Indexed OCR Text

Pages 641-660

٤١ - كتاب العقول
(٩) باب
قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ الْعَوْرَاءِ
إِذَا طُفِئَتْ. وَفِي الْيَدِ الشَّلَاءِ إِذَا قُطِعَتْ. إِنَّهُ لَيْسَ فِي ذُلِكَ إلَّا
الاجْتِهَادُ. وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ عَقْلٌ مُسَمَّى.
منه كاليدين، وتجب في أهداب العينين بمفردها الدية، وهو الشعر الذي على
الأجفان، وفي كل واحد منها رُبْعُها، وبهذا قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: فيه
حكومة، ولنا، أن فيها جمالاً ونفعاً، فإنها تقي العينين، وتردُّ عنهما، وتُجَمِّلُ
العين، فوجبت فيها الدية، كالأجفان، وإن قطع الأجفان بأهدابها، لم يجب
أكثر من دية، لأن الشعر يزول تبعاً لزوال الأجفان، فلم تفرد بضمان،
کالأصابع إذا قطع اليد وهي عليها، اهـ.
(قال مالك: الأمر) المختار (عندنا أن في العين القائمة) في محلها
(العوراء) التي لا تبصر (إذا طفئت) ببناء المجهول، أي أزيلت وجرحت، وقد
كان ذهب نورها قبل ذلك (وفي اليد الشلّاء) من شلّت يده بتشديد اللام إذا
يبست، وهي التي ذهبت منفعة البطش عنها، كما تقدم في أول الباب (إذا
قطعت) ببناء المجهول (إنه ليس في ذلك) الذي ذكر من العين القائمة واليد
الشلاء (إلا الاجتهاد) أي الحكومة (وليس في ذلك عقل مسمى) قال الزرقاني:
لأنه لم يرد فيه شيء، اهـ. وكأنه لم يثبت عنده ما ورد في ذلك.
وفي ((المحلى)) بعد قول الإمام: وعليه أبو حنيفة والشافعي، وروى أبو
داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: قضى النبي وَّ في العين القائمة
السادّة لمكانها بثلث الدية.
وفي ((المفاتيح))(١): هي عبارة عن حدقة أعمى، ففي قلعها ثلث الدية عند
إسحاق عملاً بظاهر هذا الحديث، وعند غيره لا يجب إلا حكومة عدل، وتأويل
هذا الحديث عنده أن حكومته بلغت ثلث ديته، وهو محمل ما روى عبد الرزاق
وسعيد بن منصور عن ابن عباس وابن المسيب أن عمر - رضي الله عنه - قضى
(١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٨٥/٧).
٦٤١

٤١ - كتاب العقول
(١٠) باب
(١٠) باب ما جاء في عقل الشجاج
في اليد الشلاء والرجل الشلاء والعين القائمة العوراء والسن السوداء، في كل
واحد منهن ثلث دیتها، اهـ.
وقال البيهقي(١) بعد أثر زيد بن ثابت المذكور في أول الباب: قال
مالك: ليس على هذا العمل إنما فيها الاجتهاد، لا شيء موقت، وقد يحتمل
قول زيد بن ثابت أن يكون اجتهد فيها، فرأى الاجتهاد فيها قدر خمسها، قال
الشيخ: ويحتمل قول عمر - رضي الله عنه - ما احتمل قول زيد بن ثابت، وقد
روينا عن مسروق أنه قال: في العين العوراء حكم، وفي اليد الشلّاء حكم،
وفي لسان الأخرس حكم، وعن إبراهيم النخعي أنه قال: في العين القائمة،
واليد الشلّاء، ولسان الأخرس حكومةُ عدلٍ، اهـ.
(١٠) ما جاء في عقل الشجاج
بكسر الشين المعجمة جمع شجة بفتح الشين، الجراحة التي تكون في
الرأس والوجه، وما تكون في غيرهما يسمى جرحاً لا شجة، كذا في
((المحلى)). وفي ((الدر المختار): تختص الشجَّةُ بما يكون بالوجه والرأس لغة،
وما يكون بغيرهما فتسمى جراحة، وفيها حكومة عدل، اهـ.
وفي (الهداية)) (٢) الشجاج عشرة، ١ - الحارصة بمهملات، وهي التي
تحرص الجلد أي تخدشه، ولا تخرج الدم، وتسمى خادشة، ٢ - والدامعة
بمهملات، وهي التي تظهر الدم، ولا تسيله كالدمع في العين، ٣ - والدامية
وهي التي تسيل الدم، ٤ - والباضعة، وهي التي تبضع الجلد أي تقطعه، ورجح
ابن عابدين في تفسيرها ما في ((البدائع)) و((المحيط)) أنها التي تبضع اللحم.
(١) ((السنن الكبرى)) (٩٨/٨).
(٢) (٨٢/٨، وما بعدها).
٦٤٢

