Indexed OCR Text

Pages 621-640

٤٦ - كتاب الجامع
(٣) باب
(١٥٨٥) حديث
عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ وَجَدَ غِلْمَاناً قَدْ
أَلْجَوْا ثَعْلَباً إِلَى زَاوِيَةٍ. فَطَرَدَهُمْ عَنْهُ.
قَالَ مَالِكٌ: لَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: أَفِي حَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﴾
يُصْنَعُ هُذَا؟
١٣/١٥٨٥ - وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ عَنْ رَجُلٍ؛
(عن عطاء بن يسار) بخفة السين المهملة (عن أبي أيوب الأنصارى)
الصحابي الشهير (أنه وجد غلماناً) بكسر الغين المعجمة جمع غلام وهو الصبي
(قد ألجؤا) بجيم فهمزة أي اضطرّوا (ثعلباً) بفتح المثلثة هو ذَكَرٌ منه والأنثى
ثعلبة، يقال لها في الهندية ((لو مرّى)) (إلى زاوية) بزاي معجمة أي ناحية من
نواحي المدينة لعلهم يريدون اصطياده.
(فطردهم) أي دفع أبو أيوب الغلمان (عنه. قال مالك: لا أعلم إلا أنه)
أي أبا أيوب (قال) تردد الإمام مالك في هذا اللفظ، ولذا نبّه عليه بقوله: لا
أعلم إلخ، يعني غالب ظني أنه قال هذا اللفظ الآتي (أفي) بهمزة الاستفهام
(حرم رسول الله ◌َّد) أي الموضع الذي حرمه رسول الله وَّ﴾ (يُصْنَع) ببناء
المجهول (هذا) الفعل، قاله أبو أيوب - رضي الله عنه - إنكاراً على فعلهم،
والحديث هذا أخرجه البيهقي(١) برواية ابن بكير عن مالك.
١٣/١٥٨٥ - (مالك عن رجل) قال أبو عمر: يقال: إنه شرحبيل بن
سعد، قال الزرقاني: وهو في ((مسند أحمد))، و((معجم الطبراني)) عن
شرحبيل بن سعد، وهو من موالي الأنصار، اهـ. والحديث أخرجه البيهقي (٢)
برواية ابن بكير عن مالك.
ثم قال في آخره: والرجل الذي لم يسمه مالك يقال: هو شرحبيل أبو
(١) ((السنن الكبرى)) (١٩٨/٥) وانظر ((التمهيد)) (١٢٥/٤).
(٢) («السنن الكبرى)) (١٩٩/٥).
٦٢١

(١٥٨٥) حديث
٤٦ - كتاب الجامع
قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَنَا بِالْأَسْوَافِ.
(٣) باب
سعد، ثم أخرجه بسنده إلى أبي أسامة عن الوليد، حدثني شرحبيل أبو سعد أنه
دخل الأسواف موضع من المدينة، فاصطاد بها نهساً يعني طيراً، فدخل عليه
زيد بن ثابت وهو معه، قال: فعرّك أذني، ثم قال: خلِّ سبيله، لا أم لك، أما
علمت أن رسول الله وَ ل﴿ حَرَّمَ صيدَ ما بين لابتيها، وهكذا ذكره ابن أبي ذئب
عن شرحبيل، كما سيأتي عن ((معجم البلدان)).
(قال: دخل علي) بشد الياء المتكلم (زيد بن ثابت) الأنصارى بالرفع
فاعل دخل (وأنا بالأسواف) هكذا في جميع النسخ المصرية غير الباجي، قال
الزرقاني(١): هو بفتح الهمزة وإسكان السين فواو فألف ففاء.
قال الباجي(٢): موضع ببعض أطراف المدينة بين الحرتين، اهـ. قلت:
لكن في نسخة الباجي هو بلفظ الأسواق بالقاف في آخره، فلعله تحريف من
الناسخ، ونص عبارته الذي اصطاده الرجل، قال عيسى بن دينار: هو طائر،
يقال له: النهس، ويجب أن تكون الأسواق على هذا موضعاً ببعض أطراف
المدينة بين الحرتين، اهـ.
وهكذا بالأسواق ذكره الدميري في ((حياة الحيوان))(٣) وأحمد في ((مسنده))
كما سيأتي، وهو في جميع النسخ الهندية بالأصواف بالصاد المهملة، وفي
((المحلى)) بالسواف يعني بالسين والفاء بدون زيادة الألف في أوله، قال: هو
موضع بطرف المدينة بين الحرتين، اهـ.
والصواب عندي الأول، وهو كذلك يعني بلفظ الأسواف في رواية
البيهقي المتقدمة، وقال ياقوت الحموي في ((معجم البلدان))(٤): الأسواف جمع
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٢٨/٤).
(٢) ((المنتقى)) (١٩٣/٧).
(٣) (٥٠٥/٢).
(٤) (١٩١/١).
٦٢٢

