وقد ورد عن غير عمر - رضي الله عنه - التصريح بالعمل في ذلك
بمحض التوكل، فأخرج ابن خزيمة بسند صحيح عن عروة أن الزبير بن العوام
خرج غازياً نحو مصر، فكتب إليه أمراء مصر أن الطاعون قد وقع، فقال: إنما
خرجنا للطعن والطاعون، فدخلها .
وفي الحديث أيضاً منع من وقع الطاعون ببلد هو فيها من الخروج منها،
وقد اختلف الصحابة في ذلك كما تقدم، وأخرج أحمد بسند صحيح إلى أبي
منيب أن عمرو بن العاص قال في الطاعون: إن هذا رجز مثل السيل، من
تَنَكَّبه(١) أخطأه، ومثل النار من أقام أحرقته، فقال شرحبيل بن حسنة: إن هذا
رحمة ربكم ودعوة نبيكم، وقبض الصالحين قبلكم، وأبو منيب هذا هو
الأحدب، وثقه العجلي وابن حبان، وهو غير أبي منيب الجرشي فيما ترجح
عندي، وللحديث طريق أخرى أخرجها أحمد أيضاً من رواية شرحبيل بن شفعة
عن عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة بمعناه.
وأخرج أحمد من طريق أخرى أن المراجعة في ذلك أيضاً وقعت من عمرو بن
العاص ومعاذ بن جبل، وفي طريق أخرى بينه وبين واثلة الهذلي، وفي معظم
الطرق أن عمرو بن العاص صدق شرحبيل وغيره على ذلك، ونقل عياض وغيره
جواز الخروج عن جماعة من الصحابة، منهم أبو موسى الأشعري والمغيرة بن
شعبة، ومن التابعين منهم الأسود بن هلال ومسروق، ومنهم من قال: النهي فيه
للتنزيه، فيكره ولا يُحَرَّمُ، وخالفهم جماعة فقالوا: يحرم الخروج منها لظاهر النهي
الثابت في الأحاديث الماضية، وهذا هو الراجح عند الشافعية وغيرهم.
(١) تنكبه: أي تحمّيه.
٦٨٦

٤٦ - كتاب الجامع
(٧) باب
(١٥٩٤) حديث
ويؤيده ثبوت الوعيد على ذلك، فأخرج أحمد وابن خزيمة من حديث
عائشة مرفوعاً في أثناء حديث بسند حسن، قلت: يا رسول الله فما الطاعون؟
قال: ((غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الإبل، المقيم فيها كالشهيد، والفارُّ منها كالفار من الزحف))،
وله شاهد من حديث جابر رفعه: ((الفار من الطاعون كالفار من الزحف،
والصابر فيه كالصابر في الزحف))، أخرجه أحمد أيضاً وابن خزيمة، وسنده
صالح للمتابعات إلى آخر ما بسط الحافظ في ذلك أشد البسط.
وقال(١): لا شك أن الصور ثلاث، من خرج لقصد الفرار محضاً، فهذا
يتناوله النهي لا محالة، ومن خرج لحاجة متمحضة، لا لقصد الفرار أصلاً،
فلا يدخل في النهي، والثالث من عرضت له حاجة، فأراد الخروج فيها،
وانضَمَّ إلى ذلك أنه قصد الراحة من الإقامة بالبلد التي وقع بها الطاعون، فهذا
محل النزاع، ومن جملة هذه الصورة الأخيرة أن تكون الأرض التي وقع بها
وخمة، والأرض التي يريد التوجه إليها صحيحة، فيتوجّه بهذا القصد.
فهذا جاء النقل فيه عن السلف مختلفاً، فمن منع نظر إلى صورة الفرار
في الجملة، ومن أجاز نظر إلى أنه مستثنى من عموم الخروج فراراً، إلا أنه لم
يتمحض للفرار، وإنما هو لقصد التداوي، وعلى ذلك يحمل ما وقع في أثر
أبي موسى المذكور أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى أبي عبيدة: إن لي إليك
حاجة فلا تضع كتابي من يدك حتى تقبل إلي، فكتب إليه: إني عرفت حاجتك
وأني في جند من المسلمين، لا أجد بنفسي رغبة عنهم إلى آخر القصة.
فهذا يدل على أن عمر - رضي الله عنه - رأى أن النهي عن الخروج إنما
هو لمن قصد الفرار متمحضاً، ولعله كانت له حاجة بأبي عبيدة في نفس
الأمر، فلذلك استدعاه، وظن أبو عبيدة أنه إنما طلبه ليسلم من وقوع الطاعون
(١) انظر: ((فتح الباري)) (١٨٨/١٠).
