Indexed OCR Text

Pages 501-520

٤٥ - كتاب الأشربة
(١) باب
السادس: إن شرب فجلد ثلث مرات، فعاد الرابعة وجب قتله، وقيل: إن
شرب الخامسة وجب قتله، وهذا السادس في الطرف الأبعد من الأول،
وكلاهما شاذ، وأظن أن الأول رأي البخاري فإنه لم يترجم بالعدد أصلاً، ولا
أخرج ههنا في العدد الصريح شيئاً، انتهى.
وقال الموفق(١): عن الإمام أحمد في قدر الحد روايتان: إحداهما: أنه
ثمانون، وبهذا قال مالك والثوري وأبو حنيفة ومن تبعهم لإجماع الصحابة،
فإنه رُوِي أن عمر - رضي الله عنه - استشار الناس فيه، فقال عبد الرحمن بن
عوف: اجعله كأخفِّ الحدود ثمانين، فضرب عمر - رضي الله عنه - ثمانین،
وكتب به إلى خالد وأبي عبيدة بالشام(٢)، ورُوِي أن علياً - رضي الله عنه - قال
في المشورة: حُدُّوه حدَّ المفتري. روى ذلك الدارقطني والجوزجاني وغيرهما .
والرواية الثانية: أن الحد أربعون، وهو مذهب الشافعي؛ لأن علياً
- رضي الله عنه - جلد الوليد أربعين، ثم قال: جلد النبي وَل ◌ّ أربعين، وأبو بكر
أربعين، وعمر ثمانين، وكُلُّ سُنَّةٌ، وهذا أحبُّ إلي، رواه مسلم(٣) .
وعن أنس، قال: أتي رسول الله وَ * برجل قد شرب الخمر، فضربه
بالنعال نحواً من أربعين، ثم أتي به أبو بكر فصنع مثل ذلك، ثم أتي به عمر
- رضي الله عنه -، فاستشار الناس، فقال ابن عوف: أقل الحدود ثمانون
فضربه عمر - رضي الله عنه -، متفق علیه، انتهى.
قال ابن عبد البر: وانعقد إجماع الصحابة، ولا مخالف لهم منهم، وعليه
جماعة التابعين، وجمهور فقهاء المسلمين، والخلاف في ذلك كالشذوذ
(١) («المغني)) (٤٩٨/١٢).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الحدود (١٣٣٠/٣).
(٣) ((صحيح مسلم)) (١٣٣١/٣، ١٣٣٢).
٥٠١

٤٥ - كتاب الأشربة
(١) باب
(١٥٥٨) حديث
١/١٥٥٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ
السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ عَلَيْهِمْ
المحجوج بقول الجمهور، وتعقب بما في الصحيح، أنه جلد الوليد في خلافة
عثمان - رضي الله عنه - أربعين، ثم قال: جلد النبي ◌َ # أربعين، وأبو بكر
أربعين، وعمر ثمانين، وكلُّ سنة، وهذا أحبُّ إليّ، فلو أجمعوا على الثمانين
في زمن عمر - رضي الله عنه - لما خالفوا في زمن عثمان، وجلدوا أربعين إلا
أن يكون مراد أبي عمر أنهم أجمعوا على الثمانين بعد عثمان فيصح كلامه،
قاله الزرقاني(١).
ثم قال الموفق(٢): والضرب بالسوط، ولا نعلم بين أهل العلم خلافاً في
غير حدّ الخمر، فأما حدُّ الخمر فقال بعضهم: يقام بالأيدي والنعال وأطراف
الثياب، وذكر بعض أصحابنا أن للإمام فعل ذلك إذا رآه لما روى أبو هريرة أن
النبي 18 أتي برجل قد شرب فقال: ((اضربوه))، قال: فمنا الضارب بيده،
والضارب بنعله، والضارب بثوبه، رواه أبو داود(٣).
ولنا، أن النبي 38 قال: ((إذا شرب فاجلدوه))، والجلد إنما يُفهم من
إطلاقه الضرب بالسوط، ولأنه أمر بجلده كما أمر الله تعالى بجلد الزاني،
فكان بالسوط مثله، والخلفاء الراشدون ضربوا بالسياط، وكذلك غيرهم فكان
إجماعاً، وأما حديث أبي هريرة فكان في بدء الأمر، ثم جلد النبي ◌َّ
واستقرت الأمور، انتهى.
١/١٥٥٨ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن السائب بن يزيد) الكندي
(أنه أخبره أن عمر بن الخطاب خرج عليهم) ولفظ عبد الرزاق بسنده إلى
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٦٧/٤).
(٢) («المغني)) (٥٠٨/١٢).
(٣) ((سنن أبي داود)) (٤٤٧٧)، وأخرجه أيضاً البخاري في كتاب الحدود (٦٧٧٧).
٥٠٢

(١٥٥٨) حدیث
٤٥ - كتاب الأشربة
فَقَالَ: إِنِّي وَجَدْتُ مِنْ فُلَانٍ رِيحَ شَرَابٍ،
(١) باب
السائب قال: شهدت عمر - رضي الله عنه - صلى على جنازة ثم أقبل علينا
فقال: إني وجدت من عبيد الله بن عمر ريح شراب، وإني سألته عنه، فزعم أنه
الطلاء، وإني سائل عن الشراب الذي شرب، فإن كان مسكراً جلدته، قال:
فشهدته بعد ذلك یجلده.
وأخرجه سعيد بن منصور بسنده إلى السائب يقول: قام عمر - رضي الله
عنه - على المنبر فقال: ذكر لي أن عبيد الله بن عمر وأصحابه شربوا شراباً،
وأنا سائل عنه، فإن كان يسكر حددتُهم، كذا في ((الفتح)) (١).
(فقال) عمر: (إني وجدت من فلان) وهو ابنه عبيد الله كما تقدم في
الروايات السابقة، وذكر البخاري في ((صحيحه)) تعليقاً قال عمر - رضي الله
عنه -: وجدت من عبيد الله ريح شراب، وأنا سائل عنه، فإن كان يسكر
جلدته .
وقال الباجي(٢): يقال: إنه ابنه عبيد الله، والأصح أنه ابنه عبد الرحمن
الأوسط، وكان له ثلاثة بنين كلهم يُسَمّى عبد الرحمن. أكبرهم يقال: إنه أدرك
النبي ◌ّ*، والثاني هو أبو شحمة المجلود في الخمر، والثالث وهو أصغرهم
جدُّ عبد الرحمن بن المجبر، انتهى. ولم يتعقب الحافظ على قول البخاري
بلفظ عبيد الله، بل أقرَّه بلفظ عبيد الله بن عمر.
(ريح شراب) قال الباجي: اسم الشراب ينطلق من جهة اللغة على كل
مشروب، ومسكر، وإنما وجد عمر - رضي الله عنه - ريح الشراب، ولم يتميز
هل هو ريح مسكر أو غيره، ولو تميز له أنه ريح شراب مسكر لما احتاج أن
يسأل عنه.
(١) ((فتح الباري)) (٦٥/١٠).
(٢) ((المنتقى)) (١٤٢/٣).
٥٠٣