٤٦ - كتاب الجامع
(٣) باب
(١٥٨٥) حديث
قَدِ اصْطَدْتُ نُهَساً. فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِي فَأَرْسَلَهُ.
سوف اسم حرم المدينة، وقيل(١): موضع بعينه بناحية البقيع، وهو موضعُ
صَدَقةِ زيد بن ثابت الأنصاري، وهو من حرم المدينة، حكى ابن أبي ذئب عن
شرحبيل بن سعد قال: كنت مع زيد بن ثابت بالأسواف فأخذوا طيراً، فدخل
زيد فدفعوه في يدي، وفَرُّوا، فأخذ الطير فأرسله ثم ضرب في قفاي، وقال:
لا أم لك ألم تعلم أن رسول الله وَ لل حرم ما بين لابتيها؟، اهـ. ولم يذكر
صاحب ((المعجم))، الأصواف بالصاد موضعاً.
::
(وقد اصطدت) بصيغة المتكلم من الاصطياد (نهساً) بضم النون وفتح
الهاء وسين مهملة طائر يشبه الصرد يديم تحريك رأسه وذنبه يصطاد العصافير
ويأوي إلى المقابر، قاله في ((النهاية)) كذا في ((الزرقاني)) وزاد في رواية البيهقي
من حديث بكير عن مالك قال أبو عبد الله البوشنجي: النهساء الطير الصغير
فوق العصفور شبيه بالقنبرة، اهـ.
وتعقبه ابن التركماني(٢) فقال: المعروف النهس بضم النون وفتح الهاء من
غير ألف، اهـ. وقال الدميري في ((حياة الحيوان))(٣): النهس طائر يشبه الصرد
إلا أنه غير ملمع يديم تحريك ذنبه ويصيد العصافير، وقال ابن سيده: هو
ضرب من الصرد وذكر بنحو هذا الحديث من رواية ((مسند أحمد)) و((معجم
الطبراني)».
(فأخذه) زيد (من يدي فأرسله). وتقدم عن رواية البيهقي، قال: فَعَرّك
أذنى، ثم قال: خل سبيله، الحديث، وأخرج أحمد في ((مسنده)) بسنده إلى
عبد الرحمن بن أبي الرجال عن شرحبيل قال: أخذت نهساً بالأسواق فأخذ
(١) قال أبو عمر: الأسواف موضع بناحية البقيع من المدينة، وهو موضع صدقة زيد بن ثابت
وماله ((الاستذكار)) (٤٠/٢٦).
(٢) انظر: ((الجوهر النقي على هامش السنن الكبرى)) (١٩٩/٥).
(٣) (٥٠٤/٢).
٦٢٣

٤٦ - كتاب الجامع
(٤) باب
(٤) باب ما جاء في وباء المدينة
مني زيد بن ثابت فأرسله، وقال، أما علمت أن رسول الله وَّة حرم ما بين
لا بتیھا؟
وبطريق آخر بسنده إلى زياد بن سعد سمع شرحبيل بن سعد يقول: أتانا
زيد بن ثابت ونحن في حائط لنا، ومعنا فخاخ ننصب بها، فصاح بنا، وطردنا
وقال: ألم تعلموا أن رسول الله وَلل حرم صيدها، وبطريق آخر إلى
عبد الرحمن بن أبي الزناد عن شرحبيل بن سعد، حدثني زيد بن ثابت
بالأسواق ومعي طير اصطدته قال: فلطم قفاي وأرسله من يدي، وقال: أما
علمت يا عدو نفسك أن رسول الله صل﴿ حرم ما بين لابتيها؟.
(٤) ما جاء في وباء المدينة
الوبا مقصور بهمز وبغير همز هو المرض العام، كذا في ((الفتح))(١).
وقال في موضع آخر: الوباء عموم الأمراض وقد أطلق بعضهم على الطاعون
أنه وباء؛ لأنه من أفراده، لكنه ليس كل وباء طاعوناً، وقال ابن الأثير في
((النهاية)): الطاعون المرض العام، والوباء الذي يفسد له الهواء فتفسد به
الأمزجة، والأبدان، وقال ابن سينا: الوباء ينشأ عن فساد جوهر الهواء الذي
هو مادة الروح ومدده، اهـ. وكانت المدينة عند الهجرة ذات وباء كثير.
قال الحافظ: وما كان وباء المدينة إلا حُمَّى كما هو مبين في حديث
عائشة، وهذا مما يدل على أن الوباء أعم من الطاعون، وأخرج البخاري في
حديث أبي أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في حديث الباب
قالت: قدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، قالت: فكان بُطحانُ(٢) يجرِي نجلا،
(١) (٤/ ١٠١).
(٢) هو وادٍ في المدينة.
٦٢٤

٤٦ - كتاب الجامع
(٤) باب
(١٥٨٦) حدیث
١٤/١٥٨٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَنَّها قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ
الْمَدِینَةَ،
تعني ماءً أجناً، قال الحافظ(١): وفي رواية محمد بن إسحاق عن هشام بن
عروة نحوه وزاد، قال هشام: وكان وباؤها معروفاً في الجاهلية، وكان الإنسان
إذا دخلها، وأراد أن يَسْلَم من وبائها قيل له: أنهق، فينهق كما ينهق الحمار،
وفي ذلك يقول الشاعر:
لعمري لإن غنيت خيفةَ الردى نهيق حمار إنني لمروّع، اهـ.
زاد الزرقاني(٢)، قال عياض: قدومه ◌ُآل على الوباء مع صحة نهيه عنه؛
لأن النهي إنما هو في الموت الذريع، والطاعون، والذي بالمدينة إنما كان
وخماً يمرض به كثير من الغرباء، أو إن قدومه المدينة كان قبل النهي؛ لأن
النهي كان بالمدينة، اهـ.
١٤/١٥٨٦ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين
أنها قالت: لما قدم رسول الله وَّر المدينة) في الهجرة يوم الاثنين لثنتي عشرة
خلت من ربيع الأول على أحد الأقوال، قاله الزرقاني، زاد في رواية أبي
أسامة عن هشام عند البخاري، قالت: ((وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله)).
قال الحافظ(٣) في حديث البراء عند البخاري (٤) في الهجرة: إن عائشة
- رضي الله عنها - أيضاً وُعِكَتْ، وكان وصولها إلى المدينة مع آل أبي بكر
هاجر بهم أخوها عبد الله، وخرج زيد بن حارثة وأبو رافع ببنتي النبي وَل
(١) ((فتح الباري)) (٢٦٢/٧).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٢٩/٤).
(٣) ((فتح الباري)) (٧/ ٢٦٣).
(٤) انظر: (صحيح البخاري)) (٣٩١٨).
٦٢٥