٦٨٧

٤٦ - كتاب الجامع
(٧) باب
(١٥٩٤) حديث
به، فاعتذر عن إجابته لذلك، وقد كان أمر عمر - رضي الله عنه - لأبي عبيدة
بذلك بعد سماعهما للحديث المذكور من عبد الرحمن بن عوف، فتأوّل عمر
- رضي الله عنه - فيه ما تأوّل، واستمر أبو عبيدة على الأخذ بظاهر الحديث.
وأيد الطحاوي صنيع عمر - رضي الله عنه - بقصة العرنيين، فإن خروجهم
من المدينة كان للعلاج لا للفرار، وهو واضح من قصتهم؛ لأنّهم شكوا وخم
المدينة، وأنها لا توافق أجسامهم، وكان خروجهم للضرورة، فإن الإبل ما
كانت تتهيأ إقامتها بالبلد، وإنما كانت في مراعيها .
وقد لحظ البخاري لذلك، فترجم قبل ترجمة الطاعون ((من خرج من
الأرض التي لا تلائمه)) (١) وساق قصة العُرِيِّين، ويدخل فيه ما أخرجه أبو داود
من حديث فروة بن مسيك، قلت: يا رسول الله إن عندنا أرضاً وهي وبئة
فقال: دعها عنك، فإن من القرف التلف، قال ابن قتيبة: القرف القرب من
الوباء، وقال الخطابي: ليس في هذا إثبات العدوى، وإنما هو من باب
التداوي، فإن استصلاح الهواء من أنفع الأشياء في تصحيح البدن وبالعكس،
واحتجوا أيضاً بالقياس على الفرار من المجذوم، وقد ورد الأمر به.
والجواب أن الخروج من البلد التي وقع بها الطاعون قد ثبت النهي عنه،
والمجذوم قد ورد الأمر بالفرار منه، فكيف يصح القياس؟ وقد ذكر العلماء في
النهي عن الخروج حِكَماً :
منها؛ أن الطاعون في الغالب يكون عاماً في البلد الذي يقع به، فإذا
وقع، فالظاهر مداخلة سببه لمن بها، فلا يفيده الفرار؛ لأن المفسدة إذا تعيَّنَتْ
حتى لا يقع الانفكاك عنها كان الفرار عبثاً فلا يليق بالعاقل.
ومنها؛ أن الناس لو تواردوا على الخروج لصار من عجز عنه بالمرض
(١) انظر: ((صحيح البخاري مع فتح الباري)) (١٧٨/١٠).
٦٨٨

٤٦ - كتاب الجامع
(٧) باب
(١٥٩٤) حديث
المذكور أو بغيره ضائع المصلحة لفقد من يتعهّدُه حياً وميتاً. وأيضاً فلو شرع
الخروج، فخرج الأقوياء، لكان في ذلك كسر قلوب الضعفاء، وقد قالوا: إن
حكمة الوعيد في الفرار من الزحف كسر قلب من لم يفر، وإدخال الرعب عليه
بخذلانه .
وقد جمع الغزالي بين الأمرين، فقال: الهواء لا يضر من حيث ملاقاته
ظاهر البدن، بل من حيث دوام الاستنشاق، فيصل إلى القلب والرئة، فيؤثر في
الباطن، ولا يظهر على الظاهر إلا بعد التأثير في الباطن، فالخارج من البلد
الذي يقع به لا يخلص غالباً مما استحكم به، وينضاف إلى ذلك أنه لو رخص
للأصحاء في الخروج، لبقي المرضى لا يجدون من يتعاهدهم فتضيع
مصالحهم .
ومنها؛ ما ذكره بعض الأطباء أن المكان الذي يقع به الوباء تتكيف
أمزجة أهله بهواء تلك البقعة، وتألفها، وتصير لهم كالأهوية الصحيحة لغيرهم،
فلو انتقلوا إلى الأماكن الصحيحة لم يوافقهم، بل ربما استنشقوا هواءها بما
استصحب معه إلى القلب من الأبخرة الرديئة التي حصل تكيف بدنه بها،
فأفسدته، فمنع من الخروج لهذه النكتة.
