Indexed OCR Text
Pages 121-140
٤١ - كتاب العقول (٢١) باب وزيد وابن الزبير، وبه قال الحسن وعمر بن عبد العزيز ومالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور، ويروى عن سعيد بن المسيب والنخعي وقتادة والثوري وأصحاب الرأي أنه يقتل به لعموم الآيات والأخبار، ولقول النبي وَّ: (المؤمنون تتكافأ دماؤهم))(١)، ولأنه آدمي معصوم، فأشبه الحر. ولنا، ما روى الإمام أحمد بإسناده عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: ((من السنة أن لا يقتل حر بعبد))، وعن ابن عباس مرفوعاً: ((لا يقتل حر بعبد)) رواه الدارقطني(٢)، ولا يقتل السيد بعبده، في قول أكثر أهل العلم، وحكي عن النخعي وداود أنه قال: يقتل به لما روي عن الحسن عن سمرة أن النبي وَل قال: ((من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه)) رواه سعيد، والإمام أحمد والترمذي(٣) وقال: حسن غريب مع العمومات، والمعنى في التي قبلها . ولنا، ما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: لو لم أسمع رسول الله 180 يقول: ((لا يقاد المملوك من مولاه والولد من والده لأقدته منك)) رواه النسائي، اهـ. وأخرج عبد الرزاق(٤) بسنده إلى ابن عباس - رضي الله عنه - في قوله تعالى: ﴿وَكَبَنَا عَلَيْهِمْ فِيَهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ قال: كتب عليهم هذا في التوراة [و] كانوا يقتلون الحر بالعبد، ويقولون: كتب ذلك على بني إسرائيل، فهذه الآية لنا ولهم. (١) أخرجه البخاري (٢٦/٣)، ومسلم (٩٩٩/٢)، وأبو داود في ((السنن)) (٢٦٩/١)، والنسائي (١٨/٨). (٢) (سنن الدار قطني)) (١٣٣/٣). (٣) ((سنن الترمذي)) (٢٦/٤) والحديث (١٤١٤). (٤) ((مصنف عبد الرزاق)) (٤٨٩/٩) (١٨١٣٤). ١٢١ ٤١ - كتاب العقول (٢١) باب وقال صاحب ((المحلى)): ما رواه الدارقطني والبيهقي عن ابن عباس مرفوعاً ((لا يقتل حر بعبد)) ضعفه البيهقي وابن حجر، وقبله الذهبي، فروى البيهقي عن علي ((من السنة أن لا يقتل مسلم بذي عهد ولا حر بعبد)) ولا يثبت لتفرد جابر الجعفي به، ولا يرد على الأئمة الأربعة والجمهور فيما قالوا: إنه لا يقتل سيد بعبده، ما رواه أبو داود والترمذي من طريق الحسن عن سمرة مرفوعاً: ((من قتل عبده قتلناه)) (١) الحديث، فإنه محمول على الزجر والردع، وقيل: منسوخ، قاله الخطابي والبغوي مع أنه ذهب جماعة من الحفاظ إلى أنه لم يسمع الحسن عن سمرة غير حديث العقيقة، وفي رواية لأبي داود ثم إن الحسن نسي هذا الحديث، فكان يقول: ((لا يقتل حر بعبد))، قال ابن الأثير، ((في جامع الأصول)): لعله لم ينس، بل تأوّله بأنه للزجر، وإلا فالمذهب المتفق أن المولى لا يقتل بعبده، وخلاف أبي حنيفة في غيره. وروى عبد الرزاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده كان أبو بكر وعثمان(٢) لا يقتلان الرجل بعبده، كانا يضربانه مائة ويسجنانه سنة، ويحرمان سهمه مع المسلمين سنة إذا قتله متعمداً، وروى الدارقطني(٣) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً قتل عبده متعمداً، فجلده النبي وَلّ ونفاه سنة، ومحا اسمه عن المسلمين، ولم يقده به، وأمره أن يعتق رقبة، وأبو عياش الراوي في ذلك حجة في الشاميين، اهـ مختصراً. (١) أخرجه أبو داود (٤٥١٥)، والترمذي (١٤١٤)، والنسائي (٢٠/٨/٤) (٢٦/٨/٤)، وابن ماجه (٢٦٦٣). (٢) هكذا في الأصل، والصواب أبو بكر وعمر كما في أصل ((مصنف عبد الرزاق)) (٩) ٤٩١) ويلفظ أبي بكر وعمر ذكر ((المغني)) (٤٧٤/١١) في رواية قولية عنهما من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن أبي بكر وعمر أنهما قالا: من قتل عبده جُلد مائة وحرُمَ سهمه مع المسلیمن، اهـ. ((ش)). (٣) (سنن الدراقطني)) (١٤٤/٣). ١٢٢ ٤١ - كتاب العقول (٢٢) باب (٢٢) باب العفو في قتل العمد حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ أَدْرَكَ مَنْ يَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ فِي الرَّجُلِ إِذَا أَوْصَى أَنْ يُعْفَى عَنْ قَاتِلِهِ، إِذَا قَتَلَ عَمْداً: إِنَّ ذُلِكَ جَائِزٌ لَهُ. وَأَنَّهُ أَوْلَى بِدَمِهِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ مِنْ بَعْدِهِ. (٢٢) العفو في قتل العمد يعني بيان الفضل في العفو وبعض أحكامه، وتقدم في ((باب ما يوجب العقل على الرجل في خاصة ماله)) أن العلماء كلهم أجمعوا على إجازة العفو عن القصاص، وأنه أفضل للكتاب