Indexed OCR Text
Pages 21-40
٤١ - كتاب العقول (١٥) باب قَالَ مَالِكٌ: وَجِرَاعُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ والْمَجُوسِيِّ فِي دِيَاتِهِمْ عَلَى حِسَابٍ جِرَاحِ الْمُسْلِمِينَ فِي دِيَاتِهِمْ. الْمُوضِحَةُ نِصْفُ عُشْرِ دِیتِهِ . ولنا، قول من سمينا من الصحابة، ولم نعرف لهم في عصرهم مخالفاً فكان إجماعاً، وقوله: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب))، يعني في أخذ جزيتهم، وحقن دمائهم، ولا يجوز اعتباره بالمسلم ولا الكتابي لنقصان دينه، وسواء كان المجوسي ذمياً أو مستأمناً؛ لأنه محقون الدم، ونساؤهم على النصف من دياتهم بإجماع، وجراح كل واحد معتبرة من ديته، وإن قتلوا عمداً ضعفت الدية على القاتل المسلم لإزالة القود، نص عليه أحمد قياساً على الكتابي، اهـ. وفي ((الهداية)) (١): دية المسلم والذمي سواء، وقال الشافعي: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، ودية المجوسي ثمان مائة درهم؛ لما روي أن النبي ◌َلير جعل دية النصراني واليهودي أربعة آلاف درهم، ودية المجوسي ثمان مائة درهم. ولنا، قوله عليه السلام: ((دية كل ذي عهد في عهده ألف دينار))، وكذلك قضى أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما -، وما رواه الشافعي لم يعرف راويه، ولم يذكر في كتب الحديث، وما رويناه أشهر، فإنه ظهر به عمل الصحابة - رضي الله عنهم -، اهـ. وبسط الزيلعي في نصب الراية(٢) في تخريج الأحاديث التي ورد فيها التسوية بين دية المسلم والذمي. (قال مالك: وجراح اليهودي والنصراني والمجوسي في) أمر (دياتهم على حساب جراح المسلمين في دياتهم) ثم أوضح بطريق المثال بعض الجراحات فقال: (الموضحة نصف عشر ديته) يعني كما أن دية الموضحة في المسلم (١) (٧١/٨). (٢) (٣٦٤/٤). ٢١ ٤١ - كتاب العقول (١٦) باب وَالْمَأْمُومَةُ ثُلُثُ دِيَتِهِ. وَالْجَائِفَةُ ثُلُثُ دِيَتِهِ. فَعَلَى حِسَابٍ ذُلِكَ. جِرَاحَاتُهُمْ كُلُّهَا . (١٦) باب ما يوجب العقل على الرجل في خاصة ماله حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْعَاقِلَةِ نصف عشر ديته، كذلك موضحة اليهودي تكون على نصف عشر دية اليهودي، وهكذا حال المجوسي مع الاختلاف بينهم في مقدار دياتهم. (والمأمومة ثلث ديته) أي ثلث دية كل واحد من المذكورين (والجائفة ثلث ديته) أي كل واحد منهم (فعلى حساب ذلك) الذي ذكر في الجراحات المذكورة تكون (جراحاتهم كلها) كذا في النسخ المصرية، وهو أوجه مما في النسخ الهندية بلفظ كلهم. وبذلك جزم الموفق إذ قال: وجراحاتهم من دياتهم كجراح المسلمين من دياتهم، ولم يحك في ذلك خلافاً لأحد. وفي ((الهداية))(١): دية المسلم والذمي سواء، وفي هامشه: رجالهم كرجالهم، ونساؤهم كنسائهم في النفس وما دونها، اهـ. (١٦) ما يوجب العقل - أي الدية - على الرجل في خاصة ماله فإن الدية قد تكون على العاقلة، وقد تكون على الرجل الجاني في ماله خاصة، وهذا الباب لبيان هذا النوع خاصة، وسيأتي فيه ذكر النوع الأول أيضاً تبعاً . (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (أنه كان يقول: ليس على العاقلة) وهي من يحمل الدية، وتقدم الخلاف فيمن يدخل فيهم ومن لا (١) (٧١/٨/٤) ط باكستان. ٢٢ ٤١ - كتاب العقول (١٦) باب عَقْلٌ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ. إِنَّمَا عَلَيْهِمْ عَقْلُ قَتْلِ الْخَطٍَّ. وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ؛ أَنَّهُ قَالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ شَيْئاً مِنْ دِيَةِ الْعَمْدِ. إِلَّا أَنْ يَشَاؤُوا ذُلِكَ. يدخل قبيل عقل الجنين (عقل) أي دية (في قتل العمد) قال الموفق (١): أجمع أهل العلم على أن دية العمد تجب في مال القاتل لا تحملها العاقلة، وهذا قضية الأصل، وهو أن بدل المتلف يجب على المتلف، وأرش الجناية على الجاني، قال النبي ◌َل#1: ((لا يجني الجاني إلا على نفسه))، ولأن موجب الجناية أثر فعل الجاني، فيجب أن يختص بضررها، وقد ثبت حكم ذلك في سائر الجنايات، وإنما خولف هذا الأصل في قتل المعذور فيه، لكثرة الواجب، وعجز الجاني في الغالب عن تحمله، مع وجوب الكفارة عليه وقيام عذره تخفيفاً عنه ورفقاً به، والعامد لا عذر له فلا يستحق التخفيف، ولا يوجد فيه المعنى المقتضي للمواساة في الخطأ، اهـ. (وإنما عليهم) أي على العاقلة (عقل) أي دية (في قتل الخطأ) قال الموفق(٢): لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أن دية الخطأ على العاقلة، قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم، وقد ثبتت الأخبار عن رسول