ومنها؛ ما تقدم أن الخارج يقول: لو أقمت لأصبت، والمقيم يقول: لو
خرجت لسلمت، فيقع في اللَّو المنهيّ عنه، وقال الشيخ أبو محمد بن أبي
جمرة في قوله: ((فلا تقدموا عليه)): فيه منع معارضة متضمن الحكمة بالقدر،
وهو من مادة قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى النَّْكَةِ﴾(١)، وفي قوله: ((فلا
تخرجوا منه)). إشارة إلى الوقوف مع المقدور والرضاء، قال: وأيضاً فالبلاء إذا
نزل إنما يقصد به أهل البقعة لا البقعة نفسها، فمن أراد الله إنزال البلاء به،
(١) سورة البقرة: الآية ١٩٥.
٦٨٩

٤٦ - كتاب الجامع
(٧) باب
(١٥٩٤) حديث
فهو واقع به ولا محالة فأينما توجه يدركه، فأرشده الشارع إلى عدم النصب من
غير أن يدفع ذلك المحظور.
وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: الذي يترجح عندي في الجمع
بينهما أن في الإقدام عليه تعريض النفس للبلاء، ولعلها لا تصبر عليه، وربما
كان فيه ضرب من الدعوى لمقام الصبر أو التوكل، فمنع ذلك حذراً من اغترار
النفس، وأما الفرار فقد يكون داخلاً في التوغل في الأسباب بصورة من يحاول
النجاة بما قدر عليه، فأمرنا الشارع بترك التكلف في الحالتين، ثم بسط الحافظ
الكلام في الفوائد في حديث عمر - رضي الله عنه - هذا.
وأفاد شيخ مشايخنا الگنگوهي قدس سره في ((الكوكب الدري)) (١) قوله:
فلا تخرجوا منها؛ لئلا يتحرج الناس الذي أنتم واردون عليهم بظن منهم
أنكم أتيتم من مكان مرض، فلستم خالين منه، ولئلا يتفرَّد المرضى الذين
مرضوا هاهنا فيتوحشوا، إذ ليس يبقى لهم إذاً من يخدمهم ويقوم بأمرهم، أو
لأن في الفرار منه إيهام الفرار من المقدر، مع أن المقدور واقع لا محالة،
فلا ينبغي أن يكل في أموره، وما ينوبه من الأمراض والعلل إلا إلى الله
سبحانه .
وقوله: فلا تهبطوا عليها، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بَِيْدِيَكُمْ إِلَى الََّةِ﴾
ويُعْلَم من ذلك أن فيه أثراً، وإن كان بإذن الله تعالى وخلقه وتحت إرادته،
ولأن الوسوسة بتعدية المرض باقيةٌ بعد، فنهاهم عن النزول ثمة سداً لباب
الوسوسة، فإن الله هو الفاعل الحقيقي وتلك أسباب، اهـ.
وأجاد قبل ذلك في مسألة العدوى تقريراً أنيقاً (٢) يليق بشأنه - أعلى الله
(١) (٢٠٤/٢).
(٢) انظر: ((الكوكب الدري)) (١٧٧/٢).
٦٩٠

٤٦ - كتاب الجامع
(٧) باب
(١٥٩٤) حديث
مراتبه - يزيل الإشكالات الكثيرة في الروايات الواردة في هذا الباب، فقال في
العدوى: الظاهر من النظر في الأحاديث التي وردت في أمثال هذه المواضع
أن العرب كانت تزعم للعدوى تأثيراً في نفسه من غير افتقار إلى مؤثر سواه،
فنفى النبي ◌ّ عن العدوى كل نوع من التأثير، وإن كان لأمثال هذه مدخل في
مسبباتها، وإن كان بإذن منه سبحانه فقولهم: إنه سبحانه وضع للنجوم وغيرها
تأثيراً بحيث تعطل بعد ذلك، أي لم يبق له قدرة على الإيجاد والإعدام
سبحانه وتعالى، هذا شرك وكفر.
كما أن القول بأن لها تأثيراً في نفسها من غير أن يضعه الله سبحانه فيها،
وكذا القول بأنه تعالى يضع فيها تأثيراً ثم لا يؤثر سبحانه، بل التأثير إنما يكون
لها، وفي هذا الوجه له خيار على الخلاف إن شاء، ولا كذلك في الوجه
الأول، وكذا الاعتقاد بأن التأثير منه سبحانه وتعالى، إلا أن التخلف لا يمكن
عما هو ظاهر حالها .