والسنة كما تقدم. (مالك أنه أدرك من يرضى) قال الزرقاني(١): بفتح أوله وضمه أي هو وغيره، اهـ. يعني ببناء الفاعل من يرضى عنه الإمام مالك، أو ببناء المجهول من يرضى عنه الناس (من أهل العلم) بيان لمن (يقولون) باعتبار الجمع في المراد بمن يعني أدركهم يقولون (في الرجل) المقتول (إذا أوصى أن يعفوا) هكذا في بعض النسخ الهندية بصيغة الجمع ببناء الفاعل أي يعفو أولياء المقتول، وفي بعضها بالإفراد، فالضمير إلى الولي أو إلى المقتول بنفسه، فيكون أوصى بمعنى أنه أخبرهم عن عفوه، وفي أكثر النسخ المصرية ((أن یعفی)) ببناء المجهول. (عن قاتله إذا قتل) القاتل (عمداً: إن ذلك) العفو (جائز له) أي للمقتول قيده بقتل العمد لأن العفو في قتل الخطأ، تقدم حكمه في آخر باب دية الخطأ في القتل من أنه مقيد بخروجه عن ثلث ماله (وأنه) أي المقتول (أولى) وأحق (من دمه من غيره) في العفو (من أوليائه) بيان لغيره (من بعده) أي الذين استحقوا القصاص بعد موته. قال الزرقاني: وقد جاء في الحديث ((من عفا عن قاتله دخل الجنة)) قال (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٠٥/٤). ١٢٣ ٤١ - كتاب العقول (٢٢) باب الباجي(١): وهذا على ما قال: إن المقتول عمداً يجوز له أن يعفو عمن قتله، وذلك مثل أن يجرحه جرحاً أنفذ به مقاتله، وتبقى حياته فيعفو، فإن عفوه جائز، قال ابن نافع عن مالك: إلا في قتل الغيلة، قال في ((الموازية)): لا قول في ذلك لولده، ولا لغرمائه، وإن أحاط الدين بماله، ولو أوصى أن تقبل الدية من قاتله، ففي ((العتبية)) عن ابن القاسم فيمن قتل عمداً، فأوصى أن تقبل الدية، وأوصى بوصايا أن ذلك جائز، ووصاياه في ديته وماله، اهـ. قلت: والتقييد بغير قتل الغيلة مبني على مسلك الإمام مالك خاصة من أن العفو في قتل الغيلة للسلطان فقط لا لغيره، كما تقدم في أول باب الغيلة مختصراً، وفي باب دية أهل الذمة مفصلاً. وفي ((الشرح الكبير)) (٢) لابن قدامة: إن عفا قاتله بعد الجرح صح، وسواء عفا بلفظ العفو أو الوصية؛ لأن الحق له تصح العفو عنه، وبمن قال بصحة عفو المجروح عن دمه مالك والحسن وقتادة والأوزاعي، فإن قال: عفوت عن الجناية وما يحدث منها لم يكن له في سرايتها قصاص ولا دية في كلام أحمد. وقال أصحاب الشافعي: فيه قولان؛ أحدهما: أنه وصية فيبني على الوصية للقاتل، وفيه قولان: أحدهما: لا يصح فتجب دية النفس إلا دية الجرح، والثاني: يصح فإن خرج من الثلث سقطت وإلا سقط منها بقدر الثلث ووجب الباقي. والقول الثاني: ليس بوصية؛ لأنه إسقاط في الحياة فلا يصح، ويلزمه دية النفس إلا دية الجرح. (١) ((المنتقى)) (١٢٣/٧). (٢) (٤٢٤/٩). ١٢٤ ٤١ - كتاب العقول (٢٢) باب ولنا، أنه أسقط حقه بعد انعقاد سببه، فسقط كما أسقط الشفعة بعد البيع، إذا ثبت هذا، فلا فرق بين أن يخرج من الثلث أو لا يخرج؛ لأن موجب العمد القود في إحدى الروايتين أو أحد شيئين في الرواية الأخرى، فما تعينت الدية ولا تعينت الوصية بمال، ولذلك صح العفو من المفلس إلى غير مال. وأما جناية الخطأ إذا عفا عنها اعتبر خروجها من الثلث، فإن خرجت من الثلث صح عفوه عن الجميع، وإن لم تخرج من الثلث سقط عنه من ديتها ما احتمله الثلث، وبهذا قال مالك والثوري وأصحاب الرأي والأوزاعي وإسحاق؛ لأن الوصية ههنا بمال، اهـ. وقال ابن رشد(١): اختلف العلماء في المقتول عمداً إذا عفا عن دمه قبل أن يموت هل ذلك جائز على الأولياء؟ وكذلك في المقتول خطأ إذا عُفِي عن الدية، فقال قوم: إذا عفا المقتول عن دمه في العمد مضى ذلك، وممن قال بذلك مالك وأبو حنيفة والأوزاعي، وهذا أحد قولي الشافعي، وقالت طائفة أخرى: لا يلزم عفوه، وللأولياء القصاص أو العفو، وممن قال به أبو ثور وداود، وهو قول الشافعي بالعراق، وعمدة هذه الطائفة أن الله تعالى خَيَّرَ الولي في ثلاث، إما العفو وإما القصاص وإما الدية، وذلك عام في كل مقتول، سواء عفا عن دمه قبل الموت، أو لم يعف. وعمدة الجمهور أن الشيء الذي جعل للمولى إنما هو حق المقتول، فناب فيه منابه، وأقيم مقامه، فكان المقتول أحق بالخيار من الذي أقيم مقامه بعده، وقد أجمع العلماء على أن قوله تعالى: ﴿فَمَن تَصَذَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ أن المصدق ههنا هو المقتول يتصدق بدمه، وإنما اختلفوا على من يعود الضمير في كفارة له، فقيل: على القاتل، وقيل: على المقتول، اهـ. (١) ((بداية المجتهد)) (٤٠٣/٢). ١٢٥ ٤١ - كتاب العقول (٢٢) باب قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَعْفُو عَنْ قَتْلِ الْعَمْدِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَحِقَّهُ. وَيَجِبَ لَهُ: إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْقَاتِلِ عَقْلٌ يَلْزَمُهُ. إِلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي عَفَا عَنْهُ اشْتَرَطَ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَفْوِ عَنْهُ. وفي ((الهداية)): القصاص يستحقه المقتول ثم يخلفه وارثه، وفي هامشه ولهذا يصح عفو المجروح، اهـ. وفيه أيضاً في موضع آخر (١): من قطع يد رجل فعفا المقطوعة يده عن القطع، ثم مات من ذلك فعلى القاطع الدية في ماله، وإن عفا عن القطع وما يحدث منه، ثم مات من ذلك، فهو عفو عن النفس، ثم إن كان خطأ فهو من الثلث، وإن كان عمداً فهو من جميع المال، هذا عند أبي حنيفة، وقالا: إذا عفي عن القطع فهو عفو عن النفس أيضاً. لهما، أن العفو عن القطع عفو عن موجبه، وهو القطع لو اقتصر، والقتل إذا سرى، وله، أن سبب الضمان قد تحقق، وهو قتل نفس معصومة، والعفو لم يتناوله بصريحة؛ لأنه عفا عن القطع وهو غير القتل، وكان ينبغي أن يجب القصاص وهو القياس؛ لأنه هو الموجب للعمد إلا أن في الاستحسان تجب الدية؛ لأن صورة العفو ورثت شبهته، ثم إن كان القطع خطأ فهو من الثلث، وإن كان عمداً فهو من جميع المال، إلا أن موجب العمد القود، ولم يتعلق به حق الورثة لما أنه ليس بمال، والخطأ موجبه المال، وحق الورثة يتعلق به فيعتبر من الثلث، اهـ مختصراً . (قال مالك في الرجل) أي زيد مثلاً (يعفو) عمراً (عن قتل العمد) يعني إذا قتل عمرو زيداً، وعفاه زيد بعد الجرح قبل موته (بعد أن يستحقه) زيد بإنفاذ مقتله (ويجب له) أي لزيد القصاص عطف تفسير لقوله: يستحقه، فقال مالك في الصورة المذكورة: (إنه ليس على القاتل) أي على عمرو (عقل) أي دية (يلزمه) أي يلزم عمراً لورثة زيد (إلا أن يكون الذي عفا عنه) وهو زيد (اشترط ذلك) أي الدية (عند عفوه عنه) أي عند عفوه عن قتل العمد، فحينئذ يلزمه الدية، وهكذا حكم ولي الدم من الورثة. (١) ((الهداية)) (٤٥٤/٢). ٠١٢٦ ٤١ - كتاب العقول (٢٢) باب قَالَ مَالِكٌ، فِي الْقَاتِلِ عَمْداً إِذَا عُفِيَ عَنْهُ: قال الباجي(١): هذا على ما قال: إن الولي إذا أطلق العفو عن دم العمد، ثم قال: إنما عفوت عن الدية، فقد روى مطرف عن مالك إن كان ذلك بحضرة ما عفا فذلك له، وإن كان قد طال ذلك فلا شيء له، اهـ. قال الموفق (٢): اختلفت الرواية في موجب العمد، فروي عن أحمد أن موجبه القصاص عيناً، وروي عنه أن موجبه أحد شيئين: القصاص أو الدية، وللشافعي قولان، كالروايتين، فإذا قلنا: موجبه القصاص عيناً، فله العفو إلى الدية، والعفو مطلقاً، فإذا عفا مطلقاً لم يجب شيء، وهذا ظاهر مذهب الشافعي، وقال بعضهم: تجب الدية لئلا يُطَلَّ(٣) الدّمُ، وليس بشيء؛ لأنه لو عفا عن الدية بعد وجوبها صح عفوه، وإن قلنا: الواجب أحد شيئين لا بعينه، فعفا عن القصاص مطلقاً أو إلى الدية، وجبت الدية؛ لأن الواجب غير معين، فإذا ترك أحدهما وجب الآخر، وإن اختار الدية سقط القصاص، وإن اختار القصاص تعين، اهـ. قلت: والواجب عند الحنفية القود بعينه، كما تقدم في محله، فلا يجب المال إلا بالنص ورضا القاتل. قال صاحب ((الهداية))(٤): وموجب العمد القود إلا أن يعفو الأولياء أو يصالحوا؛ لأن الحق لهم، ثم قال: وإذا اصطلح القاتل وأولياء القتيل على مال، سقط القصاص ووجب المال، اهـ. (قال مالك في القاتل عمداً إذا عفي) ببناء المجهول (عنه) أي عن القاتل (١) ((المنتقى)) (١٢٣/٧). (٢) ((المغني)) (١١/ ٥٩٢). (٣) ظُلَّ دَمُه: هدر. (٤) (٤٤٢/٢). ١٢٧ ٤١ - كتاب العقول (٢٢) باب إِنَّهُ يُجْلَدُ مَائَةَ جَلْدَةٍ وَيُسْجَنُ سَنَةً. (إنه يجلد) ببناء المجهول (مائة) سوط (ويسجن) ببناء المجهول، وفي النسخ الهندية بدله ((يحبس)) وهما بمعنى (سنة) كاملة تعزيراً قال صاحب ((المحلى)): ولم ير ذلك هذا العبد في كتب علمائنا الحنفية، اهـ. قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن القاتل عمداً يجلد مائة ويسجن سنة، قال ابن الماجشون: روي ذلك عن أبي بكر وعلي، قال القاضي أبو محمد: وقد كان يلزمه العقل، فلما لم يقتل وجب تأديبه وألحق بالزاني يقتل بالإحصان، فإذا لم يقتل لعدم الإحصان ضرب مائة وحبس سنة، قال ابن الماجشون: لما عفا عنه من له العفو وبقيت لله عقوبة، جعلناها كعقوبة زنا البكر جلد مائة وحبس سنة، اهـ. قال الموفق(٢): إذا عفا عن القاتل مطلقاً صح، ولم تلزمه عقوبة، وبهذا قال الشافعي وإسحاق وابن المنذر وأبو ثور، وقال مالك والليث والأوزاعي: يضرب، ويحبس سنة، ولنا، أنه إنما كان عليه حق واحد، قد أسقطه مستحقه فلم يجب عليه شيء آخر، كما لو أسقط الدية عن القاتل خطأ، اهـ. وقال ابن رشد (٣): اختلفوا في القاتل عمداً يعفى عنه هل يبقى للسلطان فيه حق أم لا؟ فقال مالك والليث: إنه يجلد مائة ويسجن سنة، وبه قال أهل المدينة، وروي ذلك عن عمر - رضي الله عنه -، وقالت طائفة الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: لا يجب ذلك عليه، وقال أبو ثور: إلا أن يكون يعرف بالشر، فيؤدبه الإمام على قدر ما يرى، ولا عمدة للطائفة الأولى إلا أثر ضعيف، وعمدة الطائفة الثانية ظاهر الشرع، وأن التحديد في ذلك لا يكون إلا بتوقيف، ولا توقيف ثابت في ذلك، اهـ. (١) ((المنتقى)) (١٢٤/٧). (٢) ((المغني)) (١١ /٥٨٤). (٣) ((بداية المجتهد)) (٤٠٤/٦). ١٢٨ ٤١ - كتاب العقول (٢٢) باب قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ عَمْداً وَقَامَتْ عَلَى ذُلِكَ الْبَيِّنَةُ. وَلِلْمَقْتُولِ بَنُونَ وَبَنَاتٌ. فَعَفَا الْبَنُونَ وَأَبَى الْبَنَاتُ أَنْ يَعْفُونَ. فَعَفْوُ الْبَنِينِ جَائِزٌ عَلَى الْبَنَاتِ. وَلَا أَمْرَ لِلْبَنَاتِ مَعَ الْبَنِينَ فِي الْقِيَامِ بِالدَّمِ وَالْعَفْوِ عَنْهُ. وترجم البيهقي في ((سننه)) (١) ((باب لا عقوبة على كل من كان عليه قصاص فعفي عنه في دم ولا جرح))، وقال فيه: قال الشافعي: قد ضرب صفوان بن معطل حسان بن ثابت بالسيف ضرباً شديداً على عهد رسول الله وَ له فلم يقطع صفوان وعفا حسان بعد أن برأ، فلم يعاقب رسول الله وَخقاته صفوان، اهـ. (قال مالك: وإذا قتل الرجل عمداً وقامت على ذلك) أي على قتل العمد (البينة) الشهادة الشرعية (وللمقتول بنون) أيضاً (وبنات) أيضاً (فعفا البنون) مثلاً القاتل (وأبى البنات أن يعفون) قال مالك في الصورة المذكورة: (فعفو البنين جائز) ونافذ (على البنات، ولا أمر) أي لا حق (للبنات مع) وجود (البنين في القيام بالدم) أي طلب القصاص (والعفو عنه) إنما الحق للبنين فقط. قال الباجي(٢): وهذا على ما قال: إن البنين والبنات إذا اجتمعوا في ولاية دم العمد أن البنين أحق بالعفو والقصاص من البنات، وما اتفق عليه البنون إن كانوا جماعة أو قضى به الابن إن كان واحداً فهو لازم للبنات ليس لهن مخالفته، وحكى القاضي أبو محمد أن مالكاً اختلف عنه في النساء هل لهن مدخل في الدم أم لا؟ فقال: عنه في ذلك روايتان؛ إحداهما: أن لهن مدخلاً فیه، والثانية: لا مدخل لهن فيه. وجه الرواية الأولى ما روي عنه وَلّر: ((من قتل له قتيل فأهله بين (١) ((السنن الكبرى)» (٥٦/٨). (٢) ((المنتقى)) (١٢٥/٧). ١٢٩ ٤١ - كتاب العقول (٢٢) باب خيرتين))(١) الحديث. فَعَمَّ، ولأن القصاص مستحق على استحقاق المواريث، فوجب أن يثبت لجميع الورثة، وجه الرواية الثانية أن ولاية الدم مستحقة بالنصرة، وليس النساء من أهل النصرة، فلم يكن لهن مدخل في الولاية المستحقة بها، فإذا قلنا: لهن مدخل في ذلك، ففي أي شيء لهن مدخل؟ روايتان؛ إحداهما: لهن مدخل في القود دون العفو، والثانية: لهن مدخل في العفو دون القود، اهـ. وقال ابن رشد(٢): أما من لهم العفو بالجملة فهم الذين لهم القيام بالدم، والذين لهم القيام بالدم هم العصبة عند مالك، وعند غيره كل من يرث، وذلك أنهم أجمعوا على أن المقتول عمداً إذا كان له بنون بالغون، فعفا أحدهم أن القصاص قد بطل، ووجبت الدية، واختلفوا في اختلاف البنات مع البنين في العفو والقصاص، وكذلك الزوج والزوجة والأخوات، فقال مالك: ليس للبنات ولا الأخوات قول مع البنين، والإخوة في القصاص أو ضده، ولا يعتبر قولهن مع الرجال، وكذلك الأمر في الزوج والزوجة، وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد والشافعي: كل وارث يعتبر قوله في إسقاط القصاص، وفي إسقاط حظه من الدية، وعمدة هؤلاء اعتبارهم الدم بالدية، وعمدة الفريق الأول أن الولاية إنما هي للذكران دون الإناث، اهـ. وقال الموفق(٣): القصاص حقٌّ لجميع الورثة من ذوي الأنساب والأسباب والرجال والنساء والصغار والكبار، فمن عفا منهم صح عفوه، وسقط القصاص، ولم يبق لأحد إليه سبيل، هذا قول