Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ - كتاب العقول (١٧) باب (١٥١٣) حديث أَنْ أُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ، مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ادْخُلِ الْخِبَاءَ حَتَّى آتِيكَ، فَلَمَّا نَزَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، أَخْبَرَهُ الضَّحَّاءُ. استعمله على الأعراب، وقال ابن سعد: كان ينزل نجداً، وكان والياً على من أسلم هناك، وقال الواقدي: كان على صدقات قومه (أن أورث) بصيغة المتكلم من التوريث، ولفظ أن بفتح الهمزة وسكون النون بيان للمكتوب، ولفظ محمد في ((موطئه)) أن ورث بصيغة الأمر من التوريث، وذكره صاحب ((المحلى)) نسخة (امرأة أشيم) بفتح الألف وسكون الشين المعجمة وفتح المثناة التحتية، كذا ضبطه ابن الأثير، قُتِل في عهد النبي وَل ◌َّ (الضبابي) بكسر الضاد المعجمة فالموحدتين المخففتين بينهما ألف. قال صاحب ((المحلى)): نسبة إلى ضباب بن كلاب، وقيل: قلعة بالكوفة، وهو صحابي ذكره ابن عبد البر، وفي ((التعليق الممجد)): ذكر السيوطي والسمعاني أن الضبابي بالكسر نسبة إلى ضباب بن عامر بن صعصعة، وإلى محلةٍ بالكوفة، وبالفتح نسبة إلى ضباب بطن من بني الحارث ومن قريش، وفي ((مغني الرجال)): الضبابي بكسر معجمة وخفة موحدة أولى نسبة إلى ضباب (من دية زوجها) وكان قد قتل خطأ، كما سيأتي في آخر الحديث. (فقال له) أي للضحاك (عمر بن الخطاب) رضي الله عنه: (ادخل) بصيغة الأمر من الدخول (الخباء) بكسر الخاء المعجمة وموحدة مخففة ومد: الخيمة، فما في النسخ الهندية بلفظ ((الجناء)) بالجيم والنون، الظاهر أنه تحريف (حتى آتيك) كذا في النسخ المصرية، وفي النسخ الهندية: حتى آتينك بنون الثقيلة، والمعنى أن أسمع منك مرة أخرى بالتحقيق للتثبت. (فلما نزل عمر بن الخطاب) في الخيمة (أخبره الضحاك) الخبر مرة أخرى، وروى ابن شاهين عن المغيرة بن شعبة قال: حدثت عمر بن الخطاب ٤١ ٤١ - كتاب العقول (١٧) باب (١٥١٣) حديث فَقَضَى بِذُلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ قَتْلُ أَشْيَمَ خَطَأَ . بقصة أشيم، فقال: إيتني على هذا بما أعرف، فنشدت الناس في الموسم، فأقبل رجل يقال له: زرارة بن جريّ، فحدثه عن النبي ◌َّ بذلك، وأخرج أبو يعلى بإسناد حسن عن المغيرة بن شعبة أن زرارة بن جريّ قال لعمر بن الخطاب: إن النبي وَيّ كتب إلى الضحاك، الحديث. (فقضى بذلك) الحكم (عمر بن الخطاب) بعد أن أخبره الضحاك وزرارة والمغيرة، وذلك لغاية احتياطه في المسائل، قال ابن عبد البر: هكذا في حديث ابن شهاب عند مالك وغيره أن الضحاك أخبر عمر - رضي الله عنه -، وقول ابن عيينة: إن الضحاك كتب إليه النبيُّ ونَ﴾(١)، وقال الزيلعي في ((نصب الراية))(٢): حديث الضحاك بن سفيان أخرجه أصحاب ((السنن الأربعة)) عن الزهري عن ابن المسيب عن عمر أنه كان يقول: الدية للعاقلة لا ترث المرأة من دية زوجها شيئاً، حتى قال الضحاك بن سفيان: كتب إليَّ رسولُ الله وَلّ أن أورِّثَ امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، فرجع عمر - رضي الله عنه -، قال الترمذي(٣): حديث حسن صحيح. (قال ابن شهاب) الزهري (وكان قتل أشيم) بإضافة المصدر إلى مفعوله (خطأ) قال الزرقاني: هكذا في ((الموطأ)) ورواه أبو يعلى وغيره من طريق ابن المبارك عن مالك عن الزهري عن أنس قال: كان قتل أشيم خطأ، قال الدارقطني: المحفوظ ما في ((الموطأ)» أنه قول ابن شهاب، وقال ابن عبد البر: هو غريب جداً، والمعروف أنه من قول ابن شهاب، فإنه كان يدخل كلامه في الأحاديث كثيراً، اهـ. (١) انظر: ((الاستذكار)) (١٩٤/٢٥). (٢) (٣٥٢/٤). (٣) ((سنن الترمذي)) (٢٧/٤). ٤٢ ٤١ - كتاب العقول (١٧) باب (١٥١٤) حدیث ١٠/١٥١٤ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ؛ أَنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي مُدْلِجِ يُقَالُ لَهُ قَتَادَةُ. حَذَفَ ابْنَهُ بِالسَّيْفِ. قال الباجي(١): قول ابن شهاب يقتضي تعلق هذا الحكم بقتل الخطأ، إلا أن دية العمد محمولة عند جميع فقهاء الأمصار على ذلك، ولم يفرق أحد منهم، علمناه في ذلك بين دية العمد والخطأ أنها كسائر مال الميت، يرث منها الزوج والزوجة والإخوة للأم وغيرهم، وهذا المروي عن عمر وعلي - رضي الله عنهما - وشريح والزهري، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي، وروي عن علي أنه قال: لا يرث الزوج والزوجة والإخوة للأم من الدية شيئاً، وروي عن النبي ◌َّ﴾، قال أبو الحسن بن اللبان: يشبه أن يكون هذا قولاً كان يقوله، فربما رجع عنه، اهـ. ١٠/١٥١٤ - (مالك عن يحي بن سعيد) الأنصاري (عن عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص (أن رجلاً من بني مدلج) بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر اللام بطن من كنانة (يقال له: قتادة) المدلجي، قال الزرقاني: أدرك النبي ◌ّ﴾ ولم يره، وذكره الحافظ في القسم الثالث من ((الإصابة))(٢) وقال: له إدراك، وذكر حديث ((الموطأ)) هذا ولم يذكر حاله، والوارد في جميع الروايات الواردة في هذه القصة من كتب وأسماء الرجال بلفظ قتادة بدون حرف التكني، وذكره ابن ماجه بلفظ أبا قتادة رجل من بني مدلج، ولعله تحريف من الناسخ (حذف) بحاء مهملة أي رمى، قال ابن عبد البر(٣): وصحف من رواه بالخاء المعجمة؛ لأن الخذف بالخاء إنما هو الرمي بالحصى أو النوى، وهو رمي بالسيف (ابنه) لم يسم (بالسيف) وفي الهندية ((بسيف)). (١) ((المنتقى)) (١٠٤/٧). (٢) (٢٧٤/٥/٣). (٣) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١٩٥/٤). ٤٣ ٤١ - كتاب العقول (١٧) باب (١٥١٤) حديث ولفظ البيهقي(١) برواية هشيم عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب أن رجلاً من كنانة يقال له: قتادة أمر ابناً له ببعض الأمر، فأبطأ عليه، فحذفه بالسيف، فقطع رجله فمات، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: لأقتلن قتادة فأتاه سراقة بن مالك، فقال: يا أمير المؤمنين إنه لم يرد قتله، وإنما كانت بادرة منه في غضب فلم يزل به حتى ذهب ما كان في نفسه عليه، ثم قال: مره فليلقني بقُديد بعشرين ومائة من الإبل، ففعل، فأخذ عمر - رضي الله عنه - منها ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين ثنية خلفة إلى بازل عامها، ثم قال لقتادة: لولا أني سمعت رسول الله وَله يقول: ليس لقاتل شيء لورَّثْتُك منه، ثم دعا أخا المقتول فأعطاه إياه، ثم قال البيهقي: وهذه مراسيل يؤكد بعضها بعضاً، وقد رويناه من أوجه موصولة ومرسلة في كتاب الفرائض، اهـ. وأخرج في الفرائض(٢) برواية يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب، أن رجلاً من بني مدلج يدعى قتادة، كانت له أم ولد، وكان له منها ابنان، فتزوج عليها امرأة من العرب، فقالت: لا أرضى عنك، حتى ترعى علي أم ولدك، فأمرها أن ترعى عليها، فأبى ابناها ذلك فتناول قتادة إحدى ابنيه بالسيف، فمات، فقدم سراقة بن مالك بن جعشم على عمر - رضي الله عنه - فذكر ذلك له، فقال لي: اعددْ لي بقُديدَ، وهي أرض بني مدلج عشرين ومائة من الإبل. فلما قدم عمر - رضي الله عنه - أخذ ثلاثين جذعة، وثلاثين حقة، وأربعين خلفة، ثم قال: أين أخو المقتول سمعتُ رسول الله وَلا يقول: ((ليس للقاتل شيء)»، ثم أخرج بطرق عديدة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قوله وَّيقول: (ليس للقاتل شيء)). (١) انظر: ((السنن الكبرى)) (٣٨/٨)، و((التمهيد)) (٤٣٦/٢٣) وما بعدها . (٢) ((السنن الكبرى)) (٢١٩/٦). ٤٤ ٤١ - كتاب العقول (١٧) باب (١٥١٤) حدیث فَأَصَابَ سَاقَهُ. فَنُزِيَ فِي جُرْحِهِ فَمَاتَ فَقَدِمَ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُم عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَذَكَرَ ذُلِكَ لَهُ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اعْدُدْ، عَلَّى مَاءٍ قُدَیْدٍ، (فأصاب) السيف (ساقه) أي ساق الولد (فنزي) بضم النون وكسر الزاي (جرحه) وفي النسخ المصرية ((في جرحه)) يقال: أصابه فنزي منه فمات، إذا أصابته جراحة، فسال منه دمه ولم ينقطع ولم يسكن (فمات) الولد المذكور (فقدم سراقة) بضم السين المهلمة ابن مالك (بن جعشم) بضم الجيم والشين المعجمة بينهما عين مهملة ساكنة نسب إلى جده، أبو سفيان الكناني المدلجي، صحابي شهير من مسلمة الفتح، توفي سنة ٢٤هـ، وقيل: بعدها، وهو الذي لقي النبي ◌ّ وأبا بكر - رضي الله عنه - حين خرجا مهاجرين إلى المدينة وقصته مشهورة (على عمر بن الخطاب فذكر ذلك له) وتقدم في رواية البيهقي أن عمر - رضي الله عنه - أراد قتله، فأتاه سراقة، فقال: يا أمير المؤمنين إنه لم يرد قتله. (فقال له عمر: اعدد) بضم الدال الأولى، قال الباجي: يحتمل أنه خص سراقة بذلك، وليس هو بقاتل، وإنما هو سيد القوم؛ لأنه أوجب الدية على العاقلة، ويحتمل أنه خاطبه بذلك؛ لأنه هو الذي سأله عن المسألة، واقتضى جوابه فيها، فلعله خاطبه بذلك؛ ليكون هو الذي يأخذ الأب بإحضارها، اهـ. قلت: وتقدم في رواية البيهقي بلفظ: فمره فليلقني، الحديث (على ماء قديد) بضم القاف والدالين المهملتين مصغراً، موضع بين مكة والمدينة، وتقدم في رواية البيهقي أنها أرض بني مدلج. قال الباجي(١): يحتمل أن يكون خص قديداً بذلك؛ لأنه يحتمل بقاء الإبل مع كونه أقرب المواضع التي هي في طريق عمر - رضي الله عنه - من (١) ((المنتقى)) (١٠٦/٧). ٤٥ ٤١ - كتاب العقول (١٧) باب (١٥١٤) حديث عِشْرِينَ وَمِائَةَ بَعِيرٍ . المدينة إلى مكة إلى موضع بني المدلج؛ لأن إيواء الإبل الحواضر يشق لقلة مسارحها، وتأذى أهلها ببقاء الإبل عندهم، وإنما مواضع الإبل السائمة المسارح والفيافي، اهـ. (عشرين ومائة بعير) لعله أمر بالعشرين الزائدة ليسهل التبديل إن أراد تبديل واحدة من المائة، وقال الباجي: يحتمل أن يختار منها المائة التي هي الدية، ويحتمل أنه أراد أن يغلظها بالعدد، ثم ظهر له أن التغليظ بالعدد في الإبل أو الدنانير غير سائغ فأخذ المائة وترك الباقي، اهـ. ورضي عمر - رضي الله عنه - بأخذ الدية. قال الباجي(١): فلم ير على الأب القصاص، وذلك لأن قتل الأب ابنه يكون على ضربين؛ أحدهما: أن يفعل به فعلاً يتبين أنه قصد إلى قتله، مثل أن يضجعه، فيذبحه، أو يشق بطنه، وهو الذي يسميه الفقهاء قتل غيلة، والثاني: أن يرميه بحجر أو سيف أو رمح مما يحتمل أن يريد به غير القتل من المبالغة في الأدب والترهيب، فأما قتل الغيلة، فذهب مالك إلى أنه يقتل به، وقال أشهب: لا يقتل به، وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وجه القول الأول قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ الآية، وهذا عام فيحمل على عمومه إلا ما خصه الدليل، ووجه الثاني أنه شخص لو قتله حذفاً بالسيف لم يقتل به، فإذا ذبحه لم يقتل به كالسيد يقتل عبده، اهـ. وقال الموفق(٢): إن الأب لا يقتل بولده، والجد لا يقتل بولد ولده، وإن نزلت درجته، وسواء في ذلك ولد البنين وولد البنات، وممن نقل عنه أن الوالد لا يقتل بولده، عمر بن الخطاب، وبه قال الثوري والأوزاعي والشافعي (١) ((المنتقى)) (١٠٥/٧). (٢) ((المغني)) (٤٨٣/١١). ٤٦ ٤١ - كتاب العقول (١٧) باب (١٥١٤) حدیث حَتَّى أَقْدَمَ عَلَيْكَ. فَلَمَّا قَدِمَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، أَخَذَ مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ ثَلاثِينَ حِقَّةً، وَثَلاثِينَ جَذَعَةً، وأرْبَعِينَ خَلِفَةً. وإسحاق وأصحاب الرأي، وقال ابن نافع وابن المنذر: يقتل به لظاهر آي الكتاب والأخبار الموجبة للقصاص، وقال ابن المنذر: قد رووا في هذا أخباراً، وقال مالك: إن قتله حذفاً بالسيف ونحوه لم يقتل به، وإن ذبحه أو قتله قتلاً لا يشك في أنه عمد إلى قتله دون تأديبه أُقِيْدَ به. ولنا، ما روى عمر بن الخطاب وابن عباس أن رسول الله وَل قال: ((لا يقتل والد بولده))، أخرج النسائي حديث عمر، ورواهما ابن ماجه وذكرهما ابن عبد البر، وقال: هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق، مستفيض عندهم يستغنى بشهرته وقبوله والعمل به عن الإسناد فيه، اهـ. ويشكل عليه أن عمر - رضي الله عنه - لما كان عنده هذا الحديث، فكيف أراد قتل قتادة هذا؟ ويمكن أن يجاب بأنه - رضي الله عنه - لم يرد قتله، بل قال: لأقتلنه تهديداً وتشديداً في ذلك مع أن أكثر الروايات في هذه القصة خالية عن هذا اللفظ، ويؤيده ما في رواية موصولة للبيهقي(١) في هذه القصة: فنزف الغلام فمات، فانطلق في رهط من قومه إلى عمر - رضي الله عنه - فقال: يا عدو نفسه أنت الذي قتلت ابنك، لولا أني سمعت رسول الله وَله يقول: لا يقاد الأب من ابنه لقتلتك هَلُمَّ ديته، قال: فأتاه بعشرين أو ثلاثين ومائة بعير، فخير منها مائة، الحديث (حتى أقدم عليك) في قدید. (فلما قدم عليه عمر بن الخطاب أخذ من تلك الإبل) أي من مائة وعشرين (ثلاثين حقة) بكسر الحاء (وثلاثين جذعة) بفتحتين تقدم بيانها في كتاب الزكاة (وأربعين خلفة) بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام وفاء مفتوحة، الحوامل من الإبل، وأخذ من هذه الأنواع الثلاثة على سبيل تغليظ الدية، كما تقدم قريباً في (١) ((السنن الكبرى)) (٣٨/٨). ٤٧ ٤١ - كتاب العقول (١٧) باب (١٥١٤) حدیث أول الباب، وتقدم هناك أن هذا الحديث مما استدل به من ذهب إلى التغليظ، وظاهر هذه القصة أن عمر - رضي الله عنه - أخذ الدية من مال الأب، وهو مذهب الجمهور. قال الباجي(١): واختلف قول مالك وأصحابه في ذلك، فقال أشهب وابن عبد الحكم: هي على العاقلة، وابن القاسم يراها على الأب، قاله ابن المواز، وروى ابن حبيب عن مطرف هي على الأب إلا أن لا يكون له مال، فيكون على العاقلة؛ لئلا تبطل الدية، فإذا قلنا: إن الدية المغلظة في قتل الأب ابنه على الأب في ماله، فقال ابن حبيب عن مطرف: هي عليه حالة، وآخر قول ابن القاسم: إنها في مال الأب حالة، وكان يقول: هي على العاقلة منجمة، وبه قال أصبغ، وقال سحنون في كتاب ابنه: أجمع أصحابنا أنها حالة. واختلفوا في أخذها من العاقلة أو الأب، وجه الأول ما احتج به