الله وَ﴿ أنه قضى بدية الخطأ على العاقلة، وأجمع أهل العلم على القول به، اهـ. (مالك عن ابن شهاب) الزهري (أنه قال: مضت السنة) النبوية وسنة الصحابة، فقد روي هذا المعنى في عدة روايات مرفوعة وموقوفة (أن العاقلة لا تحمل شيئاً من دية العمد إلا أن يشاؤوا ذلك) أي تبرعوا بإعطاء الجاني شيئاً، قال محمد في ((موطئه))(٣) بعد ذلك: وبهذا نأخذ. (١) («المغني)) (١٣/١١). (٢) ((المغني)) (٢٠/١٢). (٣) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٩/٣). ٢٣ ٤١ - كتاب العقول (١٦) باب وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، مِثْلَ ذَلِكَ. قَالَ مَالِكٌ: إِنَّ ابْنَ شِهَابِ قَالَ: مَضَتِ السُّنَّةِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ حِينَ يَعْفُو أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ، أَنَّ الدِّيَةَ تَكُونُ عَلَى الْقَاتِلِ فِي مَالِهِ خَاصَّةً. إِلَّا أَنْ تُعِينَهُ الْعَاقِلَةُ، عَنْ طِيبٍ نَفْسٍ مِنْهَا . قَالَ مَالِكٌ: وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الدِّيَةَ لَا تَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، حَتَّى تَبْلُغَ القُلُثَ (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (مثل ذلك) أي مثل الذي روي عن الزهري، قال صاحب ((المحلى)): وعليه مالك وأبو حنيفة والشافعي. قلت: وتقدم قريباً أنه مما لا خلاف فيه لأحد، وأخرج محمد في ((موطئه)) بسنده عن ابن عباس قال: لا تعقل العاقلة عمداً ولا صلحاً ولا اعترافاً ولا ما جنى المملوك، قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، اهـ. (مالك أن ابن شهاب) الزهري (قال: مضت السنة في قتل العمد حين يعفو أولياء المقتول) عن القصاص ورضوا بالدية (أن الدية) هذه (تكون على القاتل) نفسه (في ماله خاصة، إلا أن تُعينَه العاقلة) بشرط أن تكون الإعانة (عن طيب نفس منها) كذا في جميع النسخ الهندية والمصرية بإفراد نفس، وفي نسخة الزرقاني بلفظ أنفس بصيغة الجمع أي تعينه العاقلة بدون جبر وإكراه. قال الموفق(١): وقد روى ابن عباس عن النبي وَلّ أنه قال: ((لا تحمل العاقلة عمداً ولا عبداً ولا صلحاً ولا اعترافاً)»، وروي عن ابن عباس موقوفاً عليه، ولم نعرف له في الصحابة مخالفاً فيكون إجماعاً، وسيأتي الكلام قريباً على قوله: ولا عبداً. (قال مالك: والأمر) المختار (عندنا أن الدية) في الأطراف وغيرها (لا تجب على العاقلة حتى تبلغ الثلث) قال الزرقاني: ثلث دية المجني عليه أو (١) ((المغني)) (١٢/ ٢٧). ٢٤ ٤١ - كتاب العقول (١٦) باب فَصَاعِداً. فَمَا بَلَغَ الثُّلُثَ فَهُوَ عَلَى الْعَاقِلَةِ. وَمَا كَانَ دُونَ الثُّلُثِ فَهُوَ فِي مَالِ الجَارِحِ خَاصَّة. الجاني (فصاعداً) أي أكثر من الثلث (فما بلغ) من الدية مقدار (الثلث فهو على العاقلة، وما كان) من الدية (دون الثلث) أي أقل منه (فهو في مال الجارح) أي الجاني (خاصة) قال الزرقاني(١): وبه قال الفقهاء السبعة، وقال الشافعي: تحمل القليل والكثير، وفي ((المحلى)): قال أبو حنيفة: يتحمل العاقلة قدر أرش الموضحة، وهو نصف عشر الدية لا ما دونه. وقال الباجي(٢): يريد أن ما قصر عن الثلث لا تحمله العاقلة؛ لأنه في حيز القليل الذي لا يحتاج إلى العاقلة في معونة الجاني، وأما ما بلغ الثلث فأكثر، فإنه في حيز الكثير الذي يحتاج إلى المؤاساة، وقال الشافعي في الجديد: تحمل العاقلة قليل الدية وكثيرها، وله في القديم قولان؛ أحدهما مثل قولنا، والثاني أنها لا تحمل إلا جميع الدية، وقال ابن شهاب: تحمل ما زاد على الثلث، ولا تحمل الثلث فما دونه، اهـ. وقال الموفق(٣): إن العاقلة لا تحمل ما دون الثلث، وبه قال ابن المسيب ومالك وإسحاق، وقال الزهري: لا تحمل الثلث أيضاً، وقال الثوري وأبو حنيفة: تحمل السن والموضحة وما فوقها؛ لأن النبي ◌ّر جعل الغرة التي في الجنين على العاقلة، وقيمتها نصف عشر الدية، والصحيح عن الشافعي أنها تحمل الكثير والقليل؛ لأن من حمل الكثير حمل القليل كالجاني في العمد، ولنا، ما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قضى في الدية أن لا يحمل منها شيء حتى تبلغ عقل المأمومة، اهـ. (١) (شرح الزرقاني)) (١٩٣/٤). (٢) ((المنتقى)) (١٠٢/٧). (٣) («المغني)) (٣٠/١٢). ٢٥ ٤١ - كتاب العقول (١٦) باب قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا، فِيمَنْ قُبِلَتْ مِنْهُ الدِّيَةُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ، أَوْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْجِرَاحِ الَّتِي فِيهَا الْقِصَاصُ: أَنَّ عَقْلَ ذُلِكَ لَا يَكُونُ عَلَى الْعَاقِلَةِ. إِلَّا أَنَّ يَشَاؤُوا. وَإِنَّمَا عَقْلُ ذلِكَ فِي مَالِ الْقَاتِلِ أَوِ الْجَارِحِ خَاصَّةً، (قال مالك: الأمر عندنا الذي لا اختلاف فيه) وفي النسخ المصرية: والأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا (فيمن قبلت) ببناء المجهول (منه الدية في) قتل (العمد) بطريق الصلح (أو) قبلت (في شيء من الجراح) بكسر جيم جمع جراحة بمعنى الجرح (التي) وجب (فيها القصاص) هذا شرط عند مالك دون غيره كما سيأتي في كلام الموفق (أن عقل ذلك) أي دية الذي ذكر من قتل العمد والجراح (لا يكون) أيضاً (على العاقلة إلا أن يشاؤوا) إعانته تبرعاً منهم فلا بأس (وإنما عقل ذلك في مال القاتل) في صورة قتل العمد (أو الجارح) في صورة الجراح (خاصة). قال الموفق(١): إن العاقلة لا تحمل العمد، سواء كان مما يجب القصاص فيه أو لا يجب، ولا خلاف في أنها لا تحمل دية ما يجب فيه القصاص، وأكثر أهل العلم على أنها لا تحمل العمد بكل حال، وحكي عن مالك أنها تحمل الجنايات التي لا قصاص فيها كالمأمومة والجائفة، وهذا قول قتادة؛ لأنها جناية لا قصاص فيها، أشبهت جناية الخطأ، ولنا، حديث ابن عباس، ولأنها جناية عمد، فلا تحملها العاقلة، كالموجب للقصاص، اهـ. وقال أيضاً: العاقلة لا تحمل الصلح، ومعناه أن يدعي عليه القتل، فينكره، ويصالح المدعي على مال، فلا تحمله العاقلة؛ لأنه مال ثبت بمصالحته، فلم تحمله، كالذي ثبت باعترافه، وقال القاضي: معناه أن يصالح الأولياء عن دم العمد إلى الدية، والتفسير الأول أولى؛ لأن هذا عمد فيستغنى (١) ((المغني)) (٢٨/١٢). ٢٦ ٤١ - كتاب العقول (١٦) باب إِنْ وُجِدَ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مَالٌ، كَانَ دَيْناً عَلَيْهِ، وَلَيْسَ عَلَى الْعَاقِلَةِ مِنْهُ شَيْءٌ. إِلَّا أَنْ يَشَاؤُوا. قَالَ مَالِكٌ: وَلَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ أَحَداً، أَصَابَ نَفْسَهُ عَمْداً أَوْ خَطَأْ، بِشَيْءٍ، عنه بذكر العمد، وممن قال: لا تحمل العاقلة الصلح ابن عباس والزهري والثوري والشافعي، وقد ذكرنا حديث ابن عباس، اهـ. (إن وجد) ببناء المجهول (له) أي للقاتل والجارح (مال، فإن لم يوجد له مال كان) الواجب في الدية، وفي النسخ الهندية كانت (ديناً عليه) لأن الواجب عليه في مال نفسه خاصة، قال الباجي(١): يعني فإن لم يكن له مال تعلق بذمته يتبع به إن أيسر، اهـ. (وليس على العاقلة منه) أي من الواجب (شيء إلا أن يشاؤوا) أي أرادت العاقلة التبرع عليه، فمن يمنع التبرع والإحسان لأحد على أحد. (قال مالك: ولا تعقل العاقلة) فاعله (أحداً، أصاب نفسه عمداً أو خطأ بشيء) متعلق بقوله: لا تعقل، وهو كذلك في العمد بلا خلاف نعلمه، وأما في الخطأ فالمسألة خلافية. قال الموفق(٢): إن جنى الرجل على نفسه خطأ أو أطرافه، ففيه روايتان؛ أظهرهما: أن على عاقلته ديته لورثته إن قتل نفسه، أو أَرْشَ جُرْحِه لنفسه إذا كان أكثر من الثلث، وهذا قول الأوزاعي وإسحاق؛ لما رُوي أن رجلاً ساق حماراً، فضربه بعصاً كانت معه، فطارت منها شظية، ففقأت عينه، فجعل عمر - رضي الله عنه - ديته على عاقلته، ولم نعرف له مخالفاً في عصره. والثانية: جنايته هدر، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم مالك والثوري (١) ((المنتقى)) (١٠٢/٧). (٢) ((المغني)) (٣٣/١٢). ٢٧ ٤١ - كتاب العقول (١٦) باب وَعَلَى ذُلِكَ رَأَي أَهْلِ الْفِقْهِ عِنْدَنَا. وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ أَحَداً ضَمَّنَ الْعَاقِلَةَ مِنْ دِيَةِ الْعَمْدِ شَيْئاً. وَمِمَّا يُعْرَفُ بِهِ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي كِتابِهِ - ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَانْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَآءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ﴾ - فَتَفْسِيرُ ذُلِكَ، فِيمَا نُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ: أَنَّهُ مَنْ أُعْطِيَ مِنْ أُخِیهِ والشافعي وأصحاب الرأي، وهي أصح؛ لأن عامر بن الأكوع بارَزَ مرحباً يوم خيبر، فرجع سيفه على نفسه، فمات، ولم يبلغنا أن النبي وَلّ قضى فيه بدية ولا غيرها، ولو وجبت لبيّنه النبي ◌ََّ، ولأنه جنى على نفسه فلم يُضمِّنْه غيره كالعمد، أما إن كانت الجنايةُ على نفسه شبه عمد، فهل تجري مجرى الخطأ؟ على وجهين: أحدهما: هي كالخطأ؛ لأنها تساويه فيما إذا كانت على غيره، والثاني: لا تحمله العاقلة؛ لأنه لا عذر له، فأشبه العمد المحض، اهـ. (وعلى ذلك) الذي ذكر من الأحكام (رأى أهل الفقه عندنا) وما تقدم من الخلاف في بعضهم لعله لم يبلغ الإمام، أو لم يعتده بشيء بمقابل المرجح عنده (ولم أسمع أن أحداً) من أهل العلم (ضمن) بتشديد الميم (العاقلة من دية العمد شيئاً) وتقدم في أول الباب أنه مجمع عليه عند العلماء (ومما يعرف به ذلك) أي مما يعرف به أن دية العمد واجب على القاتل دون العاقلة، إلا أن تتبرع العاقلة (أن الله تبارك وتعالى قال) في كتابه المجيد: (﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَانْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ﴾﴾(١). اختلف في تفسير الآية على أقوال يأتي ذكرها، وما فسرها به الإمام مالك هو أنه حملها على تبرع العاقلة إذ قال: (فتفسير ذلك) المذكور من الآية (فيما نرى) بضم النون أي نظن، قال الباجي: وهذا يقتضي تفسيره الآية برأيه واجتهاده (والله أعلم) بحقيقة مراده (أنه من أعطي له) هذا تفسير لقوله: ((فمن عفي له)) من العفو، وهو الفضل والمعروف أي إذا أعطى الجاني (من أخيه) (١) سورة البقرة: الآية ١٧٨. ٢٨ ٤١ - كتاب العقول (١٦) باب شَيْءٌ مِنَ الْعَقْلِ فَلْيَتْبَعْهُ بِالْمَعْرُوفِ. وَلْيُؤَدِّ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ. أي من أحد من العاقلة (شيء من العقل) أي الدية (فليتبعه) أي فليطلب الجاني من المحسن (بالمعروف) ولا يجبر عليه، ولا يتشدّد في الطلب (وليؤد) المحسن (إليه) أي إلى الجاني (بإحسان) بلا مطل ولا عنف، بل يعطيه ما وعده بطيب خاطر، وهذا الذي اخترته يوافق تقريب الإمام، وما فسر به شراح ((الموطأ)) الآية اتباعاً للمشهور في تفسير الآية لا يتم به تقريب الإمام. قال الباجي(١): وقد اختلف العلماء في تفسير الآية، فقيل: معنى ((عفي له من أخيه شيء)) أي بذل له أخوه القاتل الدية، فيكون معنى ((عفي له)) بذل له، والضمير في ((له)) راجع إلى ولي المقتول، والأخ هو القاتل، فندب ولي المقتول إلى الرضا بذلك والمطالبة بما بذل له من الدية بمعروف، ويؤدي القاتل إليه بإحسان، وهذا على إحدى الروايتين عن مالك. وروى عنه ابن القاسم وأشهب ليس عليه الدية إلا أن يشاء ذلك، وإنما عليه القصاص، وروي عن مالك أيضاً أن ولي القتيل مُخيّر بين القتل والدية يجبر عليها القاتل، وهو اختيار أشهب، وتفسير الآية على هذا المذهب فيمن ترك له يريد القاتل أخوه يريد ولي المقتول يريد ترك قتله، فله طلبه بالدية بالمعروف، وعلى القاتل أن يؤدي إليه بإحسان، اهـ مختصراً. وفسرها العلامة الزرقاني(٢) تبعاً لصاحب ((الجلالين)): ((فمن عفي له)) من القاتلين ((من)) دم ((أخيه)) المقتول ((شيء)) بأن ترك القصاص منه، وتنكير شيء يفيد سقوط القصاص بالعفو عن بعضه، ومن بعض الورثة، وفي ذكر أخيه تعطيف داع إلى العفو، وإيذان بأن القتل لا يقطع أخوة الإيمان، ومن مبتدأ خبره قوله: ((فاتباع)) أي فعل العافي اتباع القاتل ((بالمعروف)) بأن طالبه بالدية (١) ((المنتقى)) (١٠٣/٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٤/ ١٩٣). ٢٩ ٤١ - كتاب العقول (١٦) باب بلا عنف ((و)) على القاتل ((أداء)) الدية ((إليه)) أي إلى العافي وهو الوارث (بإحسان)) بلا مطل ولا بخس. وفي ((الهداية)) (١): إذا اصطلح القاتل وأولياء المقتول على مال سقط القصاص ووجب المال قليلاً كان أو كثيراً؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾ الآية على ما قيل: نزلت الآية في الصلح، اهـ. وفي هامشه: ((فمن عفي له)» وهو القاتل من أخيه في الدين، وهو المقتول شيء من القصاص بأن كان للقتيل أولياء، فعفا بعضهم، فقد صار نصيب الباقين مالاً، وهو الدية على حصصهم من الميراث، فاتباع أي فليتبع الذين لم يعفوا القاتل بطلب حصصهم بالمعروف، أي بقدر حصصهم من غير زيادة، وأداء إليه بإحسان، أي وليؤد القاتل إلى غير العافي حقه وافياً، اهـ. قال الزرقاني: وترتيب الاتباع على العفو يفيد أن الواجب أحدهما، أي القصاص أو العفو، وهو المشهور عن مالك، ورواية ابن القاسم عنه، وروى أشهب عن مالك الواجب القصاص أو الدية، واختاره جماعة من المتأخرين. قلت: والخلاف في هذه المسألة شهير يتفرع عليه عدة فروع، وتوضيح الخلاف في ذلك ما في ((الشرح الكبير))(٢) لابن قدامة، إذ قال: أجمع أهل العلم على إجازة العفو عن القصاص، وأنه أفضل، والأصل في ذلك الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّمْ﴾(٣) قيل في تفسيره: فهو كفارة للجاني بعفو صاحب الحق عنه، وقيل: هو كفارة للعافي بصدقته. (١) (٣٤/٨/٤) ط باكستان. (٢) (٤٤٣/٩). (٣) سورة المائدة: الآية ٤٥. ٣٠ ٤١ - كتاب العقول (١٦) باب وأما السنة فإن أنس بن مالك قال: ما رأيت