Indexed OCR Text

Pages 561-580

٤٦ - كتاب الجامع
(١) باب
(١٥٧٣) حديث
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ قَالَ: ((اللَّهُمَّ بَارِْ لَهُمْ فِي
مِكْيَالِهِمْ، وَبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ))
كان مالك لا يقدم عليه أحداً (عن أنس بن مالك أن رسول الله وَ لي قال: اللَّهم
بارك) أي أتمم وزد (لهم) أي لأهل المدينة (في مكيالهم) بكسر الميم آلة
الكيل، أي فيما يكال في مكيالهم (وبارك لهم) فيما يكال (في صاعهم و) فيما
يكال في (مدهم) فحذف المقدر لفهم السامع، وهو من ذكر المحل وإرادة
الحال، قال ابن عبد البر(١): هذا من فصيح كلامه وبلاغته وَّر، وفيه استعارة؛
لأن الدعاء إنما هو للبركة في الطعام المكيل بالصاع والمد لا في الظروف،
وقد يحتمل على ظاهر العموم أن تكون فيهما .
وقال القاضي عياض: البركة هاهنا بمعنى النمو والزيادة، وتكون بمعنى
الثبات واللزوم، وقيل: يحتمل أن تكون هذه البركة دينية، وهي ما يتعلق بهذه
المقادير من حقوق الله تعالى في الزكاة والكفارات، فيكون بمعنى الدعاء لها
ببقاء الشريعة وثباتها، وأن تكون دنيوية من تكثير المال والقدر بها حتى يكفي
منها ما لا يكفي من غيره في غير المدينة، أو ترجع البركة إلى التصرف بها في
التجارة وأرباحها، أو إلى كثرة ما يكال بها من غلاتها وأثمارها، أو لاتساع
عيشهم بعد ضيقه بما فتح الله عليهم، ووسع من فضله لهم بتمليك بلاد
الخصب والريف بالشام والعراق ومصر وغيرها، حتى كثر الحمل إلى المدينة،
واتسع عيشهم حتى صارت هذه البركة في الكيل نفسه، فزاد مدهم وصار
هشامياً مثل مُدِّ النبيِ وَلّر مرتين أو مرة ونصفاً، وفي هذا كله ظهور إجابة
دعوته وقبله، قال النووي: والظاهر من هذا كله أن المراد بالبركة في نفس الكيل
بالمدينة بحيث يكفي المد فيها لمن لا يكفيه في غيرها .
وقال الطيبي: لعل الظاهر هو قول عياض: أو لاتساع عيش أهلها إلخ،
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢١٧/٤) و((الاستذكار)) (٩/٢٦).
٥٦١

٤٦ - كتاب الجامع
(١) باب
(١٥٧٣) حديث
لأنه وَ لّ قال: ((وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك إبراهيم لمكة)) ودعاء إبراهيم
هو قوله: ﴿فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِيّ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم ◌ِنَ الثَّمَرَتِ﴾(١) يعني
ارزقهم من الثمرات بأن تجلب إليهم من البلاد، ولا جرم أن الله عز وجل
أجاب دعوته، فجعله حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء، ولعمري إن دعاء
حبيبه * أستجيب لها، وضاعف خيرها على غيرها بأن جلب إليها في زمن
الخلفاء الراشدين من مشارق الأرض ومغاربها من كنوز كسرى وقيصر وغيرهما
ما لا يحصى، وفي آخر الأمر يأرز الدين إليها من أقاصي الأرض، وينصر هذا
التأويل قوله مَّ في حديث أبي هريرة: ((أمرت بقرية تأكل القرى ومكة أيضاً
من مأكولها)»، اهـ. كذا في ((الزرقاني)).
وقال القرطبي: إذا وجدت البركة فيها في وقت حصلت إجابة الدعوة،
ولا يستلزم دوامها في كل حين لكل شخص، كذا في ((الفتح)).
والأوجه عندي ما رجحه النووي، فإنه هو الظاهر من ألفاظ الحديث ولا
إنكار من البركات والفضائل الأخر التي ذكروها، لكن لا فاقة إلى إدخالها كلها
تحت حديث واحد، فإن النبي و # دعا للمدينة المنورة - زادها الله شرفاً
وكرامة - بأدعية عديدة، وكلها مستجابة إن شاء الله، وكل واحدة منها مستقلة
في مرادها، فلا حاجة إلى إدخال كلها تحت حديث واحد.
وقال الباجي(٢): دعاؤه وَ ل لأهل المدينة يقتضي تفضيله لها وحرصاً على
الرفق بمن يسكنها لما افترض على الناس في زمن الهجرة من سكناها، ثم زال
حكم الفرض، وبقي الندب، ويحتمل أن يراد بالمكيال الصاع والمد، فذكرهما
أولاً باللفظ العام، ثم أكّد باللفظ الخاص، ويحتمل أن يريد به غير ذلك من
(١) سورة إبراهيم: الآية ٣٧.
(٢) ((المنتقى)) (١٨٧/٧).
٥٦٢