٤١ - كتاب العقول
(١٠) باب
٥ - والمتلاحمة. وهي التي تأخذ في اللحم أكثر من الباضعة، والوجه
أن يقال لها: اللاحمة أي قاطعة اللحم، وإنما سُمِّيتْ بذلك على التفاؤل،
وقال السرخسي في ((المبسوط)»: المتلاحمة هي التي تقطع أكثر اللحم، وروي
عن محمد أن المتلاحمة، قبل الباضعة، وهو اختلاف في مأخذ الكلم لا
الحكم، فمحمد ذهب إلى المتلاحمة مأخوذة من قولك: التحم الشيئان إذا
اتصل أحدهما بالآخر، والمتلاحمة ما تظهر اللحم ولا تقطعه، والباضعة
بعدها، وفي ظاهر الرواية المتلاحمة ما تعمل في قطع أكثر اللحم فهي بعد
الباضعة، اهـ.
٦ - والسِّمْحَاق كقِرْطاس وهي التي تصل إلى السمحاق، وهي جلدة
رقيقة بين اللحم وعظم الرأس، ٧ - والموضحة وهي التي توضح العظم أي
تبينه، ٨ - والهاشمة وهي التي تكسر العظم، ٩ - والمُنَقِّلة بتشديد القاف المفتوحة
أو المكسورة، وهي التي تنقل العظم بعد الكسر أي تحوله، ١٠ - والآمّة بالمد
والتشديد، وهي التي تصل إلى أم الرأس، وهو الذي فيه الدماغ، وبعدها الدامغة
بالغين المعجمة، وهي التي تخرج الدماغ، ولم يذكرها محمد للموت بعدها عادة،
وكذا لم يذكر الحارصة؛ لأنها لا يبقى لها أثر في الغالب، وما لا أثر لها لا حكم
لها، ففي الموضحة القصاص، إن كانت عمداً، ولا قصاص في بقية الشجاج،
وفيما دون الموضحة حكومة العدل؛ لأنه ليس فيها أرش مقدر، ولا يمكن إهداره
فوجب اعتباره بحكم العدل، وهو مأثور عن النخعي وعمر بن عبد العزيز، وفي
الموضحة إن كانت خطأ نصف عشر الدية، وفي الهاشمة عشر الدية، وفي المنقلة
عشر الدية ونصف عشر الدية، وفي الآمة ثلث الدية، انتهى بزيادة من ((الشامي)).
وقال ابن رشد(١) في ((البداية)): الشجاج عشرة في اللغة والفقه، أولها
الدامية، وهي التي تدمي الجلد، ثم الحارصة، وهي التي تشق الجلد، ثم
(١) ((بداية المجتهد)) (٤٢٠/٢).
٦٤٣

٤١ - كتاب العقول
(١٠) باب
الباضعة، وهي التي تبضع اللحم أي تشقه، ثم المتلاحمة، وهي التي أخذت
في اللحم، ثم السمحاق، وهي التي تبلغ السمحاق، وهو الغشاء الرقيق بين
اللحم والعظم، ويقال لها: الملطاء بالمد والقصر، ثم الموضحة، وهي التي
توضح العظم أي تكشفه، ثم الهاشمة، وهي التي تهشم العظم، ثم المنقلة،
وهي التي يطير العظم منها، ثم المأمومة، وهي التي تصل إلى أم الدماغ، ثم
الجائفة، وهي التي تصل إلى الجوف.
وأسماء هذه الشجاج مختصة بما وقع بالوجه منها والرأس دون سائر
البدن، واسم الجرح يختص بما وقع في البدن، فهذه أسماء هذه الشجاج،
اهـ. ثم ذكر أحكام هذه الشجاج، وفيه أنّ ذكر الجائفة فيها مجازٌ، فإنها ليست
من شجاج الرأس، وقد قال بنفسه بعد ذلك: أما الجائفة فاتفقوا على أنها من
جراح الجسد لا من جراح الرأس، اهـ.
وتبقى بعد ذلك تسعة لا عشرة، ولم يذكر فيها من شجاج صاحب
((الهداية)) الدامعة بالعين المهملة، ومن أصحاب الفروع المالكية الدامغة بالغين
المعجمة .
فقد قال الدردير (١): الجراح عشرة، اثنان يختصان بالرأس، وهما الآمة
والدامغة، وثمانية تكون في الرأس أو الخد، وهي المنقلة والموضحة وما قبلها
أي الموضحة وهي ستة، ثلاثة متعلقة بالجلد، وهي دامية، وهي التي تضعف
الجلد، فيرشح منه دم من غير شق الجلد، وحارصة شقت الجلد وأفضت
اللحم، وسمحاق بالكسر، وهي التي كشطت الجلد أي أزالته عن محله،
وثلاثة متعلقة باللحم، وهي باضعة شقت اللحم، ومتلاحمة غاصت في اللحم
في عدة مواضع، ولم تقرب من العظم، وملطاة بكسر الميم، قربت للعظم،
ولم تصل له، اهـ.
(١) ((الشرح الكبير)) (٢٥٠/٤).
٦٤٤

٤١ - كتاب العقول
(١٠) باب
وقال الباجي(١): أول الجراح الدامية، ثم الحارصة، وهي التي تشق
الجلد، ثم السمحاق، ثم الباضعة، ثم المتلاحمة، ثم الملطاة، ثم الموضحة،
وقال ابن المواز: الملطاة هي السمحاق، وهي التي لا تقطع الجلد، وتهشم
العظم، وتنتف الشعر، وتدمي، ولا تقطع من الجلد شيئاً، وقال ابن حبيب:
أولها الدامية، وهي التي تدمي الجلدَ بخدش، ثم الخارصة، وهي التي تخرص
الجلد أي تشقه، وهي السمحاق وهي تسلخ الجلد، كأنها تكشطه عن العظم،
ثم الباضعة تقطع اللحم بعد الجلد، ثم المتلاحمة وهي التي أخذت في اللحم
في غير موضع، ثم الملطاة بينها وبين العظم صِفاق رقيق، ثم الموضحة، ثم
الهاشمة، ثم المنقلة، ثم الدامغة وهي ما أفضى إلى الدماغ، اهـ.
وقال ابن قدامة في ((الشرح الكبير))(٢): الشجةُ اسم لجرح الرأس والوجه
خاصة، وهي عشرة، خمس لا مقدر فيها .
١ - أولها الحارصة، قاله الأصمعي، وهي التي تشق الجلد قليلاً لا يظهر
منه دم، وقال بعضهم: هي الحرصة.
٢ - ثم البازلة، وهي التي ينزل منها الدم أي يسيل، وتسمى الدامية
أيضاً، والدامعة لقلة سيلان دمها تشبيهاً له بخروج الدمع من العين.
٣ - ثم الباضعة، وهي التي تشقُّ اللحم بعد الجلد.
قال الموفق(٣): هذا هو الصواب، وهكذا رتبها سائر من علمنا قوله من
أهل العلم، فما في بعض النسخ الحارصة، ثم الباضعة، ثم البازلة غلط من
الكاتب، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (٨٩/٧).
(٢) (٩٥٤/٩).
(٣) ((المغني)) (١٧٦/١٢).
٦٤٥