عبد الملك من أن عمر قال لسراقة: اعدد لي وليس بالأب القاتل، وإنما هو سيد القوم، فتأول ذلك على أنه سيد العاقلة، اهـ. وقال الموفق(٢): إن العاقلة لا تحمل العمد، سواء كان مما يجب فيه القصاص أو لا يجب، ولا خلاف في أنها لا تحمل دية ما يجب فيه القصاص، وأكثر أهل العلم على أنها لا تحمل العمد بكل حال، وحكي عن مالك أنها تحمل الجنايات التي لا قصاص فيها كالمأمومة والجائفة، وهذا قول قتاة؛ لأنها جناية لا قصاص فيها أشبهت جناية الخطأ، ولنا، حديث ابن عباس عن النبي وَلّر أنه قال: ((لا تحمل العاقلة عمداً ولا صلحاً)). الحديث تقدم بيانه في باب ما يوجب العقل. (١) ((المنتقى)) (١٠٥/٧). (٢) ((المغني)) (٢٨/١٢). ٤٨ ٤١ - كتاب العقول (١٧) باب (١٥١٤) حديث ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ أَخُو الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: هُأَنَذَا. قَالَ: خُذْهَا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ إِ لَ قَالَ: (لَيْسَ لِقَاتِلِ شَيْءٌ)). وحدّثني مَالِكٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ؛ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارِ سُئِلًا: أَتُغَلَّظُ الدِّيَةُ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ؟ فَقَالَا: لَا. وَلَكِنْ يُزَادُ فِيهَا لِلْحُرْمَةِ. فَقِيلَ لِسَعِيدٍ: هَلْ يُزَادُ فِي الْجِرَاحِ كَمَا يُزَادُ فِي النَّفْسِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ مَالِكٌ: أُرَاهُمَا أَرَادَا مِثْلَ الَّذِي صَنَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فِي عَقْلِ الْمُدْلِجِيِّ، حِينَ أَصَابَ ابْنَهُ. (ثم قال) عمر - رضي الله عنه -: (أين أخو المقتول؟ قال) أخوه: (ها أنا ذا قال عمر: خذها) أي الدية كلها، ولم يعط أباه شيئاً، وقال: (فإن رسول الله ◌َو قال: ليس لقاتل) كذا في النسخ المصرية، وفي الهندية ((للقاتل)) (شيء) وأبوه كان قائلاً، قال الباجي: يريد أنه سَلَّمَ جميع الدية إلى أخي المقتول، وأنه كان المحيط بميراثه دون أبيه لكون أبيه قاتلاً للموروث، اهـ. قلت: ولم يعط أمه شيئاً؛ لأنها كانت أمة، والمملوك لا يرث ولا يورث. (مالك، أنه بلغه أن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار) كلاهما من الفقهاء السبعة بالمدينة المنورة (سئلا) ببناء المجهول (أتغلظ) ببناء المجهول من التغليظ (الدية) أي دية الذي قتل (في الشهر الحرام؟) أراد الجنس، والمراد الأشهر الأربعة (فقالا) أي كلاهما (لا) تغلظ باعتبار العدد (ولكن يزاد فيها) أي في أسنانها (للحرمة) أي حرمة الأشهر الحرم (فقيل لسعيد بن المسيب: هل يزاد) ببناء المجهول أي في أسنانها (في الجراح) في الأشهر الحرم (كما يزاد في النفس؟) أي في القتل (فقال: نعم) يزاد في الجراح أيضاً. (قال مالك: أراهما) أي أظن سعيداً وسليمان (أرادا) بقولهما: يزاد (مثل الذي صنع) أي فعل (عمر بن الخطاب في عقل المدلجي) المذكور قريباً (حين أصاب ابنه) فثلث عمر - رضي الله عنه - عليه الدية، وأخذ الأربعين خلفه، ولم ٤٩ ٤١ - كتاب العقول (١٧) باب (١٥١٥) حدیث ١١/١٥١٥ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ يَحْبِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُروَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: أُحَيْحَةُ بَنُ الْجُلَاحِ. يزد في العدد، وأخرج البيهقي(١) عن سعيد بن المسيب في الذي يقتل في الحرم، قال: دية وثلث دية، وأخرج عبد الرزاق عن ابن المسيب وسليمان بن يسار وعطاء بن أبي رباح قال: من قتل في الشهر الحرام فدية وثلث الدية، قال قتادة: فذكرت ذلك للحسن، فقال: ما أعرف هذا، اهـ. والظاهر أن هذا مبني على اختلاف الروايات، فإن الموفق قال أولاً(٢): وممن روي عنه التغليظ عثمان والسعيدان وسليمان بن يسار وغيرهم، ثم قال: وظاهر كلام الخرقي أن الدية لا تغلظ بشيء من ذلك، وهو قول الحسن والنخعي وأبي حنيفة، وروي ذلك عن الفقهاء السبعة، ثم قال: وروى الجوزجاني بإسناده عن أبي الزناد أن عمر بن عبد العزيز كان يجمع الفقهاء، فكان مما أحيى من تلك السنن بقول فقهاء المدينة السبعة ونظرائهم أن ناساً كانوا يقولون: إن الدية تغلظ في الشهر الحرام أربعة آلاف درهم، فتكون ستة عشر ألف درهم، فألغى عمر - رضي الله عنه - ذلك بقول الفقهاء، وأثبتها اثني عشر ألف درهم في الشهر الحرام والبلد الحرام وغيرهما، اهـ. ١١/١٥١٥ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن عروة بن الزبير) التابعي الشهير (أن رجلاً من الأنصار يقال له: أحيحة) بالحاء المهملتين مصغراً (ابن الجلاح) بضم الجيم وتخفيف اللام