٤٦ - كتاب الجامع
(١) باب
(١٥٧٤) حديث
يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ.
أخرجه البخاري في: ٣٤ - كتاب البيوع، ٥٣ - باب بركة صاع النبيّ وَّ
ومدّه. ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٨٥ - باب فضل المدينة ودعاء النبي وَّ فيها
بالبركة، حدیث ٤٦٥.
٢/١٥٧٤ - وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي
صَالِحِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛
المكاييل ما هو أعظم من الأوسق وغيرها، ويحتمل أن يريد بالبركة بركة الدنيا
والآخرة، ففي الدنيا أن يكون الطعام الذي يكتال به تكثر بركته بأن يجزئ منه
العدد ما لا يجزئ ماكيل بغيره، أو يبارك في التصرف به على وجه التجارة
بمعنى الأرباح، أو يريد به المكيل، فيكون ذلك دعاؤه في كثرة ثمارهم
وغلاتهم، وأما البركة الدينية فإنها بهذا الكيل يتعلق كثير من العبادات من أداء
زكاة الحبوب والفطر والكفارات، اهـ
(يعني أهل المدينة) تفسير للضمائر في قوله: بارك لهم وما بعده، وهل
يختص بالمد المخصوص بزمانه و18 أو يعم كل مد تعارفه أهل المدينة في سائر
الأعصار زاد أو نقص؟ الظاهر الثاني؛ لأنه ◌َّيقر أضافه إلى المدينة تارة، وإلى
أهلها أخرى، ولم يُضفه إلى نفسه الزكية الطاهرة، فدل على عموم الدعوة لا
على خصوصه بمده *، كما يشير إليه ميل الإمام البخاري(١) إذ ترجم على
حديث الباب ((باب بركة صاع النبي وَ ﴿ ومُدّه))، ولا شك أن بركة مده وَليه
تضاعف على مد غيره، ولا كلام في ذلك، بل الكلام في أن الدعوة مخصوصة
أو عامة بمد أهل المدينة أياً ما كان.
٢/١٥٧٤ - (مالك عن سهيل) بضم السين المهملة مصغراً (ابن أبي
صالح) المدني (عن أبيه) أبي صالح ذكوان السمان (عن أبي هريرة) - رضي الله
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٣٤٦/٤).
٥٦٣

٤٦ - كتاب الجامع
(١) باب
(١٥٧٤) حديث
أَنَّهُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاؤُوا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَه .
فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ قَالَ: ((اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا، وَبَارِْ لَنَا
فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا،
عنه - (أنه قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر) بالمثلثة أي باكورة الثمر (جاءوا
به إلى رسول الله (وَلقر) هدية له وَل﴾، كما يدل عليه إعطاؤه لوليد؛ لأنه إن لم
يكن هدية له، فكيف يعطيه غير الجائي به.
وقال الزرقاني(١): إما هدية وجلالة ومحبة وتعظيماً، وإما تبركاً بدعائه
لهم بالبركة، وهو الذي يغلب، وسياق الحديث يدل عليه، والمعنيان
محتملان، قاله ابن عبر البر(٢)، وقال المازري: يفعلون ذلك رغبة في دعائه
ورجاء تمام ثمارهم بذلك، وإعلاماً ببدو صلاحها بما يتعلق بذلك من حقوق
الشرع، كبعث الخراص والزكاة وغير ذلك، اهـ.
والأوجه عندي الأول، فإنه أقرب إلى دأب الصحابة - رضي الله عنهم
أجمعين - معه بَّله وما يترتب عليه من دعائه و 9، كما أشار إليه ابن عبد البر
بلفظ السياق، فإنه كان جزاء منه وقّير لفعلهم.
وقال الباجي: يريد بالثمر ثمر النخل؛ لأنه هو مقصود ثمارهم وأتوا به
تبركاً بدعائه وإعلاماً له ببدو الصلاح، إما لما كان يتعلق به من إرسال
الخراص ليستحلّوا أكلها والتصرف فيها، وإما ليعلموه جواز بيع ثمارهم
لنهيه وَ ل عن بيعها قبل بدوها، اهـ.
(فإذا أخذه رسول الله ( 18) زاد في بعض طرق الحديث ((وضعه على
وجهه)) أي إظهاراً للفرح والسرور (قال: اللَّهم بارك لنا في ثمرنا) بالبقاء والنماء
(وبارك لنا في مدينتنا) أي بلدتنا الطيبة الطاهرة في أمور أخر أيضاً غير الثمار
(وبارك لنا في صاعنا) زاد الدراوردي بركة في بركة. وفي حديث علي عند
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢١٨/٤).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (١١/٢٦).
٥٦٤

٤٦ - كتاب الجامع
(١) باب
(١٥٧٤) حديث
وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا. اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ. وَإِنِّي
عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ. وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ
الترمذي: ((اللَّهم إن إبراهيم كان عبدك وخليلك، ودعا لأهل مكة بالبركة، وأنا
عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة أن تبارك لهم في مدهم وصاعهم مثل ما
باركت لأهل مكة مع البركة بركتين)).
وبسط في ((الكوكب))(١) وهامشه، أن المراد مثله أو مثلاه، أو ثلاثة أمثاله
(وبارك لنا في مدنا) تقدم الكلام عليهما في الحديث السابق (اللَّهم إن إبراهيم)
عليه الصلاة والسلام (عبدك وخليلك) كما قلت ﴿وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾
(ونبيك، وإني) أيضاً (عبدك ونبيك) ولم يقل: خليلك مع أنه خليل، كما صرح
به في أحاديث عدة.
قال الأبي(٢): رعاية للأدب في ترك المساواة بينه وبين آبائه الكرام.
وقال الطيبي: عدم التصريح بذلك مع رعاية الأدب أفخم، قال الزمخشري في
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضُِّ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ
دَرَجَاتٍ﴾ (٣): الظاهر أنه أراد محمداً بَير، وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله والد خل
ما لا يخفى، قاله الزرقاني، قلت ويؤيده حديث الشفاعة وقوله وقال: ((أنا سيد
ولد آدم ولا فخر)) قال الباجي(٤): يريد به النبي ◌َّ إظهار وسيلته إلى الله تعالى
وذكر نعمته عليه كما أنعم على إبراهيم عليه السلام.
(وأنه دعاك لمكة) بقوله: ﴿فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِّنَ
الثَّمَرَتِ﴾(٥) (وإني أدعوك) أي أطلب منك (للمدينة) لكونها وطني، وأمرتني
(١) ((الكوكب الدري)) (٤٥٦/٤).
(٢) انظر: ((إكمال إكمال المعلم)) (٣٣٣).
(٣) سورة البقرة: الآية ٢٥٣.
(٤) ((المنتقى)) (١٨٨/٧).
(٥) سورة إبراهيم: الآية ٣٧
٥٦٥