٤١ - كتاب العقول
(١٠) باب
٤ - ثم المتلاحمة، وهي التي أخذت في اللحم، يعني دخلت فيه دخولاً
كثيراً تزيد على الباضعة، ولم تبلغ السمحاق.
٥ - ثم السمحاق، وهي التي تصل إلى قشرة رقيقة فوق العظم، تسمى
تلك القشرة سمحاقاً، وسميت الجراح الواصلة إليها بها، ويسميها أهل المدينة
الملطا، والملطاة، وهذه الشجاج الخمس لا توقيت فيها في ظاهر المذهب.
قال الموفق: هو الصحيح من مذهب أحمد، وهو قول أكثر الفقهاء،
يروى ذلك عن مالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وعن أحمد رواية
أخرى في الدامية بعير، وفي الباضعة بعيران، وفي المتلاحمة ثلاثة، وفي
السمحاق أربعة، لأن ذلك يروى عن زيد بن ثابت(١).
ثم قال: وخمس فيها مقدر.
٦ - أولها الموضحة، وهي التي توضح العظم، وأجمع أهل العلم على
أن أرشها مقدر، قاله ابن المنذر، وفي كتاب النبي ◌َ ◌ّ لعمرو بن حزم: ((في
الموضحة خمس من الإبل)).
٧ - ثم الهاشمة، وهي التي توضح العظم وتهشمه، ولم يبلغنا عن
النبي ◌ّر فيها تقدير، وأكثر من بلغنا قوله من أهل العلم على أن أرشها مقدرة
بعشرة من الإبل، روي ذلك عن زيد بن ثابت. وبه قال الشافعي، ونحوه قول
الثوري وأصحاب الرأي، وكان الحسن لا يوقت فيه شيئاً. وحكي عن مالك
أنه قال: لا أعرف الهاشمة، لكن في الإيضاح خمس، وفي الهشم حكومة.
٨ - ثم المنقلة، وهي التي تكسر العظام، وتزيلها عن موضعها، فيحتاج
إلى نقل العظم؛ ليلتئم، فيها خمس عشرة من الإبل بإجماع أهل العلم، حكاه
(١) («السنن الكبرى)) (٨٤/٨).
٦٤٦

٤١ - كتاب العقول
(١٠) باب
وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ
سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ يَذْكُرُ: أَنَّ الْمُوَضِحَةَ فِي الْوَجْهِ مِثْلُ الْمُوضِحَةِ فِي
الرَّأْسِ.
ابن المنذر، وفي كتاب النبي وَّ لعمرو بن حزم: ((في المنقلة خمس عشرة من
الإبل)).
٩ - ثم المأمومة، وهي التي تصل إلى جلدة الدماغ، وتسمى أم الدماغ،
قال ابن عبد البر: أهل العراق يقولون: الآمَّة، وأهل الحجاز المأمومة، وهي
الواصلة إلى أم الدماغ، وهي جلدة فيها الدماغ تسمى أم الدماغ؛ لأنَّها تحوطه
وتجمعه، وأرشها ثلث الدية في قول عامة أهل العلم، غير مكحول إذ قال: في
العمد ثلث الدية، وفي الخطأ ثلثها .
١٠ - ثم الدامغة، وهي التي تجرح الجلد، ففيها ما في المأمومة، قال
القاضي: لم يذكر أصحابنا الدامغة لمساواتها المأمومة في أرشها، وقيل: فيها
مع ذلك حكومة لخرق جلدة الدماغ، ويحتمل أنهم تركوا ذكرها لكون صاحبها
لا يسلم في الغالب، اهـ مختصراً وبزيادة من ((المغني)).
وذكرت هذه الأقاويل من الفروع المختلفة للاختلاف بينهم في تفسير
بعض الشجاج والترتيب بينها، ولا يذهب عليك أن الحارصة ذكرها بعضهم
بالخاء المعجمة، وأكثرهم بالحاء المهملة، وهو الصواب مأخوذ من حرص
الجلد: قرشه، وشقّه.
(مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أنه سمع سليمان بن يسار) الهلالي
(يذكر أن الموضحة) قال صاحب ((الدر المختار)) (١): هي التي توضح العظم أي
تظهره، قال ابن عابدين: بفتح الضاد المعجمة ((قهستاني))، وظاهر كلام الشارح
وغيره أنها بالكسر، اهـ. وبالكسر ضبطه الدردير التي تكون (في الوجه) تكون
في الحكم (مثل الموضحة) التي تكون (في الرأس) في استواء أرشهما يجب في
(١) (١٥١/٧).
٦٤٧

٤١ - كتاب العقول
(١٠) باب
إِلَّا أَنْ تَعِيبَ الْوَجْهَ فَيُزَادُ فِي عَقْلِهَا، مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ عَقْلِ نِصْفٍ
الْمُوضِحَةِ فِي الرَّأْسِ. فَيَكُونُ فِيهَا خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ دِينَاراً.
كل واحد منهما نصف عشر الدية (إلا أن يعيب) بفتح فكسر (الوجه فيزاد) ببناء
المجهول (في عقلها)، أي في دية موضحة الوجه (ما بينها) أي بين موضحة
الرأس (وبين عقل نصف الموضحة في الرأس) أي يزاد النصف على دية
موضحة الرأس (فيكون فيها) أي في موضحة الوجه إذا تعيب الوجه (خمسة
وسبعون ديناراً) على أهل الذهب؛ لأن الدية الكاملة على أهل الذهب كانت
ألف دينار، كما تقدم في أول الكتاب، ونصف عشرها يكون خمسين ديناراً،
وهذا أصل عقل الموضحة، فإذا زيد عليه النصف للعيب صار خمسة وسبعين.
والأثر أخرجه محمد في ((موطئه)) (١) بهذا السند بلفظ: عن سليمان بن
يسار أنه قال: في الموضحة في الوجه، إن لم تعب الوجه مثل ما في
الموضحة في الرأس، قال محمد: الموضحة في الوجه والرأس في كل واحدة
نصف عشر الدية، وهو قول النخعي وأبي حنيفة والعامة من فقهائنا .
قال الباجي(٢): إذا برئت الموضحة على شين، وهو قبح الأثر، فإنه يزاد
في موضحة الوجه والرأس بقدر ما شانه بالاجتهاد، شانه قليلاً أو كثيراً، وهذا
قول مالك في ((الموازية))، وبه أخذ ابن القاسم، قال ابن القاسم: ولم يأخذ
مالك بقول سليمان بن يسار، يزاد فيها ما بينها وبين نصف عقلها، قال مالك:
وما سمعت أن غيره قاله. وقال ابن نافع عن مالك: لا يزاد فيها شيء إلا أن
يكون شيئاً منكراً فيزاد في ذلك، وقال أشهب: لا يزاد لشينها شيء؛ لأن فيها
دية موضحة. ووجه قول مالك أن الوجه يختص بقبح المنظر دون الرأس،
وإنما يختص عقل الموضحة بالشجة، فأما الشين فإنما هو معنى أزيد بعد
ذلك، فيجب أن يكون فيه الاجتهاد، اهـ.
(١) رقم الحديث (٦٧٥) ((التعليق الممجد)) (٢٧/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٨٧/٧).
٦٤٨