آخره حاء مهملة، قال صاحب ((المحلى)): هو رجل جاهلي قديم لم يدرك النبي ◌ّ ولا قاربه، وإنما كان أخا عبد المطلب لأمه. وبسط الحافظ في ترجمته في القسم الأول من ((الإصابة)) وذكر رواية (١) ((السنن الكبرى)) (٧١/٨). (٢) ((المغني)) (٢٣/١٢). ٤١ - كتاب العقول (١٧) باب (١٥١٥) حدیث ((الموطأ)» هذه، ثم قال: لم أقف على نسب أحيحة هذا في أنساب الأنصار، وقد ذكر بعض من ألف في الصحابة، وزعم أنه أحيحة بن الجلاح بن حريش، وزعم أن عمرو بن أحيحة الذي روى عن خزيمة بن ثابت في النهي عن إتيان النساء في الدبر هو هذا، وقضيته أن يكون لأبيه أحيحة صحبة، وأنكر ابن عبد البر هذا إنكاراً شديداً. وقال في ((الاستيعاب)): ذكره ابن أبي حاتم في من روى عن النبي ◌َّ، قال ابن عبد البر: هذا لا أدري ما هو؛ لأن أحيحة قديم، وهو أخو عبد المطلب لأمه، فمن المحال أن يروي عن خزيمة من كان بهذا القدم، وقد ذكر المرزباني عمرو بن أحيحة في ((معجم الشعراء))، وقال: إنه مخضرم(١) يعني أدرك الجاهلية والإسلام، وأحيحة بن الجلاح المشهور كان جاهلياً شريفاً في قومه، مات قبل أن يولد النبي وَل بدهر. وقال عياض في ((المشارق)): وَهّمَ بعضهم ما وقع في ((الموطأ)) فقال: أحيحة جاهلي لم يدرك الإسلام، والأنصار اسم إسلامي للأوس والخزرج، فكيف يقال من الأنصار، قال عياض: هو مخرج على أن في اللفظ تساهلاً لما كان من القبيل المذكور، وصار لهم هذا الاسم كالنسب، فذكر في جملتهم؛ لأنه من إخوانهم، وأغرب ابن الحذاء في ((رجال الموطأ)) فزعم أن أحيحة قديم الوفاة، وزعم في ترجمته أنَّه عُمِّرَ حتى أدركه الإسلام، وأنه الذي ذكر عنه مالك ما ذكر، وأن عروة لم يدركه، وإنما وقع له الذي وقع في الجاهلية، والخبر المذكور إنما هو قصته، قضي بها في الجاهلية، فأقرَّها الإسلام، فجعله تارة أدرك الإسلام، وتارة لم يدركه، والحق أنه مات قديماً، انتهى ما في ((الإصابة))(٢) مختصراً. (١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٠٣/٢٥). (٢) (٢١/١/١). ٥١ ٤١ - كتاب العقول (١٧) باب (١٥١٥) حدیث كَانَ لَهُ عَمّ صَغِيرٌ. هُوَ أَصْغَرُ مِنْ أُحَيْحَةَ. وَكَانَ عَنْدَ أَخْوَالِهِ. فَأَخَذَهُ أُحَيْحَةُ فَقَتَلَهُ. فَقَالَ أَخْوَالُهُ: كُنَّا أَهْلَ ثُمِّهِ وَرُمِّهِ . (كان له) أي لأحيحة (عمّ صغيرٌ) لم يسم (هو) العم المذكور كان (أصغر من أحيحة، وكان) العم (عند أخواله، فأخذه أحيحة) على معنى الحضانة؛ لأنه أحق بذلك؛ لأنه من عصبته، كذا قاله الباجي(١) (فقتله) يعني جرى منه في مقامه عنده شيء قتله بسببه أحيحة (فقال أخواله: كنا أهل ثُمِّهِ) بالثاء المثلثة (ورُمِّهِ) بالراء المهملة، وبالضميرين المجرورين في آخريهما، فما في النسخ الهندية بالمثناة الفوقية تحريف من الناسخ، قال صاحب ((المحلى)): كذا رواه يحيى بضم الثاء والراء، والصواب فيهما الفتح، والثمُّ والرمُّ بتشديدهما إحكام الشيء، يعني كنا أهل تربيته والمتولين لإصلاح شأنه، اهـ. وقال الباجي: يريد أهل خيره وشره؛ لأن الثُمُّ هو الخير، والرُمُّ هو الشر، اهـ. وقال الزرقاني(٢): ثمه بضم المثلثة وكسر الميم وهاء الضمير، قال أبو عبيد: المحدثون يروونه بالضم، والوجه عندي بالفتح، والثم إصلاح الشيء وإحكامه، وقال أبو عمر: والثم الرم، ثم قال الزرقاني: ورُمّه بضم الراء وكسر الميم شديدة، قال الأزهري: هكذا روته الرواة وهو الصحيح، وإن أنكره بعضهم، وقال ابن السكيت: يقال: ماله ثم ولا رم، بضمهما فالثم قماش البيت والرم مرمة البيت، كأنه أريد كنا القائمين به منذ ولد إلى أن شب وقوي، اهـ. وفي ((المجمع))(٣): كنا أهل ثمه ورمه، يروى بالضم والوجه الفتح، وهو إصلاح الشيء وإحكامه، وهو والرم بمعنى الإصلاح، وقيل: الثم: قماش البيت والرم: مرمته، وقيل: هما بالضم مصدران كالشكر، أو بمعنى المفعول كالذخر، أي كنا (١) ((المنتقى)) (١٠٨/٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٩٦/٤). (٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣٠٢/١). ٥٢ ٤١ - كتاب العقول (١٧) باب (١٥١٥) حديث حَتَّى إِذَا اسْتَوَى عَلَى عُمَمِهِ. غَلَبَنَا حَقُّ امْرِئٍ فِي عَمِّهِ. قَالَ عُرْوَةُ: فَلِذْلِكَ لَا يَرِثُ قَاتِلٌ مَنْ قَلَ. أهل تربيته والمتولين لإصلاح شأنه، اهـ. يعني كنا أهل إصلاحه ومرمته. (حتى إذا استوى على عممه) هكذا في النسخ الهندية، وأكثر المصرية، وهو الصواب، فما في بعض النسخ المصرية بلفظ عمه تحريف، وهو بضم العين المهملة وفتحها، وميمين أولاهما مفتوحة، والثانية مكسورة مخففة، أي على طوله واعتدال شبابه، يقال للنبت إذا طال: اعتم، ورواه أبو عبيد بالتشديد أي شد الميم الثانية قال الجوهري: قد تشدد للازدواج، وفي ((المحلى)): على عممه بضمتين مشدداً ومخففاً، أي على طوله وكمال قواه، اهـ. والعمم تمام الجسم والشباب والمال ونحو ذلك. (غلبنا) أي غلب علينا (حق امرئ في عمه) قال الزرقاني: فأخذه منا قهراً علينا، اهـ. وظاهره أن المراد بغلبة حقهم أخذهم إياه قهراً، وقال الباجي(١): يريد بقوله: غلبنا عليه حق عصبته وهم أولياء القاتل فأخذوه منا، قال ذلك ابن مزين عن عيسى بن دينار ويحيى بن يحيى عن ابن نافع، والذي غلبهم فيه - والله أعلم - أن أولياء ابن أخيه القاتل كانوا أحقَّ بدية القتيل، ولم يأخذ أخواله من ذلك شيئاً بحق الابن، ولا أخذ القاتل من الدية شيئاً لأنه قاتل، وروى ابن مزين عن عيسى عن ابن القاسم عن مالك أن هذا كان في الجاهلية، وهذا على ما قال: وهذا كله يقتضي أن أحكام الدية والعصبة كانت في الجاهلية ثابتة بما تقدم من الشرائع، فأقر الإسلام منها ما شاء الله، فكان هذا مما أقره، والله أعلم، اهـ. (قال عروة: فلذلك لا يرث قاتل) فاعله والتنكير للتعميم، ومفعوله (من قتل) قال صاحب ((المحلى)): معنى الأثر أن القاتل كان في الجاهلية يرث، (١) ((المنتقى)) (١٠٨/٧). ٥٣ ٤١ - كتاب العقول (١٧) باب (١٥١٥) حدیث قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا، أَنَّ قَاتِلَ الْعَمْدِ لَا يَرِثُ مِنْ دِيَةِ مَنْ قَتَلَ شَيْئاً وَلَا مِنْ مَالِهِ. وَلَا يَحْجُبُ أَحَداً وَقَعَ لَهُ مِيرَاثٌ. وَأَنَّ الَّذِي يَقْتُلُ خَطَأَ لَا يَرِثُ مِنَ الدِّيَةِ شَيْئاً. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَنْ يَرِثَ مِنْ مَالِهِ. لِأَنَّهُ لَا يُنَّهَمُ عَلَى أَنَّهُ قَتَلَهُ لِيَرِثَهُ. وَلِيَأْخُذَ مَالَهُ. فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَرِثَ مِنْ مَالِهِ. وَلَا يَرِثُ مِنْ دِيَتِهِ. فأبطل الإسلام ذلك، اهـ. ويخالفه ما تقدم في كلام الباجي من أن عدم الإرث كان من أمر الجاهلية، وهذا مما أقرَّه الإسلام، ويؤيد الباجي ما في البيهقي في قصة طويلة لصاحب بقرة بني إسرائيل المذكورة في سورة البقرة من القرآن المجيد ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ فضربوه ﴿بِبَعْضِهاً﴾ فقام، فقالوا: من قتلك؟ قال: هذا لابن أخيه، فلم يعط ابن أخيه من ماله شيئاً ولم يورث قاتل بعده، اهـ. (قال مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أن قاتل العمد لا يرث) الضمير إلى القاتل (من دية) بإضافته إلى (من قتل) ببناء الفاعل (شيئاً) مفعول لقوله: لا يرث (ولا من ماله) أي لا يرث قاتل العمد من ماله الآخر غير الدية أيضاً، والمسألة إجماعية كما سيأتي. (ولا يحجب) القاتل المذكور (أحداً) موصوف صفته (وقع له ميراث) فاعل وقع، وذلك لما تقدم في كتاب الفرائض أن من لا يرث لا يحجب (وأن الذي يقتل) ببناء الفاعل عطف على قوله: إن قاتل العمد، داخل تحت قوله: لا اختلاف فيه عندنا (خطأ لا يرث) أي القاتل خطأ (من الدية شيئاً) وهذا كله داخل تحت قوله: لا اختلاف فیه عندنا . (وقد اختلف) ببناء المجهول (في أن يرث) قاتل الخطأ (من ماله) أي من مال القتيل غير الدية أو لا يرث، والظاهر الإرث (لأنه) أي قاتل الخطأ (لا يتهم) ببناء المجهول (على أنه قتله ليرثه وليأخذ ماله) يعني إذا قتله خطأ، فلا يقال: إنه قتله لأخذ الميراث والمال؛ لأنه لم يعمد قتله (فأحبُّ إليَّ) بإضافة الجار إلى ضمير المتكلم (أن يرث) قاتل الخطأ (من ماله) أي مال القتيل سوى الدية (ولا يرث من ديته) شيئاً . ٥٤ ٤١ - كتاب العقول (١٧) باب (١٥١٥) حديث قال الباجي(١): قد اختلف العلماء في ميراث القاتل، فقال مالك: إن قاتل الخطأ لا يرث من الدية، ويرث من المال، وبهذا قال ابن المسيب وعطاء والحسن ومجاهد والزهري والأوزاعي، وقال عروة والنحعي وأبو حنيفة والثوري والشافعي: لا يرث من مال ولا دية، وقالت طائفة من البصريين: يرث من المال والدية جميعاً، وأما قاتل العمد فلا يرث من المال ولا الدية وهو قول عمر وعلي - رضي الله عنهما -، والدليل عليه إجماع الصحابة بلا خلاف نعلمه فیه، اهـ. وقال الموفق(٢): أجمع أهل العلم على أن قاتل العمد لا يرث من المقتول شيئاً، إلا ما حكي عن ابن المسيب وابن جبير، أنهما ورثاه وهو رأي الخوارج؛ لأن آية الميراث تتناوله بعمومها، ولا تعويل على هذا القول لشذوذه وقيام الدليل على خلافه، فإن عمر - رضي الله عنه - أعطى دية ابن قتادة المدلجي لأخيه دون أبيه، وكان حذفه بسيفه، واشتهرت هذه القصة بين الصحابة فلم تنكر، فكانت إجماعاً . وقال عمر - رضي الله عنه -: سمعت رسول الله صل يقول: ((ليس للقاتل شيء)) رواه مالك في ((الموطأ)) وأحمد بإسناده، وذكر غير ذلك من الروايات، ولأن توريث القاتل يفضي