٤٦ - كتاب الجامع
(٤) باب
(١٥٨٦) حدیث
وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ. قَالَتْ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ كَيْفَ
تَجِدُكَ؟ وَيَا بِلَالُ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَتْ: فَكَانَ أَبو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ
الْحُمَّى يَقُولُ:
كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحْ فِي أَهْلِهِ
وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
فاطمة وأم كلثوم، وأسامة بن زيد وأمه أم أيمن، وسودة بنت زمعة، وكانت
رقية سبقت مع زوجها عثمان، وأخرت زينب، وهي الكبرى عند زوجها أبي
العاص بن الربيع، اهـ.
(وعك) بضم الواو وكسر العين أي حُمَّ (أبو بكر) الصديق (وبلال)
وغيرهما كما سيأتي، (قالت) عائشة: (فدخلت عليهما) لأعودهما، وعند
النسائي وابن إسحاق عن هشام عن أبيه عنها: لما قدم رسول الله صلجر المدينة
وهي أوبأ أرض الله أصاب أصحابه منها بلاء وسقم، وصرف الله ذلك عن
نبيه، وأصابت أبا بكر وبلالاً وعامر بن فهيرة، فاستأذنت رسول الله وَ طلّ في
عيادتهم، وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، فأذن لي فدخلت عليهم وهم
في بيت واحد، كذا في ((الزرقاني))(١).
(فقلت: يا أبت كيف تجدك؟) بفتح الفوقية وكسر الجيم: أي تجد نفسك
والمراد به الإحساس، أي كيف تعلم حال نفسك، (ويا بلال كيف تجدك؟) زاد
في رواية ابن إسحاق: يا عامر كيف تجدك؟ (قالت) عائشة: (فكان أبو بكر إذا
أخذته الحُمَّى يقول: كل امرئ مصبح) بضم الميم على وزن محمد، أي مصاب
بالموت صباحاً، وقيل: المراد أنه يقال له وهو مقيم بأهله: صبّحك الله
بالخير، وقد يفجأه الموت في بقية النهار، وهو مقيم بأهله، كذا في ((الفتح)).
زاد الزرقاني: أو يسقى الصبوح وهو شرب الغداة (في أهله، والموت أدنى) أي
أقرب إليه (من شراك) بكسر الشين المعجمة وخفة الراء: السير الذي يكون في
وجه النعل (نعله) الذي على ظهر القدم، والمعنى أن الموت أقرب إليه من
(١) (٢٢٩/٤).
٦٢٦

٤٦ - كتاب الجامع
(٤) باب
(١٥٨٦) حديث
وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أَقْلِعَ عَنْهُ يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ فَيَقُولُ:
بِوَادٍ، وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلٌ؟
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً
شراك نعله لرجله، زاد ابن إسحاق فقلت: إنا لله إن أبي ليهذي وما يدري ما
يقول، وذكر عمر بن شبة في ((أخبار المدينة)) أن هذا الرجز لحنظلة بن سيّار،
قاله يوم ذي قار، وتمثل به الصديق.
(وكان بلال إذا أقلع) بفتح الهمزة واللام، وفي رواية بضم الهمزة وكسر
اللام، والإقلاع الكف عن الأمر، (عنه) قال عيسى بن دينار: يريد تذهب عنه
الحمى وأفاق (يرفع عقيرته) بفتح العين المهملة وكسر القاف وسكون التحتية
فعيلة بمعنى مفعولة، أي يرفع صوته ببكاء أو بغناء، قال الأصمعي: أصله أن
رجلاً انعقرت أي قطعت رجله، فرفعها أي المقطوعة على الأخرى، وجعل
يصيح، فصار كل من رفع صوته يقال: رفع عقيرته، وإن لم ترفع رجله، قال
ثعلب: وهذا من الأسماء التي استعملت على غير أصلها، كذا في
(الفتح))(١).
(فيقول: ألا) بفتح الهمزة وخفة اللام أداة استفتاح (ليت شعري) أي
شعوري، أي ليتني علمت جواب ما يختلج في قلبي من السؤال الآتي (هل
أبيتن) بنون التأكيد من مضارع البيتوتة (ليلةً بوادٍ) بالجار على وادٍ، والمراد
وادي مكة (وحَولِي إذخرٌ) بكسر الهمزة وسكون الذال وكسر الخاء المعجمتين
حشيشة مكية ذو رائحة طيبة عريض الأوراق (وجليل) بجيم وكسر اللام الأولى
نبت ضعيف أصفر يحشى بها خُصَاصُ البيوت وغيرها، قال أبو عمر(٢): إذخر
وجليل نبتان من الكلأ طيب الرائحة يكونان بمكة وأوديتها، لا يكادان يوجدان
في غيرها .
(١) ((فتح الباري)) (٢٦٢/٧).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (٤٦/٢٦).
٦٢٧

٤٦ - كتاب الجامع
(٤) باب
(١٥٨٦) حديث
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْماً مِيَاهَ مَجِنَّةٍ؟
وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ؟
(وهل أردن) بنون التوكيد الخفيفة (يوماً مياه) بالهاء (مجنّة) بفتح الميم
وكسر الجيم وتشديد النون: موضع على أميال من مكة كان فيه سوق في
الجاهلية، وقد يكسر ميمها، كذا في ((المحلى)). وقال الزرقاني: بفتح الميم
والجيم ويكسر الجيم.
قال الحافظ: عن إسحاق أنها كانت بمرِّ الظهران إلى جبل يقال له
الأصغر، وعن ابن الكلبي: كانت بأسفل مكة على بريد منها غربي البيضاء،
وكانت لكنانة، ويقام سوق مجنة عشرة أيام إلى هلال ذي الحجة، ثم يقوم
سوق ذي المجاز ثمانية أيام،. ثم يتوجهون إلى منى للحج، اهـ.
(وهل يَبْدُوَنْ) بنون تأكيد مخففة يظهرن (لي شامة) بشين معجمة وميم
مخففة، وزعم في ((القاموس)) أن الميم تصحيف من المتقدمين شابة بالموحدة،
وبالميم وقع في كتب الحديث جميعها، كذا قال، وأشار الحافظ لردِّه، فقال:
زعم بعضهم بالموحدة بدل الميم والمعروف بالميم، قاله الزرقاني. (وطفيل)
بفتح الطاء المهملة وكسر الفاء: جبلان بمكة على نحو ثلاثين ميلاً منها، كما
قال غير واحد، وقيل: جبلان مشرفان على مجنة على بريدين من مكة، قال
الخطابي: كنت أحسبهما جبلين حتى مررت بهما، ووقفت عليهما، فإذا هما
عينان من ماء، وقواه السهيلي(١).
وقال الحافظ: هما جبلان عند الجمهور، وصَوّب الخطابي: هما عينان،
قال الزرقاني(٢): وجمع بأن العينين بقرب الجبلين أو فيهما، قال الحافظ:
وذكر الجوهري في ((الصحاح)) ما يقتضي أن الشعر المذكور ليس لبلال، فإنه
قال: كان بلال يتمثل به، وفي ((الزرقاني)): قيل: البيتان ليسا لبلال، بل لبكر بن
غالب الجرهمي، أنشدهما لما نفتهم خزاعة من مكة، فتمثل بهما بلال، اهـ.
(١) ((الروض الأنف)) (١٦/٣).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٣٠/٤).
٦٢٨