٤١ - كتاب العقول
(١٠) باب
قال الدردير(١): الموضحة بكسر الضاد ما أظهرت عظم الرأس أو عظم
الجبهة أو الخدين، فما أوضح عظم غير ما ذكر، ولو أنفاً أو لحياً أسفل، لا
يسمى موضحة عند الفقهاء، اهـ مختصراً. قلت: المراد بالفقهاء فقهاء المالكية.
قال الخرقي: في موضحةِ الحُرِّ خمس من الإبل، سواء كان من رجل أو
امرأة، والموضحة في الرأس والوجه سواء، قال الموفق(٢): أجمع أهل العلم
على أن أرشها مقدر، قاله ابن المنذر، وفي كتاب النبي ◌َّ لعمرو بن حزم:
((في الموضحة خمس من الإبل))، رواه أبو داود والنسائي(٣) والترمذي (٤) وقال:
حسن، وقول الخرقي: سواء كان من رجل أو امرأة، يعني أنهما لا يختلفان
في أرش الموضحة؛ لأنها دون ثلث الدية، وهما يستويان فيما دون الثلث،
ويختلفان فيما زاد، وعند الشافعي أن موضحة المرأة على النصف من موضحة
الرجل بناءً على أن جراح المرأة على النصف من جراح الرجل في الكثير
والقليل، وعموم الحديث الذي رويناه حجة عليه.
ثم أكثر أهل العلم على أن الموضحة في الرأس والوجه سواء، روي
ذلك عن أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -: وبه قال شريح والنخعي وأبو
حنيفة والشافعي وإسحاق، وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: تضعف
موضحة الوجه على موضحة الرأس، فيجب في موضحة الوجه عشر من الإبل؛
لأن شينها أكثر، وذكره القاضي رواية عن أحمد، وموضحة الرأس يسترها
الشعر والعمامة، وقال مالك: إذا كانت في الأنف أو في اللحي الأسفل ففيها
حكومة؛ لأنها تبعد عن الدماغ، فأشبهت موضحة سائر البدن.
(١) ((الشرح الكبير)) (٢٥٠/٤).
(٢) ((المغني)) (١٥٩/١٢).
(٣) أخرجه أبو داود (١٩١/٤) (٤٥٦٦)، والنسائي (٥١/٨).
(٤) أخرجه الترمذي (١٣٩٠).
٦٤٩

٤١ - كتاب العقول
(١٠) باب
قَالَ مَالِكٌ: وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ فِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشَرَةَ فَرِيضَةً.
قَالَ: وَالْمُنَقِّلَةُ الّتِي يَطِيرُ فِرَاشُهَا مِنَ الْعَظْمِ.
ولنا، عموم الأحاديث وقول أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -:
الموضحة في الرأس والوجه سواء، ولأنها موضحة، فكان أرشها خمساً من
الإبل، كغيرها مما سلموه، ولا عبرة بكثرة الشين بدليل التسوية بين الصغيرة
والكبيرة، وقد روي عن أحمد أنه قال: في موضحة الوجه أحرى أن يزاد في
ديتها، وليس معناه أنه يجب فيها أكثر، والله أعلم، إنما معناه أنها أولى
بإيجاب الدية، فإنه إذا وجب في موضحة الرأس مع قلة شينها خمس من
الإبل، فلأن يجب ذلك في الوجه الذي هو مجمع المحاسن أولى، وحمل
كلام أحمد على هذا أولى من حمله على ما يخالف الخبر والأثر وقول أهل
العلم، اهـ.
(قال مالك: والأمر) زاد في النسخ الهندية بعد ذلك (المجتمع عليه) وليس
هذا في النسخ المصرية (عندنا أن في المنقلة) بتشديد القاف المكسورة وقد
يفتح، كذا في ((المحلى))، وفي ((الدر المختار))(١): هي التي تنقل العظم بعد
الكسر، وسيأتي تفسيرها عند المالكية (خمس عشرة فريضة) من الإبل، قال
الموفق (٢): المنقلة زائدة على الهاشمة، وهي التي تكسر العظام وتزيلها عن
مواضعها، فيحتاج إلى نقل العظم ليلتئم. وفيها خمس عشرة من الإبل بإجماع
من أهل العلم، حكاه ابن المنذر، وفي كتاب النبي ◌َّ﴿ لعمرو بن حزم: ((في
المنقلة خمس عشرة من الإبل))، اهـ.
(قال مالك: والمنقلة) هي (التي يطير فراشها) بفتح الفاء وكسرها الرقيق
(من العظم) بيان لفراش عند الدواء، هكذا فسره الزرقاني، وسيأتي كلام غيره
(١) (٢٤٦/١٠).
(٢) ((المغني)) (١٢ / ١٦٤).
٦٥٠