٤٦ - كتاب الجامع
(١) باب
(١٥٧٤) حديث
بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ بِهِ لِمَكَّةَ، وَمِثْلَهُ مَعَهُ))
بالهجرة إليها مع أن مكة كانت موطني (بمثل ما دعاك به لمكة ومثله معه) ولفظ
حديث أنس عند البخاري: ((اللَّهم اجعل بالمدينة ضِعْفَي ما جعلت بمكة من
البركة)).
قال القاضي أبو محمد: في هذا دليل على فضل المدينة على مكة؛ لأن
تضعيف الدعاء لها إنما هو لفضلها على ما قصر عنها، قال الباجي: والذي
عندي أن وجه الدليل من ذلك أن إبراهيم دعا لأهل مكة بما يختص بدنياهم،
فقال: ﴿وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمْرَتِ﴾ وأن النبي ◌َّ دعا لأهل المدينة بمثل ذلك ومثله
معه، فيحتمل أن يريد به وبدعاء آخر معه، وهو لأمر آخرتهم، فتكون الحسنات
تضاعف للمدينة بمثل ما تضاعف بمكة، وإنما معنى فضيلة إحدى البقعتين على
الأخرى في تضعيف الحسنات، ويحتمل أن يريد أن إبراهيم أيضاً دعا لأهل
مكة بأمر آخرتهم، وعلم هو بَّ فدعا بمثل ذلك، وبمثله معه، فيعود إلى مثل
ما قدمنا ذكره.
ويحتمل أن يريد أن إبراهيم دعا لأهل مكة في ثمراتهم ببركة قد أجاب الله
دعاءه فيه، وأنه وَالر دعا لأهل المدينة في ثمراتهم أيضاً بمثل ذلك ومثله معه،
فلا يكون هذا دليلاً على فضل المدينة على مكة في أمر الآخرة، وإنما يدل
على أن البركة في ثمارهم مثل البركة في ثمار مكة، إما لقرب تناولها أو
لكثرتها أو للبركة في الاقتيات بها أو ليوصل من يقتات بها في المدينة إلى مِثْلَيْ
ما يتوصل به من يقتات في مكة بثمارها، اهـ.
وقال الحافظ(١) في حديث أنس: أي من بركة الدنيا بقرينة قوله في
حديث آخر: ((اللَّهم بارك لنا في صاعنا)) ويحتمل أن يريد ما هو أعمّ من ذلك،
لكن يستثنى منه ما خرج بدليل، كتضعيف الصلاة بمكة، واستدل به على
(١) ((فتح الباري)) (٩٨/٤).
٥٦٦

٤٦ - كتاب الجامع
(١) باب
(١٥٧٤) حديث
ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ يَرَاهُ.
تفضيل المدينة على مكة، وهو ظاهر من هذه الجهة، لكن لا يلزم من حصول
أفضلية المفضول في شيء من الأشياء ثبوت الأفضلية على الإطلاق.
وأما من ناقض ذلك بأنه يلزم أن يكون الشام واليمن أفضل من مكة،
كقوله وَّ في الحديث الآخر: ((اللَّهم بارك لنا في شامنا)) وأعادها ثلاثاً فقد
تعقب بأن التأكيد لا يستلزم التكثير المصرح به في حديث الباب، وقال ابن
حزم: لا حجة في حديث الباب لهم؛ لأن تكثير البركة بها لا يستلزم الفضل
في أمور الآخرة، ورده عياض بأن البركة أعم من أن تكون في أمور الدين أو
الدنيا، لأنها بمعنى النماء والزيادات، اهـ.
قلت: ويشكل عليه ما في مسلم وغيره من الروايات العديدة في الصبر
على لَأُواء المدينة وشدتها، قال الأبي(١): لا منافاة بين ثبوت الشدة وثبوت
البركة فيها وتخلفها عن بعض لا يضر بها، كذا أجاب شيخنا، والأظهر أن
البركة في تحصيل القوت وأن المد بها يشبع ثلاثة أمثاله بغيرها، فتكون الشدة
في تحصيل المد والبركة في تضعيف القوت به، قال الزرقاني: ولعل الأظهر
جواب شيخه، وهو ابن عرفة، اهـ.
(ثم يدعو) زاد في النسخ الهندية لفظ (بعد الفراغ) أي من الدعاء وليس
هذا في النسخ المصرية (أصغر وليد) أي مولود فعيل بمعنى مفعول (يراه) وفي
رواية الداودي: ((ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان)) يعني سواء كان من
أهله أو غيره، وما في مسلم: ((ثم يدعو أصغر وليد له)) محمولٌ على ما إذا لم
يحضر عنده أحد من الولدان، وقيل: في معنى ((له)) أي من أمته، وقيل: كلمة
((له)) متعلقة بيدعو، والضمير للثمر، فيعطيه ذلك الثمر، لكونه أرغب فيه،
ولكثرة تلطفه، ولما بينهما من المناسبة.
(١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٤٦٦/٣).
٥٦٧