٤٥ - كتاب الأشربة
(١) باب
(١٥٥٨) حدیث
وقد اختلف الفقهاء في وجوب الحد بالرائحة، فذهب مالك وجماعة
أصحابه إلى أن الحدَّ يجب على من وجِدَ فيه ريح المسكر، ومنع من ذلك أبو
حنيفة والشافعي، وقالا: لا حدَّ عليه، والدليل على ما ذهب إليه مالك
وأصحابه ما روي عن السائب بن يزيد أنه حضر عمر بن الخطاب، وهو يجلد
رجلاً وجد منه ريحَ شراب، فجلده الحد تاماً، ووجه الدليل أن عمر - رضي الله
عنه - حكم بذلك، وكان ممن تشتهر قضاياه، ويُتَحَدَّثُ بها، وتنقل إلى الآفاق،
ولم ينقل خلاف عليه، فثبت أنه إجماع، انتهى.
قال ابن رشد(١): قال مالك وأصحابه وجمهور أهل الحجاز: يجب الحد
بالرائحة إذا شهد بها عند الحاكم شاهدان عدلان، وخالفه في ذلك الشافعي،
وأبو حنيفة، وجمهور أهل العراق، وطائفة من أهل الحجاز، وجمهور علماء
البصرة، فقالوا: لا يثبت الحد بالرائحة، فعمدة الفريق الأول تشبيهها بالشهادة
على الصوت والخط، وعمدة الثاني اشتباه الروائح، والحد يُدْرأ بالشبهة،
انتھی .
وقال الموفق(٢): لا يجب الحد بوجود رائحة الخمر من فيه في قول أكثر
أهل العلم، منهم الثوري وأبو حنية والشافعي، وروى أبو طالب عن أحمد أنه
يُحَدُّ بذلك، وهو قول مالك؛ لأن ابن مسعود - رضي الله عنه - جلد رجلاً
وجد منه رائحة الخمر، ولرواية الباب عن عمر - رضي الله عنه -، ولأن
الرائحة تدل على شربه فجرى مجرى الإقرار، والأول أولى؛ لأن الرائحة
يحتمل أنه تمضمض بها، أو حسبها ماء، فلما صارت في فيه مَجَّها، أو ظنها
لا تسكر، أو كان مكرهاً، أو أكل نبقا بالغاً، أو شرب شراب التفاح، فإنه
يكون منه، كرائحة الخمر، وإذا احتمل ذلك لم يجب الحد الذي يدرأ
(١) ((بداية المجتهد)) (٤٤٥/٢).
(٢) («المغني)) (١٢/ ٥٠١).
٥٠٤

٤٥ - كتاب الأشربة
(١) باب
(١٥٥٨) حديث
فَزَعَمَ أَنَّهُ شَرَابُ الطَّلاءِ،
بالشبهات، وحديث عمر - رضي الله عنه - حجة لنا، فإنه لم يحده بوجود
الرائحة، ولو وجب ذلك لبادر إليه عمر - رضي الله عنه -، انتهى.
وفي ((المحلى)): في أثر الباب دليل على أنه إنما حَدَّه بإقراره لا بمجرد
وجدان الريح، انتهى.
قال الحافظ (١): قد تبين برواية معمر أن لا حجة في أثر الباب لمن يجوز
إقامة الحد بوجود الريح، انتهى. قلت: ورواية معمر هي التي تقدمت في أول
الباب عن عبد الرزاق بلفظ: وجدت من عبيد الله ريح شراب، وإني سألته عنه
فزعم أنه الطلاء، الحديث.
(فزعم) فلان أي ابنه (أنه شرب الطلاء) بكسر الطاء المهملة والمد، قال
في ((المقدمة)): هو ما طبخ من العصير حتى يغلظ، ويشبه بطلاء الإبل، وهو
القطران الذي يُظْلَى به الجربُ، قاله الزرقاني.
وفي ((المحلى)): هو الشراب المطبوخ من عصير العنب، وزاد بعضهم
فيه: الذي ذهب ثلثاه، فإن ذهب نصفه فهو المنصف، وإن طبخ أدنى طبخة
فهو الباذق، انتهى. وتقدم قريباً من كلام صاحب ((الهداية)) أن الطلاء هو عصير
العنب إذا طبخ حتى يذهب أقل من ثلثيه.
وفي ((الدر المختار)) (٢): الطلاء بالكسر، هو العصير يطبخ حتى يذهب
أقل من ثلثيه، وقيل: ما طبخ حتى ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه وصار مسكراً، وهو
الصواب، وحِلُّ هذا المثلثِ المسمى بالطلاء ثابت بشرب كبار الصحابة كما في
((الشرنبلالية)) وسمي بالطلاء لقول عمر - رضي الله عنه -: ما أشبه هذا بطلاء
البعير، قال ابن عابدين: الباذق والمنصف حرام اتفاقاً، والطلاء وهو ما ذهب
(١) ((فتح الباري)) (٦٥/١٠).
(٢) (٦/٧).
٥٠٥

