Indexed OCR Text

Pages 1-20

أفْجَ المَسَالِك
رمزي
إِلى
موظا مالكن
الجُرْءُ الخَّامِس ◌َعَشِّرَ
تَألِيفُ
الإِمَام المُحدِّثُ
محمد زكريًّا الكان حلوي المدني
المتوَفِى سَنَة ١٤٠٢ هـ
اعتَنَى بِهِ وَعَلَّقَعَلَيْهِ
الأستاذ الدكتور في الذي النّونيّ
دار القلم
دمشق

أَوْ بَر السَالِك
إلى
موظا مالك

الطَّبْعَةُ الأوْلِى
مُحَقّقَةٌ وَمُنَقْحَةٌ
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
حُقُوقُ الطَّبْعِ مُحَفُوظَةٌ لِلْمُحَقِّقِ
SHEIKH ABUL HASAN NADWI CENTER
مركز الشيخ أبي الحسن الندوي
للبحوث والدراسات الإسلامية
مظفرفور - أعظم جراه یوبي (الهند).
For Research & Islamic Studies.
MOZAFFAR PUR, AZAMGARH, U.P. (INDIA).
Tel: 0091 54622 70104
0091 54622 70317
Fax: 0091 54622 70786

٤١ - كتاب العقول
(١٤) باب
(١٤) باب ما جاء في دية جراح العبد
وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّب
وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ كَانَا يَقُولَانِ: فِي مُوضِحَةِ الْعَبْدِ نِصْفُ عُشْرِ
ثَمَنِهِ .
(١٤) دية جراح العبد
كذا في النسخ الهندية، وفي المصرية ((ما جاء في دية جراح العبد))، يعني
إذا أصاب العبد جراح ما يجب فيه الدية، وذكر فيه أيضاً إذا أصاب عبد يهودياً
وغيره.
(مالك أنه بلغه) وأخرجه البيهقي بسنده إلى ابن المسيب بمعنى ذلك، ثم
قال: وقال ذلك سليمان بن يسار (أن سعيد بن المسيب) التابعي الشهير
(وسليمان بن يسار) وكلاهما من الفقهاء السبعة بالمدينة (كانا يقولان: في
موضحة العبد) أي إذا أصاب العبد موضحة فديتها (نصف عشر ثمنه) أي قيمته،
قال الزرقاني(١): لأن الحر في موضحته نصف عشر ديته، كما في الحديث:
((في الموضحة خمس))، والمعتبر في الرقيق قيمته، اهـ.
قال الباجي(٢): وجعلت هذه الشجاج التي هي الموضحة والمنقلة
والجائفة والمأمومة مقدرة من قيمة العبد بحسب قدرها من دية الحر، قال ابن
المزين: سألت عيسى عن ذلك لم يجعل في يده ورجله، وهو نصف قیمته،
وفي غير ذلك من جراحات جسده مثل السن وما أشبهها مما جاء فيه للحر
عقلٌ مسمى، كما جاء في الأربعة الأشياء التي أجروها من العبد في قيمته
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٩٠/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٩٤/٧).

٤١ - كتاب العقول
(١٤) باب
مجراها من الحر في ديته، فقال: إن الموضحة والمنقلة والجائفة قد تبرأ،
وتعود إلى حالها لغير نقص من الجسد، وما سواها من الجراح تذهب من
جسده، وتنقص من أعضائه، وربما كان مما يصاب به من ذلك إبطاله، فلذلك
لم يروا فيه إلا ما نقص من ثمنه، فيقام صحيحاً ومعيباً، فيغرم ما نقص من
قيمته صحيحاً، قال: وأخبرني يحيى بن يحيى عن نافع مثله، اهـ.
وفي ((المحلى)) بعد أثر الباب: نصف عشر ثمنه أي قيمته بالغة ما بلغت
عند الأئمة الثلاثة وأبي يوسف، وقال أبو حنيفة: إن بلغت دية الحر نقص منه
عشرة، وروي عن النخعي والشعبي والثوري وهو رواية عن أحمد، اهـ.
قال الموفق(١): إن الجناية على العبد يجب ضمانها بما نقص من قيمته؛
لأن الواجب إنما وجب جبراً لما فات بالجناية، ولا ينجبر إلا بإيجاب ما نقص
من القيمة فيجب ذلك، كما لو كانت الجناية على غيره من الحيوانات، وسائر
المال، ولا يجب زيادة على ذلك، هذا هو الأصل، ولا نعلم فيه خلافاً فيما
ليس فيه مُقَدَّرٌ شرعي، فإن كان الفائتُ بالجناية مؤقتاً في الحر كيده،
وموضحته، ففيه عن أحمد روايتان؛ إحداهما: أن فيه أيضاً ما نقصه بالغاً ما
بلغ. وذكر أبو الخطاب أن هذا اختيار الخلال، وروى الميمونيُّ عن أحمد أنه
قال: إنما يأخذ قيمة ما نقص منه على قول ابن عباس، ورُوي هذا عن مالك
فيما عدا موضحته، ومنقّلته، وهاشِمَته، وجائفته؛ لأن ضمانه ضمانُ الأموال،
فيجب فيه ما نقص كالبهائم، ولأن ما ضُمِنَ بالقيمة بالغاً ما بلغ، ضُمن بعضُه
بما نقص كسائر الأموال.
وظاهر المذهب أن ما كان مؤقتاً في الحر، فهو مؤقّت في العبد، ففي
يده أو عينه نصف قيمته، وفي موضحته نصف عشر قيمته، وما أوجب الدية في
(١) («المغني)) (١٨٣/١٢).
٦