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
فَيُعْطِيهِ ذُلِكَ الثَّمَرَ.
أخرجه مسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٨٥ - باب فضل المدينة ودعاء النبيّ وَلقول
فيها بالبركة، حدیث ٤٧٣.
(٢) باب ما جاء في سكنى المدينة والخروج منها
وفيه تنبيه على أن النفوس الكاملة لا ينبغي لها تناول شيء من أنواع
الباكورة حتى يعم وجودها، ويقدر كل أحد على أكلها، كذا في ((المحلى)).
(فيعطيه ذلك الثمر) قال الباجي(١): يحتمل أن يريد بذلك عظم الأجر في
إدخال المسرة على من لا ذنب له لصغره، فإن سرور ذلك به أعظم من سرور
الكبير، اهـ.
وقال أبو عمر (٢): فيه من الآداب وجميل الأخلاق إعطاء الصغير،
وإتحافه بالطرفة؛ لأنه أولى من الكبير لقلة صبره ولفرحه بذلك، وقال عياض:
تخصيصه أصغر وليد؛ لأنه ليس فيه ما يقسم على الولدان، ومن كبر منهم
ملحق بأخلاق الرجال وتلويحاً إلى التفاؤل بنماء الثمار وزيادتها بدفعها لمن هو
في سن النماء والزيادة، كما قيل في قلب الرداء للاستسقاء، اهـ.
(٢) ما جاء في سكنى المدينة والخروج منها
أي من المدينة المنورة - زادها الله شرفاً وكرامةً - والمراد الترغيب في
القيام بها والتحذير عن الخروج عنها رغبة عنها، قال القاضي عياض في
((الشفاء)) (٣): ومن إعظامه وإكباره وَ ﴿ إعظامُ جميع أسبابه وإكرامُ مشاهده
وأمكنته من مكة والمدينة ومعاهده، وما لمسه ◌َّل أو عرف به، ورؤي ابن عمر
(١) ((المنتقى)) (١٨٨/٧).
(٢) ((الاستذكار)) (١٧/٢٦)، و((شرح الزرقاني)) (٢١٩/٤).
(٣) (٧٠٥/٣ - ٧١٩).
٥٦٨

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
- رضي الله عنهما - واضعاً يده على مقعد النبي و لير من المنبر، ثم وضعها على
وجهه، ولهذا كان مالك - رحمه الله - لا يركب دابةً بالمدينة، ويقول: أستحي
من الله أن أطأ تربة فيها رسول الله وَله بحافرِ دابةٍ.
وقد أفتى مالك فيمن قال: تربة المدينة رديئة بضرب ثلاثين درّة، وأمر
بحبسه، وكان له قدر، وقال: ما أحوجه إلى ضرب عنقه، تربةٌ دفن فيها
رسول الله صل﴿ يزعم أنها غير طيبة، وفي (الصحيح)) أنه وَّ قال في المدينة:
((من أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً، فعليه لعنة الله والملائكة والناس
أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً)) وحكي ((أن جهجاهاً الغفاري أخذ
قضيب النبي ◌ّ من يد عثمان - رضي الله عنه - وتناوله ليكسره على ركبته،
فصاح به الناس، فأخذته الآكلة في ركبته، فقطعها ومات قبل الحول)).
وحدثت أن أبا الفضل الجوهري لما ورد المدينة زائراً، وقَرُب من بيوتها
ترجّل ومشى باكياً منشداً:
فؤاداً لعرفان الرسوم ولا لُبَّا
ولما رأینا رَسْمَ من لم يدع لنا
لمن بان عنه أن نُلِّم(١) به ركبًا
نزلنا على الأكوار نمشي كرامةً
وحُكِي عن بعض المريدين أنه لما أشرف على مدينة النبي وَلو أنشأ يقول
متمثلاً :
قَمْرٌ تُقَطَّعُ دونه الأوهامُ
رفع الحجاب لنا فَلاحَ لناظرٍ
فظهورهن على الرحال حرامُ
وإذا المطي بنا بلغن محمدا
فلها علينا حرمةٌ وذمامُ
قَرَّبْتَنا من خير من وطئ الثرى
قال القاضي: وجدير لمواطن عمرت بالوحي والتنزيل، وتردد بها جبرائيل
(١) من ألمّ إذا أتى أي: نأتي لزيارته، والمعنى أنه لا يليق بالأدب لمن كان بعيداً عن
محبوبه، ثم قرب عنه أن يأتي إليه راكباً، بل ماشياً إكراماً له.
٥٦٩

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
وميكائيل، وعرجت منها الملائكة والروح، وضجت عرصاتها بالتقديس
والتسبيح، واشتملت تربتها على جسد سيد البشر، وانتشر عنها من دين الله
وسنة رسوله ﴿ ما انتشر مدارس آيات، ومساجد وصلوات، ومشاهد الفضائل
والخيرات، ومعاهد البراهين والمعجزات، ومناسك الدين، ومشاعر المسلمين،
ومواقف سيد المرسلين، ومتبَوّأ خاتم النبيين حيث انفجرت النبوة، وأين فاض
عبابها، ومواطن مهبط الرسالة، وأول أرض مسّ جلدُ المصطفى ترابَها أن
تعظم عرصاتُها، وتُتَنَسَّم نفحاتها، وتقبل ربوعها وجدرانها، وأنشد:
هُدِيَ الأنامُ وخُصَّ بالآياتِ
يا دارَ خَيرِ المرسلين ومَنْ بِهِ
وتَشَؤُّقٌ مُتَوقِّدُ الجمراتِ
عندي لأجلك لوعة وصبابة
وعلي عهد إن ملأتُ محاجري
لأُعِفِرَنَّ مَصُونَ شَيْبي بينها
لولا العوادي والأعادي زرتُها
من تلكم الجدرات والعرصاتِ
من كثرة التقبيل والرشقاتِ
أبداً ولو سحباً على الوَجناتِ
لكن سأهدي من حفيل تَحِيَّتي
أزكى من المسك المُفَتّقِ نَفْحَةً
وتخصه بزواكي الصلوات
اهـ مختصراً .
لِقَطِينٍ تلك الدار والحُجُراتِ
تغشاه بالآصال والبُكُراتِ
ونوامي التسليم والبركات
ثم قال القاري في ((شرح المناسك)): المجاورة بمكة المشرفة لا تكره بل
تستحبُّ على ما ذهب إليه أبو يوسف ومحمد، وعليه عمل الناس، وقال في
((المبسوط)): وعليه الفتوى، وهو مختار بعض الشافعية والحنابلة، وقيل: تكره
على ما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك وجماعة من المحتاطين خوفاً من الملل
والتبرم في ذلك المقام والإخلال بما يجب من حرمته ورعايته وخوف اجتراح
المعاصي، لما روي ((من أن الحسنة فيها تُضَاعف إلى مائة ألف)) وأن السيئة
كذلك.
٥٧٠