٤٥ - كتاب الأشربة
(١) باب
(١٥٥٨) حديث
وأَنَا سَائِلٌ عَمَّا شَرِبَ. فَإِنْ كَانَ يُسْكِرُ جَلَدْتُهُ.
ثلثاه، ويسمى المثلث حلالاً إلا عند محمد، فلا يحرم منه عندهما، إلا القدح
الأخير الذي يحصل به الإسكار، انتهى.
وسيأتي أثر عمر - رضي الله عنه - هذا عند المصنف في آخر ((كتاب
الأشربة))، وذكر البخاري في ((صحيحه)) (١): رأى عمر وأبو عبيدة ومعاذ شربَ
الطلاء على الثلث، وشرب البراء وأبو جحيفة على النصف قال الحافظ(٢):
قوله: على الثلث أي رأوا جواز شربه إذا طبخ، فصار على الثلث، ونقص من
الثلثان. وقوله: على النصف أي إذا طبخ فصار على النصف، انتهى.
(وأنا سائل عما شرب) قال الباجي(٣): فيه دليل على أن عمر - رضي الله
عنه - لم يتيقن قوله: ((أنه شرب الطلاء))، ولا تحقق هل هو ريح مسكر أو
غيره، ويحتمل أن يكون لم يعرف الطلاء، فأراد أن يسأل عنه ولم يعول على
إقراره أنه لم يشرب غير ذلك، ويحتمل أن يكون عرف الطلاء، ولم يعرف
صدقه في كونه طلاء لا يسكر، فأراد أن يسأل عنه، ويتوصل إلى معرفة ذلك،
إما باستنكاهه، أو بالنظر إلى بقيته وشمه إن كانت بقيت منه بقية، انتهى.
(فإن كان) الذي شرب (يسكر جلدته الحد) قال الباجي: هذا ظاهر في
أن ما يسكر عندهم يجب به عندهم الحد وإن لم يبلغ الشارب حد السكر، ولو
بلغ حد السكر لم يحتج إلى السؤال عن الشارب؛ لأنه إنما ذكر الجنس، ولم
يذكر المقدار، ولو اعتبر ذلك بالمقدار لقال: إنه شرب يسيراً من الطلاء وأنا
سائل عن ذلك المقدار، وعلق حكم الحد على الجنس علم أنه اعتبره دون
غيره، انتهى.
(١) ((صحيح البخاري)) في: ٧٤ - كتاب الأشربة، ١٠ - باب الباذق، ومن نهى عن كل مسكر
من الأشربة.
(٢) ((فتح الباري)) (٦٣/١٠).
(٣) ((المنتقى)) (١٤٣/٣).
٥٠٦

٤٥ - كتاب الأشربة
(١) باب
(١٥٥٩) حديث
فَجَلَدَهُ عُمَرُ الْحَدَّ تَامًّا .
أخرجه البخاري في: ٧٤ - كتاب الأشربة، ١٠ - باب الباذق، ومن نهى عن
كل مسكر من الأشربة. ونصه: وقال عمر: وجدت من عبيد الله ريح شراب. وأنا
سائل عنه. فإن کان یسکر جلدته.
٢/١٥٥٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدِ الدِّيلِيِّ؛ أَنَّ
عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَشَارَ
وأنت خبير بأن قوله: أنا سائل عما شرب، وقوله: فإن كان يسكر يتناول
سؤال الجنس والمقدار معاً، فإن قوله: فإن كان يسكر أي باعتبار جنسه أو
باعتبار قدره محتملان، ثم رأيت الطحاوي جزم بذلك الاحتمال، فالحمد لله،
قال: هذا يحتمل أن يكون أراد بذلك المقدار الذي شرب، فإن كان ذلك
المقدار يسكر، فقد علمت أنه قد سكر، ووجب عليه الحد، وهذا أولى ما
حمل عليه تأويل هذا الحديث حتى لا يضاد ما سواه من الأحاديث التي قد
رويت عنه، انتهى. أي رويت عن عمر - رضي الله عنه - كما رواها الطحاوي.
(فجلده) أي فلاناً ابنه (عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - قال الحافظ:
في السياق حذفٌ، تقديره فسأل عنه فوجده يسكر فجلده (الحد تاماً) قال
الزرقاني: ثمانين جلدة، قال الباجي: يريد أنه جلده حد الخمر، ولم يُعَزِّرْه
على ما قاله بعض العلماء: إنه يعزر ويعاقب، انتهى.
٢/١٥٥٩ - (مالك عن ثور) بمثلثة (ابن زيد الديلي) بكسر الدال المهملة
وسكون الياء (أن عمر بن الخطاب) قال الحافظ(١): هذا معضلٌ، ووصله
النسائي والطحاوي من طريق يحيى بن فليح عن ثور عن عكرمة عن ابن عباس
مطولاً ثم ذكره، وذكر أيضاً طرقاً أخر لهذه الرواية (استشار) الصحابة في زمان
خلافته، وفي رواية ابن دبرة رجل من بني كلب، كما ذكرها الحافظ في
(١) ((فتح الباري)) (٦٩/١٢).
٥٠٧