٤١ - كتاب العقول
(١٠) باب
وَلَا تَخْرِقُ إِلَى الدِّمَاغِ. وَهِيَ تَكُونُ فِي الرَّأْسِ وَفِي الْوَجْهِ.
قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْمَأْمُومَةَ
في تفسيره (ولا تخرق) بفتح التاء وسكون المعجمة أي لا تصل (إلى الدماغ)
فإنها إذا تصل إلى الدماغ تكون قاتلاً في الأغلب (وهي) أي المنقلة (تكون في
الرأس وفي الوجه) كما تقدم في أول الباب.
قال الدردير(١): المُنَقِّلة بكسر القاف مشددة، هي التي أطار أي أزال
فراش العظم أي العظم الرقيق، كقشر البصل يعني يزيله الطبيب من أجل الدواء
لتلتئم الجراح، فالمراد أن المنقلة هي التي أطار أي أزال الطبيب، ونقل صغار
العظم منها لأجل الدواء أي ما شانها ذلك، قال الدسوقي: قوله: ما شانها
ذلك، أي وإن لم يحصل نقل بالفعل، اهـ. وهذا التفسير هو الذي اختصره
الزرقاني.
وقال الباجي(٢): المنقلة من الشجاج، ما خرج منها عظم بكسر الشجة
له، وبقي سائر العظم المشجوج وأقله أن يظهر فراش العظم وهو أعلاه، وأما
الهاشمة، فهي التي تهشم العظم، ولا يخرج منه شيء، فإن خرج شيء من
العظم صارت منقلة، اهـ. قال الباجي: المنقلة هي التي تطير فراش العظم مع
الدواء أو هشمته وإن لم يطر وصرعته، وبينها وبين الدماغ صفاق صحيح، اهـ.
وفي ((المجمع)): النقل بفتحتين: صغار الحجر أشباه الأثافي بمعنى
منقول، والمنقلة: شَجَّة يخرج منها صغارُ العظم، ويُنْقَلُ عن أماكنها، وقيل:
التي تنقل العظم أي تكسره، اهـ. وتقدم في أول الباب كلام ابن رشد وغيره
في تفسيرها .
(قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أن المأمومة) وسيأتي تفسيرها قريباً
(١) ((الشرح الكبير)) (٤/ ٢٥٢).
(٢) ((المنتقى)) (٨٨/٧).
٦٥١

٤١ - كتاب العقول
(١٠) باب
وَالْجَائِفَةَ
في كلام المصنف (والجائفة) قال ابن رشد (١): وهي التي تصل إلى الجوف،
وهكذا فسرها غير واحد، وقال ابن عابدين(٢): قالوا: الجائفة تختص
بالجوف، جوف الرأس أو جوف البطن - (هداية)) - وعليه فذكرها مع الشجاج
التي تختص بالرأس أو الوجه له وجه من حيث أنها قد تكون في الرأس، لكن
نظر فيه الإتقاني بما في ((مختصر الكرخي)) من أنها لا تكون في الرقبة، ولا في
الحلق، ولا تكون إلا فيما يصل إلى الجوف من الصدر والظهر والبطن
والجنين، وبما ذكره في الأصل من أنها لا تكون فوق الذقن، ولا تحت
العانة، قال العيني: لا تدخل الجائفة في العشرة التي هي الشجاج، إذ لا يطلق
عليها الشجة، إنما ذكرت مع الآمَّة لاستوائهما في الحكم، اهـ
قال ابن رشد: اتفقوا على أن الجائفة من جراح الجسد لا من جراح
الرأس، وأنها لا يقاد منها، وأن فيها ثلث الدية، وأنها جائفة متى وقعت في
الظهر والبطن، واختلفوا إذا وقعت في غير ذلك من الأعضاء، فنفذت إلى
تجويفه، فحكى مالك عن سعيد بن المسيب أن في كل جراحة نافذة إلى
تجويف عضو من الأعضاء أي عضو كان، ثلث دية ذلك العضو، وحكى ابن
شهاب أنه كان لا يرى ذلك، وهو الذي اختاره مالك؛ لأن القياس عنده في
هذا لا يسوغ، وأما سعيد فإنه قاس ذلك على الجائفة على نحو ما روي عن
عمر - رضي الله عنه - في موضحة الجسد، اهـ.
وقال الموفق(٣): الجائفة ما وصل إلى الجوف من بطن أو ظهر أو صدر
أو ثغرة نحر أو ورك أو غيره، وذكر ابن عبد البر أن مالكا وأبا حنيفة
والشافعي وأصحابهم اتفقوا على أن الجائفة لا تكون إلا في الجوف، قال ابن
(١) ((بداية المجتهد)) (٤١٩/٢).
(٢) ((رد المحتار)) (٢٤٧/١٠).
(٣) ((المغني)) (١٦٦/١٢).
٦٥٢
٤

٤١ - كتاب العقول
(١٠) باب
لَيْسَ فِيهِمَا قَوَدٌ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ شِهَابِ: لَيْسَ فِي الْمَأْمُومَةِ قَوَدٌ.
القاسم: الجائفة ما أفضى إلى الجوف، ولو بمَغْرِزِ إبرةٍ، فإما إن خرق شدقه،
فوصل إلى باطن الفم فليس بجائفة، وإن طعنه في وجنته فكسر العظم، ووصل
إلى فيه فليس بجائفة، وقال الشافعي في أحد قوليه: هو جائفة؛ لأنه قد وصل
إلى جوف، وهذا ينتقض بما إذا خرق شدقه، فعلى هذا يكون عليه دية هاشمة
لكسر العظم، وفيما زاد حكومة، وإن جرحه في أنفه، فأنفذه فهو كما لو جرحه
في وجنته. فأنفذه إلى فيه، في الحكم والخلاف، اهـ.
(ليس فيها) أي في كل واحدة من المأمومة والجائفة، وفي النسخ
المصرية («ليس فيهما)) (قود) أي قصاص، قال الزرقاني: لأنها من المتلف.
قال الباجي(١): المأمومة ما يصل إلى الدماغ قَدْرَ مَغْرِزِ إبرة فأكثر،
والجائفة ما يصل إلى الجوف مثل ذلك، وليس في شيء منها قود، وبهذا قال
أكثر الفقهاء، وهو المروي عن أبي بكر - رضي الله عنه - قال ابن المواز:
أجمع الفقهاء على ذلك إلا ربيعة، والدليل على ما نقوله أن معنى القصاص أن
يحدث عليه مثل ما جنى، ولما كان الغالب من هذه الجناية أنها لا تقف على
ما انتهت إليه في المجني عليه، بل تؤدي إلى النفس لم يجز القصاص فيها؛
لأن قصد القصاص قصد إلى إتلاف النفس، اهـ.
(وقد قال ابن شهاب الزهري: ليس في المأمومة قود) وكذا الجائفة، قال
صاحب ((المحلى)): ليس في المأمومة قود محركاً، أي قصاص لعدم انضباطها،
ولرواية البيهقي بهذا اللفظ عن طلحة بن عبيد الله مرفوعاً، ولابن ماجه عن
العباس: ((لا قود في المأمومة، ولا الجائفة، ولا المنقلة))، وبه أخذ مالك وأبو
حنيفة والشافعي أنه لا قود في المأمومة، بل يجب ثلث الدية، اهـ.
وقال الموفق(٢): ليس في المأمومة، ولا في الجائفة قصاص عند أحد
(١) ((المنتقى)) (٨٨/٧).
(٢) ((المغني)) (٥٣٩/١١).
٦٥٣