٤١ - كتاب العقول
(١٤) باب
الحر كالأنف واللسان والرجلين واليدين، أوجب قيمة العبد مع بقاء ملك السيّد
عليه، رُوي هذا عن علي، ورُوي نحوه عن ابن المسيب، وبه قال ابن سيرين
والشافعي والثوري، وبه قال أبو حنيفة، إلا أن أبا حنيفة والثوري قالا: ما
أوجب الدية من الحر يتخير السيد فيه بين أن يغرمه قيمته، ويصير ملكاً
للجاني، وبين أن لا يُضَمِّنَه شيئاً؛ لئلا يؤدي إلى اجتماع البدل والمبدل لرجل
واحد، اهـ.
وفي ((الهداية)) (١): في يد العبد نصفُ قيمته لا يزاد على خمسة آلاف إلا
خمسة؛ لأن اليد من الآدمي نصفه، فتعتبر بكله، وينقص هذا المقدار إظهاراً
الانحطاط رتبته، وكل ما يُقَدَّرُ من دية الحر فهو مُقَدَّرٌ من قيمة العبد؛ لأن
القيمة في العبد كالدية في الحر، ثم قال: ومن فقا عَينَي عبدٍ، فإن شاء المولى
دفع عبده وأخذ قيمته، وإن شاء أمسكه، ولا شيء له من النقصان عند أبي
حنيفة .
وقال: إن شاء أمسك العبد وأخذ ما نقصه، وإن شاء دفع العبد وأخذ
قيمته، وقال الشافعي: يُضَمِّنُه كل القيمة ويمسك المولى الجثة؛ لأنه يجعل
الضمان مقابلاً بالفائت، فبقي الباقي على ملكه، كما إذا قطع إحدى يديه أو
فقأ إحدى عينيه.
ونحن نقول: إن المالية قائمة في الذات، وهي معتبرة في حق الأطراف
لسقوط اعتبارها في حق الذات قصراً عليه، وإذا كانت معتبرة في الأطراف وقد
وجد إتلاف النفس من وجه بتفويت جنس المنفعة، والضمان يتقدر بقيمة الكل،
فوجب أن يتملك الجاني الجثة دفعاً للضرر ورعايةً للمماثلة، بخلاف ما إذا فقأ
عيني حُرِّ؛ لأنه ليس فيه معنى المالية، وفي قطع إحدى اليدين وفقا إحدى
(١) (٤٩١/٢).
٧

٤١ - كتاب العقول
(١٤) باب
وحدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَم كَانَ يَقْضِي فِي
الْعَبْدِ يُصَابُ بِالْجِرَاحِ: أَنَّ عَلَى مَنْ جَرَحَهُ قَدْرَ مَاَ نَقَصَ مِنْ ثَمَنِ
لْعَبْدِ .
قَالَ مَالِكٌ: وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ فِي مُوَضِحَةِ الْعَبْدِ نِصْفَ عُشْرٍ
ثَمَنِهِ. وَفِي مُنَقِّلَتِهِ الْعُشْرُ وَنِصْفُ الْعُشْرِ مِنْ ثَمَنِهِ. وَفِي مَأْمُومَتِهِ
وَجَائِفَتِهِ، فِي
العينين لم يُوجَدْ تفويت جنس المنفعة، ولهما، أن معنى المالية لما كان معتبراً،
وجب أن يتخيّر المولى على الوجه الذي قلنا، كما في سائر الأموال، انتهى
بنقص وزيادة.
(مالك؛ أنه بلغه أن مروان بن الحكم) أمير المدينة (كان يقضي في العبد)
الذي (يصاب) ببناء المجهول (بالجراح) أيَّ جراح كان (أن على من جرحه) أي
العبد (قَدْرَ ما نقص) بالجراح اسم أن (من ثمن العبد) أي قيمته بيان لما، وقال
الباجي(١): يحتمل أن يريد به غير الشجاج الأربع المتقدم ذكرها، فهي التي لا
تكاد تبرأ في الغالب إلا على نقص من القيمة، وربما كان ما ينقص من القيمة
بها أكثر من قدر أرشها، وأما الشجاج الأربع فإنها تبرأ غالباً دون شين مع أنها
متالف مخوفة، فلو لم يلزم الجاني فيها إلا ما نقص لسلم غالباً من أرش
الجناية، فكان ذلك نوعاً من الإغراء بالجناية والتسلط فيها للعبد، اهـ.
(قال مالك: والأمر) المختار (عندنا) بالمدينة المنورة (أن في موضحة
العبد) أي إذا أصابته موضحة (نصف عشر ثمنه) أي قيمته، كما تقدم عن ابن
المسيب وغيره (وفي منقلته) أي العبد الذي أصابته منقلة (العشر ونصف العشر
من ثمنه) أي قيمته، وذلك لما تقدم أن دية منقلة الحر خمس عشرة فريضة،
وهي العشر ونصف العشر من ديته (وفي مأمومته) أي العبد (وجائفته) أي (في
(١) ((المنتقى)) (٩٥/٧).
٨