وأما إنها ليس لها دخل لا بكونها سبباً ولا أمارة، فلم يذهب إلى ذلك
إلا شِرْذمةٌ من أهل الظاهر، والذي ينبغي أن يعتقد عليه القلب أنه تعالى هو
المؤثر الحقيقي يفعل ما يشاء حيث شاء، وإنما أمثال هذه أمارات جرت عادته
سبحانه وتعالى، أنه يفعل بعد إظهارها ولو شاء لم يفعل مع ظهور الأمارات
أيضاً، كما أنه وضع في الأدوية أفعالاً وخواص، وقد تتخلف عن موجبها،
كذلك نعتقد في العدوى وتأثيرات النجوم وأمطار الأنواء أنه تعالى وضع فيها
أثراً من غير أن يكون لها تأثيراً في إبدائه، فأَمْرُهَا ليس إلا كأمر الأمطار إذا
تنشَّأَتْ سحابة، فالظاهر منها أن تمطر، ومع ذلك فلسنا بالأمطار مستيقنين إلا
أن يشاء الله رب العالمين، اهـ.
وفي ((الدر المختار)): إذا خرج من بلدة فيها الطاعون، فإن علم أن كل
شيء بقدر الله تعالى فلا بأس بأن يخرج ويدخل، وإن كان عنده أنه لو خرج
٦٩١

٤٦ - كتاب الجامع
(٧) باب
(١٥٩٥) حديث
قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ، ثُمَّ انْصَرَفَ.
أخرجه البخاريّ: في ٧٦ - كتاب الطب، ٣٠ - باب ما يذكر في الطاعون.
ومسلم في: ٣٩ - كتاب السلام، ٣٢ - باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها،
حديث ٩٨.
٢٣/١٥٩٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ،
وَعَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي النَّصْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ
سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَسْأَلُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ : ...
نجا ولو دخل ابتلي به كره ذلك، فلا يدخل ولا يخرج صيانة لاعتقاده، وعليه
حمل النهي في الحديث الشريف، اهـ.
(قال) ابن عباس - رضي الله عنه -: (فحمد الله) عز وجل (عُمَرُ)
- رضي الله عنه - إذ وافق اجتهاده واجتهاد معظم الصحابة للحديث الشريف (ثم
انصرف) إلى المدينة المنورة - زادها الله شرفاً وكرامة ـ اتباعاً للنص النبوي
القاطع للنزاع، قال الحافظ(١): فيه وجوب العمل بخبر الواحد، وهو من أقوى
الأدلة على ذلك، لأن ذلك باتفاق أهل الحل والعقد من الصحابة، فقبلوه من
عبد الرحمن بن عوف لم يطلبوا معه مقوياً، اهـ.
٢٣/١٥٩٥ - (مالك عن محمد بن المنكدر) التيمي (وعن سالم) (٢) بحرف
العطف (أبي النضر) بضاد معجمة (مولى عمر بن عبيد الله) بضم العينين، روى
محمد وسالم كلاهما (عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه) سعد بن أبي
وقاص (أنه سمعه) أي سمع عامر أباه (يسأل) أي أبوه سعد (أسامة بن زيد)
الصحابي الشهير، قال ابن عبد البر: لا وجه لذكر أبيه؛ لأن الحديث إنما هو
(١) ((فتح الباري)) (١٩٠/١٠).
(٢) سالم أبو النضر، هكذا في نسخة الشارح وهو الصواب. كما في ((التقريب)).
٦٩٢

٤٦ - كتاب الجامع
(٧) باب
(١٥٩٥) حدیث
لعامر عن أسامة سمعه منه، ولذا لم يقله ابن بكير ومعن وجماعة من الرواة، اهـ. كذا
في ((التنوير))(١) وفي ((التجريد))(٢): أوضحنا الكلام على إسناده في ((التمهيد))(٣).
وفي ((الزرقاني)): قال ابن عبد البر: كذا لأكثر رواة ((الموطأ))، وروى
القعنبي عن مالك عن محمد بن المنكدر أن عامر بن سعد أخبره أن أسامة بن
زيد أخبره أن رسول الله و #، الحديث. والمعنى واحد؛ لأن ذكر أبيه في رواية
الأكثرين؛ لأنه سمعه يسأل أسامة، فمن أسقط عن أبيه لم يضره، وذكره
صحيح، نعم شذّ القعنبي في حذف أبي النضر، ورواه قوم عن عامر بن سعد
عن أبيه عن النبي بَّر، وهو وهم عندهم، إنما الحديث لعامر عن أسامة، لا
عن أبيه سعد، اهـ.
قال الزرقاني(٤): أي فلم يرد بقوله: عن أبيه، الرواية بل أراد عن سؤال
أبيه لأسامة كما أفصح عن ذلك بقوله: إنه سمعه يسأل أسامة، فكان عامر
حاضراً سؤال والده سعد لأسامة، اهـ.