٤٦ - كتاب الجامع
(٤) باب
(١٥٨٦) حدیث
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ فَأَخْبَرْتُهُ. فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ
حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ. كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ. وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي
صَاعِهَا وُمَدِّهَا
قال الباجي(١): ومعنى إنشاء بلال البيتين على معنى التمني لمكة
ونواحيها والتأسف لما فاته مما أَلِفَ منها، والتوجع بالمقام بالمدينة التي لم
يعهد حالها، ولا ألِف هواها، اهــ زاد في رواية أبي أسامة عن هشام عند
البخاري في الحج، ثم يقول بلال: اللَّهم العن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة
وأمية بن خلف، كما أخرجونا إلى أرض الوباء، ثم قال رسول الله وَليل: ((اللَّهم
حَبِّبْ إلينا)) الحديث.
(قالت عائشة: فجئت رسول الله وَ ل﴿ فأخبرته) بأني ذهبت إليهم للعيادة
فسمعتُهم ينشدون هذه الأبيات، وعند ابن إسحاق فذكرت ذلك فقلت: يا
رسول الله إنهم ليهذون، وما يعقلون من شدة الحُمَّى، فنظر إلى السماء
(فقال) وَله: (اللَّهم حَبِّبْ إلينا) بصيغة الطلب من التحبيب (المدينة) بالنصب
على المفعولية (كحُبنا مكة أو أشدّ) من حبّ مكة أيضاً، قال الزرقاني:
فاستجاب الله دعاءه فكانت أحبَّ إليه من مكة كما جزم به بعضهم، وكان
يُحرِّك دابَّته إذا رأى المدينة من حبها (وصححها) أي المدينة من الوباء (وبارك
لنا في صاعها ومدها) تقدم الكلام عليه.
قال الزرقاني: فاستجاب الله تعالى دعاءه، فطيّب هواءها وترابها
ومساكنها والعيش بها، قال ابن بطال وغيره: من أقام بها يجد من ترابها
وحيطانها رائحة طيبة لا تكاد توجد في غيرها، قال بعضهم: وقد تكرر دعاؤه
بتحبيبها والبركة في ثمارها، والظاهر أن الإجابة حصلت بالأول والتكرير لطلب
المزيد، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (١٩٤/٧).
٦٢٩

٤٦ - كتاب الجامع
(٤) باب
(١٥٨٦) حدیث
وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ)).
أخرجه البخاريّ في: ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار، ٤٦ - باب مقدم النبيّ وَل
وأصحابه إلى المدينة. ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٨٦ - باب الترغيب في سكنى
المدينة والصبر على لأوائها، حديث ٤٨٠.
(وانقل حماها فاجعلها) بالفاء في النسخ المصرية والواو في الهندية
(بالجحفة) بضم الجيم وسكون الحاء هي ميقات الحج، تقدم ذكرها في المواقيت،
وكانت يومئذٍ مساكن اليهود، وهم أعداء الإسلام والمسلمين، ولذا توجه دعاؤه وَّل
عليهم، ففيه جواز الدعاء على الكفار بالأمراض والهلاك، قد دعا وَّةٍ: ((اللَّهم
اجعلها سنين كسني يوسف، اللَّهم اشدُدْ وَظْأتَك على مضر)) وغير ذلك.
قال الزرقاني(١): وفيه إظهار معجزة عجيبة، فإنها من يومئذٍ وَبِيْئَةٌ، لا
يشرب أحد من مائها إلا حُمَّ، ولا يمر بها طائر إلا حُمّ وسقط، وروى
البخاري وغيره عن ابن عمر رفعه: ((رأيت في المنام كأن امرأة سوداء ثائرة
الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت مهيعة، فتأوَّلْتُها أن وباء المدينة نُقِل
إليها))، ولا مانع من تجسم الأعراض خرقاً للعادة ليحصل لهم الطمأنينة
بإخراجها، وفي رواية: قدم إنسان من طريق مكة فقال له النبي وَير: ((هل لقيت
أحداً؟)) قال: لا، إلا امرأة سوداء عريانة، فقال ◌َله: «تلك الحُمى ولن تعود
بعد اليوم)).
قال السمهودي: والموجود الآن الحمى بالمدينة ليس من الوباء، بل
رحمة ربنا، ودعوة نبينا للتكفير، قال: وفي الحديث أصح المدينة ما بين حَرَّة
بني قريظة والعريض، وهو يؤذن ببقاء شيء منها، وأن الذي نقل عنها رأساً
وأصلاً سلطانها وشدتها وكثرتها، بحيث لا يُعدُّ الباقي بالنسبة إليه شيئاً، قال:
ويحتمل أنها رفعت بالكلية، ثم أعيدت خفيفة، لئلا يفوت ثوابها كما أشار إليه
الحافظ ابن حجر.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٣١/٤).
٦٣٠