٤١ - كتاب العقول
(١٤) باب
كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ثُلُثُ ثَمَنِهِ. وَفِيمَا سِوَى هَذِهِ الْخِصَالِ الْأَرْبَعِ، مِمَّا
يُصَابُ بِهِ الْعَبْدُ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهِ، يُنْظَرُ فِي ذُلِكَ بَعْدَمَا يَصِحُّ الْعَبْدُ
وَيَبْرَأُ، كَمْ بَيْنَ قِيمَةِ الْعَبْدِ بَعْدَ أَنْ أَصَابَهُ الجُرْحُ، وَقِيمَتِهِ صَحِيحاً قَبْلَ
أَنْ يُصِيبَهُ هُذَا؟ ثُمَّ يَغْرَمُ الَّذِي أَصَابَهُ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ.
قَالَ مَالِكٌ، فِي الْعَبْدِ إِذَا كُسِرَتْ يَدُهُ أَوْ رِجْلُهُ ثُمَّ صَحَّ كَسْرُهُ؛
فَلَيْسَ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ
كل واحدة منهما) هي المأمومة والجائفة (ثلث ثمنه) لأن للحر في كل منهما
ثلث ديته (وفيما سوى هذه الخصال) جمع خصلة، والمراد الشجاج (الأربع)
المذكورة أي الموضحة والمنقلة والمأمومة والجائفة (مما يصاب به العبد) يجب
(ما نقص من ثمنه).
ثم بَيَّنَ كيف يعلم نقص القيمة؟ فقال: (ينظر) ببناء المجهول (في ذلك) الأمر
(بعد ما يصح العبد ويبرأ) عطف تفسير لقوله: يصح (كم) استفهام لمقدار ما (بين قيمة
العبد) حينئذ يعني (بعد أن) مصدرية (أصابه الجرح و) بين (قيمته) إذ كان (صحيحاً) أي
(قبل أن يصيبه هذا) الجرح (ثم يغرم) أي يدفع (الذي أصابه) أي الجاني إلى سيد العبد
(ما بين القيمتين) أي التفاوت الذي بين قيمته قبل الجرح وقيمته بعد الجرح.
قال صاحب ((المحلى)): حاصله أنه يضمن ما نقص من قيمته فيما عدا
الموضحة وأخواتها الباقية، فيقدر فيها من قيمة العبد ما يقدر من دية الحر،
وهو رواية عن أحمد، وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد في رواية أخرى: إن
ما قُدِّرَ من دية الحر قُدِّرَ من قيمة العبد في سائر الأعضاء سواء، ففي قطع يده
نصف قيمته، وإن يتقدر(١) في حر فيجب ما نقص من قيمته سليماً، اهـ.
(قال مالك في العبد إذا كسرت) ببناء المجهول (يده أو رجله) مثلاً (ثم
صح كسره) أي برأ بلا شين ونقص (فليس على من أصابه) أي على من كسره
(١) كذا في الأصل، والصحيح وإن لم يتقدر. ((ش)).
٩

٤١ - كتاب العقول
(١٤) باب
شَيْءٌ. فَإِنْ أَصَابَ كَسْرَهُ ذُلِكَ نَقْصٌ أَوْ عَثَلٌ، كَانَ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ
قَدْرُ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ .
قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْقِصَاصِ بَيْنَ الْمَمَالِيكِ كَهَيْئَةِ
قِصَاصِ الْأَحْرَارِ. نَفْسُ الْأَمَةِ بِنَفْسِ الْعَبْدِ. وَجُرْحُهَا بِجُرْحِهِ،
(شيء) من الغرامة (فإن أصاب كسره) مفعول أصاب أي أصاب العضو
المكسور بعد البرء (نقص) فاعل أصاب (أو عثل) بفتح العين المهملة والثاء
المثلثة أي برأ على غير استواء (كان على من أصابه) أي على الجاني (ما نقص)
أي مقدار ما نقص (من ثمن العبد) أي قيمته.
قال الباجي(١): قوله: ثم صح، يريد دون شين ولا نقص، فليس على
من أصابه شيء، أما في الخطأ فقدره ظاهر، وأما في العمد فعليه في الأدب
الذي يكون فيه الردع والزجر عن مثل هذا، وليس عليه غرم؛ لأن برءه على
غير شين، وعودته إلى ما كان عليه نادر شاذ، وروى ابن مزين عن عيسى بن
دينار ليس على الجاني غرم ما أنفق عليه سيده في جبره والقيام عليه إلا الأدب
الموجع إن كان جرحه عمداً، اهـ.
(قال مالك: الأمر عندنا في القصاص بين المماليك) جمع مملوك ذكراً
كان أو أنثى (كهيئة) أي مثل صفة (قصاص الأحرار) يؤخذ (نفس الأمة بنفس
العبد) أي يقتل المرأة بالرجل (وجرحها) يقاد (بجرحه) لقوله عز اسمه:
﴿اَلنَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية، وفيها ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌُ﴾ قال الباجي: وهذا كما
قال: إن القصاص بين المماليك كهيئة قصاص الأحرار، يقتل الذكر بالأنثى؛
لقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِلنَّفْسِ﴾ وهذا مما لا يعلم فيه خلاف، وأما قوله:
جرحها بجرحه، فهو مذهب مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا قصاص
بينهما في الأطراف، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (٩٥/٧).
١٠