٤١ - كتاب العقول
(١٠) باب
قَالَ مَالِكٌ: وَالْمَأْمُومَةُ مَا خَرَقَ الْعَظْمَ إِلَى الدِّمَاغِ. وَلَا تَكُونُ
الْمَأْمُومَةُ إِلَّا فِي الرَّأْسِ. وَمَا يَصِلُ إِلَى الدِّمَاغِ إِذَا خَرَقَ الْعَظْمَ.
من أهل العلم نعلمه، إلا ما روي عن ابن الزبير أنه قصّ من المأمومة، فأنكر
الناس عليه، وقالوا: ما سمعنا أحداً قص منها قبل ابن الزبير، وممن لم ير في
ذلك قصاصاً مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وروي عن عليّ - رضي الله
عنه - لا قصاص في المأمومة، وقاله مكحول والزهري، وقال عطاء والنخعي:
لا قصاص في الجائفة.
وروى ابن ماجه في ((سننه))(١) عن العباس بن عبد المطلب عن النبي وَ ثل
أنه قال: ((لا قود في المأمومة، ولا في الجائفة، ولا في المنقلة)»، ولأنهما
جرحان لا تؤمن الزيادة فيهما، فلم يجب فيهما قصاص ككسر العظام.
وقال(٢) في موضع آخر: في الجائفة ثلث الدية، وهو قول عامة أهل
العلم، منهم أهل المدينة، وأهل الكوفة، وأهل الحديث، وأهل الرأي، إلا
مكحولاً قال: فيها في العمد ثلثا الدية، ولنا، قوله ◌َّ في كتاب عمرو بن
حزم: ((في الجائفة ثلث الدية))، ولأنها جراحة فيها مقدر، فلم يختلف قدر
أرشها بالعمد والخطأ، انتهى، وبنحو ذلك قال في المأمومة.
(قال مالك: والمأمومة) ويقال لها: الآمة (ما خرق) بالمعجمة فالراء
المهملة (العظم) بالنصب على المفعولية (إلى الدماغ) أي يصل إليه (ولا تكون
المأمومة إلا في الرأس) خاصة دون سائر الجسد (وما يصل إلى الدماغ) يعني لا
يكون في الرأس أيضاً إلا ما يصل إلى الدماغ (إذا خرق العظم) كرره تأكيداً
وتنبيهاً على أن المأمومة لا تسمى قبل الوصول إلى الدماغ.
قال الموفق(٣): المأمومة والآمة شيء واحد، قال ابن عبد البر: أهل
(١) ((سنن ابن ماجه)) (٢٦٣٧).
(٢) (١٦٦/١٢).
(٣) («المغني)) (١٢ /١٦٤).
٦٥٤

٤١ - كتاب العقول
(١٠) باب
قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ مِنَ
الشِّجَاجِ عَقْلٌ. حَتَّى تَبْلُغَ الْمُوْضِحَةَ. وَإِنَّمَا الْعَقْلُ فِي الْمُوْضِحَةِ فَمَا
فَوْقَهَا. وَذُلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَيهِ انْتَهَى إِلى الْمُوْضِحَةِ، فِي كِتَابِهِ
لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ. فَجَعَلَ فِيهَا خَمْساً مِنَ الْإِلِ.
العراق يقولون لها: الآمة، وأهل الحجاز: المأمومة، وهي الجراحة الواصلة
إلى أمّ الدماغ؛ سميت أم الدماغ؛ لأنها تحوطه وتجمعه، فإذا وصلت الجراحة
إليها سميت آمة ومأمومة، اهـ.
وفي ((الدر المختار)) (١) وشرحه ((رد المحتار)): الآمّة بالمد والتشديد،
وتسمى مأمومة أيضاً التي تصل إلى أم الدماغ، وهي الجلدة التي فيها الدماغ
وهو ككتاب، مخ الرأس، اهـ. وهذه الجلدة تسمى أم الدماغ؛ لأنها تحوطه
وتحرزه، كما تقدم في أول الباب.
(قال مالك: والأمر المجتمع عليه) وليس في النسخ المصرية لفظ المجتمع
عليه (عندنا) بالمدينة المنورة (أنه ليس فيما دون الموضحة من الشجاج) العشرة
المذكورة في أول الباب (عقل) أي دية مسماة بل فيها الحكومة (حتى تبلغ)
الشجّة (الموضحة) مفعول تبلغ (وإنما) يجب (العقل) المسمى (في الموضحة فما
فوقها) وتقدم ترتيب الشجاج في أول الباب.
(وذلك) أي سبب عدم وجوب العقل فيما دون الموضحة (أن رسول الله وَ ل
انتهى) في بيان العقل (إلى الموضحة) ولم يذكر ما دونها (في كتابه) المعروف
(لعمرو بن حزم) وفي النسخ الهندية ((إلى عمرو بن حزم))، وهو المذكور في
أول كتاب الديات، (فجعل فيها) أي في الموضحة في هذا الكتاب (خمساً من
الإبل) ولم يجعل فيما دون الموضحة شيئاً مفروضاً، وتقدم الكلام على أرش
الموضحة قريباً في أول هذا الباب.
(١) (١٥١/٧).
٦٥٥