٤٦ - كتاب الجامع
(٤) باب
(١٥٨٦) حديث
ويدل له ما رواه أحمد وابن حبان وغيرهما عن جابر قال: استأذنت
الحُمَّى على رسول الله بَّه فقال: من هذه؟ قالت: أم ملدم، فأمر بها إلى أهل
قباء، فبلغوا ما لا يعلمه إلا الله، فشكوا ذلك إليه، فقال: ما شئتم؟ إن شئتم
دعوت الله ليكشفها عنكم، وإن شئتم تكون لكم طهوراً، فقالوا: أفتفعل؟ قال:
نعم، قالوا: فدعها، وقد عارض ابن عبد البر حديث الباب بما رواه من طريق
ابن عيينة عن هشام عن أبيه عن عائشة: لما دخل النبي وَّ المدينة حُمَّ أصحابُه
فدخل يعودهم فقال: يا أبا بكر كيف تجدك؟ فذكر الحديث.
وكذ رواه ابن إسحاق عن عبد الله بن عروة عن أبيه عن عائشة قال:
فجعل سفيان أن النبي * كان هو الداخل على أبي بكر وبلال وعامر، وجعل
مالك أن عائشة كانت هي الداخلة، ولا معارضة أصلاً؛ لأن دخول أحدهما لا
يمنع دخول الآخر، فيحتمل أنها لما أخبرته بحالهم، جاء لعيادتهم، وأجابوا
كلاً منهما بالأشعار المذكورة، ووقع في البخاري(١) من حديث البراء بن عازب
أن عائشة وُعِكَتْ أيضاً، وكان أبو بكر - رضي الله عنه - يدخل عليها .
وأخرج ابن إسحاق عن الزهري عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال:
أصابت الحُمَّى الصحابة حتى جهدوا مرضاً، وصرف الله ذلك عن نبيه وَ ل حتى
ما كانوا يصلون إلا وهم قعود، فخرج ◌َلّر وهم يصلون كذلك، فقال: اعلموا
أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، فتحشَّمُوا القيامَ، أي تكلّفوه
على ما بهم من الضعف والسقم التماس الفضل.
قال السهيلي: وفي هذا الخبر وما ذكر من حنينهم إلى مكة ما جبلت عليه
النفوس من حب الوطن والحنين إليه، وهذا كان في ابتداء الهجرة، ثم حببت
المدينة إليهم بدعائه وير فهو دليل على فضلها ومحبته فيها، وفضائلها جمة
(١) ((صحيح البخاري)) (٣٩١٨).
٦٣١

٤٦ - كتاب الجامع
(٤) باب
(١٥٨٧) حديث
١٥/١٥٨٧ - قَالَ مَالِكٌ: وَحَدّثني يَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ؛ أَنَّ عَائِشَةَ
قَالَتْ: وَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ يَقُولُ:
قَدْ رَأَيْتُ الْمَوْتَ قَبْلَ ذَوْقِهِ
إِنَّ الْجَبَانَ حَتْفُهُ مِنْ فَوْقِهِ
كثيرة، صنفها الناس كما قال أبو عمر، كذا في ((الزرقاني)) (١).
١٥/١٥٨٧ - (قال مالك: وحدثني يحيى بن سعيد) الأنصاري (أن عائشة)
زاد في النسخ المصرية (زوج النبي ◌ِّ) وفيه انقطاع؛ لأن يحيى لم يدرك عائشة،
قال الحافظ(٢) في ذيل حديث مالك عن هشام بن عروة السابق: زاد ابن إسحاق
في روايته عن هشام وعمرو بن عبد الله بن عروة جميعاً عن عروة عن عائشة عقب
قول أبيها، فقلت: والله ما يدري أبي ما يقول، ثم دنوت إلى عامر بن فهيرة،
وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، فقلت: كيف تجدك يا عامر؟ فقال:
إن الجَبَانَ حتفُهُ من فوقه
لقد وجدتُ الموت قبل ذَوْقه
كالثور يحمي جسمه بِرَوْقِه
كل امرىءٍ مجاهدٌ بِطَوْقِه
وقالت في آخره: فقلت: يا رسول الله إنهم ليهذون وما يعقلون من شدة
الحمى، والزيادة في قول عامر بن فهيرة رواها مالك في ((الموطأ)) منقطعاً، اهـ.
(قالت: وكان عامر بن فهيرة) بضم الفاء وفتح الهاء وسكون التحتية
التيمي مولى الصديق - رضي الله عنه -، يقال: أصله من الأزد، فاسترق،
ويقال: أصله من غيرهم، اشتراه أبو بكر فأسلم قديماً، فَعُذّب للإسلام، ثم
رافق أبا بكر في الهجرة، كان يرعى الغنم في جبل ثور، ثم يروح على النبي وَّه
وعلى أبي بكر، وهما في الغار، وشهد بدراً وأحداً، واستشهد ببئر معونة رابع
الهجرة، وهو ابن أربعين سنة، قتله عامر بن الطفيل.
(يقول: قد رأيت الموت) أي شدته (قبل ذوقه) أي قبل حلوله (إن الجبان)
أي ضعيف القلب ضد الشجاع (حتفه) أي هلاكه (من فوقه) قال الزرقاني: أي
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٣١/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٦٣/٧).
٦٣٢