٤١ - كتاب العقول
(١٤) باب
وقال ابن رشد في ((البداية))(١): أما حال العبيد بعضهم مع بعض، فإن
للعلماء فيه ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن القصاص بينهم في النفس وما دونها، وهو
قول الشافعي ومالك، وهو مروي عن عمر - رضي الله عنه -، والثاني: لا
قصاص بينهم لا في النفس ولا في الجرح، وأنهم كالبهائم، وهو قول الحسن
وابن شبرمة وجماعة، والثالث: أن القصاص بينهم في النفس دون ما دونها .
وبه قال أبو حنيفة والثوري. وروي ذلك عن ابن مسعود، اهـ.
قال الموفق(٢): يجري القصاص بين العبيد في النفس في قول أكثر أهل
العلم، روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز والنخعي والثوري ومالك والشافعي
وأبي حنيفة، وروي عن أحمد رواية أخرى أن من شرط القصاص تساوي
قيمتهم، وإن اختلفت قيمتهم لم يجز بينهم قصاص، وينبغي أن يختص هذا بما
إذا كانت قيمة القاتل أكثر، فإن كانت أقل فلا، وهذا قول عطاء. وقال ابن
عباس: ليس بين العبيد قصاص في نفس ولا جرح؛ لأنهم أموال، ولنا، قوله
تعالى: ﴿يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ الْقَتْلِّ الْخُرُّ بِآلْحُّ وَالْعَبْدُ بِْعَبْدِ﴾(٣)
الآية، وهذا نص من الكتاب فلا يجوز خلافه.
ويجري القصاص فيما بينهم فيما دون النفس، وبه قال عمر بن
عبد العزيز، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر، وعن أحمد رواية
أخرى، لا يجري القصاص بينهم فيما دون النفس، وهو قول الشعبي والنخعي
والثوري وأبي حنيفة؛ لأن الأطراف مال، فلا يجري القصاص فيها كالبهائم.
ولنا، قوله عز اسمه: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية، ثم قال: ويقتل الذكر
(١) ((بداية المجتهد)) (٤٠٤).
(٢) ((المغني)) (٤٧٥/١١).
(٣) سورة البقرة: الآية ١٧٨.
١١

٤١ - كتاب العقول
(١٤) باب
فَإِذَا قَتَلَ الْعَبْدُ عَبْدَاً عَمْدَاً خُيِّرَ سَيِّدُ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ. فَإِنْ شَاءَ قَتَلَ،
وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْعَقْلَ. فَإِنْ أَخَذَ الْعَقْلَ أَخَذَ قِيمَةَ عَبْدِهِ. وَإِنْ شَاءَ رَبُّ
الْعَبْدِ الْقَاتِلِ أَنْ
بالأنثى والأنثى بالذكر في قول عامة أهل العلم، منهم النخعي، والشعبي،
وعمر بن عبد العزيز، ومالك، وأهل المدينة، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب
الرأي وغيرهم، وروي عن علي أنه قال: يقتل الرجل بالمرأة، ويعطى أولياؤه
نصف الدية، أخرجه سعيد، وروي مثل هذا عن أحمد، وحكي ذلك عن
الحسن وعطاء وحُكِيَ عنهما مثل قول الجماعة.
ولعل من ذهب إلى القول الثاني يحتجُّ بقول علي - رضي الله عنه -،
ولأن عقلها نصف عقله، فإذا قتل بها بقي له بقية فاستوفيت ممن قتله، ولنا،
قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ مع عموم سائر النصوص، وقد ثبت أن النبي وَل
قتل يهودياً رَضَّ رأس جارية من الأنصار، وفي كتاب عمرو بن حزم أن
النبي ﴾ كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه: ((أن الرجل يقتل بالمرأة))، وهو
كتاب مشهور عند أهل العلم متلقى بالقبول عندهم، واختلاف الأبدال لا عبرة
به في القصاص بدليل أن الجماعة يقتلون بالواحد، اهـ.
(فإذا قتل العبد عبداً) آخر (عمداً خُيّرَ) ببناء المجهول (سيدُ العبد المقتول)
بين القتل والعقل (فإن شاء) سيد المقتول (قتل) العبد القاتل ولا يمنع سيد
القاتل ذلك (وإن شاء) سيد المقتول (أخذ العقل) أي الفداء (فإن أخذ العقل)
أي إن رضي سيد المقتول بأخذ الفداء (أخذ قيمة عبده) المقتول لأن الواجب
في الرقيق قيمته.
قال الزرقاني(١): ولو زادت على دية الحر، فحينئذ فيُخَيَّرُ سيدُ العبد
القاتل في إعطاء الثمن، وتسليم العبد، كما قال: (وإن شاء رب العبد القاتل أن
(١) ((شرح الزرقاني)) (٤ /١٩١).
١٢