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
وأجاب الأولون بأن ما يخاف من سيئة فيقابل ما يرجى من حسنة، ثم
هذا كله باعتبار المخلطين، لا المخلصين ممن تضاعف لهم الحسنات من غير
ما يحبطها من السيئات، فإن الإقامة في حقهم من أفضل العبادات بلا نزاع
وهذا قول الإمام الأعظم بكراهة المجاورة بالنسبة إلى زمانه، ولو شاهد ما
أدركناه من أحوال المجاورين في هذه الأيام لقال بحرمة المجاورة بلا شك.
ثم قال: والمجاورة بالمدينة الشريفة لا تكره لمن يثق بنفسه، وقد تقدم
أنه يعز مثل وجوده، فحكم مجاورة المدينة المكرمة حكم مكة المعظمة، كيف
لا، والمجاورة بمكة أفضل عند جمهور الأئمة، خلافاً لمالك في هذه المسألة
ومن تبعه من بعض الشافعية، نعم الإجماع على أن الموت بالمدينة أفضل،
والمجاورة سبب الموت فيها، فيكون أفضل من هذه الجهة، وإلا فمن المعلوم
أن تضاعف الحسنة في المسجد الحرام أكثر من مسجد المدينة، وأن نفس
المدينة لا تضاعف فيها بخلاف حرم مكة.
وأما ما قيل: إن الإقامة بالمدينة في حياته وَ﴾ أفضل إجماعاً،
فيستصحب ذلك بعد وفاته وَلجر حتى يثبت إجماع مثله على ما نقله في ((الكبير))
عن بعض العلماء، واستحسنه، فمدفوعٌ بأن مفهوم قيد حياته في المسألة دليل
على أن ما بعد مماته ليس كذلك إجماعاً فهو إجماع مثله.
وأما قول العلامة السندي صاحب ((اللباب)): ذهب جماعة من العلماء
إلى أن المجاورة بالمدينة أفضل منها بمكة، وإن قلنا بكثرة ثواب العمل بمكة،
فلا وجه له؛ لأنه إذا كان ثواب العمل بالمدينة أقل، وهو وَلّ لم يكن ظاهراً
فكيف تكون المجاورة بها أفضل؟ اهـ.
وقال(١) أيضاً في موضع آخر: وقيل: المجاورة بالمدينة أفضل من
المجاورة بمكة مطلقاً، وإن قلنا بمزيد المضاعفة في مكة، وذلك لوجوه ثلاثةٍ:
(١) انظر: ((شرح القاري على لباب المناسك)) (ص٣٠٤).
٥٧١

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
الأول: انعقد الإجماع على أن المجاورة بها في عصره وَلَ أفضل بالإجماع،
فلا يترك هذا الإجماع ما لم يثبت إجماع آخر مثله، ويقال: إن التقييد بعصره
يفيد أن الأمر في عكسه لا يكون مثله بالإجماع، فأفضلية المدينة حينئذٍ باعتبار
هذه الحيثية، والكلام في مطلق الحيثية مع قطع النظر عن حيثية المعية، بل
إجماعهم هذا يفيد أنه لو وجد إمام عالم عامل أو شيخ مرشد كامل في الكوفة
أو البصرة تكون المجاورة بها أفضل من مجاورة الحرمين إذا لم يوجد فيهما
أحد مثله .
الثاني: لاختياره وسير ذلك ولم يكن يختار إلا الأفضل. ودفع بأنه ◌َّ لم
يترك مكة باختياره بل وقع ذلك اضطراراً، وإن كان باختيار ربه له في قراره،
ولذا قال ◌َ﴿ عند الهجرة: ((إني لأعلم أنك أحبُّ بلاد الله إلى الله تعالى،
ولولا أني أخرجت لما خرجت))، وأيضاً مدار الأفضلية على نسبة الأجر
بالأكثرية، والإجماع على أن ثواب العبادة في المسجد الحرام أفضل من مسجد
النبي ◌ّلة، والاتفاق على تضاعف الحسنة في حرم مكة، وعدم المضاعفة في
نفس المدينة، فلا معنى لأفضلية المجاورة بالمدينة على مجاورة مكة.
نعم الأفضلية ثابتة بالنسبة إليه وسير، لأنه مأمور بذلك، ولذا قيل: إذا نهى
عن شيء نهي تنزيه يجب عليه بيانه بقوله وفعله، فحينئذٍ إذا فعل ذلك المكروه
له ثواب الواجب علیه.
الثالث: وهو الذي لا مرد له عند العلامة السندي حثه ولو على السكنى
والموت بها في أحاديث كثيرة وروايات شهيرة.
ورد أيضاً بوجوه؛ منها، أن قوله وَلير: ((والمدينة خير لهم لو كانوا
يعلمون)) إنما كان إلى اليمن والعراق والعجم ونحوها لا إلى مكة كما هو مبين
في محلها، اهـ.
والحاصل أن العلامة السندي صاحب ((اللباب)) رجح المجاورة بالمدينة
٥٧٢