رسول الله وَّل رفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو، رواه أبو داود(١)، واختلفت الرواية عن أحمد في موجب العمد، فروي عنه أن موجبه القصاص عيناً؛ لقوله ◌َلٍّ: ((من قتل عمداً فهو قود)»، ولقوله سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾(٢) والمكتوب لا يتخير فيه، وبه قال النخعي ومالك وأبو حنيفة قالوا: ليس للأولياء إلا القتل إلا أن يصطلحا على الدية برضى الجاني، والمشهور في مذهب أحمد أن الواجب أحد شيئين، وأن الخيرة في ذلك إلى الولي إن شاء اقتصّ، وإن شاء أخذ الدية، وبهذا قال ابن المسيب وابن سيرين والشافعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر، وهي رواية عن مالك؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾ الآية قال ابن عباس: والعفو أن يقبل في العمد الدية، فاتباع بالمعروف، أي يتبع الطالب بمعروف، ويؤدي إليه المطلوب بإحسان، رواه البخاري، وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله وَله : (من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يودى، وإما أن يقاد))، متفق عليه، اهـ. وقال الموفق: إن للشافعي قولين كالروايتين لأحمد. وفي ((الهداية)): موجب العمد القود؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ اَلْقِصَاصُ﴾ الآية إلا أنه تقيد بوصف العمدية؛ لقوله وَله: العمد قود أي موجبه إلا أن يعفو الأولياء أو يصالحوا؛ لأن الحق لهم، ثم هو واجب عيناً، وليس للولي أخذ الدية إلا برضا القاتل، وهو أحد قولي الشافعي إلا أن له عنده حق العدول إلى المال من غير مرضاة القاتل، وفي قول له: الواجب أحدهما لا بعينه ويتعين باختياره، ولنا، ما تلونا من الكتاب وروينا من السنة، ولأن المال لا يصلح (١) ((سنن أبي داود)) (٤٤٩٧). (٢) سورة البقرة: الآية ١٧٨. ٣١ ٤١ - كتاب العقول (١٦) باب قَالَ مَالِكٌ، فِي الصَّبِيِّ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ. وَالْمَرْأَةِ الَّتِي لَا مَالَ لَهَا. إِذَا جَنَى أَحَدُهُمَا جِنَايَةً دُونَ الثُّلُثِ: إِنَّهُ ضَامِنٌ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ في مَالِهِمَا خَاصَّةً. إِنْ كَانَ لَهُمَا مَالٌ أُخِذَ مِنْهُ. وَإِلَّا فَجِنَايَةٌ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَيْنٌ عَلَيْهِ. لَيْسَ عَلى الْعَاقِلَةِ مِنْهُ شَيْءٌ. وَلَا يُؤْخَذُ أَبُو الصَّبِيِّ بِعَقْلِ جِنَايَةِ الصَّبِيِّ. وَلَيْسَ ذُلِكَ عَلَيْهِ. موجباً لعدم المماثلة، والقصاص يصلح للتماثل، وفيه مصلحة الإحياء زجراً وجبراً فيتعين، وفي الخطأ وجوب المال ضرورة صون الدم عن الإهدار، اهـ. وتقدم في أول باب دية العمد إذا قبلت كلام ابن رشد في ذلك. (قال مالك في الصبي الذي لا مال له) وقد وجب عليه العقل على خاصة ماله (والمرأة التي لا مال لها) كذلك (إذا جنى أحدهما جناية) وجب فيها العقل (دون الثلث) فإن الثلث وما فوقه لا يكون عند الإمام مالك ومن معه على أنفسهم، بل يكون على العاقلة كما تقدم قريباً (إنه) أي العقل (ضامن) بمعنى مضمون كقوله: عيشة راضية (على الصبي والمرأة في مالهما خاصة) لا يجب ذلك على والد الصبي ولا زوج المرأة ولا على غيرهما، وخص الصبي والمرأة بالذكر؛ لأن النظر في جناية الصبي يتشوف إلى والده، وفي جناية المرأة إلى زوجها . (إن كان لهما) أي الصبي والمرأة (مال أخذ) ببناء المجهول (منه) أي المال (وإلا فجناية كل واحد منهما دين عليه) أي على نفسه خاصة (ليس على العاقلة منه شيء، ولا يؤخذ) ببناء المجهول (أبو الصبي بعقل جناية الصبي، وليس ذلك عليه) كرره تأكيداً، وذلك؛ لقوله 18 في أبي رمثة وابنه: ((لا تجني عليه ولا يجني عليك))، قال الباجي: وهذا على ما قال: إن الصبي والمرأة إذا كانت جنايتهما دون الثلث اختصت دية ذلك بأموالهما، فإن لم يكن لهما مال، ثبت ذلك ديناً عليهما، أو لا يتعلق شيء من ذلك بالعاقلة، وهذا إذا كان الصبي يعقل، وأما الرضيع فما أتلف وجنى فهدر، وأما ما زاد على الثلث فهو على العاقلة، اهـ. ٣٢ ٤١ - كتاب العقول (١٦) باب قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا قُتِلَ كَانَتْ فِيهِ الْقِيمَةُ يَوْمَ يُقْتَلُ. وَلَا تَحْمِلُ عَاقِلَةُ قَاتِلِهِ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ شَيْئاً. قَلَّ أَوْ كَثُرَ. (قال مالك: الأمر عندنا الذي لا اختلاف فيه أن العبد إذا قتل) ببناء المجهول (كانت فيه القيمة) على قاتله (يوم يقتل) أي قيمة العبد يوم القتل (ولا تحمل عاقلة قاتله من قيمة العبد شيئاً قل) مقدار قيمته (أو كثر) عن دية