٤١ - كتاب العقول
(١٤) باب
يُعْطِيَ ثَمَنَ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ فَعَلَ. وَإِنْ شَاءَ أَسْلَمَ عَبْدُهُ، فَإِذَا أَسْلَمَهُ
فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذُلِكَ، وَلَيْسَ لِرَبِّ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ، إِذَا أَخَذَ الْعَبْدَ
الْقَاتِلَ وَرَضِيَ بِهِ، أَنْ يَقْتُلَهُ،
يعطي) ببناء الفاعل أي يعطي سيد المقتول (ثمن العبد المقتول فعل) جزاء إن
شاء (وإن شاء) سيد القاتل (أسلم) إلى سيد المقتول (عبده) القاتل (فإذا أسلمه)
أي العبد القاتل (فليس عليه) أي على سيد القاتل (غير ذلك) لأنه أسلم الجاني
فبرأ ذمته (وليس لرب العبد المقتول إذا أخذ) هو (العبد القاتل) مفعول أخذ
(ورضي به) أي رضي بأخذ العبد حياً ولم يقتله قصاصاً (أن يقتله) بعد ذلك؛
لأن عدوله عن قتله أولاً ورضاءه بأخذه فداءً بمنزلة العفو عن القصاص على
الفداء .
قال الباجي(١): قوله: إذا قتل العبد عبداً عمداً خير سيد العبد، فإن شاء
قتل، يريد العبد القاتل، وإن شاء أخذ العقل، يريد أنه إن شاء عفا عن القتل،
فيكون سيد القاتل بالخيار بين أن يدفع إليه قيمة عبده المقتول؛ لأنه الذي أتلف
عليه أو يسلم إليه العبد الجاني؛ لأنه ليس عليه أكثر من ذلك، وقال الشافعي:
سيد الجاني مُخَيَّر بين أن يفتدي بأرش الجناية أو يسلمه بالبيع، فإن كان ثمنه
قدر (٢) أرش الجناية كان الباقي السيد الجاني.
والدليل على ما نقوله أنه لا يخلو أن تكون الجناية متعلقة بمال السيد أو
رقبة العبد، ولا يجوز أن تتعلق بمال السيد؛ لأن ذلك يوجب أخذها من جميع
ماله، فلم يبق إلا أن تتعلق برقبة العبد، وذلك يوجب استحقاق رقبته؛ لأن
ذلك معنى تعلقها برقبة العبد وانتقالها إليه، وقول الشافعي يخرج على ما ذكر
بعد هذا مالك في جناية العبد على اليهودي أو النصراني، ولعلها رواية
عنه، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (٩٤/٧).
(٢) كذا في الأصل، والظاهر أكثر من أرش الجناية. ((ش)).
١٣

٤١ - كتاب العقول
(١٤) باب
وَذُلِكَ. فِي الْقِصَاصِ كُلِّهِ بَيْنَ الْعَبِيدِ. فِي قَطْعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَأَشْبَاءِ
ذُلِكَ، بِمَنْزِلَتِهِ فِي الْقَتْلِ .
قال الموفق(١): إذا قتل عبد عبداً عمداً فسيد المقتول مُخَيَّر بين القصاص
والعفو، فإن عفا إلى مال، تعلق المال برقبة القاتل؛ لأنه وجب بجنايته، وسيده
مختار بين فدائه وتسليمه، فإن اختار فداءه، فداه بأقل الأمرين من قيمته أو
قيمة المقتول؛ لأنه إن كان الأقل قيمته لم يلزمه أكثر منها، وإن كان الأقل قيمة
المقتول، فليس لسيده أكثر منها؛ لأنها بدل عنه، وعنه رواية أخرى، أن سيده
إن اختار فداءه، لزمه أرش الجناية بالغاً ما بلغ؛ لأنه إذا أسلمه للبيع، ربما زاد
فيه مُزايد أكثر من قيمته، اهـ.
وفي (الهداية))(٢): إذا جنى العبد جناية خطأ قيل لمولاه: إما أن تدفعه
بها أو تفديه، وقال الشافعي: جنايته في رقبته يباع بها، إلا أن يقضي المولى
بالأرش، وفائدة الاختلاف في اتباع الجاني بعد العتق، والمسألة مختلفة بين
الصحابة، فإن دفعه ملكه ولي الجناية، وإن فداه فداه بأرشها، وأيما اختاره
وفعله مولى الجاني لا شيء لولي الجناية غيره، اهـ.
(وذلك) أي الحكم المذكور (في القصاص كله) أي في جميع أنواعه التي
تكون (بين العبيد) بالجمع في النسخ المصرية، والعبد بالإفراد على الجنس في
النسخ الهندية، يعني في جميع أنواع القصاص من القتل وقطع الأطراف (مثلاً
في قطع اليد والرجل وأشباه ذلك) من الأطراف الأخر، فهذا كله (بمنزلته) أي
بمنزلة القصاص (في القتل) كذا في النسخ المصرية، وهو أوجه مما في الهندية
بلفظ العقل، وهذا مبني على ما تقدم في القول السابق: إن الجروح في
القصاص كالقتل، وتقدم الخلاف في ذلك.
(١) («المغني)) (١١/ ٤٧٧).
(٢) (٤٨٤/٢).
١٤