٤١ - كتاب العقول
(١٠) باب
وَلَمْ تَقْضِ الْأَئِمَّةُ فِي الْقَدِيمِ وَلَا فِي الْحَدِيثِ، فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ.
بِعَقْلِ .
وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
الْمُسَيِّب؛
(ولم تقض الأئمة) أي الخلفاء الراشدون، ومن بعدهم ممن يقتدى بهم
(في القديم) من الزمان (ولا في الحديث) أي بعد زمان الخلفاء الراشدين (في
ما دون الموضحة) من الشجاج (بعقل) بالباء الجارة المتعلقة بلم تقض، زاد في
النسخ الهندية (مسمى) أي معين، وليس هذا اللفظ في النسخ المصرية.
قال الموفق(١): الموضحة أول الشجاج الموقتة وما قبلها من الشجاج
الخمس، فلا توقيت فيها في الصحيح من مذهب أحمد، وهو قول أكثر
الفقهاء، يروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز ومالك والأوزاعي والشافعي
وأصحاب الرأي، وروي عن أحمد رواية أخرى، أن في الدامية بعيراً، وفي
الباضعة بعيرين، وفي المتلاحمة ثلاثة، وفي السمحاق أربعة؛ لأن هذا يروى
عن زيد بن ثابت، وروي عن علي في السِمحاق مثل ذلك، رواه سعيد عنهما،
وعن عمر وعثمان، فيها نصف أرش الموضحة، والصحيح الأول؛ لأنها
جراحات لم يرد فيها توقيت في الشرع، فكان الواجب حكومة كجراحات
البدن، وروي عن مكحول قال: قضى النبي ◌ّ﴾ في الموضحة بخمس من
الإبل، ولم يقض فيما دونها، ولأنه لم يثبت فيها مقدر بتوقيف، ولا له قياس
يصح، فوجب الرجوع إلى الحكومة كالحارصة، اهـ.
قلت: وما روي عن زيد بن ثابت وغيره في هذا الباب، يحتمل أن يكون
هذا منهم على سبيل الحكومة والاجتهاد، كما حملوا قول زيد بن ثابت وغيره
على ذلك في عقل العين واليد الشلاء، كما تقدم في الباب السابق.
(مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن سعيد بن المسيب) التابعي
(١) ((المغني)) (١٧٦/١٢).
٦٥٦

٤١ - كتاب العقول
(١٠) باب
أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ نَافِذَةٍ فِي عُضْوٍ مِنَ الْأَعْضَاءِ فَفِيهَا ثُلُثُ عَقْلِ ذَلِكَ
الْعُضْوِ.
حَدّثني مَالِكٌ: كَانَ ابْنُ شِهَابِ لَا يَرَى ذُلِكَ. وَأَنَا لَا أَرَى
فِي نَافِذَةٍ فِي عُضْوٍ مِن الْأَعْضَاءِ فِي الْجَسَدِ أَمْراً مُجْتَمَعاً عَلَيْهِ.
وَلَكِنِّي أَرَى فِيهَا الاجْتِهَادَ، يَجْتَهِدُ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ. وَلَيْسَ فِي ذُلِكَ
أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَنَا .
الشهير (أنه قال: كل) جراحة (نافذة) أي ما ينفذ (في عضو من الأعضاء) أي
عضو كان (ففيها ثلثُ عقل ذلك العضو) الذي نفذت الجراحة إليه، والأثر ذكره
محمد في ((موطئه))(١) بهذا اللفظ، ثم قال: قال محمد: في ذلك أيضاً حكومة
عدل، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا .
(قال مالك: وكان ابن شهاب) الزهري (لا يرى ذلك) الذي يروى عن ابن
المسيب .
(قال مالك: وأنا) أيضاً ( أرى في ) جراحة (نافذة في عضو من الأعضاء
في الجسد أمراً) مفروضاً (مجتمعاً عليه) بحد معين كما حده ابن المسيب
(ولكني أرى فيه الاجتهاد) مثل الذي تقدم عن قول أبي حنيفة في كلام محمد،
يعني (يجتهد الإمام في ذلك) فيحكم بما وقع عليه اجتهاده (وليس في ذلك أمر
مجتمع عليه عندنا) كرره تأكيداً. قال صاحب ((المحلى)): وهو قول أبي حنيفة
والجمهور، اهـ.
قال الباجي(٢): قول ابن المسيب: إن في كل نافذة في عضو ثلث عقله،
أنكره ابن شهاب وغيره من العلماء، وقال مالك: إنما يكون فيه الاجتهاد، يريد
- والله أعلم - أن جرح الخطأ لا يعقل حتى يبرأ، فإن برئ على غير شين، فلا
(١) رقم الحديث (٦٧٢) ((التعليق الممجد)) (٢١/٣).
(٢) («المنتقى)) (٩٠/٧).
٦٥٧