الحر، قال الباجي(١): يريد سواء زادت القيمة على الدية أضعافاً مضاعفة أو قصرت عن ذلك وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: إن كانت قيمته أقل من دية الحر بعشرة دراهم فعليه القيمة، وإن زادت على ذلك لم تزد على هذا القدر، اهـ. قلت: وبقولهما قال الإمام أحمد، كما تقدم في أول جراح العبيد، ولا تحمل عاقلة قاتله من قيمته شيئاً. قال الموفق(٢): العاقلة لا تحمل العبد يعني إذا قتل العبد قاتل، وجبت قيمته في مال القاتل، ولا شيء على عاقلته، خطأ كان أو عمداً، وهذا قول ابن عباس والثوري ومكحول والنخعي ومالك والليث وإسحاق وأبي ثور، وقال عطاء والزهري والحكم وحماد وأبو حنيفة: تحمله العاقلة؛ لأنه آدمي يجب بقتله القصاصُ والكفارة، فحملت العاقلة بدله كالحر، وعن الشافعي كالمذهبين، ووافقنا أبو حنيفة في دية أطرافه. ولنا، حديث ابن عباس عن النبي وم لو أنه قال: ((لا تحمل العاقلة عمداً ولا عبداً))، الحديث تقدم قريباً في أول هذا الباب. وفي ((المحلى)): قال أبو حنيفة: إذا جنى الحر على العبد فقتله خطأ كان على عاقلته؛ لأنه بدل النفس، وما دون النفس من العبد لا يتحمله العاقلة؛ (١) ((المنتقى)) (١٠٣/٧). (٢) («المغني)) (٢٧/١٢). ٣٣ ٤١ - كتاب العقول (١٦) باب لأنه يسلك مسلك الأموال، كذا في ((الهداية))، وللشافعي قولان؛ أظهرهما : تحمل العاقلة قيمة العبد؛ لأنه بدل النفس، والثاني: هي من مال الجاني كبدل البهيمة، كذا في ((المنهاج))، اهـ. قلت: وما استدل به الموفق من حديث ابن عباس بلفظ ((ولا عبداً)) يخالفه ما تقدم في أول هذا الباب من رواية ((موطأ محمد)) (١) بلفظ ((ولا ما جنى المملوك)) وعلى هذا فلا يخالف هذا الأثر الحنفية. وقد أخرج البيهقي (٢) برواية عامر عن عمر - رضي الله عنه - قال: العمد والعبد والصلح والاعتراف لا يعقل العاقلة، كذا قال عن عامر عن عمر، وهو عن عمر منقطع، والمحفوظة عن عامر الشعبي من قوله، ثم أخرجه بسنده إلى الشعبي قال: لا تعقل العاقلة عمداً ولا عبداً ولا صلحاً ولا اعترافاً. قال أبو عبيد: قد اختلفوا في تأويل قوله: ولا عبداً، فقال لي محمد بن الحسن: إنما معناه أن يقتل العبد حراً، يقول: فليس على عاقلة مولاه شيء من جناية عبده، وإنما جنايته في رقبته، واحتجَّ في ذلك بشيء رواه عن ابن عباس قال: لا تعقل العاقلة عمداً ولا صلحاً ولا اعترافاً ولا ما جنى المملوك، وقال ابن أبي ليلى: إنما معناه أن يكون العبد يجنى عليه، يقول: فليس على عاقلة الجاني شيء، إنما ثمنه في ماله خاصة، وإليه ذهب الأصمعي، ولا يرى فيه قول غيره جائزاً يذهب إلى أنه لو كان المعنى على ما قال، لكان الكلام لا تعقل العاقلة عن عبد. قال أبو عبيد: وهو عندي كما قال ابن أبي ليلى، وعليه كلام العرب، قال البيهقي: وهذا القول لا يصح عن عمر - رضي الله عنه -، وإنما يصح عن (١) رقم الحديث (٩٩٥). (٢) ((السنن الكبرى)) (١٠٤/٨). ٣٤ ٤١ - كتاب العقول (١٦) باب وَإِنَّمَا ذُلِكَ عَلَى الَّذِي أَصَابَهُ فِي مَالِهِ خَاصَّةً. بَالِغاً مَا بَلَغَ. وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ الدِّيَةَ أَوْ أَكْثَرَ، فَذَلِكَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ. وَذُلِكَ لِأَنَّ الْعَبْدَ سِلْعَةٌ مِنَ السِّلَعِ. الشعبي، والرواية فيه عن ابن عباس على ما حكى محمد بن الحسن، ثم أخرج بسند آخر غير سند محمد عن ابن عباس بلفظ محمد، وأنت خبير بأن لفظ محمد، نص في مؤداه بخلاف لفظ الشعبي. (وإنما ذلك) الذي وجب من قيمة العبد (على الذي أصابه) أي على الجاني (في ماله خاصة بالغاً ما بلغ) وفسره بقوله: (وإن كانت قيمة العبد الدية) أي بقدرها (أو أكثر) من الدية أيضاً وبه قالت الأئمة الثلاثة كما تقدم قريباً، بخلاف الحنفية إذ قالوا: إن كانت القيمة أقل من دية الحر بعشرة دراهم فكذلك، وإلا فلا يزاد على هذا القدر (فذلك عليه) أي على الجاني (في ماله) کرره تأكيداً وتوضيحاً . (وذلك) أي كون الواجب قيمته بالغاً ما بلغ (لأن العبد سِلْعَة) بالكسر أي بضاعة (من السلع) بكسر السين وفتح اللام جمع سلعة أي قطعة من المال يُعَدُّ للتجارة، وهذا أصل الاختلاف بين الأئمة الثلاثة والإمام أبي حنيفة، فإنهم قالوا: إن الواجب بقتل العبد ضمان المال، وقال أبو حنيفة: ضمان النفس. قال صاحب ((الهداية))(١): ولأبي حنيفة قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ﴾ أوجبها مطلقاً، وهي اسم للواجب بمقابلة الآدمية، ولأن فيه معنى الآدمية حتى كان مكلفاً، وفيه معنى المالية والآدمية أعلاهما، فيجب اعتبارها بإهدار الأدنى عند تعذر الجمع بينهما، وانحطاط عشرة دراهم