٤١ - كتاب العقول
(١٤) باب
قَالَ مَالِكٌ، فِي الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ يَجْرَحُ الْيَهُودِيَّ أَوِ النَّصْرَانِيَّ: إِنَّ
سَيِّدَ الْعَبْدِ إِنْ شَاءَ أَنْ يَعْقِلَ عَنْهُ مَا قَدْ أَصَابَ فَعَلَ. أَوْ أَسْلَمَهُ.
فَيُبَاعُ فَيُعْطِى الْيَهُودَيُّ أَوِ النَّصْرَانِيُّ، مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ، دِيَةَ جُرْحِهِ، أَوْ
ثَمَنَهُ كُلَّهُ، إِنْ أَحَاطَ بِثَمَنِهِ. وَلاَ يُعْطِي الْيَهُودِيَّ وَلَا النَّصْرَانِيَّ عَبْدَاً
مُسْلِماً.
(قال مالك في العبد المسلم يجرح اليهودي أو النصراني) أو غيرهما من
الكفرة (إن سيد العبد) مُخَيَّر في أنه (إن شاء أن يعقل) أي يؤدي الفدية من عند
نفسه (عنه) أي عن العبد الجاني بقدر (ما أصاب) من الجرح (فعل) ذلك،
ويؤديه، (أو) إن شاء السيد أن يسلم العبد (أسلمه السيد) أي يعطي السيد العبد
(فيباع) العبد (فيعطى) ببناء المجهول (اليهودي أو النصراني) زاد في النسخ
الهندية (دية جرحه) وليس هذا اللفظ في النسخ المصرية (من ثمن العبد) أي
بقدر ما يقابل الفداء، ويكون الباقي من ثمنه ملكاً لسيد العبد (أو) يعطيه (ثمنه
كله إن أحاط) فداء الجرح (بثمنه) كله يعني يعطيه فداء جرحه وإن أحاط الفداء
الثمن كله (ولا يعطي) السيد (اليهودي ولا النصراني) المفعول الأول لقوله: لا
يعطي (عبداً مسلماً) مفعول ثان أي لا يعطيهما العبد بعينه لئلا يلزم استيلاء
الكافر على المسلم.
قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن العبد إذا جرح الكتابي فتعذر
القصاص؛ لأنه لا يعقل مسلم، وإن كان عبداً بكافرٍ، روى ابن المواز عن
مالك، ليس بين العبد المسلم والذمي قود في نفس، ولا جرح؛ لأن في هذا
حرية، وفي هذا إسلاماً، وقوله: إن لسيده أن يعقل، يريد أن يؤدي عقل
الجرح إن شاء، فإن أبى من ذلك، وأسلمه، فقد قال ههنا: إنه يباع فيعطى من
الثمن عقل الجرح، فإن قصر عن العقل، فليس لليهودي والنصراني غير ثمنه.
وإن زاد على العقل أعطي منه قدر العقل، قال ابن مزين: سألته أي
(١) ((المنتقى)) (٩٦/٧).
١٥

٤١ - كتاب العقول
(١٥) باب
(١٥) باب ما جاء في دية أهل الذمة
وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيز
قَضَى أَنَّ دِيَةَ الْيَهُودِيِّ أَوِ النَّصْرَانِيِّ، إِذَا قُتِلَ أَحَدُهُمَا، مِثْلُ نِصْفٍ
دِيَةِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ.
عيسى بن دينار عن ذلك أخطأُ هو في الكتاب أم ما معناه؟ قال ابن القاسم:
هو خطأ في الكتاب أي في ((الموطأ)) وقد كان يقرأ مالك فلا يغيره، وإنما
الأمر فيه أنه إذا أسلمه سيده بيع، فأعطي الكتابي أو غيره ممن على غير
الإسلام عن (١) جميع العبد كائناً ما كان، وإن كان أكثر من الدية، وهو قول
مالك، وهذا الذي أنكره ابن القاسم، يحتمل أن يكون رواية عن مالك قديمة،
ثم رجع منها إلى ما سمعه ابن القاسم، ولذلك لم يكن تغير في كتابه لما كان
قد طار عنه، وشاع مع احتماله، وقد أخذ الشافعي بهذه الرواية الثانية التي في
((الموطأ))؛ لأن التعليل في آخر المسألة يمنع هذا القول، وهو قوله: ولا يعطي
اليهودي، والنصراني عبداً مسلماً؛ لأنه إذا منع الإسلامُ من أن يدفع إليه وجب
أن يباع عليه، ويدفع إليه جميع ثمنه، وأما إذا لم يدفع إليه منه إلا قدر أرش
جنايته، فهذا يقتضي أنه لم يبع عليه، اهـ مختصراً.
(١٥) دية أهل الذمة
وفي النسخ المصرية(٢) ما جاء في دية أهل الذمة.
(مالك أنه بلغه أن عمر بن عبد العزيز قضى أن دية اليهودي والنصراني) أي
دية أهل الكتاب (إذا قتل) ببناء المجهول (أحدهما) نائب الفاعل (مثل نصف دية
الحر المسلم) قال الموفق(٣): دية الحر الكتابي نصف دية الحر المسلم،
(١) كذا في الأصل، والظاهر ثمن جميع العبد. ((ش)).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (١٤١/٢٥).
(٣) («المغني)) (١٢ /٥١).
١٦