وأخرجه محمد في ((موطئه))(٥) مثل سياق القعنبي بحذف أبي النضر، فلا
شذوذ للقعنبي فيه، والحديث أخرجه البخاري في ذكر بني إسرائيل برواية
عبد العزيز بن عبد الله عن مالك مثل سياق رواية ((الموطأ)). وسكت الحافظ
عن هذا الاختلاف الذي ذكر، وأخرجه البخاري في ((كتاب الحيل)) برواية
الزهري عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أسامة بن زيد يحدث سعداً
أن رسول الله وَ﴾، الحديث، وهذا ظاهر، لا غبار فيه.
(١) ((تنوير الحوالك)) (ص ٤٤٥).
(٢) (ص١٥٨).
(٣) (٢٤٩/١٢).
(٤) (شرح الزرقاني)) (٢٣٩/٤).
(٥) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٤٨٨/٣) رقم الحديث (٩٥٤).
٦٩٣

٤٦ - كتاب الجامع
(٧) باب
(١٥٩٥) حديث
مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ فِي الطَّاعُونِ؟ فَقَالَ أُسَامَةُ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((الطَّاعُونَ رِجْزٌ
وترجم البيهقي في ((سننه)) ((باب لا يورد ممرض على مصح فقد يجعل الله
بمشيئته مخالطته إياه سبباً لمرضه)»، وذكر فيه عدة روايات العدوى وغيره،
وأخرج فيه بسنده إلى الزهري عن عامر بن سعد عن أسامة عن رسول الله وَله،
الحدیث.
(ماذا سمعت) بصيغة الخطاب (من رسول الله يوليو في) شأن (الطاعون؟)،
وأخرجه البخاري برواية شعبة عن حبيب عن إبراهيم بن سعد قال: سمعت
أسامة بن زيد يحدث سعداً عن النبي وَ ◌ّ ر قال: ((إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا
تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا منها))، فقلت: أنت سمعته
يحدث سعداً ولا ينكره؟ قال: نعم.
قال الحافظ(١): قوله: يحدث سعداً أي والد إبراهيم المذكور، ووقع في
رواية الأعمش عن حبيب عن إبراهيم بن سعد عن أسامة بن زيد وسعد،
أخرجه مسلم، ومثله في رواية الثوري عن حبيب، وزاد ((وخزيمة بن ثابت))
أخرجه أحمد ومسلم أيضاً، وهذا الاختلاف لا يضرُّ لاحتمال أن يكون سعد
تَذَكَّرَ لما حدّثه به أسامة، أو نسبت الرواية إلى سعد لتصديقه أسامة، اهـ.
قلت: ويحتمل أن يقال: إن الحديث كان عند سعد أيضاً، لكنه سأله
أسامة تقويةً وتأييداً لما سمعه هو، قال الحافظ: وأما خزيمة فيحتمل أن يكون
إبراهيم بن سعد سمعه منه بعد ذلك، فضمّه إليهما مرة، وسكت عنه
أخرى، اهـ.
(فقال أسامة) بن زيد: (قال رسول الله ◌َّر: الطاعون رجز) هكذا في
جميع النسخ الهندية والمصرية بالزاي المعجمة، قال الحافظ في ((الفتح)): وقع
(١) ((فتح الباري)) (١٠/ ١٨٢).
٦٩٤

٤٦ - كتاب الجامع
(٧) باب
(١٥٩٥) حديث
أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ،
الرجس بالسين المهملة موضع الزاي، والذي بالزاي هو المعروف وهو
العذاب، والمشهور في السين أنه الخبيث أو النجس أو القذر، وجزم الفارابي
والجوهري بأنه يطلق على العذاب أيضاً، ومنه قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ
عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، اهـ.
وقال الزرقاني(١): بالزاي أي عذاب، ووقع لبعض الرواة رجس بالسين
المهملة بدل الزاي، قال الحافظ: المحفوظ بالزاي، اهـ.
(أرسل) ببناء المجهول (على طائفة من بني إسرائيل) أي جماعة مخصوصة
منهم لما كثر طغيانهم (أو) قال أرسل (على من كان قبلكم) بالشك من الراوي،
قال الحافظ(٢): كذا وقع بالشك، ووقع بالجزم عند ابن خزيمة من طريق
عمرو بن دينار عن عامر بن سعد بلفظ «فإنه رجز سلط على طائفة من بني
إسرائيل)) وأصله عند مسلم، ووقع عند ابن خزيمة بالجزم أيضاً من رواية ابن
سعد عن سعد، لكن قال: ((رجز أصيب به من كان قبلكم)) والتنصيص على بني
إسرائيل أخصّ، فإن كان ذلك المراد، فكأنه أشار بذلك إلى ما جاء في قصة
بلعام.