٤١ - كتاب العقول
(١٠) باب
قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمَأْمُومَةَ وَالْمُنَقِّلَةَ وَالمُوضِحَةَ لَا
تَكُونُ إِلَّا فِي الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ. فَمَا كَانَ فِي الْجَسَدِ مِنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهِ
إِلَّا الاجْتِهَادُ.
قَالَ مَالِكٌ: فَلَا أَرَى اللَّحْيَ الْأَسْفَلَ وَالْأَنْفَ مِنَ الرَّأْسِ فِي
جِرَاحِهِمَا. لِأَنَّهُمَا عَظْمَانِ مُنْفَرِدَانِ. وَالرَّأْسُ، بَعْدَهُمَا، عَظْمٌ وَاحِدٌ.
شيء فيه، وإن برئ على شين، ففيه الحكومة، وهو ما يؤدي إليه اجتهاد
المجتهد، فلما نقص ذلك الجرح الذي جنى عليه من مناولة ذلك العضو،
وليس فيه عقل مقدر فيوقف عنده، قال أشهب: وقد وقف قوم فيما دون
الموضحة قدراً من الدية.
قال مالك: والأصل في ذلك التوقيف، وأول من كتب معاوية، ثم طرحه
عمر بن عبد العزيز حين ولي، وقد أنكر مالك ما روي عنه أنه حدث به عن
عمر وعثمان في الملطاة، قال القاضي أبو محمد: إنما قلنا: إن فيما دون
الموضحة الاجتهاد، وهو الحكومة، وكذلك جراح الجسد؛ لأن مقادير العقل
لا تؤخذ بالقياس، وليس في ذلك شرع مقدر، اهـ.
(قال مالك: الأمر المجتمع عندنا) بالمدينة المنورة (أن المأمومة والمنقلة
والموضحة) كل واحدة منها (لا تكون) ولا تطلق في الاصطلاح (إلا في)
جراحات (الوجه والرأس فما كان في الجسد من ذلك) الجرح و((من)) بيان لما.
(فليس فيه إلا الاجتهاد) لأنه لم يرد فيه توقيف من الشارع، وقد تقدم في أول هذا
الباب أنهم أجمعوا على أن هذه الثلاثة من الشجاج المختصة بالرأس والوجه.
(قال مالك: ولا أرى اللحي) بفتح اللام وسكون الحاء المهملة (الأسفل) وهو
عظم الحنك الذي عليه الأسنان، وهما لحيان الأعلى والأسفل منبت شعور الخدين
والذقن (والأنف) عطف على اللحي، أي لا أرى الأنف أيضاً (من الرأس) متعلق
بلا أرى (في جراحهما) كذا في المصرية، وفي الهندية ((جراحتهما)) أي جراح
اللحي والأنف (لأنهما عظمان منفردان) مستقلان (والرأس بعدهما عظم واحد)
٦٥٨

٤١ - كتاب العقول
(١٠) باب
وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ؛
أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَقَادَ مِنَ الْمُنَقِّلَةِ.
منفرد، قال الباجي: هذا مذهب مالك وجميع أصحابه، وقال الشافعي: الأنف
من الوجه، واللحي الأسفل من الرأس، اهـ.
قلت: ويقول الشافعي قال جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين
والفقهاء، منهم الشيخان أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - والفقيهان شريح
والنخعي والإمامان أبو حنيفة وأحمد، كما تقدم قريباً تحت أثر سليمان بن
يسار، أن الموضحة في العقل مثل الموضحة في الرأس.
(مالك عن ربيعة) الرأي (بن أبي عبد الرحمن أن عبد الله بن الزبير)
الصحابي الشهير (أقاد) أي أخذ القصاص (من المنقلة) قال الزرقاني: لم يوافقه
على ذلك مالك، فقال: لا قصاص في المنقلة.
قال الباجي(١): هذا مما اختلف فيه العلماء، فقال أبو بكر الصديق: لا
قود فيه، وقاله المغيرة في ((المجموعة))، ورواه ابن القاسم وغيره عن مالك،
وقال عنه ابن نافع: لا أرى ما صنع ابن الزبير، ولم يمض عليه الأمر، وقال
القاضي أبو محمد: فيه روايتان إحداهما وجود القود، والأخرى نفيه، اهـ.
وقال الموفق(٢): ليس في شيء من شجاج الرأس قصاص، سوى
الموضحة، وسواء في ذلك ما دون الموضحة كالحارصة وغيرها، وما فوق
الموضحة، وهي الهاشمة والمنقلة والآمّة، وبهذا قال الشافعي، فأما ما فوق
الموضحة، فلا نعلم أحداً أوجب فيه القصاص، إلا ما رُوي عن ابن الزبير أنه
أقاد من المنقلة، وليس بثابت عنه، وممن قال به عطاء وقتادة ومالك والشافعي
وأصحاب الرأي، قال ابن المنذر: لا أعلم أحداً خالف ذلك، ولأنهما
(١) ((المنتقى)) (٩٠/٧).
(٢) («المغني)) (٥٤/١١).
٦٥٩

٤١ - كتاب العقول
(١١) باب
(١١) باب ما جاء في عقل الأصابع
وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ رَبِيعَة بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛
أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ: كَمْ في إِصْبَع الْمَرْأَةِ؟ فَقَالَ:
عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ. فَقُلْتُ: كَمْ فِي إصْبَعَيْنِ؟ قَالَ: عِشَّرُونَ مِنَ الْإِبِلِ .
فَقُلْتُ: كَمْ فِي ثَلاث؟ فَقَالَ: ثَلاثُونَ مِنَ الإِبِلِ. فَقُلْتُ: كَمْ فِي
أَرْبَع؟ قَالَ: عِشْرُونَ مِنَ الإِبِلِ. فَقُلْتُ حِينَ عَظُمَ جُرْحُهَا واشْتَدَّتْ
مُصِيِبَتُهَا نَقَصَ عَقْلُهَا؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ:
جراحتان لا تؤمن الزيادة فيهما أشبهها المأمومة والجائفة، اهـ. ثم ذكر
الاختلاف فيما دون الموضحة.
(١١) عقل الأصابع
وفي بعض النسخ المصرية ((ما جاء في عقل الأصابع))، وهذه الترجمة
موجودة في جميع النسخ المصرية ونسخة ((المحلى))، وذكرها في النسخ الهندية
على الهامش بطريق النسخة، والأولى وجودها .
(مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن) الرأي (أنه قال: سألت سعيد بن
المسيب كم) مقدار الدية (في أصبع المرأة؟) وسيأتي منشأ السؤال والإشكال
(فقال) سعيد: (عشر من الإبل، فقلت: كم في أصبعين) منها؟ (قال) سعيد:
(عشرون من الإبل) في كل أصبع عشر (فقلت: كم في ثلاث) من الأصابع؟
(فقال: ثلاثون من الإبل) فقلت: (كم في أربع) من الأصابع؟ (فقال عشرون من
الإبل فقلت) سبحان الله (حين عظم) بضم الظاء المعجمة الخفيفة أي كثر
(جرحها) بضم الجيم (واشتدت مصيبتها) بجرح الأربع (نقص عقلها) أي ديتها
فإن في الثلاث كانت ثلاثين، وفي الأربع صارت عشرين.
(فقال سعيد: أعراقي) بهمزة الاستفهام (أنت) تقابل الأثر بالرأي، كما هو
دأب العراقيين، ولفظ السرخسي في ((المبسوط)): أأعرابي أنت؟ (فقلت:) لست
٦٦٠