٤١ - كتاب العقول
(١٥) باب
قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ .
ونساؤهم على النصف من دياتهم، هذا ظاهر المذهب، وهو مذهب عمر بن
عبد العزيز وعروة ومالك، وعن أحمد رواية أخرى أنها ثلث دية المسلم، إلا
أنه رجع عنها، فإن صالحاً روى عنه أنه قال: كنت أقول: دية اليهودي
والنصراني أربعة آلاف درهم، وأنا اليوم أذهب إلى نصف دية المسلم، لحديث
عمرو بن شعيب، وحديث الزهري عن سالم عن أبيه، وهذا صريح في الرجوع
عنه، وروي عن عمر وعثمان أن ديته أربعة آلاف، وبه قال ابن المسيب وعطاء
والحسن والشافعي وإسحاق وأبو ثور؛ لما روى عبادة بن الصامت أن النبي :
قال: ((دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف أربعة آلاف)).
وقال علقمة ومجاهد والشعبي والنخعي والثوري وأبو حنيفة: ديته كدية
المسلم، وروي ذلك عن عمر وعثمان وابن مسعود ومعاوية، وقال ابن
عبد البر: هو قول ابن المسيب والزهري؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده أن النبي وَلّر قال: ((دية اليهودي والنصراني مثل دية المسلم))، ولأنه
تعالى ذكر في كتابه دية المسلم، فقال: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ﴾(١)، وقال في
الذمي مثل ذلك، ولم يُفرق، فدل على أن ديتهما واحدة، ولأنه ذَكَرٌ حُرُّ
معصوم، فتكمل ديته كالمسلم، ولنا، ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده عن النبي (8* قال: ((دية المعاهد نصف دية المسلم)) رواه أحمد (٢)، اهـ.
(قال مالك: الأمر) المختار (عندنا أنه لا يقتل مسلم) ولو عبداً (بكافر) ولو
حراً ولو ذمياً وبه قال جمهور العلماء، قال الباجي(٣): لا يقتل المسلم بالكافر،
بل يجلد مائة، ويسجن سنة، وتجب به الدية على عاقلة القاتل على قول
أشهب، وقال ابن القاسم وعبد الملك وأصبغ وغيرهم في مال القاتل، اهـ.
(١) سورة النساء: الآية ٩٢.
(٢) ((مسند أحمد» (١٨٣/٢، ٢٢٤).
(٣) ((المنتقى)) (٧ /٩٧).
١٧

٤١ - كتاب العقول
(١٥) باب
ويضعف الدية على المسلم القاتل ذمياً عند أحمد كما جزم به الخرقي، وقال
الموفق: وجمهور أهل العلم على أن دية الذمي لا تضاعف بالعمد، اهـ.
ثم قال الموفق(١): وأكثر أهل العلم لا يوجبون على مسلم قصاصاً بقتل
كافر أيَّ كافر كان، روي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت ومعاوية،
وبه قال عمر بن عبد العزيز وعطاء والحسن ومالك والثوري والأوزاعي
والشافعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر، وقال النخعي والشعبي وأصحاب
الرأي: يقتل المسلم بالذمي خاصة، واحتجوا بالعمومات في هذا الباب، وبما
روى ابن البيلماني أن النبي وس ﴿ أقاد مسلماً بذمي، وقال: ((أنا أحق من وفى
بذمته)) فلأنه معصوم عصمة مؤبدة، فيقتل به قاتله كالمسلم.
ولنا، قول النبي وَله: ((لا يقتل مؤمن بكافر)) رواه أحمد وأبو داود، وفي
لفظ ((لا يقتل مسلم بكافر)) رواه البخاري وأبو داود، والعمومات مخصوصات
بحديثنا، وحديثهم ليس له إسناد. قاله أحمد، وقال الدارقطني: يرويه ابن
البيلماني، وهو ضعيف إذا أسند، فكيف إذا أرسل؟ وأما المستأمن فوافق أبو
حنيفة الجماعة في أن المسلم لا يقاد به، وهو المشهور عن أبي يوسف،
وعنه: يقتل به؛ لما سبق في الذمي، ولنا أنه ليس بمحقون الدم على التأبيد،
فأشبه الحربي، اهـ.
وقال ابن رشد(٢) في مستدلات الحنفية: إنهم اعتمدوا على إجماع
المسلمين في أن يد المسلم تقطع إذا سرق من مال الذمي، قالوا: فإذا كانت
حرمة ماله كحرمة مال المسلم، فحرمة دمه كحرمة دمه، اهـ.
وفي ((الهداية))(٣): ويقتل المسلم بالذمي خلافاً للشافعي، له قوله عليه
(١) ((المغني)) (٤٦٥/١١).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٣٩٩/٢).
(٣) (٤٤٤/٢).
١٨