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
على المجاورة بمكة، بخلاف شارحه العلامة القاري، إذ تعقب على كلامه.
وقال النووي في ((مناسكه))(١): اختلف العلماء في المجاورة بمكة، فقال
أبو حنيفة ومن وافقه: تكره المجاورة بها، وقال أحمد بن حنبل وآخرون: لا
تكره بل تستحب، وإنما كرهها من كرهها لأمور، منها خوف الملل وقلة
الحرمة للإنس وخوف ملابسة الذنوب، وأما من استحبها فَلِما يحصل فيها من
الطاعات التي لا تحصل في غيرها من الطواف وتضعيف الحسنات وغير ذلك.
والمختار أن المجاورة مستحبة إلا أن يغلب على ظنه الوقوع في الأمور
المحظورة، وينبغي للمجاور بها أن يذكر نفسه بما جاء عن عمر - رضي الله
عنه - أنه قال: الخطيئة أصيبها بمكة أعز عليّ من سبعين خطيئة بغيرها، ثم
قال: وتستحب المجاورة بالمدينة المنورة بالشرط المتقدم بالمجاورة بمكة.
قال ابن حجر المكي في ((شرحه)): والأحاديث في فضل المقام والموت
بها كثيرة، ومن ثمة أخذ منها الكمال الترمذي ومن تبعه أن السكنى بها أفضل
منها بمكة مع تسليم مزيد المضاعفة بمكة؛ لأنه صح ((لا يصبر على لأوائها
وشدتها أحدٌ، إلا كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة))، ولم يرد في سكنى
مدينة نحو ذلك، بل كرهه جماعة، ونقل عن أحمد القول بذلك، قال ابن
حجر: فيه نظر، بل الموافق للقواعد أن السكنى بمكة أفضل.
وقد صح أنه ◌َ ﴿ قال لمكة: ((إنكِ لخير أرض الله وأحبّ أرض الله
إلى الله))، فهذا نص صريح قاطع للنزاع، وكراهة جماعة المجاورة بها ليس إلا
خوفاً مما يقع فيها من التقصير، بل هذا دال على أن سكناها لمن وثق بنفسه
أفضل، فكراهة بعض السلف سكناها لكونه ◌َ ﴿ أخرج منها مذهب له، اهـ.
(١) (ص٤٠٢).
٥٧٣

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
وحكى الموفق عن الإمام أحمد أنه قال(١): والمقام بالمدينة أحبّ إليّ
من المقام بمكة لمن قوي عليه؛ لأنها مُهَاجَرُ المسلمين، وقال ◌َّ: ((لا يصبر
على لأوائها أحد إلا كنت له شفيعاً يوم القيامة))(٢)، اهـ.
وفي ((غنية الناسك)): تكره المجاورة بمكة المعظمة عند أبي حنيفة،
وقالا: لا تكره، بل تستحب إلا أن يغلب على ظنه الوقوع في المحظور،
وعليه عمل الناس سلفاً وخلفاً، وأما المجاورة بالمدينة المنورة، فقيل: لا
تكره، وقيل على الخلاف المذكور، والذي رجحه في ((شرح اللباب)) و((حواشي
الدر)) تبعاً لما اختاره في ((الفتح)) أنه تكره المجاورة بمكة، وكذا بالمدينة
لاشتراك علة الكراهة إلا لمن يثق بنفسه ممن يضاعف لهم الحسنات من غير ما
يحبطها من السيئات، لكن الفائز بهذا أقل القليل، اهـ.
وفي ((الدر المختار)) (٣): لا تكره المجاورة بالمدينة، وكذا بمكة لمن يثق
بنفسه، قال ابن عابدين: وقيل: تكره كمكة، وقيل: إنها على الخلاف بين أبي
حنيفة وصاحبيه، واختار في ((اللباب)) أن المجاورة بالمدينة أفضل منها بمكة
وأيده بوجوه، وبحث فيها شارحه القاري ترجيحاً لما اختاره في ((الفتح)) حيث
ذكر فضل المجاورة بمكة.
ثم قال: لكن الفائز بهذا مع السلامة أقل القليل فلا يبني الفقه
باعتبارهم؛ لأن شأن النفوس الدعوى الكاذبة، فيجب كون الجوار بالمدينة
المشرفة كذلك، فإن تضاعف السيئات إن فقد فيها فمخافة السآمة وقلة الأدب
المفضي إلى الإخلال بواجب التوقير والإجلال قائم، قال صاحب ((البحر)): هو
(١) ((المغني)) (٤٦٤/٥).
(٢) أخرجه مسلم (١٠٠٣/٢)، والترمذي (٣٩١٨).
(٣) (٦٤/٤).
٥٧٤

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
(١٥٧٥) حدیث
٣/١٥٧٥ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ قَطَنِ بْنِ وَهْبِ بْنِ
عُمَّيْرِ بْنِ الأَجْدَعَ؛
وجيه، اهـ. وسيأتي شيء من الكلام في التفضيل في آخر ((جامع ما جاء في
أمر المدينة)).
٣/١٥٧٥ - (مالك عن قطن) بفتح القاف والطاء المهملة آخره نون (ابن
وهب بن عويمر) هكذا في النسخ الهندية بالواو بعد العين، وفي النسخ المصرية
عمير، قال الزرقاني(١): بضم العين مصغراً، وفي نسخة عويمر بواو بعد العين،
اهـ. ثم الرواية هكذا بلفظ ابن عمير في جميع النسخ المصرية(٢) وهو
الصواب، وفي النسخ الهندية بدلها عن عمير، وهو غلط، لا سيما في رواية
يحيى، وفي ((المحلى)): قوله: عن عويمر، كذا لابن وضّاح، والصواب برواية
أخرى ابن عويمر، اهـ.
وقال ابن عبد البر: هكذا يعني بلفظ ابن رواه يحيى وابن بكير وأكثر
الرواة، ورواه ابن القاسم عن مالك عن قطن بن وهب عن عويمر بن أجدع أن
يحنس، والصحيح رواية الجماعة، وكذا نسبه ابن البرقي ويشهد لصحته رواية
القعنبي عن مالك عن قطن بن وهب أن يحنس، اهـ.
قلت: هكذا نسبه أهل الرجال كما سيأتي، وهكذا رواه مسلم في
((صحيحه)) عن يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن قطن بن وهب بن
عويمر بن الأجدع عن يحنس مولى الزبير أخبره، الحديث. وفي أخرى له عن
الضحاك عن قطن الخزاعي عن يحنس.
(ابن الأجدع) بجيم ودال مهملة الليثي أو الخزاعي المدني الصدوق يكنى
أبا الحسن. وفي ((التمهيد))(٣): قطن أحد بني سعد بن الليث مدني ثقة روى عنه
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢١٩/٤).
(٢) كذا في ((الاستذكار)) (١٩/٢٦).
(٣) ((التمهيد)) (٢٢/٢١).
٥٧٥