٤٥ - كتاب الأشربة
(١) باب
(١٥٥٩) حدیث
فِي الْخَمْرِ يَشْرَبُهَا الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: نَرَى أَنْ
تَجْلِدَهُ ثَمَانِينَ، فَإِنَّهُ إِذَا شَرِبَ سَكِرَ. وَإِذَا سَكِرَ هَذَى. وإِذَا هَذَى
اقْتَرَى، أَوْ كَمَا قَالَ.
((الفتح)) عن الطحاوي والبيهقي فقال عمر - رضي الله عنه - لمن حوله: ما
ترون؟ قال: ووجدت عنده علياً وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف في
المسجد، فقال عليٌّ، فذكر مثل رواية ثور الموصولة.
قال الزرقاني(١): وفي رواية أبي داود والنسائي عن عبد الرحمن بن أزهر
في قصة الشارب الذي ضربه النبي صَ لّ بحنين، وفيه فلما كان عمر - رضي الله
عنه - كتب إليه خالد بن الوليد: إن الناس قد انهمكوا في الشراب، قال:
وعنده المهاجرون والأنصار فسألهم، فاجتمعوا على أن يضربه ثمانين.
(في الخمر) أي في مقدار حده كما يدل عليه جواب علي - رضي الله
عنه - (يشربها الرجل) قال الباجي (٢): وإنما استشار في ذلك؛ لأن الأصح أنه
لم يتقرر في زمن النبي وَلّ﴾ بمعنى أنه لم يحد فيه حداً بقول يعلم لا يزاد عليه،
ولا ينقص عنه، وإنما كان يضرب مقداراً قدرته الصحابة.
واختلفوا في تقديره يدل على ذلك ما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه
قال: ما من رجل أقمت عليه حداً، فمات فأجد في نفسي منه شيئاً إلا شارب
الخمر، فإنه إن مات فيه وديته، لأن رسول الله وَلّ لم يبينه، ومعنى ذلك أنه لم
يحده بقول يحصره ويمنع الزيادة فيه، والنقص منه، فحدوه باجتهادهم.
(فقال له علي بن أبي طالب: نرى) أي رأينا في ذلك (أن تجلده ثمانين)
جلدة (فإنه) هذا مبنى رأيه (إذا شرب) المسكر (سكر) بفتح السين وكسر الكاف
أي زال عقله (وإذا سكر هذى) من الهذيان أي تكلم بما لا ينبغي (وإذا هذى
افترى) أي قذف (أو كما قال) علي - رضي الله عنه - شك من الراوي، قال
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٦٧/٤).
(٢) ((المنتقى)) (١٤٣/٣).
٥٠٨

٤٥ - كتاب الأشربة
(١) باب
(١٥٥٩) حديث
فَجَلَدَ عُمَرُ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِينَ.
الحافظ: زاد في رواية ثور الموصولة المذكورة بعد قوله: وإذا هذى افترى،
وعلى المفتري ثمانون جلدة (فجلد عمر في الخمر ثمانين) جلدة.
قال الباجي(١): وروى أنس أُتِيَ النبي ◌َّله برجل قد شرب الخمر فجلده
بجريدتين نحواً من أربعين، وفعله أبو بكر، فلما كان عمر - رضي الله عنه -
استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف: أخفُّ الحدود ثمانون، فأمر به
عمر - رضي الله عنه -، وقد تقدم من قول عليّ أنه قاسه على المفتري،
واستدل أن ذلك حكمه، وإلى هذا ذهب مالك وأبو حنيفة أن حدَّ شارب الخمر
ثمانون، وقال الشافعي: أربعون، والدليل على ما نقوله ما روي من الأحاديث
الدالة على أنه لم يكن من النبي ◌َّ نصٌّ في ذلك على تحديد.
وكان الناس على ذلك، ثم وقع الاجتهاد في ذلك في زمن عمر - رضي الله
عنه -، ولم يوجد عند أحد منهم نصٌّ في ذلك على تحديد، وذلك من أقوى
الدليل على عدم النص فيه، لأنه لا يصح أن يكون فيه نص باقٍ حكمه ويذهب
على الأمة؛ لأن ذلك كان يكون إجماعاً منهم على خطأ، ولا يجوز ذلك على
الأمة، ثم أجمعوا واتفقوا أن الحد ثمانون، وحكم بذلك على ملأ منهم، ولم
يعلم لأحد منهم مخالفةٌ، فثبت أنه إجماع، وجميعها حدٌّ، وهو المفهوم من
قولهم: جلد في الزنا مائة، وفي الفرية ثمانين، وقال بعض أصحاب الشافعي:
إنه إنما جلد الأربعين تعزيراً .
والجواب أن الظاهر ما ذكرناه، فلا يعدل عنه إلا بدليل، وجوابٌ ثانٍ،
وهو إنما ورد جواب عليٍّ - رضي الله عنه - على سؤال عمر - رضي الله عنه -
فيما يجب عليه من الحد، فأجابه بثمانين، وقاسه على حدِّ الفِرْية، وذلك
يقتضي أنها حدٌّ كلّها، وقال له عبد الرحمن بن عوف: أخفُّ الحدود ثمانون،
(١) ((المنتقى)) (١٤٤/٧).
٥٠٩

٤٥ - كتاب الأشربة
(١) باب
(١٥٦٠) حديث
٣/١٥٦٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّهُ سُئِلَ
عَنْ حَدِّ الْعَبْدِ فِي الْخَمْرِ. فَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عَلَيْهِ نِصْفَ حَدِّ الْحُرِّ فِي
الْخَمْرِ، وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ بْنَ عَقَّانَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ، قَدْ جَلَدُوا عَبِيدَهُمْ، نِصْفَ حَدِّ الْحُرِّ فِي الخَمْرِ.
وأخذ عمر - رضي الله عنه - بقولهما، وهذا يقتضي أنه ضرب الثمانين كلها
حدّاً، وقد روى ابن المواز أن عمر - رضي الله عنه - جلد قُدامة في الخمر
ثمانين، وزاده ثلاثين، وقال له: هذا تأويل لكتاب الله على غير تأويله، انتهى.
٣/١٥٦٠ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (أنه سئل) ببناء المجهول (عن
حدِّ العبد) أي الرقيق ولو أنثى (في الخمر) أي في حدّ الخمر (فقال) الزهري:
(بلغني) عن السلف (أن عليه) أي على العبد (نصف حد الحُرِّ في الخمر، و)
بلغني (أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر قد جلدوا) كلهم
(عبيدهم نصف حدِّ الحر في الخمر) وبهم القدوة؛ لأن حدَّ الرقيق على نصف
حد الحر، وأصله قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُعْصَنَتِ مِنَ
اُلْعَذَابِ﴾(١) .
قال الباجي(٢): وكان عمر - رضي الله عنه - أمير المؤمنين، وكذلك
عثمان - رضي الله عنه - فيحتمل أن يكونا أقاما الحدَّ على عبيدهما في
إمارتهما، فيكون ذلك لهما بحق الإمامة، وأما عبد الله بن عمر - رضي الله
عنهما - فلم يقم الحد علی عبيده إلا بملکه لهم، انتھی.
والمسألة خلافية معروفة تقدمت مراراً من أنه يجوز عند الشافعي
- رحمه الله - للسادات إقامة الحدود على عبيدهم مطلقاً، وهو وجه في مذهب
الإمام أحمد، وظاهر مذهبه، وهو مذهب الإمام مالك أنه يجوز لهم ما يتعلق
(١) سورة النساء: الآية ٢٥.
(٢) ((المنتقى)) (٢٥/٣).
٥١٠