٤١ - كتاب العقول
(١٥) باب
إِلَّا أَنْ يَقْتُلَهُ مُسْلِمٌ قَتْلَ غِيلَةٍ. فَيُقْتَلُ بِهِ .
السلام: ((لا يقتل مؤمن بكافر)) ولأنه لا مساواة بينهما وقت الجناية، وكذا
الكفر مبيح، فيورث الشبهة، ولنا، ما روي ((أن النبي ◌َّليل قتل مسلماً بذمي))،
ولأن المساواة في العصمة ثابتة نظراً إلى التكليف أو الدار، والمبيح كفر
المحارب دون المسالم، والقتل بمثله يؤذن بانتفاء الشبهة، والمراد بما روي
الحربي لسياقه، ولا ذو عهد في عهده والعطف للمغائرة، اهـ.
(إلا أن يقتله) أي كافراً (مسلم قتل غيلة) بكسر الغين المعجمة وسكون
التحتية أي خديعة، قاله الزرقاني، وسيأتي البسط فيه (فيقتل) ببناء المجهول
المسلم (به) أي بالكافر، قال الزرقاني: لأن القتل للفساد لا للقصاص، فلو
عفا ولي الدم عن القاتل لم يعتبر ويقتل، اهـ.
قال ابن رشد(١): اختلف العلماء في قتل المؤمن بالكافر على ثلاثة
أقوال، قال قوم: لا يقتل مؤمن بكافر، وممن قال به الشافعي وأحمد وداود
وجماعة، وقال قوم: يقتل به، وممن قال بذلك أبو حنيفة وأصحابه وابن أبي
ليلى، وقال مالك والليث: لا يقتل به إلا أن يقتله غيلة، وقتل الغيلة أن
يضجعه، فيذبحه وبخاصة على ماله.
قال الدردير: الغيلة: القتل لأخذ المال فلا يشترط فيه الشروط المتقدمة
أي شروط القصاص، بل يقتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر، ولا يقتل به
قصاصاً بل للفساد، ولذا قال مالك: ولا عفو فيه ولا صلح، وصلح الولي
مردود، والحكم فيه للإمام، اهـ.
قال الدسوقي(٢): قوله: لأخذ المال، سواء كان القتل خفية كما لو
خدعه فذهب به لمحل فقتله فيه لأخذ المال، أو كان ظاهراً على وجه يتعذر
مع الغوث، وإن كان الثاني قد يسمى حرابة، اهـ.
(١) ((بداية المجتهد)) (٣٩٩/٢).
(٢) ((حاشية الدسوقي)) (٣٤٨/٤).
١٩

٤١ - كتاب العقول
(١٥) باب
وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِك، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ
يَسَارٍ كَانَ يَقُولُ: دِيَهُ الْمَجُوسِيِّ ثَمَانِيَ مِائَّةِ دِرْهَمٍ.
قَالَ مَالِكٌ: وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا.
وقال الموفق(١): قتل الغيلة وغيره سواء في القصاص والعفو، وذلك
للولي دون السلطان، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وابن المنذر، وقال مالك:
الأمر عندنا أن يقتل به، وليس لولي الدم أن يعفو عنه. وذلك إلى السلطان،
والغيلة عنده أن يخدع الإنسان، فيدخل بيتاً أو نحوه فيقتل أو يؤخذ ماله، ولعله
يحتج بقول عمر - رضي الله عنه - في الذي قتل غيلة: لو تمالأ عليه أهل
صنعاء لأقدتُهم به، ولنا، عموم قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِّهِ، سُلْطَانًا﴾(٢) وقول
النبي ◌َّ: ((فأهله بين خيرتين))، ولأنه قتيل في غير المحاربة، فكان أمره إلى
وليه كسائر القتلى، وقول عمر - رضي الله عنه -: لأقدتهم به، أي أمكنت
الولي من استيفاء القود منهم، اهـ.
(مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أن سليمان بن يسار كان يقول:
دية المجوسي ثمان مائة درهم) وهي ثلث خمس دية المسلم. (قال مالك: وهو
الأمر) المرجح (عندنا) بالمدينة المنورة، وقال الموفق(٣): دية المجوسي ثمان
مائة درهم، ونساؤهم على النصف، هذا قول أكثر أهل العلم. قال أحمد: ما
أقل ما اختلف في دية المجوسي، وممن قال ذلك عمر وعثمان وابن مسعود
وابن المسيب وعطاء والحسن ومالك والشافعي وإسحاق، وروي عن عمر بن
عبد العزيز أنه قال: ديته نصف دية المسلم كدية الكتابي؛ لقول النبي وَليل ((سنوا
بهم سنة أهل الكتاب))، وقال النخعي والشعبي وأصحاب الرأي: ديته كدية
المسلم؛ لأنه حر آدمي معصوم فأشبه المسلم.
(١) ((المغني)) (٤٤/١١).
(٢) سورة الإسراء: الآية ٣٣.
(٣) ((المغني)) (٥٥/١٢).
٢٠