(١٥٧٥) حديث
٤٦ - كتاب الجامع
أَنَّ يُحَّسَ مَوْلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ
(٢) باب
مالك وغيره، لمالك عنه هذا الحديث الواحد، وفي ((التجريد))(١): قطن بن
وهب بن عويمر الأجدع أحد بني سعد بن ليث، لمالك عنه حديث واحد
مسند، اهـ.
وفي ((تهذيب الحافظ))(٢): قطن بن وهب بن عويمر بن الأجدع الليثي أبو
الحسن، ويقال: الخزاعي المدني، له عند مسلم والنسائي حديث ابن عمر في
فضل المدينة، وفي ((التقريب)»: قطن بن وهب بن عويمر الليثي أو الخزاعي أبو
الحسن المدني صدوق، اهـ.
وقد عرفت فيما سبق أن ههنا ثلاث اختلافات؛ الأول في لفظ ابن وعن
بعد وهب، والصواب فيه لفظ ابن، ولفظ عن غلط، لا سيما في رواية يحيى،
والثاني في لفظ عويمر أو عمير، وأكثر الرواة على لفظ عويمر، والثالث في
لفظ ابن بين عويمر والأجدع، وعامتهم على إثباته خلافاً لما في ((التجريد)).
(أن يحنس) بضم المثناة التحتية وفتح الحاء المهملة وتشديد النون، قال
النووي: كسر النون وفتحها وجهان مشهوران والسين مهملة، اهـ. وضبطه في
((التقريب)) بتشديد النون المفتوحة ثم مهملة، اهـ. وفي هامش ((التهذيب)) عن
((الخلاصة)): يحنش بضم أوله وفتح المهملة، وكسر النون آخره معجمه، اهـ.
وفي ((التهذيب)): يحنس بن أبي موسى، ويقال: ابن عبد الله أبو موسى المدني
الأسدي مولى مصعب بن الزبير، وفي ((التقريب)): ابن عبد الله أبو موسى مولى
آل الزبير ثقة، ورقم له المسلم والنسائي.
(مولى الزبير بن العوام) هكذا في رواية مالك عند مسلم، وفي رواية
الضحاك مولى مصعب، قال النووي: هو لأحدهما حقيقة، وللآخر مجاز.
(١) (ص١١٥).
(٢) (٣٨٣/٨).
٥٧٦

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
(١٥٧٥) حديث
أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ كَانَ جَالِساً عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي الْفِتْنَةِ فَأَتَتْهُ مَوْلَاةٌ لَهُ
تُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَقَالَتْ: إِنِّي أَرَدْتُ الْخُرُوجَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمُنِ، اشْتَدَّ
عَلَيْنَا الزَّمَانُ. فَقَالَ لَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: اقْعُدِي لُكَعُ،
(أخبره) أي أخبر يحنس قطناً (أنه) أي يحنس (كان جالساً عند عبد الله بن
عمر) بن الخطاب (في الفتنة) التي وقعت في زمن يزيد بن معاوية، قاله
الزرقاني(١) (فأتته مولاة له) لم تسم (تسلم عليه) جملة حالية (فقالت) المولاة:
(إني أردت الخروج) من المدينة المنورة (يا أبا عبد الرحمن) بإظهار الألف على
لفظ أبا في النسخ المصرية وحذفها في النسخ الهندية، وهو كنية ابن عمر (اشتدّ
علينا الزمان) قال الباجي (٢): تريد لقلة الأقوات ولضيق التصرف بها من أجل
الفتنة، ولعله قد اقترن بذلك من منع جلب الأقوات إليها، اهـ.
ولفظ الترمذي(٣) برواية نافع عن ابن عمر أن مولاة له أتته فقالت: اشتدّ
عليّ الزمانُ وإني أريد أن أخرج إلى العراق قال: فهَلّ إلى الشام أرض
المنشر، واصبري لكاع، الحديث.
(فقال لها عبد الله بن عمر) على وجه الإنكار عليها والتبسط بالسب على
وجه النصح لها والإشفاق عليها لخطئها فيما تريد من الانتقال عن المدينة
(اقعدي) بضم الهمزة والعين أي امكثي في المدينة المنورة (لكع) هكذا في
النسخ المصرية وفي النسخ الهندية ((لكاع)) وهو الصواب لغة، لكن ليس رواية
يحيى .
قال الزرقاني(٤): قوله: لكع بضم اللام وفتح الكاف وعين مهملة كذا
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٢٠/٤).
(٢) (المنتقى)) (١٨٨/٧).
(٣) (سنن الترمذي)) في المناقب (٣٩١٨).
(٤) ((شرح الزرقاني)) (٢٢٠/٤).
٥٧٧

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
(١٥٧٥) حديث
فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ الِهِ يَقُولُ: ((لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأُوَائِهَا وَشِدَّتِهَا
ليحيى وحده، والصواب لكاع كما رواه غيره، قال أبو عمر: يقال للمرأة:
لكاع مثل حذام وقطاع، وقال عياض: يطلق لكع بضم اللام وفتح الكاف على
اللئيم والعبد والغبي، ويقال للمرأة: لكاع، والجميع من اللكع، وهو اللوم،
وقيل: من الملاكيع، وهو ما يخرج من السلى من البطن، وقال النحاة: لكع
ولكاع لا يستعملان إلا في النداء خاصة، قاله الزرقاني.
ولفظ مسلم برواية يحيى عن مالك ((اقعدي لكاع))، قال النووي: هي
بفتح اللام والعين مبنية على الكسر، قال أهل اللغة: يقال: امرأة لكاع، ورجل
لكع بضم اللام وفتح الكاف، وخاطبها ابن عمر بهذا إنكاراً عليها لإدلاله عليها
لكونها ممن ينتمي إليه ويتعلق به، اهـ.
ولفظ الترمذي برواية نافع عن ابن عمر: اصبري لكَاعٍ، وفي هامشه
يقال: رجل لكع وامرأة لكاع إذا كانا لئيمين، وقيل: هو وصف بالحمق، اهـ.
وفي ((المحلى)): لكع بضم اللام وفتح الكاف، قال الطيبي: هو غير منصرف
للعدل والصفة، وهو معدول عن اللكع، وفي رواية لكاع بفتح اللام وكسر
العين مبنياً، اهـ.
(فإني سمعت رسول الله وَله يقول) هذه علة لما أمرها به من القيام بها
(لا يصبر على لأوائها) بالمد، قال صاحب ((المحلى)): بسكون الهمزة وتبدل
ألفاً أي على شدة جوعها (وشدتها) عطف تفسير على ما في ((المحلى)) وقال أبو
عمر: يعني المدينة، والشدة الجوع، واللأواء تعذر الكسب وسوء الحال، وقال
المازري: اللأواء الجوع وشدة المكسب، وضمير شدتها يحتمل أن يعود على
اللأواء، ويحتمل أن يعود على المدينة، وقال الباجي: اللأواء هو الجوع
وتعذر التكسب والشدة، يحتمل أن يريد بها اللأواء، ويحتمل أن يريد بها كل
ما يشتد به سكناها وتعظم مضرته، اهـ.
٥٧٨