أكثر أهل العلم، منهم (١) أخرجه البخاري (١١٢ - ٢٤٣٤ - ٦٨٨٠)، ومسلم (١٣٥٥)، وأبو داود (٤٥٠٥)، والترمذي (١٤٠٥ - ٢٦٦٧)، والنسائي (٣٨/٨)، وابن ماجه (٢٦٢٤). (٢) ((بداية المجتهد)) (٤٠٢/٢). (٣) ((المغني)) (١١ / ٥٨١). ١٣٠ ٤١ - كتاب العقول (٢٢) باب عطاء والنخعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي، وروي معنى ذلك عن عمر وطاووس والشعبي، وقال الحسن وقتادة والزهري والأوزاعي: ليس للنساء عفو، والمشهور عن مالك أنه موروث للعصبات خاصة، وهو وجه لأصحاب الشافعي؛ لأنه ثبت لدفع العار، فاختص به العصبات كولاية النكاح، ولهم وجه ثالث أنه لذوي الأنساب دون الزوجين؛ لقول النبي ◌ّل: ((من قتل له قتيل، فأهله بين خيرتين))، الحديث، وأهله ذوو رحمه، وذهب بعض أهل المدينة إلى أن القصاص لا يسقط بعفو بعض الشركاء، وقيل: هو رواية عن مالك؛ لأن حق غير العافي لا يرضى (١) بإسقاطه، وقد تؤخذ النفس ببعض النفس بدليل قتل الجماعة بالواحد. ولنا عموم قوله عليه السلام: ((فأهله بين خيرتين))، وهذا عام في جميع أهله والمرأة من أهله، بدليل قوله بسير: ((وما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي)) يريد عائشة، وقال له أسامة: يا رسول الله أهلك ولا نعلم إلا خيراً، وروى زيد بن وهب، أن عمر - رضي الله عنه - أتي برجل قتل قتيلاً، فجاء ورثة المقتول، ليقتلوه فقالت امرأة المقتول، وهي أخت القاتل: قد عفوت عن حقي، فقال عمر - رضي الله عنه -: الله أكبر، عتق القتيل، رواه أبو داود، وزوال الزوجية لا يمنع استحقاق القتال كما لا يمنع استحقاق الدية، وسائر حقوقه الموروثة، اهـ. وفي ((الهداية))(٢): إذا عفا أحد الشركاء من الدم، أو صالح من نصيبه على عوض، سقط حق الباقين من القصاص، وكان لهم نصيبهم من الدية، وأصل هذا أن القصاص حق جميع الورثة، وكذا الدية خلافاً لمالك والشافعي (١) كذا في الأصل. ((ش)). (٢) (٤٥١/٢). ١٣١ ٤١ - كتاب العقول (٢٣) باب (٢٣) باب القصاص في الجراح في الزوجين، لهما أن الوراثة خلافة، وهي بالنسب دون السبب لانقطاعه بالموت، ولنا أنه ﴿ أمر بتوريث امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها أشيم، ولأنه حق يجري فيه الإرث، فيثبت لسائر الورثة، اهـ. (٢٣) القصاص في الجراح قال الموفق (١): القصاص يجري فيما دون النفس من الجروح إذا أمكن للنص والإجماع، أما النص فلقول الله تعالى: ﴿وَاُلْجُرُوحَ قِصَاصٌُ﴾(٢) وروى أنس بن مالك أن الربيع كسرت ثنية جارية فقال ◌َله: ((كتاب الله القصاص))، وأجمع المسلمون على جريان القصاص، فيما دون النفس إذا أمكن، ولأن ما دون النفس كالنفس في الحاجة إلى حفظه بالقصاص، فكان كالنفس في وجوبه، ويشترط لوجوب القصاص في الجروح ثلاثة أشياء، أحدها: أن يكون عمداً محضاً، وأما الخطأ فلا قصاص فيه إجماعاً، ولأن الخطأ لا يوجب القصاص في النفس، ففيما دونها أولى، ولا يجب بعمد الخطأ؛ لأنه شبه العمد، ولا يجب القصاص إلا بالعمد المحض، وقال أبو بكر: يجب به القصاص. الشرط الثاني: التكافؤ بين الجارح والمجروح، وهو أن يكون الجاني يقاد من المجني عليه، لو قتله كالحر المسلم مع الحر المسلم، فأما من لا يقتل بقتله فلا يقتص منه، فيما دون النفس له كالمسلم مع الكافر، والأب مع ابنه . الثالث: إمكان الاستيفاء من غير حيف ولا زيادة؛ لأن الله تعالى قال: (١) ((المغني)) (٥٣٠/١١). (٢) سورة المائدة: الآية ٤٥. ١٣٢ ٤١ - كتاب العقول (٢٣) باب قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا؛ أَنَّ مَنْ كَسَرَ يَداً أَوْ رِجْلاً عَمْداً، أَنَّهُ يُقَادُ مِنْهُ وَلَا يَعْقِلُ. ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِدٍ﴾(١) ولأن دم الجاني معصوم إلا في قدر جنايته، فما زاد عليها يبقى على العصمة، اهـ. (مالك) قال: (الأمر المجتمع عليه عندنا أن من كسر يدا) لرجلٍ (أو رجلاً) له بكسر الراء وسكون الجيم (عمداً) فإنه لا قصاص في الخطأ إجماعاً كما تقدم قريباً (أنه يقاد) أي يقتص (منه) أي من الجاني (ولا يعقل) ببناء الفاعل أي لا يؤدي الدية جبراً بدون رضا المجني عليه، كما تقدم قريباً في حديث الربيع. قال الباجي(٢): قوله: يقاد منه ولا يعقل، يريد أن القود لازم ليس للجاني أن يمتنع منه، ولا للمجني عليه غيره، ولا يخير بينه وبين الأرش على ما روي عن مالك في القتل على رواية التخيير، وذلك أن الجناية على ضربين؛ ضرب: لا قود فيه، وضرب: فيه القود، فأما ما لا قود فيه فعلى قسمين. قسم: لا قود فيه؛ لأنه لا يعرف فيه المماثلة كاللطمة، قال مالك: لا قود فيها، وفيها العقوبة، وقال أشهب: لا قود فيها ولا في الضربة بالسوط أو بالعصا وغيرهما إذا لم يكن جرحاً؛ لأنه لا يعرف حد تلك الضروب، وهو من الناس مختلف بالقوة والضعف، وقد روي عن النخعي يقاد من الضربة بالسوط . والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌُ﴾ يتعلق به من أصحابنا من يقول بدليل الخطاب، ودليلنا من جهة المعنى ما احتج به من اختلاف حال الضارب والمضروب في القوة، فتعذر فيها المماثلة. وقسم: يمتنع فيه القود ولما الغالب منه التلف كالجائفة، والمأمومة، (١) سورة النحل: الآية ١٢٦. (٢) ((المنتقى)) (١٢٨/٧). ١٣٣ ٤١ - كتاب العقول (٢٣) باب والمنقلة، وكسر الفخذ، والصلب، والحلقوم، فإذا قلنا: لا قصاص فيه، ففيه الدية؛ لأنها أحد البدلين، فإذا تعذر أحدهما رجعنا إلى الآخر، وأما الضرب الثاني وهو الذي فيه القصاص، فكل جرح لا يخاف منه التلف، اهـ. وقال الموفق(١): أجمع أهل العلم على جريان القصاص في الأطراف، وقد ثبت ذلك بقوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ الآية، وبخبر الرُّبَيِّعِ بنت النّضر بن أنس، ويُشترط لجرَيان القصاص فيها شروط خمسة؛ أحدها: أن يكون عمداً على ما أسلفناه، والثاني: أن يكون المجني عليه مكافئاً للجاني بحيث يقاد به لو قتله، والثالث: أن يكون الطرف متساوياً للطرف، ولا يؤخذ صحيح بأشلّ، ولا كاملة الأصابع بناقصة، ولا يشترط التساوي في الدقة والغلظ والصغر والكبر، لأن اعتبار ذلك يُفْضي إلى سقوط القصاص بالكلية. والرابع: الاشتراك في الاسم الخاص، فلا تؤخذ يمين بيسار، ولا العكس ولا أصبع بمخالفة لها . الخامس: إمكان الاستيفاء من غير حيف وهو أن يكون القطع من مفصل، فإن كان من غير مفصل فلا قصاص فيه من موضع القطع، بغير خلاف نعلمه، وقد روي أن رجلاً ضرب رجلاً على ساعده بالسيف فقطعها من غير مفصل، فاستعدى عليه النبي وَلّر، فأمر له بالدية فقال: إني أريد القصاص، قال: ((خذ الدية، بارك الله لك فيها))، ولم يقض له بالقصاص، رواه ابن ماجه(٢). وفي قطع اليد ثمان مسائل: أحدها: قطع الأصابع من المفصل، فالقصاص واجب؛ لأن لها مفاصل، ويمكن القصاص من غير حيف، الثانية: (١) ((المغني)) (٥٣٦/١١). (٢) ((سنن ابن ماجه)) (٢٦٣٦). ١٣٤ ٤١ - كتاب العقول (٢٣) باب قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يُقَادُ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى تَبْرَأَ جِرَاحُ صَاحِبِهِ. فَيُقَادُ ٥ , مِنه قطعها من نصف الكف. فليس له القصاص من موضع القطع؛ لأنه ليس بمفصل، فلا يؤمن الحيف فيه، الثالثة: قطع من الكوع فله القصاص؛ لأنه مفصل، الرابعة: قطع من نصف الذراع، فليس له أن يقطع من ذلك الموضع؛ لأنه ليس بمفصل إلى آخر ما بسط من أنواع القطع، ثم قال: ومثل هذه المسائل في الرِّجل، والساق كالذراع، والفخذ كالعضد، والورك كعظم الكتف، والقدم كالكف، اهـ. وفي ((الهداية)) (١): من قطع يد غيره عمداً من المفصل قطعت يده وإن كانت يده أكبر من اليد المقطوعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ وهو ينبئ عن المماثلة، فكل ما أمكن رعايتها فيه يجب فيه القصاص، وما لا فلا، وقد أمكن في القطع من المفصل فاعتبر، ولا معتبر بكبر اليد وصغرها؛ لأن منفعة اليد لا تختلف بذلك، وكذلك الرجل ومارن الأنف والأذن لإمكان رعاية المماثلة، اهـ. (قال مالك: ولا يقاد) أي لا يقتص (من أحد) جراح (حتى تبرأ) وتشفي (جراح صاحبه) وهو المجروح فإذا برئت جراحه (فيقاد منه) أي من الجارح، قال الباجي(٢): وهذا على ما قال: إنه لا يستقاد منه من جرح حتى يبرأ. وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: يستقاد منه قبل البرء، والدليل على ما نقوله أنه قد يؤولُ جرح الجناية إلى النفس، فيعاد القود ثانية، وذلك خروج عن المماثلة، وقوله: حتى يبرأ هذا لفظ ((الموطأ)) أنه ينتظر به البرء على كل حال، قال ابن المواز: وروي ذلك عن أبي بكر الصديق، وفي ((كتاب ابن المواز)): (١) (٤٤٩/٢). (٢) ((المنتقى)) (١٣٠/٧). ١٣٥ ٤١ - كتاب العقول (٢٣) باب قلت: أينتظر بالجرح قبل أن يحكم فيه بدية أو قصاص إلى السَّنَةِ أو إلى البرء وإن جاوز السنة؟ فقال: قد ذكرنا الوجهين عن مالك، قال عنه ابن القاسم وابن وهب، في السن تصفَرُّ، والعين تدمع، والشجة والكسر كله يؤخر ذلك سنة، وقال أشهب: إن مضت السنة والجرح بحاله عقل مكانه، وقال مغيرة: لم أسمع في ذلك توقيتاً إلا أن يقول أهل المعرفة: إنه قد برئ فيقتص في العمد ويعقل في الخطأ، ووجه اعتبار السنة أنها حدٌّ في معناه ما ورد الشرع بمعاناته كمعاناة المعترض عن زوجته؛ لأن السنة تستوعب أنواع فصول المعاناة، ووجه اعتبار البرء ما قدمناه من خوف اجتماع القصاص في الأطراف والنفس، اهـ. وقال الموفق(١): ولا يجوز القصاص في الطرف إلا بعد اندمال الجرح في قول أكثر أهل العلم، منهم النخعي والثوري وأبو حنيفة ومالك وإسحاق وأبو ثور، وروي ذلك عن عطاء والحسن، وقال ابن المنذر: كل من نحفظ عنه من أهل العلم يرى الانتظار بالجرح حتى يبرأ، ويتخرج لنا أنه يجوز الاقتصاص قبل البرء بناء على قولنا: إنه إذا سرى إلى النفس يفعل كما فعل، وهذا قول الشافعي، وقال: ولو سأل القَوَدَ ساعةَ قُطِعَتْ أصبعُه، أقدته؛ لما روى جابر أن رجلاً طعن رجلاً بقرن في ركبته، فقال: يا رسول الله أقدني. قال: ((حتى تبرأ)) فأبى وعَجّل، فاستقاد له رسول الله وَ لَّ، فعِيْبَتْ رجل المستقيد، وبرئت رجل المستقاد منه، فقال النبي ◌َّلجر: ((ليس لك شيء [إنك] عجلت))، رواه سعيد مرسلاً(٢)، ولأن القصاص من الطرف لا يسقط بالسراية، فوجب أن يملكه في الحال كما لو برأ. ولنا، ما روي عن جابر ((أن النبي وَلّ نهى أن يستقاد من الجروح حتى (١) ((المغني)) (١١ / ٥٦٣). (٢) وأخرجه الدارقطني (٨٨/٣)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٦٧/٨). ١٣٦ ٤١ - كتاب العقول (٢٣) باب يبرأ المجروح))، ورواه الدارقطني(١) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ◌َّ، ولأن الجرح لا يدرى أقتل هو أم ليس بقتل فينبغي أن ينتظر ليعلم ما حكمه؟، وأما حديثهم فرواه الدارقطني فقال: يا رسول الله عرجتُ، فقال رسول الله قال: ((قد نهيتك فعصيتني، فأبعدك الله، وبطل عرجك)) ثم نهى أن يقتصّ من جرح حتى يبرأ صاحبه وهذه زيادة يجب قبولها، وهي متأخرة عن الاقتصاص، فتكون ناسخة له، وفي نفس الحديث ما يدل على أن استقادته قبل البرء معصية؛ لقوله: ((قد نهيتك فعصيتني)). فإن اقتصّ قبل الاندمال هُدِرَتْ سرايُ الجناية، وقال أبو حنيفة والشافعي: بل هي مضمونة؛ لأنها سرايةُ جنايةٍ، فكانت مضمونة كما لو لم يقتص. ولنا، الخبر المذكور، ولأنه استعجل ما لم يكن له استعجاله فبطل حقه، اهـ. وفي ((الهداية))(٢): من جرح رجلاً جراحة لم يقتص منه حتى يبرأ، وقال الشافعي: يقتص منه في الحال اعتباراً بالقصاص في النفس، وهذا لأن الموجب قد تحقق فلا يعطل، ولنا، قوله ◌َله: يستأنى في الجراحات سنة، ولأن الجراحات يعتبر فيها مآلها لا حالها؛ لأن حكمها في الحال غير معلوم، فلعلها تسري إلى النفس، فيظهر أنه قتل، وإنما يستقر الأمر بالبرء، اهـ. قلت: وذلك لأن سراية الجناية مضمونة بلا خلاف بين العلماء، قال الموفق: سراية الجناية مضمونة بلا خلاف لأنها أثر الجناية، والجناية مضمونة فكذلك أثرها، اهـ. والحديث الذي ذكره صاحب ((الهداية)) قال الزيلعي(٣): أخرجه الدار قطني (١) ((سنن الدار قطني)) (٨٨/٣)، وأخرجه الإمام أحمد في المسند (٢١٧/٢). (٢) (٤٧٠/٢). (٣) ((نصب الراية)) (٣٧٦/٤). ١٣٧ ٤١ - كتاب العقول (٢٣) باب فَإِنْ جاء جُرْحُ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ مِثْلَ جُرْحِ الْأَوَّلِ حِينَ يَصِحُ، فَهُوَ الْقَوَدُ، وَإِنْ زَادَ جُرْعُ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ أَوْ مَتَ، فَلَيْسَ عَلَى الْمَجْرُوحِ الْأَوَّلِ الْمُسْتَقِيدِ شَيءٌ. عن جابر قال: قال رسول الله وَله: ((تقاس الجراحات، ثم يستأنى بها سنة، ثم يقضى فيها بقدر ما انتهت))، قال الدارقطني: يزيد بن عياض الراوي ضعيف متروك، وأخرجه البيهقي عن أبي الزبير عن جابر مرفوعاً، وأعلّه بابن لهيعة، اهـ. وفي ((الهداية))(١) في موضع آخر: ومن قطعت يده فاقتص له من اليد ثم مات فإنه يقتل المقتص منه؛ لأنه تبين أن الجناية كانت قتل عمد، وحق المقتص له القود واستيفاء القطع لا يوجب سقوط القود، وعن أبي يوسف أنه يسقط حقه في القصاص؛ لأنه لما أقدم على القطع فقد أبرأه عما وراءه، ونحن نقول: إنما أقدم على القطع ظناً منه أن حقه فيه، وبعد السراية تبين أنه في القود، فلم يكن مبرأ عنه بدون العلم، اهـ. (فإن جاء جرح المستقاد منه) وهو الجاني (مثل الجرح