عن دية الحر، إظهاراً لانحطاط رتبته عن الحر، فإن قيمة الحر مُقَدَّرة بعشرة آلاف، وتعين العشرة بأثر ابن عباس، انتهى مختصراً بتغير. (١) (٨/٤/ ١٦٦). ٣٥ ٤١ - كتاب العقول (١٧) باب (١٧) باب ما جاء في ميراث العقل والتغليظ فيه (١٧) ميراث العقل - أي لمن يكون له ميراث الدية - والتغليظ فيه أي في العقل، ذكر المصنف في الباب مسألتين، أما الأولى التي في الميراث، فقد قال الموفق(١): دية المقتول موروثة عنه كسائر أمواله، إلا أنه اختلف فيه عن علي، فروي عنه مثل قول الجماعة، وعنه، لا يرثها إلا عصباتُه الذين يعقلون عنه، وكان عمر - رضي الله عنه - يذهب إلى هذا، ثم رجع عنه لما بلغه عن النبي ◌َّليل توريث المرأة من دية زوجها. روي عن سعيد بن المسيب كان عمر - رضي الله عنه - يقول: الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئاً، فقال له الضحاك الكلابي: كتب إليّ رسول الله وير أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وروى الإمام أحمد بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ◌ّ ر قضى أن العقل ميراث بين ورثة القتيل على فرائضهم، وغير ذلك من الروايات في ذلك، وقال أبو ثور: هي على الميراث، ولا تقضى منها ديونه، ولا تنفذ منها وصاياه، وعن أحمد نحو هذا. وقد ذكر الخرقي فيمن أوصى بثلث ماله لرجل فقتل، وأخذت ديته فللموصى له ثلث الدية في إحدى الروايتين، والأخرى ليس له من الدية شيء، ومبنى هذا على أن الدية ملك الميت أو على ملك الورثة ابتداء، وفيه روايتان؛ إحداهما: أنها تحدث على ملك الميت؛ لأنها بدل نفسه، ولأنه لو أسقطها عن القاتل بعد جرحه إياه كان صحيحاً، وليس له إسقاط حق الورثة، والأخرى: أنها تحدث على ملك الورثة ابتداء؛ لأنها إنما تستحق بعد الموت، وبالموت تزول أملاك الميت الثابتة له، وإنما يثبت الملك لورثته ابتداء، ولا أعلم خلافاً في أن الميت يجهز منها إن كان قبل تجهيزه، اهـ. (١) («المغني)) (١٨٤/٩). ٣٦ ٤١ - كتاب العقول (١٧) باب قال ابن رشد في ((البداية)) (١): أما اختلافهم في عفو المقتول خطأ عن الدية، فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور فقهاء الأمصار: إن عفوه من ذلك في ثلثه إلا أن يجيزه الورثة، وقال قوم: يجوز في جميع ماله، وممن قال به طاووس والحسن، وعمدة الجمهور أنه واهب مالا له بعد موته، فلم يجز إلا في الثلث، وعمدة الفرقة الثانية أنه إذا كان له أن يعفو عن الدم، فهو أحرى أن يعفو عن المال. وأما المسألة الثانية، وهي مسألة التغليظ، فقد قال الموفق(٢): ذكر أصحابنا أن الدية تُغَلَّظُ بثلاثة أشياء؛ إذا قتل في الحرم، والشهور الحُرم، وإذا قتل محرماً، وقد نص أحمد على التغليظ على من قتل محرماً في الحرم، وفي الشهر الحرام، فأما إن قتل ذا رحم محرم، فقال أبو بكر: تغلظ ديته، وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنها لا تغلظ، وقال الشافعي: تغلظ بالحرم، والأشهر الحرم وذي الرحم المحرم، وفي التغليظ بالإحرام وجهان، وممن روي عنه التغليظ عثمان وابن عباس والسعيدان(٣) والأوزاعي ومالك والشافعي وإسحاق. واختلف القائلون بالتغليظ في صفته، فقال أصحابنا: تغلظ لكل واحد من الحرمات ثلث الدية، فإذا اجتمعت الحرمات الثلاث وجبت ديتان، قال أحمد فيمن قتل محرماً في الحرم، والشهر الحرام: عليه أربعة وعشرون ألفاً، وهذا قول التابعين القائلين بالتغليظ، وقال أصحاب الشافعي: صفة التغليظ إيجاب دية العمد في الخطأ لا غيره، ولا يتصور التغليظ في غير الخطأ، ولا يجمع بين التغليظين، وهذا قول مالك - رضي الله عنه - إلا أنه يغلظ في العمد، فإذا (١) ((بداية المجتهد)) (٤٠٣/٢). (٢) («المغني)) (١٢/ ٢٣). (٣) السعيدان: سعيد بن جبير، وسعيد بن عروبة. ٣٧ ٤١ - كتاب العقول (١٧) باب قتل ذا رحم محرم عمداً، فعليه ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وتغليظهما في الذهب والورق ينظر أسنان الإبل غير مغلظة وقيمتها مغلظة، ثم يحكم بزيادة ما بينهما، وعند مالك تغلظ على الأب والأم والجد دون غيرهم. واحتجا على صفة التغليظ بما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه أخذ من قتادة(١) المدلجي دية ابنه حين حذفه بالسيف ثلاثين حقة وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة، ولم يزد عليه في العدد شيئاً، وهذه القصة قد اشتهرت ولم تنكر، فكانت إجماعاً، واحتج على أنه لا يغلظ بالإحرام؛ لأن الشرع لم يرد بتغليظه، واحتج أصحابنا بما روى ابن أبي نجيح أن امرأة وُطِئَتْ(٢) في الطواف، فقضى عثمان - رضي الله عنه - فيها بستة آلاف، وألفين تغليظاً للحرم(٣)، وعن ابن عمر