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
(١٥٧٥) حدیث
أَحَدٌ، إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعاً أَوْ شَهِيداً يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
أخرجه مسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٨٥ - باب فضل المدينة ودعاء النبي وَل
فيها بالبركة، حديث ٤٨٢.
وقال الأبي(١): الحديث خرج مخرج الحث على سكناها فمن لزم
سكناها داخل في ذلك، ولو لم تلحقه لأواء؛ لأن التعليل بالغالب والمظنة لا
يضر فيه التخلف في بعض الصور كتعليل القصر بمشقة السفر.
(أحد إلا كنت) بصيغة المتكلم (له شفيعاً أو شهيداً) كذا في المصرية،
وفي الهندية ((شهيداً أو شفيعاً)) بالتقديم والتأخير.
قال الباجي(٢): يحتمل أن يكون أو شكاً من ابن عمر، أو شكاً من
الراوي عنه، قال عيسى بن دينار: هو شك من المحدث، وقاله محمد بن
عيسى الأعشى (يوم القيامة) قال القاضي عياض(٣): سئلت قديماً عن هذا
الحديث، ولِمَ خص ساكن المدينة بالشفاعة هاهنا مع عموم شفاعته وَلخر
وادّخاره إياها لأمته؟ قال: وأجبت عنه بجوابٍ شافع مقنع في أوراق اعترف
بصوابه كلُّ واقف عليه، قال: وأذكر منه هاهنا - يعني في شرح مسلم - لمعاً
تليق بهذا الموضع، قال بعض شيوخنا: ((أو))، هنا للشك، والأظهر عندنا أنها
ليست للشك؛ لأن هذا الحديث رواه جابر بن عبد الله وسعد بن أبي وقاص
وابن عمر وأبو سعيد وأبو هريرة وأسماء بنت عميس وصفية بنت أبي عبيد عن
النبي ◌َ﴾ بهذا اللفظ، ويبعد اتفاق جميعهم أو رواتهم على الشك، وتطابقهم
فيه على صيغة واحدة.
بل الأظهر أنه سي﴿ قال هكذا، فإما أن يكون أعلم بهذه الجملة هكذا - أي
(١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٤٥٩/٣).
(٢) (المنتقى)) (١٨٩/٧).
(٣) انظر: ((إكمال إكمال المعلم)) (٤٥٩/٣) و((شرح الزرقاني)) (٢٢١/٤).
٥٧٩

٤٦ - كتاب الجامع
(٢) باب
(١٥٧٥) حديث
من الله عز اسمه - وإما أن تكون أو للتقسيم، ويكون شهيداً لبعض أهل المدينة
وشفيعاً لباقيهم، إما شفيعاً للعاصين وشهيداً للمطيعين، وإما شهيداً لمن مات
في حياته وشفيعاً لمن مات بعد وغير ذلك، وهذه خصوصية زائدة على الشفاعة
للمذنبين أو العاصين يوم القيامة، وعلى شهادته على جميع الأمة، وقد قال ◌َله
في شهداء أحد: ((وأنا شهيد على هؤلاء)) فيكون تخصيصهم بهذا كله مزية
وزيادة منزلة وخطوة، قال: وقد تكون أو بمعنى الواو، فيكون لأهل المدينة
شفيعاً وشهيداً .
قال: وإذا جعلنا أو للشك كما قال المشايخ، فإن كانت اللفظة
الصحيحة شهيداً اندفع الاعتراض؛ لأنها زائدة على الشفاعة المدخرة لغيرهم،
وإن كانت شفيعاً فاختصاص أهل المدينة بهذا أن هذه شفاعة أخرى غير
العامة التي هي لإخراج أمته من النار ومعافاة بعضهم لشفاعته وّر في القيامة،
وتكون هذه الشفاعة لأهل المدينة بزيادة الدرجات أو تخفيف الحساب أو بما
شاء الله من ذلك أو بإكرامهم يوم القيامة بأنواع من الكرامة كإيوائهم إلى ظل
العرش، أو كونهم في روح، أو على منابر، أو الإسراع بهم إلى الجنة، أو
غير ذلك من خصوص الكرامات الواردة لبعضهم دون بعض، اهـ. هكذا
حكاه النووي في ((شرح مسلم)) وتبعه السيوطي في ((التنوير)) والزرقاني
وغيرهما .
وقال الباجي(١): يحتمل أن يريد أنه شهيد له بالمقام الذي فيه الأجر،
ويقتضي ذلك أن لشهادته فضلاً في الأجر، وإحباطاً للوزر، فإنه لا شك أن
سكناه في المدينة يوجد ثابتاً في جملة حسناته إلا أن لشهادته 8* زيادة أجر
ومزية، ولذلك قال ◌َله في قتلى أحد: ((أنا شهيد عليهم))، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (١٨٩/٧).
٥٨٠