فأخرج الطبري(٣) عن سيار أن رجلاً كان يقال له: بلعام، كان مجاب
الدعوة وأن موسى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - أقبل في بني إسرائيل
يريد الأرض التي فيها بلعام، فأتاه قومه، فقالوا: ادع الله عليهم، فقال حتى
أُوَامِرَ ربي فمنع، فأتوه بهدية فقبلها وسألوه ثانياً، فقال: حتى أُوَامِرَ ربي، فلم
يرجع إليه بشيء، فقالوا: لو كره لنهاك، فدعا عليهم، فصار يجرى على لسانه
ما يدعو به على بني إسرائيل، فينقلب على قومه، فلاموه على ذلك.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٣٩/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (١٠/ ١٨٣).
(٣) ((تفسير الطبري)) (١٢٣/٦).
٦٩٥

٤٦ - كتاب الجامع
(٧) باب
(١٥٩٥) حدیث
فقال: سأدلكم على ما فيه هلاكهم، أرسلوا النساء في عسكرهم،
ومُرُوهن أن لا يمتنعن من أحد، فعسى أن يزنوا فيهلكوا، فكان فيمن خرج
بنت الملك، فأرادها رأس بعض الأسباط، وأخبرها بمكانه، فمكنته من
نفسها، فوقع في بني إسرائيل الطاعون، فمات منهم سبعون ألفاً في يوم،
وجاء رجل من بني هارون معه الرمح، فطعنهما، وأيّده الله فانتظمهما
جميعاً، وهذا مرسل جيد، وسيّارٌ شاميّ موثقٌ، وذكر الطبري هذه القصة عن
سالم أبي النضر فذكر نحوه، وسمى المرأة كَشْتا والرجل زِمْرِي والذي
طعنهما فِنْحاص.
وقال في آخره: فحسب من هلك من الطاعون سبعون ألفاً، والمقلّل
يقول: عشرون ألفاً، وهذه الطريق تعضد الأولى، وقد أشار إليه عياض فقال:
قوله: قد أرسل على بني إسرائيل، قيل: مات منهم في ساعة واحدة عشرون
ألفاً وقيل: سبعون ألفاً، وذكر ابن إسحاق في ((المبتدأ)) أن الله تبارك وتعالى
أوحى إلى داود أن بني إسرائيل كثر عصيانهم، فَخَيَّرهم بين ثلاث، إما أن
أبتليهم بقحط أو العدو شهرين أو الطاعون ثلاثة أيام، فأخبرهم، فقالوا: اختر
لنا، فاختار الطاعون، فمات منهم إلى أن زالت الشمس سبعون ألفاً، وقيل:
مائة ألف، فتضرع داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام إلى الله تبارك وتعالى
فرفعه .
وورد وقوع طاعون في غير بني إسرائيل، فيحتمل أن يكون هو المراد
بقوله: ((من كان قبلكم))، فمن ذلك ما أخرجه الطبري وابن أبي حاتم، قال:
أمر موسى بني إسرائيل أن يذبح كل رجل منهم كبشاً، ثم ليخضب كفه في
دمه، ثم ليضرب به على بابه ففعلوا، فسألهم القبط عن ذلك، فقال: إن الله
سيبعث عليكم عذاباً، وإنما ننجوا منه بهذه العلامة، فأصبحوا، وقد مات من
قوم فرعون سبعون ألفاً، الحديث، وهذا مرسل جيد الإسناد، وأخرج
٦٩٦

٤٦ - كتاب الجامع
(٧) باب
(١٥٩٥) حديث
فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا
فَلَا تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْهُ)) .
قَالَ مَالِكٌ: قَالَ أَبُو النَّصْرِ: لَا يُخْرِجُكُمْ إِلَّا فِرَارٌ مِنْهُ.
أخرجه البخاريّ في: ٦٠ - كتاب الأنبياء، ٥٤ - باب حدثنا أبو اليمان.
ومسلم في: ٣٩ - كتاب السلام، ٣٢ - باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها،
حديث ٩٢.