٤٦ - كتاب الجامع
(٤) باب
(١٥٨٨) حدیث
١٦/١٥٨٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ عَنْ نُعَيْم بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
الْمُجْمِرِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ: (عَلَى
أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ
لجبنه، وفي ((المحلى)): يريد أن جبنه وحذره غير دافع عنه المنية إذا حَلّتْ به،
وأول من قال ذلك عمر بن أمامة في شعر يريد أن الموت مجيئه من السماء،
كذا في ((النهاية)).
وجاء في بعض الطرق تتمته: كل امرئ مجاهد بطوقه أي بطاقته، كالثور
يحمي جمسه بروقه، والروق القرن، يضرب به المثل في الحث على حفظ
الحرم، اهـ. وذكر الزرقاني المصرعة الثانية بلفظ: كالثور يحمي أنفه بروقه.
قال: والطوق الطاقة، والروق القرن، يُضْرَب مثلاً في الحث على حفظ
الحريم، قال السهيلي: ويذكر أن هذا الشعر لعمرو بن مامة (١)، اهـ.
١٦/١٥٨٨ - (مالك عن نعيم) بضم النون وفتح العين المهملة مصغراً
(ابن عبد الله المجمر) بضم الميم الأولى وكسر الثانية بينهما جيم ساكنة وآخره
راء مهملة على ما ضبطه الزرقاني وهو المعروف، وفي ((المحلى)): من الإجمار
أو التجمير، اهـ.
(عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله وَله: على أنقاب) بفتح الهمزة
وسكون النون جمع قلة لنقب بفتح نون وسكون قاف (المدينة) المنورة -
زادها الله شرفاً وكرامةً - قال ابن وهب: يعني مداخلها وهي أبوابها وفوهاتٌ
طرقها التي يدخل منها، كما جاء في الحديث الآخر: على كل باب منها
مَلَكٌ، وقيل: طرقها، قاله الزرقاني(٢).
وفي ((المنتقى))(٣): قال ابن نافع ومحمد بن عيسى: هي الفجاج التي
(١) كذا في الأصل، اهـ. ((ش)).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٣٢/٤).
(٣) (١٩٥/٧).
٦٣٣

٤٦ - كتاب الجامع
(٤) باب
(١٥٨٨) حديث
مَلائِكَةٌ. لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونَ
حولها خارجاً منها، وفي ((المحلى)): أنقاب جمع نقب بكسر القاف، وهو
الطريق بين الجبلين، قاله الطيبي وغيره، جمع نقب بسكون القاف مداخلها
وفوهات طرقها، اهـ.
قال الحافظ (١): أنقاب جمع نقب بفتح النون والقاف، وفي حديث أنس
على نقابها جمع نقب بالسكون، وهما بمعنى، قال ابن وهب: المراد بها
المداخل، وقيل: الأبواب، وأصل النقب الطريق بين الجبلين، وقيل: الأنقاب
الطرق التي يسلكها الناس، اهـ.
(ملائكة) يحرسونها (لا يدخلها الطاعون)، الفاعول من الطعن سيأتي
الكلام علیه مفصلاً قريباً في بابه.
قال الحافظ(٢): قد استشكل عدم دخول الطاعون المدينة مع كون
الطاعون شهادةً، وكيف قرن بالدجال، ومدحت المدينة بعدم دخولها؟
والجواب: أن كون الطاعون شهادةً، ليس المراد بوصفه بذلك ذاته، وإنما
المراد أن ذلك يترتب عليه، وينشأ عنه لكونه سببه، فإذا استحضر أنه طعنُ
الجنِّ حَسُنَ مدحُ المدينة بعدم دخوله إياها، فإن فيه إشارةً إلى أن كفار الجن
وشياطينهم ممنوعون من دخول المدينة، ومن اتفق دخوله إليها لا يتمكن من
طعن أحد منهم، فإن قيل: طعنُ الجن لا يختص بكفارهم بل قد يقع من
مؤمنيهم، قلنا: دخول كفار الإنس المدينة ممنوع، فإذا لم يسكن المدينة إلا من
يظهر الإسلام جرت عليه أحكام المسلمين، ولو لم يكن خالص الإسلام،
فحصل الأمن من وصول الجن إلى طعنهم بذلك، فلذلك لم يدخل الطاعون
أصلاً .
(١) ((فتح الباري)) (٩٦/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (١٩٠/١٠).
٦٣٤

٤٦ - كتاب الجامع
(٤) باب
(١٥٨٨) حديث
وقد أجاب القرطبي في ((المفهم)) عن ذلك فقال: المعنى لا يدخلها من
الطاعون مثل الذي وقع في غيرها كطاعون عمواس والجارف، هذا الذي قاله
يقتضي تسليم أنه دخلها في الجملة، وليس كذلك، فقد جزم ابن قتيبة في
((المعارف)) وتبعه جمعٌ جَمٌّ من آخرهم الشيخ محي الدين النووي في ((الأذكار))
بأن الطاعون لم يدخل المدينة أصلاً، ولا مكة أيضاً.
لكن نقل جماعة أنه دخل مكة في الطاعون العام الذي كان في سنة تسع
وأربعين وسبعمائة، بخلاف المدينة، فلم يذكر أحد قط أنه وقع بها الطاعون
أصلاً، ولعل القرطبي بنى على أن الطاعون أعم من الوباء أو أنه هو، وأنه
الذي ينشأ عن فساد الهواء فيقع به الموت الكثير، وفي جنائز البخاري قول أبي
الأسود: قدمتُ المدينة، وهم يموتون بها موتاً ذريعاً، فهذا وقع بالمدينة، وهو
وباء، بلا شك، لكن الشأن في تسميته طاعوناً .
والحق أن المراد بالطاعون في هذا الحديث المنفيُّ دخولُه المدينة الذي
ينشأ عن طعن الجن، فيُهيّجُ بذلك الطعن الدمَ في البدن، فيقتل، فهذا لم يدخل
المدينة قط، فلم يتضح جواب القرطبي، فكان منع دخول الطاعون المدينة من
خصائص المدينة، ولوازم دعاء النبي ◌ٍّ﴾ لها بالصحة.
وقال آخر: هذا من المعجزات المحمدية؛ لأن الأطباء من أولهم إلى
آخرهم عجزوا أن يدفعوا الطاعون عن بلد بل عن قرية، وقد امتنع الطاعون عن
المدينة هذه الدهور الطويلة، قال الحافظ: هو كلام صحيح، لكن ليس هو
جواباً عن الإشكال.
ومن الأجوبة أنه وَّ عوضهم عن الطاعون بالحُمّى؛ لأن الطاعون يأتي
مرة بعد مرة، والحُمّى تتكرر في كل حين، فيتعادلان في الأجر، ويتم المراد
من عدم دخول الطاعون، لبعض ما تقدم من الأسباب.
ويظهر لي جواب آخر بعد استحضار الحديث الذي أخرجه أحمد من
٦٣٥