الأول) وهو المجني عليه (حين يصح) أي يشفي المستقاد منه (فهو القود) الكامل صار سواء بسواء (وإن زاد جرح المستقاد منه) على جراح المستقيد (أو مات) المستقاد منه بالقصاص (فليس على المجروح الأول) أي (المستقيد شيء) اسم ليس أي لا يجب عليه شيء من الدية أو القصاص. قال الباجي: وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: السراية من القصاص مضمونة، والدليل على ما نقوله أن كل قطع كان مضموناً في الابتداء كان ما يسري إليه مضموناً كقطع اليد الأولى، وكل قطع كان غير مضمون في الابتداء، فلا يضمن ما يسري إليه كالقطع في السرقة، ولذلك قال مالك: إن برئ المستقاد منه، وقتل بالمجروح إلى آخر ما سيأتي. (١) (٤٥٥/٢). ١٣٨ ٤١ - كتاب العقول (٢٣) باب وقال الموفق(١): سراية القود غير مضمونة، ومعناه أنه إذا قطع طرفاً يجب القود فيه، فاستوفى منه المجنيُّ عليه ثم مات الجاني بسراية الاستيفاء، لم يلزم المستوفي شيء، وبهذا قال الحسن وابن سيرين ومالك والشافعي وإسحاق وأبو يوسف ومحمد وابن المنذر، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي - رضي الله عنهم -، وقال عطاء وطاووس وعمرو بن دينار والحارث العكلي والشعبي والنخعي والزهري وأبو حنيفة: عليه الضمان، قال أبو حنيفة: عليه كمال الدية في ماله، وقال غيره: هي على عاقلته؛ لأنه فوت نفسه، ولا يستحق إلا طرفه، فلزمته ديته كما لو ضرب عنقه، ولأنها سراية قطع مضمون، فكانت مضمونة كسراية الجناية. ولنا، أن عمر وعلياً قالا: من مات من حدٍّ أو قصاص لا دية له، الحق قتله. رواه سعيد بمعناه(٢)، ولأنه قطع مستحق مقدر، فلا تضمن سرايته كقطع السارق، اهـ. وفي (الهداية)) (٣): من له القصاص في الطرف إذا استوفاه ثم سرى إلى النفس، ومات يضمن دية النفس عند أبي حنيفة، وقالا: لا يضمن؛ لأنه استوفى حقه وهو القطع، ولا يمكن التقييد بوصف السلامة لما فيه من سد باب القصاص، إذ الاحتراز عن السراية ليس في وسعه، فصار كالإمام والبزاغ والحجام والمأمور بقطع اليد، وله أنه قتل بغير حق؛ لأن حقه في القطع وهذا وقع قتلاً، ولأنه جرح أفضى إلى فوات الحياة في مجرى العادة وهو مسمى القتل، إلا أن القصاص سقط للشبهة، فوجب المال بخلاف ما استشهدا به من (١) ((المغني)) (١١ / ٥٦١). (٢) وأخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٦٨/٨)، وعبد الرزاق في ((المصنف)) (٩/ ٤٥٧، ٤٥٨)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٤١/٩ - ٣٤٣). (٣) (٤٥٦/٢). ١٣٩ ٤١ - كتاب العقول (٢٣) باب وَإِنْ بَرَأَ جُرْحُ الْمُسْتَقادٍ مِنْهُ. وَشَلَّ الْمَجْرُوحُ الْأَوَّلُ. أَوْ بَرَأَتْ جِرَاحُهُ وَبِهَا عَيْبٌ أَوْ نَقْصٌ أَوْ عَثَلٌ. فإِنَّ المُسْتَقَادَ مِنْهُ لَا يَكْسِرُ الثَّانِيَةَ. وَلَا يُقَادُ بِجُرْحِهِ. قَالَ: وَلَكِنَّهُ يُعْقَلُ لَهُ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْ يَدِ الْأَوَّلِ. أَوْ فَسَدَ مِنْهَا . المسائل؛ لأنه مكلف فيها بالفعل، إما تقلداً كالإمام أو عقداً كما في غيره، والواجبات لا تتقيد بوصف السلامة كالرمي إلى الحربي، وفيما نحن فيه لا التزام ولا وجوب إذ هو مندوب إلى العفو، فيكون من باب الإطلاق، فأشبه الاصطياد، اهـ. (وإن برأ) أي اشتفى (جرح المستقاد منه) وهو الجاني (وشلّ) بفتح الشين المعجمة وشد اللام (المجروح الأول) وهو المجني عليه (أو برأت جراحه وبها عيب أو نقص أو عثل) بالعين المهملة والمثلثة المفتوحتين أي برأ على غير استواء (فإن المستقاد منه) وهو الجاني (لا يكسر) ببناء المجهول (الثانية) أي مرة أخرى بعد أن استُقِيد منه أولاً (ولا يقاد) الجاني (بجرحه) أي بجرح المجني عليه لبرئه على عيب. (قال مالك) وليس هذا اللفظ في بعض النسخ المصرية، والأولى حذفه، فإن الكلام مرتبط بما سبق (ولكنه يعقل) ببناء المجهول (له) أي للمجني عليه (بقدر ما نقص من يد الأول) أي المجروح الأول المجني عليه وذكر اليد على سبيل المثال (أو فسد منها) أي من اليد بالشلل وغيره، قال في ((المجموعة)) ابن القاسم وابنُ وهب عن مالك: من أصاب أنملة عمداً، فأذهبت أصبعاً أو أصبعين أو شَلَّت يده، ثم برئ أنه يستقاد بالأنملة ويتربص بها، فإن بلغ ذلك من الجاني ما بلغ من الأول برئ الجاني، وإن نقص ذلك عقل له ما بقي، وأنه لأمر مختلف فيه، وهذا أحب ما فيه إلي. قال ابن المواز: والفرق بين سراية الجرح إلى النفس فيقتل به، ولا ١٤٠