عبد الرزاق في ((تفسيره)) والطبري(١) من طريق الحسن في قوله تعالى: ﴿أَمْ
تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوُفُ حَذَرَ أُلْمَوْتِ﴾(٢) قال: فروا من
الطاعون ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَخْيَهُمْ﴾ ليكملوا بقية آجالهم، وأخرج ابن أبي
حاتم من طريق السدي عن أبي مالك قصتهم مطولة، فأقدم من وقفنا عليه في
المنقول ممن وقع به الطاعون من بني إسرائيل في قصة بلعام، ومن غيرهم في
قصة فرعون، وتكرر بعد ذلك بغيرهم، والله أعلم، اهـ ..
(فإذا سمعتم به) أي بالطاعون (بأرض فلا تدخلوا عليه وإذا وقع) الطاعون
(بأرض وأنتم بها) أي ساكنون في هذا الموضع الذي وقع فيه الطاعون (فلا
تخرجوا) منها (فراراً منه) وتقدم الكلام على هاتين المسألتين مفصلاً في قصة
عمر - رضي الله عنه -.
(قال مالك) الذي ذكر قبل من لفظ الحديث هو لفظ ابن المنكدر وهو
واضح لا إشكال فيه (قال أبو النضر) في روايته بدل قوله: فلا تخرجوا فراراً
منه (لا يخرجكم إلا فراراً منه) هكذا في جميع النسخ الهندية، ومتون النسخ
المصرية خالية عن قوله: قال مالك: قال أبو النضر إلخ، ولم يتعرض عنه
الباجي في ((شرحه))، وتعرض عنه السيوطي والزرقاني في ((شرحيهما)).
(١) ((تفسير الطبري)) (٦٠٠/٢).
(٢) سورة البقرة: ٢٤٣.
٦٩٧

٤٦ - كتاب الجامع
(٧) باب
(١٥٩٥) حدیث
قال السيوطي(١): قال ابن عبد البر هكذا في ((الموطأ)) في حديث أبي
النضر، وقد جعله جماعة لحناً وغلطاً؛ لأنه استثناء من نفي، فحقه الرفع،
وخرج أنه نصب على الحال لا الاستثناء، اهـ.
وأخرجه مسلم في ((صحيحه))(٢) برواية يحيى بن يحيى عن مالك بلفظ إلا
فراراً بالنصب، قال النووي: وقع في بعض النسخ فرار بالرفع، وفي بعضها
بالنصب، وكلاهما مشكل من حيث العربية والمعنى، وقال القاضي: هذه
الرواية ضعيفة عند أهل العربية مفسدة للمعنى، لأن ظاهرها المنع من الخروج
لكل سبب إلا للفرار، فلا منع منه، وهذا ضد المراد، وقال جماعة: إن لفظ
(إلا)) هاهنا غلط من الراوي، والصواب حذفها كما هو المعروف في سائر
الروايات، قال القاضي: وخرج بعض محققي العربية لرواية النصب وجهاً،
فقال: هو منصوب على الحال، قال: ولفظة ((إلا)) ههنا للإيجاب، لا
للاستثناء، وتقديره: لا تخرجوا إذا لم يكن خروجكم إلا فراراً منه، اهـ.
والحديث هكذا أخرجه البخاري في ((صحيحه)) برواية عبد العزيز بن
عبد الله عن مالك بلفظ النصب، قال الحافظ(٣): يريد أن الأولى رواية ابن
المنكدر، والثانية رواية أبي النضر، فأما رواية ابن المنكدر فلا إشكال فيها،
وأما رواية أبي النضر فروايتها بالنصب كالذي هاهنا مشكلة، ورواها جماعة
بالرفع ولا إشكال فيها .
قال عياض في ((الشرح)): وقع لأكثر رواة ((الموطأ)) بالرفع، وهو بين أن
السبب الذي يخرجكم الفرار ومجرد قصده لا غير ذلك؛ لأن الخروج إلى
الأسفار والحوائج مباح، ويطابق الرواية الأخرى ((فلا تخرجوا فراراً منه)).
(١) ((تنوير الحوالك)) (ص٦٤٥) و((التمهيد)) (٣٤٩/١٢).
(٢) (٢٢١٨) باب ((الطاعون الطيرة والكهانة)).
(٣) ((فتح الباري)) (٦/ ٥٢٠).
٦٩٨

٤٦ - كتاب الجامع
(٧) باب
(١٥٩٥) حدیث
وقال ابن عبد البر: جاء بالوجهين، ولعل كان ذلك عن مالك.