٤٦ - كتاب الجامع
(٤) باب
(١٥٨٨) حديث
رواية أبي عسيب على وزن عظيم، رفعه: ((أتاني جبرائيل بالحمى والطاعون،
فأمسكت الحمى بالمدينة، وأرسلت الطاعون إلى الشام))، وهو أن الحكمة في
ذلك أنه سي* لما دخل المدينة، كان في قلة من أصحابه عدداً ومدداً، وكانت
المدينة وَبِثَّة كما سبق، ثم خيّر النبي وَلّ في أمرين يحصل لكل منهما الأجر
الجزيل، فاختار الحمى حينئذٍ لقلة الموت بها غالباً، بخلاف الطاعون، ثم لما
احتاج إلى جهاد الكفار كانت قضية استمرار الحمى بالمدينة أن تضعف أجساد
الذين يحتاجون إلى التقوية لأجل الجهاد، فدعا بنقل الحمى من المدينة إلى
الجحفة، فعادت المدينة أصح بلاد الله، ثم استمر ذلك بالمدينة تمييزاً لها عن
غيرها، لتحقق إجابة دعوته وظهور هذه المعجزة العظيمة بتصديق خبره هذه
المدة المتطاولة، اهـ.
قال الزرقاني(١): وقد امتنع الطاعون عن المدينة بدعائه وخبره هذه المدد
المتطاولة فهو خاص بها، وجزم ابن قتيبة في ((المعارف)) والنووي في ((الأذكار))
بأن الطاعون لم يدخل مكة أيضاً معارض بما نقله غير واحد بأنه دخلها في سنة
سبع وأربعين وسبعمائة، لكن في ((تاريخ مكة)) لعمر بن شبّة برجال الصحيح عن
أبي هريرة مرفوعاً: ((المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة، على كل نقب منها
مَلَكٌ، فلا يدخلهما الدجال ولا الطاعون))، وحينئذٍ فالذي نقل أنه دخل مكة في
التاريخ المذكور ليس كما ظن، أو يقال: إنه لا يدخلهما مثل الذي يقع في
غيرهما کالجارف وعمواس.
وفي حديث أنس عند البخاري في الفتن: فتجد الملائكة يحرسونها،
يعني المدينة، فلا يقربها الدجال ولا الطاعون إن شاء الله وقد اختلف في هذا
الاستثناء فقيل: للتبرك، وقيل: للتعليق، ومقتضاه جواز دخول الطاعون
المدينة، اهـ.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٣٢/٤).
٦٣٦

٤٦ - كتاب الجامع
(٤) باب
(١٥٨٨) حديث
وَلَا الدَّجَّالُ)).
أخرجه البخاريّ في: ٢٩ - كتاب فضائل المدينة، ٩ - باب لا يدخل الدجال
المدينة. ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٨٧ - باب صيانة المدينة من دخول
الطاعون والدجال إليها، حديث ٤٨٥.
(ولا الدجال) بتشديد الجيم فعال من الدجل، والمراد المسيح الأعور،
قال القرطبي في ((التذكرة)): اختلف في تسميته دجالاً على عشرة أقوال، وقال
صاحب ((القاموس)): إنه اجتمع له من الأقوال في سبب تسميته الدجال المسيح
خمسون قولاً، هكذا في ((الفتح))(١).
وقد أخرج البخاري(٢) في الحج برواية أنس مرفوعاً: ((ليس من بلد إلا
سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، ليس له من نقابها نقب، إلا عليه الملائكة
صافِّين يحرسُؤْنها، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج الله كل
كافر ومنافق)).
قال الحافظ(٣): قوله: ليس من بلد إلا سيطؤه هو على ظاهره وعمومه
عند الجمهور، وشذّ ابنُ حزم فقال: المراد بعثه وجنوده، وكأنه استبعد إمكان
دخول الدجال جميع البلاد لقصر مدته وغفل عما ثبت في ((صحيح مسلم)) أن
بعض أيامه يكون قدر السنة، اهـ.
قلت: وهذه الطيارات الرياحية الجارية في هذه الأزمنة أزالت جميع
الإشكالات الواردة في وطء الدجال البلاد، وتردد الإمام المهدي بين مكة
والمدينة مرات، وغير ذلك من الروايات، وفي حديث أبي الطفيل عن حذيفة بن
أسيد: ((وتطوى له الأرض طي فروة الكبش، حتى يأتي المدينة، فيغلب على
خارجها، ويمنع داخلها))، ذكره الحافظ، فهذا وجه آخر من طيّ الأرض.
(١) ((فتح الباري)) (٩١/١٣).
(٢) ((صحيح البخاري)) (١٨٨١).
(٣) ((فتح الباري)) (٩٦/٤).
٦٣٧

٤٦ - كتاب الجامع
(٥) باب
(٥) باب ما جاء في إجلاء اليهود من المدينة
قال الزرقاني(١): وفي ((الصحيحين)) عن أنس مرفوعاً: ((ليس من بلد إلا
سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة)) الحديث، وعند الطبري عن ابن عمرو مرفوعاً
((إلا الكعبة وبيت المقدس))، وزاد الطحاوي ((ومسجد الطور))، وفي بعض
الروايات: فلا يبقى موضع إلا ويأخذه الدجال غير مكة والمدينة وبيت المقدس
وجبل الطور، فإن الملائكة تطرده عن هذه المواضع، اهـ.
(٥) ما جاء في إجلاء اليهود من المدينة
قال الزرقاني(٢): الإجلاء بالجيم أي إخراجهم من جزيرة العرب، ومنها
المدينة التي الكلام فيها، اهـ. قلت: احتاج الشارح إلى هذا التوجيه؛ لأن
الآثار الواردة في الباب متعلقة بإخراجهم من جزيرة العرب، لا بإخراجهم من
المدينة خاصة، وقد وقع إخراجهم منها في زمنه بَّر، فقد أخرج البخاري في
((صحيحه)(٣) عن ابن عمر - رضي الله عنه -، قال: حاربَتْ قريظةُ والنضير،
فأجلى بني النضير، وأقرّ قريظة ومنّ عليهم حتى حاربت قريظة، فقتل رجالهم،
وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين، إلا بعضهم لحقوا بالنبي وَثله
فأمنهم، وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم بني قينقاع وهم: رهط عبد الله بن
سلام، ويهود بني حارثة، وكل يهود المدينة.
قال الحافظ (٤): كان الكفار بعد الهجرة مع النبي ◌ّيّ على ثلاثة أقسام:
قسم وادعهم على أن لا يُحاربوه، ولا يمالئوا عليه عدوهم، وهم طوائف
اليهود الثلاثة: قريظة، والنضير، وقينقاع، وقسمٌ حاربوه ونصبوا له العداوة
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٣٢/٤).
(٢) (٢٣٣/٤).
(٣) ((صحيح البخاري)) (٤٠٢٨) كتاب المغازي.
(٤) ((فتح الباري)) (٣٣٠/٧).
٦٣٨