٤٥ - كتاب الأشربة
(١) باب
(١٥٦١) حديث
٤/١٥٦١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ
سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا اللَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُعْفَى
عَنْهُ، مَا لَمْ يَكُنْ حَدًّا .
بالجلد دون القطع أو القتل، فإنهما إلى الإمام، وعند الحنفية إقامة الحدود
مطلقاً إلى الإمام، كما تقدم مبسوطاً في أول ((جامع ما جاء في حد الزنا))،
ومختصراً في ((باب ما لا قطع فيه)).
وأما مسألة كون حد العبد على النصف من الحر، فقال صاحب
((المحلى)): به أخذ الأئمة الأربعة، والجمهور أنه ينصف حد العبد، فحده
عشرون عند الشافعي، وأربعون عند الباقين، وقال أبو ثور وأكثر أهل الظاهر:
إن الحر والعبد في ذلك سواء، لا ينقص عن الأربعين، نقله ابن عبد البر،
انتھی .
وفي ((الهداية))(١): إن كان عبداً فحَدُّه أربعون سوطاً؛ لأن الرق مُنَصِّفٌ
على ما عرف، قال ابن الهمام: من أن الرق مؤثر في تنصيف النعمة والعقوبة،
فإذا قلنا: إن حد الحر ثمانون قلنا: حد العبد أربعون، ومن قال: حد الحر
أربعون، قال: حد العبد عشرون، انتهى.
٤/١٥٦١ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أنه سمع سعيد بن
المسيب) التابعي الشهير (يقول: ما من شيء) نكرة وقعت في سياق النفي،
وضم إليها من الاستغراقية لإفادة الشمول، ذكره الطيبي، أي ليس شيء من
الذنوب (إلا الله) تبارك وتعالى (يحب) هكذا في النسخ الهندية، وبعض
المصرية، وفي أكثرها ((إلا يحب الله)) (أن يُعْفَى) ببناء المجهول (عنه ما لم يكن
حداً) فلا يحب العفو عنه إذا بلغ الإمام، قاله الزرقاني(٢).
(١) (٣٥٥/١).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٦٧/٤).
٥١١

٤٥ - كتاب الأشربة
(١) باب
(١٥٦١) حديث
قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: وَالسُّنَّهُ عِنْدَنَا، أَنَّ كُلَّ مَنْ شَرِبَ شَرَاباً
مُسْكِراً، فَسَكِرَ أَوْ لَمْ يَسْكَرْ، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
وقال الباجي(١): هذا يحتمل معنيين، أحدهما؛ أن يريد أن الحدود إذا
بلغت الإمام أو من يقوم مقامه، فإنه لا يجوز للإمام العفو عنه ولا الستر له،
والوجه الثاني: أن من الحدود ما لا يجوز لصاحبها العفو عنه بعد بلوغها الإمام
كحد القذف، وقد اختلف في ذلك قول مالك كما بسط في كتاب حد القذف،
انتھی .
وفي ((المحلى)) بعد أثر الباب: وبه أخذ أهل العلم، أن الشفاعة فيما لم
يكن حداً مستحبة قبل بلوغه إلى السلطان وبعده، انتهى.
قال الزرقاني: وقد روى أحمد وأبو داود والنسائي والشافعي وابن حبان
عن عائشة مرفوعاً ((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا في الحدود))، قال
الشافعي: سمعت أهل العلم من يعرف هذا الحديث يقول: يتجافى للرجل ذي
الهيئة عن عثرته ما لم تكن حداً، قال: وهم الذين لا يُعرفون بالشر فَيَزَلُّ
أحدهم الزلة، وقال الماوردي: في عثراتهم وجهان: أحدهما: الصغائر،
والثاني: أول معصية زَلَّ فیها مطيع، انتھی.
قلت: واستثناء الحدود يأبى التخصيص بالصغائر، وكذا لفظ العثرات
بصيغة الجمع يأبى التخصيص بأول الذنوب، ومعنى الأثر والحديث المرفوع
ظاهر، فإن الله تعالى عفو كريمٌ يحبُّ العفو مطلقاً، وأنه ستّار يحب الستر إلا
أن يكون حداً بلغ الإمام، فالعافي والشافع ملعونان، كما تقدم.
(قال مالك: والسنة) المعروفة (عندنا أن كل من شرب شراباً مسكراً) أيّ
نوع كان من الأشربة المسكرة من عنب كان أو غيره، مطبوخاً كان أو غير
مطبوخ (فسكر) منه الشارب (أو لم يسكر) لاعتياده أو لقلة ما شرب (فقد وجب
عليه الحد) عند الأئمة الثلاثة، والجمهور، كما تقدم في أول ((كتاب الأشربة))
(١) ((المنتقى)) (١٤٧/٣).
٥١٢

٤٥ - كتاب الأشربة
(٢) باب
(٢) باب ما يكره أن ينبذ جميعاً
٥/١٥٦٢ - وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ،
عَنْ عَطَاءِ بْنِ یَسَارٍ ؛
قريباً، وتقدم هناك أن الأشربة المسكرة ثلاث أنواع عند الحنفية يختلف
حكمها، وهذا الذي ذكره الإمام مالك، هو حكم الخمر خاصة عند الحنفية.
(٢) ما يكره - ببناء المجهول - أن ينبذ - ببناء المجهول أيضاً - جميعاً
أي الأشياء التي نهى النبي ◌ّ ر أن يجمع بينهما في النبيذ، قال ابن
عابدين: النبيذ يتخذ من التمر والزبيب أو العسل أو البر أو غيره بأن يلقى في
الماء ويترك حتى يستخرج منه، مشتق من النبذ وهو الإلقاء، والفرق بينه وبين
النقيع بالطبخ وغيره، انتهى. يعني أنهم يطلقون النبيذ على المطبوخ غالباً، ولا
يطلق النقيع إلا على النيّ، ثم نسخ ((الموطأ)) مختلفة في ذكر هذا الباب، فذكره
ههنا في جميع النسخ الهندية، وذكره بعد الباب الآتي في جميع النسخ
المصرية .
٥/١٥٦٢ - (مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار) قال ابن عبد البر:
مرسلاً بلا خلاف أعلمه عن مالك، ووصله عبد الرزاق عن ابن جريج عن زيد
عن عطاء عن أبي هريرة، قاله الزرقاني(١).
قلت: والحديث معروف، روي موصولاً (٢) عن عدة من الصحابة
- رضي الله عنهم أجمعين -، فقد أخرج الستة عن عطاء بن أبي رباح عن جابر
عن النبي ◌ّيو، أنه نهى أن ينبذ الزبيب والتمر جميعاً، ونهى أن ينبذ البسر
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٦٨/٤).
(٢) أخرجه البخاري في: ٧٤ - كتاب الأشربة، ١١ - باب من رأى أن لا يخلط البسرُ والتمر
إذا كان مسكراً، ومسلم في ٣٦ - كتاب الأشربة، ٥ - باب كراهة انتباذ التمر والزبيب
مخلوطین، حديث ١٦ - ١٩.
٥١٣