وأهل العربية يقولون: دخول ((إلا))، هاهنا بعد النفي الإيجاب بعض مانفي
قبل من الخروج، فكأنه نهى عن الخروج إلا للفرار خاصة، وهو ضد المقصود،
قال: وجَوَّز ذلك بعضهم، وجعل قوله: ((إلا)) حالاً من الاستثناء، أي لا تخرجوا
إذا لم يكن خروجكم إلا للفرار، قال عياض: ووقع لبعض رواة ((الموطأ)) ((لا
يخرجكم الإفرار)) بأداة التعريف وبعدها إفرار بكسر الهمزة، وهو وهم ولحن.
وقال في ((المشارق)) ما حاصله: يجوز أن تكون الهمزة للتعدية يقال:
أَفَرَّه کذا من كذا، فيكون المعنى لا يخرجكم إفرارُه إياكم، وقال القرطبي في
(المفهم)): هذه الرواية غلط؛ لأنه لا يقال: أفرّ، وإنما يقال: أفرر، وقال
جماعة من العلماء: إدخال ((إلا)) فيه غلط، وقال بعضهم: هي زائدة، وتجوز
زيادته كما تزاد لا، وخرّجه بعضهم بأنه للإيجاب فذكر نحو ما مضى، قال:
والأقرب أن تكون زائدة، وقال الكرماني: الجمع بين قولي ابن المنكدر وأبي
النضر مشكل، فإن ظاهره التناقض.
ثم أجاب بأجوبة: أحدها؛ أن غرض الراوي أن أبا النضر فسر ((لا
تخرجوا)) بأن المراد منه الحصر يعني الخروج المنهي عنه، هو الذي يكون
لمجرد الفرار، لا لغرض آخر، فهو تفسير للمعلل المنهي عنه لا للنهي.
قال الحافظ(١): وهو بعيد؛ لأنه يقتضي أن هذا اللفظ من كلام أبي
النضر. زاده بعد الخبر وأنه موافق لابن المنكدر على اللفظ الأول رواية،
والمتبادر خلاف ذلك. والجواب الثاني كالأول، والزيادة مرفوعة أيضاً فيكون
روى اللفظين، ويكون التفسير مرفوعاً أيضاً. الثالث: إلا زائدة أن تثبت زيادتُها
في كلام العرب، اهـ. ما في ((الفتح)) وتبعه الزرقاني(٢) في ((شرحه)).
(١) ((فتح الباري)) (٥٢٠/٦).
(٢) (شرح الرزقاني)) (٤/ ٢٤٠).
٦٩٩

٤٦ - كتاب الجامع
(٧) باب
(١٥٩٦) حدیث
٢٤/١٥٩٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ،
فَلَمَّا جَاءَ سَرْغَ، بَلَغَهُ أَنَّ الْوَبَأَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ. فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ
عَوْفٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَ ﴿ قَالَ: ((إِذَا سَمِغَتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا
عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْهُ)) فَرَجَعَ
عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ سَرْغَ.
أخرجه البخاريّ في: ٧٦ - كتاب الطب، ٣٠ - باب ما يذكر في الطاعون.
ومسلم في: ٣٩ - كتاب السلام، ٣٢ - باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها،
حديث ١٠٠.
٢٤/١٥٩٦ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن عبد الله بن عامر بن
ربيعة) العنزي (أن عمر بن الخطاب خرج) في زمان خلافته (إلى الشام) سنة
سبع عشرة أو ثماني عشرة على الاختلاف بينهم كما تقدم (فلما جاء) أي
بلغ (سرغ) بفتح السين المهملة قولاً وسكون الراء على المشهور كما تقدم
(بلغه) من أمراء الأجناد (أن الوباء) بفتح الواو والموحدة والهمزة والمد
والقصر، والمراد هاهنا الطاعون المعروف بطاعون عمواس، قاله الزرقاني
(قد وقع بالشام) أي بدمشق وهي أم الشام وإليها كان قصده، قاله أبو
عمر، فلما أراد الرجوع بعد المشورة عن المهاجرين والأنصار كما تقدم
(فأخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله مَّر قال: إذا سمعتم به) أي
بالطاعون (بأرض فلا تقدموا) بفتح أوله وثالثه وروي بضم الأول وكسر
الثالث، كما في ((الزرقاني)) (عليه) لوجوه تقدمت (وإذا وقع بأرض وأنتم بها
فلا تخرجوا) منها (فراراً منه) ويجوز لشغل عرض غير الفرار اتفاقاً، قاله
السبكي (فرجع عمر بن الخطاب من سرغ) إلى المدينة المنورة، وتقدم
الحديث قريباً في قصة عمر - رضي الله عنه -.
٧٠٠