إلى تكثير القتل؛ لأن الوارث بما استعجل موت مَورُؤْثه(٣) ليأخذ ماله، كما فعل الإسرائيلي الذي قتل عمه، فأنزل الله تعالى فيه قصة البقرة، وقيل: ما ورث قاتل بعد عاميل، وهو اسم القتيل. وأما القتل خطأ، فذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا يرث أيضاً، نص (١) ((المنتقى)) (١٠٨/٧). (٢) ((المغني)) (١٥٠/٩، ١٥٢). (٣) كذا في الأصل والظاهر مورثه. ((ش)). ٥٥ ٤١ - كتاب العقول (١٧) باب (١٥١٥) حديث عليه أحمد، ويروى ذلك عن عمر وعلي وزيد وابن مسعود وابن عباس. وروي نحوه عن أبي بكر - رضي الله عنهم -، وبه قال شريح، وعروة، والنخعي، والشعبي، والثوري، ووكيع، والشافعي، وأصحاب الرأي، وورثه قوم من المال دون الدية، روي ذلك عن ابن المسيب والحسن والأوزاعي وأبي ثور وابن المنذر وداود، وروي نحوه عن علي؛ لأن ميراثه ثابت بالكتاب والسنة، تَخصَّص قاتل العمد بالإجماع، فوجب البقاء على الظاهر فيما سواه. ولنا، الأحاديث المذكورة. ثم قال: والقتل المانع من الإرث هو القتل بغير حق، وهو المضمون بقود أو دية أو كفارة، كالعمد والخطأ وما أجري مجرى الخطأ كالقتل بالسبب، وقتل الصبي، والمجنون، والنائم، وما ليس بمضمون بشيء لم يمنع الميراث، كالقتل قصاصاً أو حدّاً أو دفعاً عن نفسه، وقتل العادل الباغي، وعن أحمد رواية أخرى تدل على أن القتل يمنع الميراث بكل حال، وهذا ظاهر مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة وصاحباه: كل قتل لا مأثم فيه لا يمنع الميراث، كقتل الصبي والنائم والساقط على إنسان من غير اختيار منه، فإنه يرثه؛ لأنه قتل غيرُ متهم فيه، ولا مأثم، فأشبه القتل في الحد، اهـ. قلت: وصرح صاحب ((الهداية)) بحرمان الميراث في الأنواع الثلاثة من العمد وشبهه والخطأ، ثم قال(١): وما أجري مجرى الخطأ مثل النائم ينقلب على رجل فيقتله فحكمه حكم الخطأ، وأما القتل بسبب كحافر البئر، وواضع الحجر في غير ملكه، وموجبه الدية على العاقلة، فلا يتعلق به حرمان الميراث، اهـ. واستدل الزرقاني (٢) لمختار الإمام مالك بما رُوي أنه وُّ لما قام يوم فتح (١) ((الهداية)) (٤٤٣/٢). (٢) (شرح الزرقاني)) (١٧٩/٤). ٥٦ ٤١ - كتاب العقول (١٨) باب (١٥١٦) حديث (١٨) باب جامع العقل ١٥١٦/ ١٢ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحمُنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لّ قَالَ: ((جَرْحُ الْعَجْمَاءِ مكة قال: ((ترث المرأة من دية زوجها وماله، وهو يرث من ديتها ما لم يقتل أحدهما صاحبه عمداً، فلا يرث من ديته وماله شيئاً، وإن قتل صاحبه خطأ ورث من ماله ولا يرث من ديته))، قال: رواه الدارقطني بإسناد ضعيف، لكنه اعتضد باتفاق أهل المدينة عليه، اهـ. واستدل الجمهور بعموم قوله ◌َ لة: ((لا يرث القاتل شيئاً))، فإنه بعمومه يتناول الدية والمال، قال الحافظ ((في الدراية)): حديث ((ليس للقاتل ميراث)) أخرجه النسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وللدارقطني من حديث ابن عباس ((لا يرث القاتل شيئاً))، وللترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة نحوه، ولعبد الرازق من حديث ابن عباس ((من قتل قتيلاً فإنه لا يرثه، وإن لم يكن له وارث غيره))، اهـ. قال صاحب ((المحلى)): وهذا الحديث مشهور، قد عملت به الأئمة. (١٨) جامع العقل أي المسائل المتفرقة في أحكام الديات. ١٢/١٥١٦ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن) كلاهما رويا (عن أبي هريرة أن رسول الله وَالر قال: جرح) قال الزرقاني(١): بفتح الجيم على المصدر لا غير، قاله الأزهري، فأما بالضم فاسم، اهـ. (العجماء) بفتح العين وسكون الجيم وبالمد تأنيث أعجم، (١) ((شرح الزرقاني)) (١٩٨/٤). ٥٧ ٤١ - كتاب العقول (١٨) باب (١٥١٦) حديث جُبَارٌ، والْبِتْرُ جُبَارٌ، وهو البهيمة، ويقال أيضاً لكل حيوان غير الإنسان، ولمن لا يفصح من الإنسان، والمراد هاهنا الأول، سميت بها؛ لأنها لا تتكلم (جبار) بضم الجيم وتخفيف الموحدة أي هدر لا شيء فيه. قال الباجي(١): أراد بذلك الجرح الذي لا صنع فيه لأحد ولا كان بسبب أحد، وهو الذي تصح إضافته إليه على الحقيقة، وأما ما كان بسبب غيره من قائد أو سائق أو سفر فلا يختص به؛ لأن لغيره فيه سبباً، قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن جنايتها نهاراً، وجرحها بلا سبب فيه لأحد هدر لا دية فيه، ولا أرش، أي فلا يختص الهدر بالجراح، بل كل الإتلافات ملحقة بها، قال عياض: وإنما عبر بالجرح؛ لأنه الأغلب، أو هو مثال نبه به على ما عداه، وفي رواية التنيسى عن مالك العجماء، ولا بد لها من تقدير، إذ لا معنى لكون العجماء نفسها جباراً، ودلت رواية مسلم بلفظ: ((العجماء