أنه قال: من قتل في الحرم، أو ذا رحم، أو في الشهر الحرام، فعليه دية وثلث. وعن ابن عباس أن رجلاً قتل رجلاً في الشهر الحرام، وفي البلد الحرام فقال: ديته اثنا عشر ألفاً، وللشهر الحرام أربعة آلاف، وللبلد الحرام أربعة آلاف، وهذا مما يظهر، وينتشر ولم ينكر، فيثبت إجماعاً، وظاهر كلام الخرقي أن الدية لا تغلظ بشيء من ذلك، وهو قول الحسن، والشعبي، والنخعي، وأبي حنيفة، والجوزجاني، وابن المنذر، وروي ذلك عن الفقهاء السبعة وعمر بن عبد العزيز؛ لأن النبي وَلّ قال: ((في النفس المؤمنة مائة من الإبل)) لم يزد على ذلك، وفي حديث أبي شريح أن النبي وَلّ قال: ((وأنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل، وأنا والله عاقله)). الحديث. (١) وسيأتي في ((الموطأ)) قريباً. (٢) أي: وطئت بالأقدام فماتت. (٣) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٧١/٨). ٣٨ ٤١ - كتاب العقول (١٧) باب (١٥١٣) حديث ٩/١٥١٣ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وهذا القتل كان بمكة في حرم الله تعالى، فلم يزده النبي وَلّ على الدية، ولم يفرق بين الحرم وغيره، وقول الله عز وجل: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ﴾(١) يقتضي أن الدية واحدة في كل مكان، وفي كل حال، ولأن عمر - رضي الله عنه - أخذ من قتادة المدلجى دية ابنه، ولم يزد على مائة. ورى الجُوْزَ جانيُّ بإسناده عن أبي الزناد أن عمر بن عبد العزيز كان يجمع الفقهاء، فكان مما أَحيى من تلك السنن بقول فقهاء المدينة السبعة ونظرائهم أن ناساً كانوا يقولون: إن الدية تُغلَّظ في الشهر الحرام أربعة آلاف، فتكون ستة عشر ألف درهم، فألغى عمر ذلك بقول الفقهاء، وأثبتها اثني عشر ألف درهم في الشهر الحرام، والبلد الحرام وغيرهما، وقال ابن المنذر: وليس بثابت ما روي عن الصحابة في هذا، ولو صح فقول عمر - رضي الله عنه - [يخالفه]، وقوله أولى من قول من خالفه، وهو أصح في الرواية مع موافقته الكتاب والسنة والقياس، ولا تغلظ الدية بموضع غير الحرم، وقال أصحاب الشافعي: تغلظ بالقتل بالمدينة في قوله القديم؛ لأنها مكان يحرم صيده، فأشبهت الحرم، وليس بصحيح؛ لأنها ليست محلاً للمناسك، فأشبهت سائر البلدان، اهـ. ٩/١٥١٣ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (أن عمر بن الخطاب) قال ابن عبد البر: هكذا روى أصحاب مالك عنه، ورواه أصحاب ابن شهاب، سفيان بن عيينة ومعمر وابن جريج وهشيم عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، ورواية ابن المسيب عن عمر - رضي الله عنه - تجري مجرى المتصل؛ لأنه قد رآه، وقد صحح بعض العلماء سماعه منه، وولد سعيد لسنتين من خلافته، وفي طريق هشيم عن الزهري عن سعيد قال: جاءت امرأة إلى (١) سورة النساء: الآية ٩٢. ٣٩ ٤١ - كتاب العقول (١٧) باب (١٥١٣) حديث نَشَدَ النَّاسَ بِمِنَّى: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الدِّيَةِ أَنْ يُخْبِرَنِي؟ فَقَامَ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ الْكِلَابِيُّ فَقَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلى الله عـ وسلم عمر - رضي الله عنه - تسأله أن يورثها، فقال: ما أعلم لك شيئاً، فنشد الناس، الحديث. وفي رواية معمر عن الزهري عن ابن المسيب أن عمر - رضي الله عنه - قال: ما أرى الدية إلا للعصبة، لأنهم يعقلون عنه، فهل سمع منكم أحد من رسول الله ﴿ في ذلك شيئاً؟ فقال الضحاك. الحديث، كذا في ((الزرقاني) (١) و((التنوير)). (نشد) أي طلب ونادى (الناس) أي سألهم، هكذا السياق في النسخ المصرية، وعليه بنى صاحب ((المحلى)) شرحه، وفي النسخ الهندية: أنشد الله الناس، وفي ((المجمع)): النشد رفع الصوت، وهو من باب نصر، ونشدتك الله، وأنشدتك الله، وبالله، أي سألتك وأقسمت عليك، اهـ. حين كان (بمنى) في حجته، جواب قوله (من كان عنده علم من) ميراث (الدية) فلا بد له (أن يخبرني)، ولفظ معمر تقدم قريباً: ما أرى الدية إلا للعصبة. (فقام الضحاك) معرفاً في النسخ المصرية، ومنكراً في الهندية، (ابن سفيان) بن عوف بن كعب (الكلابي) العامري الضبابي بكسر الضاد المعجمة وفتح الموحدة المخففة، عداده في أهل المدينة، وكان ينزل بنجد، ولّاه النبي ◌َّ على من أسلم من قومه، وكان من شُجعان الصحابة يُعَدُّ بمائة فارس، بعثه النبي (8) على سرية وعقد له لواء، كذا في ((الزرقاني))(٢) و((التعليق الممجد))(٣). (فقال: كتب إليّ) بتشديد الياء (رسول الله وَ﴾) زاد معمر، وكان وَسْتَ (١) ((شرح الزرقاني)) (١٩٤/٤). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٩٤/٤). (٣) (٢٠/٣). ٤٠