٤٥ - كتاب الأشربة
(٢) باب
(١٥٦٢) حدیث
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ نَهى أَنْ يُنْبَذَ الْبُسْرُ وَالرُّطَبُ جَمِيعاً، وَالتَّمْرُ
وَالزَّبِيبُ جَمِيعاً.
والرطب جميعاً، وأخرج الجماعة إلا الترمذي عن عبد الله بن أبي قتادة عن
أبيه أن النبي وَلل نهى عن خليط الزبيب والتمر، وعن خليط البسر والتمر، وعن
خليط الزهو والتمر، وقال: انتبذوا كل واحدة على حدة، ولم يذكر البخاري
فيه البسر.
وأخرج مسلم عن يزيد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: نهى
رسول الله ◌َ﴿ عن الزبيب والتمر، والبسر والتمر، وقال: ينبذ كل واحد منهما
على حدته، وأخرج أيضاً عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: نهى
رسول الله ◌َ أن يخلط التمر والزبيب جميعاً، وأن يخلط التمر والبسر جميعاً،
وأخرج أيضاً عن نافع عن ابن عمر قال: نهى أن ينبذ البسر والرطب جميعاً،
والتمر والزبيب جميعاً، وأخرج أيضاً عن أبي المتوكل عن الخدري قال: نهانا
رسول الله ◌َ﴿ أن نخلط بسراً بتمر أو زبيباً بتمر أو زبيباً ببسر، وقال: من شرب
منكم النبيذ فليشربه زبيباً فرداً، أو تمراً فرداً، أو بسراً فرداً، كذا في ((نصب
الراية))(١).
(أن رسول الله وَلل نهى أن ينبذ) ببناء المجهول (البسر) بضم الموحدة
وسكون السين المهملة التمر قبل إرطابه، الواحد بسرة بالهاء، وقال الباجي:
هو ما قد أزهى من التمر، ولم يبد فيه إرطاب (والرطب) بضم الراء وفتح الطاء
المهملتين ما نضج من البسر، الواحدة رطبة بالهاء. (جميعاً) أي في إناء واحد
(والتمر) بفتح المثناة الفوقية وميم ساكنة (والزبيب) بفتح الزاي المعجمة
والموحدتين أولاهما مكسورة، وبينهما مثناة تحتية (جميعاً) في إناء واحدة.
قال النووي: ذهب أصحابنا وغيرهم من العلماء إلى أن سبب النهي عن
(١) (٤ /٣٠٠).
٥١٤

٤٥ - كتاب الأشربة
(٢) باب
(١٥٦٢) حديث
٦/١٥٦٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ الثَّقَةِ عَنْدَهُ، عَنْ بُكَيْرِ ..
الخليط أن الإسكار يسرع إليه بسبب الخلط قبل أن يشتدّ، فيظن الشارب أنه لم
يبلغ حد الإسكار، ويكون قد بلغه، كذا في ((الفتح))(١)، وبه جزم الزرقاني،
وسيأتي البسط في ذلك قريباً.
وقال الباجي: فيه دليل على المنع من أن ينبذ شيئان، وإن كانا من جنس
واحد، ينبذان مفردين، قال ابن حبيب: لا يجوز شرب الخليطين ينبذان كذلك
أو يخلطان عند الشرب، كانا من جنس واحد، مثل عنب وزبيب، أو من
جنسین مثل زبيب وتمر، انتهى.
قال الدردير: ومن المكروه شراب خليطين خلطا عند الانتباذ أو الشرب،
ومحل الكراهة حيث أمكن الإسكار، قال الدسوقي: أي لطول المدة فإن لم
يمكن لقصر مدة الانتباذ فلا كراهة، وهذا يقتضي أن علة النهي احتمال
الإسكار، وقال ابن رشد: ظاهر ((الموطأ)) أن النهي عن هذا تَعَبُّدٌ، لا لعلة،
وعليه فيكره شرب الخليطين، سواء أمكن إسكاره أم لا، انظر ((المواق))،
واستظهر شيخنا الأول، واستصوب بن الثاني، انتهى.
٦/١٥٦٣ - (مالك عن الثقة عنده) قيل: هو مخرمة بن بكير، أو ابن
لهيعة، فقد رواه الوليد بن مسلم عن عبد الله بن لهيعة، قاله الزرقاني، وقال
ابن عبد البر في ((التجريد)) (٢): هكذا روى هذا الحديث عامة رواة ((الموطأ))
كما رواه يحيى، وممن رواه هكذا ابن عبد الحكم والقعنبي وعبد الله بن
يوسف وابن بكير وأبو المصعب وجماعة، ورواه الوليد بن مسلم عن مالك عن
ابن لهيعة عن بكير بن الأشج بإسناده مثله، انتهى.
(عن بكير) بضم الموحدة مصغراً هكذا في جميع النسخ المصرية وكذا
(١) ((فتح الباري)) (٦٨/١٠).
(٢) (ص٢٤٣).
٥١٥