جرحها جبار))، على أن ذلك المقدر، قاله الزرقاني. (والبئر) بكسر الموحدة وياء ساكنة مهموزة، ويجوز تسهيلها مؤنثة، يجوز تذكيرها على معنى القليب (جبار) أي هدر، قال الزرقاني: لا ضمان على ربها في كل ما سقط فيها بغير صنع أحد إذا حفرها في موضع يجوز حفرها فيه كملكه أو فنائه أو في صحراء الماشية أو في طريق واسع محتمل ونحو ذلك، وهذا قول مالك والشافعي والليث وداود وأصحابهم، قاله في ((التمهيد)). وقال أبو عبيد: المراد بالبئر ههنا العادية القديمة التي لا يعلم لها مالك تكون في البادية، فيقع فيها إنسان أو دابة، فلا شيء في ذلك على أحد، وهذا تضييق، اهـ. وفي (المحلى)): معناه أنه يحفرها في ملكه أو في موات، فيقع فيها (١) ((المنتقى)) (٧ /١٠٩) ٥٨ ٤١ - كتاب العقول (١٨) باب (١٥١٦) حديث وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ. وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ)). أخرجه البخاريّ في: ٢٤ - كتاب الزكاة، ٦٦ - باب في الركاز الخمس. ومسلم في: ٢٩ - كتاب الحدود، ١١ - باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار، حديث ٤٥. إنسان أو غيره فيتلف، فلا ضمان، ولو استأجره لحفرها فوقعت عليها فمات فلا ضمان، أما إذا حفرها في طريق المسلمين أو في ملك غيره بغير إذنه فتلف فيها إنسان، فيجب ضمانه على عاقلة حافرها، اهـ. وقال الموفق(١): يجب الضمان بالسبب كما يجب بالمباشرة، فإذا حفر بئراً في طريق لغير مصلحة المسلمين أو في ملك غيره بغير إذنه، أو وضع في ذلك حجراً أو قشر بطيخ أو نحوه، وهلك فيه إنسان أو دابة، ضمنه؛ لأنه تلف بعدوانه فضمنه، روي عن شريح أنه ضَمَّن رجلاً حفر بئراً فوقع فيها رجل فمات، وروي ذلك عن علي - رضي الله عنه - وبه قال النخعي والثوري والشافعي وإسحاق، وإن حفر بئراً في ملك نفسه أو في ملك غيره بإذنه، فلا ضمان عليه؛ لأنه غير متعدٍ بحفرها، وإن حفرها في موات لم يضمن؛ لأنه غير متعد بحفرها، اهـ. ثم قال: ولو استأجر أجيراً ليحفر له في ملكه بئراً، أو ليبني له فيها بناء، فتلف الأجير بذلك لم يضمنه المستأجر، وبهذا قال عطاء والزهري وقتادة وأصحاب الرأي ويشبه مذهب الشافعي لقوله وَلقر: ((البئر جبار))، ولأنه لم يتلفه وإنما فعل الأجير باختيار نفسه فعلاً أفضى إلى تلفه، اهـ. وسيأتي كلام الإمام محمد - رحمه الله - على ذلك في آخر الحديث. (والمعدن) بفتح الميم وسكون العين وكسر الدال المهملتين: المكان من الأرض يخرج منه شيء من الجواهر وغيرها كما تقدم في الزكاة (جبار) يعني إذا انهار على من حفر فيه فهلك، فدمه هدر، لا ضمان فيه. (وفي الركاز) بكسر الراء وخفة الكاف (الخمس) تقدم الكلام على هذا (١) ((المغني)) (٨٨/١٢). ٥٩ ٤١ - كتاب العقول (١٨) باب (١٥١٦) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَتَفْسِيرُ الْجُبَارِ أَنَّهُ لَا دِيَةَ فِيهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: الْقَائِدُ وَالسَّائِقُ وَالرَّاكِبُ، كُلُّهُمْ ضَامِنُونَ لِمَا أَصَابَتِ الدَّابَةُ. الجزء في كتاب الزكاة، فقد ذكر فيه المصنف هذا الجزء من هذا الحديث، وقال محمد في ((موطئه))(١) بعد هذا الحديث: وبهذا نأخذ، والجبار الهدر، والعجماء الدابة المنفلتة تجرح الإنسان أو تعقره، والبئر والمعدن، الرجل يستأجر الرجل يحفر له بئراً أو معدناً، فيسقط عليه فيقتله فذلك هدر، والركاز ما استخرج من المعدن من ذهب أو فضة أو رصاص أو نحاس أو حديد أو زئبق ففيه الخمس، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، اهـ. (قال مالك) في توضيح الحديث المذكور: (وتفسير الجبار) المذكور (أنه لا دية فيه) قال ابن عبد البر: لا أعلم في ذلك خلافاً أنه الهدر الذي لا أرش فيه ولا دية، كما قاله مالك. (قال مالك) مقيداً لإطلاق الحديث المذكور، وموضحاً لمراده على مختاره: إن المراد بجرح العجماء جبار، إذا لم يكن معه أحد، أما إذا كان معه أحد، فهو ضامن مثلاً (القائد) للدابة (والسائق) لها (والراكب) عليها فهؤلاء (كلهم ضامنون) بصيغة الجمع في النسخ المصرية وبالإفراد في الهندية، أي كل واحد منهم ضامن (لما أصابت الدابة) لنسبة سيرها إليهم. قال الباجي(٢): هذا على ما قال: إن القائد هو الذي يمشي أمام الدابة يقودها بلجام أو غيره، والسائق وهو الذي يمشي خلفها فيسوقها، والراكب كلهم ضامنون لما أصابت الدابة، يريد إذا كان ذلك من فعلهم، فإن كانوا مجتمعين فلأشهب في ((الموازية)) على كل واحد منهم ثلث ديته ما جنته، قال ابن المواز: إذا كان الراكب شركهم، ومعنى ذلك أن ما جنته الدابة بوطء (١) ((موطأ محمد)) رقم الحديث (٦٧٦) ((التعليق الممجد)) (٢٨/٣). (٢) ((المنتقى)) (١٠٩/٧). ٦٠