٤٦ - كتاب الجامع
(٥) باب
كقريش، وقسم تاركوه وانتظروا ما يؤول إليه أمره كطوائف من العرب، فمنهم
من كان يحب ظهوره في الباطن كخزاعة، وبالعكس كبني بكر، ومنهم من كان
معه ظاهراً ومع عدوه باطناً، وهم المنافقون.
فكان أول من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع، فحاربهم في شوال
سنة ٢ هـ بعد وقعة بدر، فنزلوا على حكمه وأراد قتلهم، فاستوهبهم منه
عبد الله بن أبيّ، وكانوا حلفاءه، فوهبهم له، وأخرجهم من المدينة إلى
أذرعات، ثم نقض العهد بنو النضير، وكان رئيسهم حيي بن أخطب، ثم
نقضت قريظة، اهـ.
وقال أيضاً(١): ذكر الواقدي أن إجلاء بني قينقاع كان في شوال سنة
اثنتین، يعني بعد بدر بشهر، ويؤيده ما روى ابن إسحاق بإسناد حسن عن ابن
عباس قال: ((لما أصاب رسول الله وَل قريشاً يوم بدر، جمع يهود في سوق
بني قينقاع فقال: يا يهود أسلموا قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشاً يوم بدر،
فقالوا: إنهم كانوا لا يعرفون القتال، ولو قاتلتنا لعرفت أنا الرجال)) الحديث.
وأغرب الحاكم فزعم أن إجلاء بني قينقاع وإجلاء بني النضير كان في
زمن واحد ولم يوافق على ذلك؛ لأن إجلاء بني النضير كان بعد بدر بستة
أشهر على قول عروة، أو بعد ذلك بمدة طويلة على قول ابن إسحاق، اهـ.
وفي السنة الثانية من الهجرة من ((المجمع)) فيها غزوة بني قينقاع، وكان
قد وادع اليهود حين قدم المدينة على أن لا يعينوا عليه أحداً، وإن دهمه بها
عدو نصروه، فلما انصرف ◌َ له من البدر مغتنماً أظهروا الحسد، ونقضوا
العهد، فخرج إليهم لنصف شوال، فحاصرهم خمسة عشرة ليلة، فاستشفع
عبد الله بن أبي، فأجلاهم، وغنم أموالهم، اهـ.
(١) ((فتح الباري)) (٣٣٢/٧).
٦٣٩

٤٦ - كتاب الجامع
(٥) باب
وفي ((المجمع))(١) في السنة الرابعة: وفي ربيع الأول منها غزوة بني
النضير، وذلك أنهم كانوا صالحوه على أن لا يقاتلوه، ولا يقاتلوا معه ثم
نقضوا، وأرسلوا كعب بن الأشرف إلى أهل مكة في قتاله، فقتل محمد بن
مسلمة كعب بن الأشرف، فأتاهم النبي ◌ِّر يستعتبهم في دية القتيلين، فقالوا:
نعم، وشاوروا بأن يطرحوا عليه حجراً من ظهر البيت، فأوحي إليه به، فخرج
النبي ◌َ ل﴿ وأرسل إليهم أن اخرجوا من بلدي في عشرة أيام وإلا نقتل، فتجهزُوا
للخروج، فأرسل إليهم ابنُ أبيّ لا تخرجوا، فإن معي ألفين، وقريظة، وغطفان
تَمُدُّكم، فإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخْرِجتم خرجنا معكم، فأبوا عن
الخروج، فذهب النبي ◌َّه إليهم في ربيع الأول، فقاموا على حصونهم بالنبل
والحجارة، فخفر ابن أبيّ وغطفان، واعتزلتهم قريظة، فحوصروا ستة ليالي،
وقطع نخلهم، فَرَضوْا بالخروج إلى الشام وخيبر، وخرج سلام بن أبي الحقيق
وكنانة بن الربيع وحيي بن أخطب إلى خيبر.
وفي ((المجمع)) أيضاً في السنة الخامسة، غزوة الخندق، وهي غزوة
الأحزاب، كانت في ذي القعدة فإنه لما أُجْلِيَ بنو النضير ساروا إلى خيبر،
فخرج نفر من أشرافهم إلى مكة يستنفر قريشاً إلى حرب المسلمين، فذكر قصة
الأحزاب مفصلا، وشركة بني قريظة في ذلك، وانهزام الأحزاب، قال:
فانصرفوا إلى المدينة، أي بعد الغزوة، ووضعوا السلاح، فنزل جبريل وأمر
بالسير إلى بني قريظة، وقال: وضعتَ السلاحَ، وما وضعتِ الملائكة، فسار
رسول الله وَله إليهم، وقال: يا إخوان القردة والخنازير، هل أخزاكم الله؟
فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة حتى جهدوا، فمنهم من آمن، ونزل الآخرون
على حكم سعد بن معاذ، فحكم بقتل الرجال، وسبي الذراري والنسوان،
فحُبِسُوا في دار، وخرج رسول الله وَّ إلى السوق وخندق فيها، فيجاءبهم
(١) (٢٦٢/٥).
٦٤٠