٤٥ - كتاب الأشربة
(٢) باب
(١٥٦٣) حديث
ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْحُبَابِ الْأَنْصَارِيِّ،
عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَيهِ نَهى أَنْ يُشْرَبَ التَّمْرُ
وَالزَّبِيبُ جَمِيعاً، وَالزَّهْوُ وَالرُّطَبُ جَميعاً.
أخرجه البخاريّ في: ٧٤ - كتاب الأشربة، ١١ - باب من رأى أن لا يخلط
البسر والتمر إذا كان مسكراً. ومسلم في: ٣٦ - كتاب الأشربة، ٥ - باب كراهة
انتباذ التمر والزبيب مخلوطين، حديث ٢٤ و٢٥.
في ((المحلى)) و((التجريد))، وفي النسخ الهندية بكر بدون التصغير، والظاهر أنه
تحريف .
(ابن عبد الله بن الأشج) المخزومي (عن عبد الرحمن بن الحباب) بضم
الحاء المهملة وبالموحدتين الخفيفتين بينهما ألف (الأنصاري) السلمي بالسين
المهملة واللام المفتوحتين، المدني تابعيٌّ من رواة النسائي، مقبول من الثالثة
(عن أبي قتادة الأنصاري) وتقدم قريباً أن حديث أبي قتادة أخرجه الجماعة إلا
الترمذي (أن رسول الله وَلقر نهى أن يشرب) ببناء المجهول (التمر) بالمثناة الفوقية
(والزبيب جميعاً) في إناء واحد (والزهو) بفتح الزاي المعجمة وسكون الهاء،
قال الزرقاني: وهو البسر الملون، وفي ((المحلى)): بفتح الزاي وضمها لغتان
مشهورتان، هو بسر ملون الذي بدىء فيه حمرة أو صفرة، انتهى. (والرطب)
بضم الراء (جميعاً).
قال الباجي(١): هذا على ما قدمناه من أن يجمع نبيذاهما أو يجمعا في
الانتباذ، فتناول ذلك ما كانا مختلطين عنده للشرب، فإذا نبذا مفترقين ثم خلطا
عند الشرب فقد تناولهما النهي، وإنما قال: يشرب التمر والزبيب لعلم
المخاطب أنه إنما أراد أن يشربا على الوجه الذي يمكن ذلك فيهما، وهو بعد
الانتباذ كما يقال: فلان يأكل الأنعام، ومعنى ذلك على الوجه المعتاد من
الذبح والطبخ، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (١٤٩/٣).
٥١٦

٤٥ - كتاب الأشربة
(٢) باب
(١٥٦٣) حديث
قلت: ولفظ حديث أبي قتادة عند البخاري ((نهى النبي ◌َّر أن يجمع بين
التمر والزهو والتمر والزبيب، ولينبذ كل واحد منهما على حدته))، قال
الحافظ(١): ولفظ مسلم بهذا الإسناد: ((لا تنبذوا الزهو والرطب جميعاً))
الحديث، قلت: وهذه الألفاظ كلها صريحة في أن المراد بالشرب، هو شرب
النبيذ.
قال النووي: ذهب أصحابنا وغيرهم من العلماء إلى أن سبب النهي أن
الإسكار يسرع إليه بسبب الخلط قبل أن يتغير طعمه، فيظن الشارب أنه ليس
مسكراً، ويكون مسكراً، ومذهبنا ومذهب الجمهور أن النهي لكراهة التنزيه،
ولا يحرم ذلك ما لم يصر مسكراً، وبهذا قال جماهير العلماء، وقال بعض
المالكية: هو للتحريم.
واختلف في خلط نبيذ البسر الذي لم يشتدّ مع نبيذ التمر الذي لم يشتدّ
عند الشرب هل يمتنع أو يختص النهي عن الخلط عند الانتباذ؟ فقال الجمهور:
لا فرق، وقال الليث: لا بأس بذلك عند الشرب، ونقل عن الداودي أن سبب
النهي أن النبيذ يكون حلواً، فإذا أضيف إليه الآخر أسرعت إليه الشدة، وهذه
صورة أخرى كأنه يخص النهي بما إذا نبذ أحدهما، ثم أضيف إليه الآخر، لا
ما إذا نبذا معاً، وقال عياض: ثبت النهي عن الخليطين، فاختلف العلماء،
فقال أحمد وإسحاق وأكثر الشافعية بالتحريم ولو لم يسكر، وقال الكوفيون
بالحل، واتفق علماؤنا على الكراهة، لكنهم اختلفوا هل هو للتحريم أو
للتنزيه؟ واختلف في علة النهي، فقيل: لأن أحدهما يَشُدُّ الآخر، وقيل: لأن
الإسكار يسرع إليهما .
قال: ولا خلاف أن العسل باللبن ليس بخليطين؛ لأن اللبن لا ينبذ،
(١) ((فتح الباري)) (٦٨/١٠).
٥١٧

٤٥ - كتاب الأشربة
(٢) باب
(١٥٦٣) حديث
لكن قال ابن عبد الحكم: لا يجوز خلط شرابي سكرٍ، كالورد والجلّاب، وهو
ضعيف، وما نقله عياض عن أكثر الشافعية وجد نص الشافعي بما يوافقه،
فقال: ثبت النهي عن الخليطين، فلا يجوز بحال، وقال الخطابي: ذهب إلى
تحريم الخليطين وإن لم يكن الشراب منهما مسكراً جماعة عملاً بظاهر
الحديث، وهو قول مالك وأحمد وإسحاق، وظاهر مذهب الشافعي، وقالوا:
من شرب الخليطين أثِمَ من جهة واحدة، فإن كان بعد الشدة أثم من جهتين،
وخص الليث النهي بما إذا نبذا معاً، وجرى ابن حزم على عادته في الجمود،
فخص النهي عن الخليطين بخلط واحد، من خمسة أشياء، وهي: التمر
والرطب والزهو والبسر والزبيب في أحدها أو غيرها.
فأما لو خلط واحد من غيرها في واحد من غيرها لم يمتنع، كاللبن مع
العسل مثلاً، ويرد عليه ما أخرجه أحمد في الأشربة عن أنس قال: ((نهى
رسول الله وَ﴿ أن يجمع بين شيئين نبيذاً مما يبغي أحدهما على صاحبه)) وقال
القرطبي: النهي عن الخليطين ظاهرٌ في التحريم، وهو قول جمهور(١) فقهاء
الأمصار، وعن مالك يكره فقط، وشذ من قال لا بأس به؛ لأن كلاً منهما
يحل منفرداً، فلا يكره مجتمعاً، وهذه مخالفة للنص، وقياسٌ مع ورود الفارق،
فهو فاسد من وجهين، ثم هو منتقضٍ بجواز كل واحدة من الأختين منفردة
· وتحريمهما مجتمعتين، قال: وأعجب من ذلك تأويل من قال منهم: إن النهي
إنما هو من باب السرف، وهذا تبديل لا تأويل.
قال: والذي يفهم من الأحاديث التعليل بخوف إسراع الشدة بالخلط،
وعلى هذا يقتصر في النهي عن الخلط على ما يؤثر فيه الإسراع، قال: وأفرط
بعض أصحابنا فمنع الخلط، وإن لم توجد العلة المذكورة، ويلزمه أن يمنع من
خلط العسل واللبن، وحكاه ابن العربي عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم
(١) يخالفه ما تقدم عن النووي في أول هذا الكلام، (ش).
٥١٨

٤٥ - كتاب الأشربة
(٢) باب
(١٥٦٣) حدیث
أنه حمل النهي عن الخليطين من الأشربة على عمومه واستغربه، كذا في
((الفتح))(١) وفي ((المحلى)): قوله كمن قاس جواز الجمع بين الأختين، ورُدَّ بأن
الجمع بين الأختين لقطع الرحم بخلاف الجمع بين النبيذین، انتهى.
ونص كلام ابن حزم في ((المحلى)) (٢): أن هذه الخمسة خاصة دون سائر
الأشياء يحل أن ينبذ كل واحد منهما على انفراده، ولا يحل أن ينبذ شيء منها
مع شيء آخر، لا منها ولا من سائر ما في العالم، وأنه لا يحل نبيذ شيء بعد
طيبه أو قبل طيبه لا بشيء آخر ولا بنبيذ شيء آخر، لا منها ولا من غيرها
أصلاً، وأما ما عدا هذه الخمسة فجائز أن ينبذ منها الشيئان، والأكثر معاً،
وأن يخلط نبيذ اثنين منها، فصاعداً.
فمن شرب من الخليطين المحرمين، مما ذكرنا شيئاً لا يسكر، فقد شرب
حراماً كالدم والبول، ولا حد في ذلك، لأنه لم يشرب خمراً إنما فيه التعزير
فقط؛ لأنه أتى منكراً، وكل خليطين من غير ذلك إذا أسكر فهو خمر، وعلى
شاربه حدّ، انتھی.
وفي ((التعليق الممجد))(٣): ذهب مالك وأحمد والشافعي في أحد قوليه
إلى تحريم النبيذ الذي جمع فيه بين الخليطين وإن لم يكن مسكراً، وقال أبو
حنيفة والشافعي في قوله الآخر: لا يحرم ما لم يسكر، كذا ذكره القاري،
انتھی .
قال الموفق(٤): يكره الخليطان، وهو أن ينبذ في الماء شيئان؛ لأن
(١) ((فتح الباري)) (٦٩/١٠).
(٢) (٣٧٤/١٢).
(٣) (١١٨/٣).
(٤) ((المغني)) (٥١٥/١٢).
٥١٩

٤٥ - كتاب الأشربة
(٢) باب
(١٥٦٣) حديث
النبي * نهى عن الخليطين، وقال أحمد: الخليطان حرام، وقال في الرجل
ينقع الزبيب والتمر الهندي والعناب ونحوه ينقعه غدوة، ويشربه عشية للدواء:
أكره ذلك؛ لأنه نبيذ، ولكن يطبخه ويشربه على المكان، قال القاضي: يعني
أحمد بقوله: هو حرام. إذا اشتدّ وأسكر، وإذا لم يسكر لم يحرم، هذا هو
الصحيح، إن شاء الله تعالى، وإنما نهى النبي ◌َّ لعلة إسراعه إلى الإسكار،
فإذا لم يوجد لم يثبت التحريم، كما أنه و 8 نهى عن الانتباذ في الأوعية
المذكورة لهذه العلة، ثم أمرهم بالشرب فيها ما لم توجد حقيقة الإسكار.
فقد دل على صحة هذا ما روي عن عائشة قالت: كنا ننبذ لرسول الله وَ له،
فنأخذ قبضة من تمر، وقبضة من زبيب، فنطرحها فيه، ثم نصب عليها الماء، فنبذه
غدوة، فيشربه عشية، وننبذه عشية، فيشربه غدوة، رواه أبو داود وابن ماجه(١)،
فلما كانت مدة الانتباذ قريبة وهي يوم وليلة لا يتوهم الإسكار فيها لم يكره، فعلى
هذا لا يكره ما كان في المدة اليسيرة، ويكره ما كان في مدة يحتمل إفضاؤه إلى
الإسكار، ولا يثبت التحريم ما لم يغل أو تمضي عليه ثلاثة أيام، انتهى.
وفي ((الهداية))(٢): لا بأس بالخليطين لما روي عن ابن زياد قال: سقاني
ابن عمر - رضي الله عنهما - شربة ما كدت أهتدي إلى أهلي، فغدوت إليه من
الغد فأخبرته بذلك فقال: ما زدناك على عجوة وزبيب، وهذا من الخليطين،
وكان مطبوخاً؛ لأن المروي عنه أي ابن عمر - رضي الله عنهما - حرمة نقيع
الزبيب وهو النيء منه، وما روي أنه ◌َ ﴿ نهى عن الجمع بين التمر والزبيب،
والزبيب والرطب، والرطب والبسر، محمول على حالة الشدة، وكان ذلك في
الابتداء، انتهى.
(١) أخرجه أبو داود (٣٧١١)، وابن ماجه (٣٣٩٨)، وأخرجه أيضاً مسلم (٢٠٠٥)،
والترمذي (١٨٧١).
(٢) (٣٩٦/٢).
٥٢٠