Indexed OCR Text
Pages 521-540
٤٠ - كتاب الفرائض (١٣) باب (١٥٠٢) حديث قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، وَالسُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا، وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا: أَنَّهُ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، بِقَرَابَةٍ، وَلَا وَلَاءِ، وَلَا رَحِمِ. وَلَا يَحْجُبُ أَحَداً عَنْ مِیرَاثِهِ . قَالَ مَالِكٌ: وَكَذْلِكَ كُلُّ مَنْ لَا يَرِثُ، إِذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهُ وَارِثٌ. فَإِنَّهُ لَا يَحْجُبُ أَحَداً عَنْ مِيرَاثِهِ . (قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا) وأكّده بقوله: (والسنّة التي لا اختلاف فيه عندنا) أي ببلدنا، ثم أكّده ثالثاً بقوله: (والذي أدركتُ عليه أهل العلم ببلدنا) أي المدينة المنوّرة - زادها الله شرفاً وكرامة ــ (أنه لا يرث المسلم الكافر) أصلاً لا (بقرابة ولا ولاء) أي عتق، أما إذا كان العبد رقيقاً، يأخذ المولى ماله بالملك لا بالإرث (ولا رحم) عطف على قرابة من باب عطف الخاص على العام، وتقدم ذلك مفصلاً، وأكّده بهذه التأكيدات رداً على من قال بذلك من بعض أهل العلم (ولا يحجب) أي لا يمنع (أحداً) أي لا يكون الكافر حاجباً لأحد من المسلمين (عن ميراثه) مثلاً توفي مسلم، وترك أباً كافراً وأخاً مسلماً، ورثه أخوه دون أبيه، ولا يكون الأب الكافر حاجباً للأخ عن ميراثه . ثم ذكر الإمام ضابطة في ذلك بقوله: (قال مالك: وكذلك) أي كما أن الكافر لا يكون حاجباً لكونه غير وراث (كل من لا يرث إذا لم يكن دونه) أي الأقرب إلى الميت (وارث) آخر (فإنه لا يحجب أحداً) أي غيره (عن ميراثه) قال صاحب ((المحلى)): فإن الحاجب ما يكون وارثاً بالفعل أو بالقوة، ومن لا يكون وارثاً لا يكون حاجباً . قال ابن رشد(١): وجمهور العلماء من فقهاء الأمصار ومن الصحابة علي (١) ((بداية المجتهد)) (٣٥٤/٢). ٥٢١ ٤٠ - كتاب الفرائض (١٤) باب (١٤) باب من جهل أمره بالقتل أو غير ذلك وزيد وعمر على أن من لا يرث لا يحجب، مثل الكافر والمملوك والقاتل عمداً، وكان ابن مسعود - رضي الله عنه - يحجب بهؤلاء الثلاثة دون أن يورثهم، أعني بأهل الكتاب والعبيد والقاتلين عمداً، وبه قال داود وأبو ثور، وعمدة الجمهور أن الحجب في معنى الإرث، وأنهما متلازمان، وحجة الطائفة الثانية أن الحجب لا یرتفع إلا بالموت، انتهى. وقال الموفق(١): من لم يرث لمعنى فيه، كالمخالف في الدين والرقيق والقاتل، فإنه لا يحجب غيره في قول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين، إلا ابن مسعود ومن وافقه، فإنهم يحجبون الأم والزوجين بالولد الكافر والقاتل والرقيق، ويحجبون الأم بالإخوة الذين هم كذلك، وبه قال أبو ثور وداود، وتابعه الحسن في القاتل دون غيره، وأما من لا يرث لحجب غيره له، فإنه يحجب وإن لم يرث كالإخوة يحجبون الأم، وهم محجوبون بالأب؛ لأن عدم إرثهم لم يكن لمعنى فيهم، ولا لانتفاء أهليتهم، بل لتقديم غيرهم عليهم، والمعنى الذي حجبوا به في حال إرثهم موجود مع حجبهم عن الميراث، بخلاف مسألتنا، فعلى هذا، إذا اجتمع أبوان وأخوان أو أختان، فللأم السدس، والباقي للأب، ويحجب الأخوان الأم عن السدس، ولا يرثون شيئاً، انتھی. (١٤) العمل في من جهل أمره بالقتل وغير ذلك أي غير القتل من الغرق والحرق وغيرهما، فإنه إذ لم يعلم حال الموتى من تقدم الموت وتأخره، فكيف يفعل في مواريثهم؟. قال الموفق(٢): إن المتوارثَيْن إذا ماتا، فَجُهِل أولهما موتاً، فإن أحمد (١) ((المغني)) (١٧٥/٩) وانظر ((الاستذكار))، (٥٠٣/٥). (٢) («المغني)) (١٧٥/٩). ٥٢٢ ٤٠ - كتاب الفرائض (١٤) باب قال: أذهب إلى قول عمر، وعلي، وشريح، وإبراهيم، والشعبي: يرثُ بعضُهم من بعض، يعني من تِلاد مالِه دون طارِفِه، وهو ما وَرثَه من ميّت معه، وهذا قول من ذكره الإمام أحمد، وهو قول إياس بن عبد الله(١) المزني وعطاء والحسن وابن أبي ليلى وإسحاق وغيرهم، وحكي ذلك عن ابن مسعود، قال الشعبي: وقع الطاعون بالشام عام عَمَواس، فجعل أهل البيت يموتون عن آخرهم، فكُتِب في ذلك إلى عمر - رضي الله عنه -، فكتب عمر - رضي الله عنه - أن وَرِّثُوا بعضَهم من بعض(٢). وروي عن أبي بكر الصديق وزيد وابن عباس ومعاذ والحسن بن علي، أنهم لم يورثوا بعضهم من بعض، وجعلوا ما لكلِّ واحدٍ للأحياء من ورثته، وبه قال عمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأبو حينفة، وأصحابه، ويروى ذلك عن عمر، والحسن البصري، وعبد الرحمن بن عوف. ورُوي عن أحمد ما يدل عليه، فإنه قال في امرأةٍ وابنها ماتا، فقال زوجُها : ماتَتْ فَوَرِثْناها، ثم مات ابني فورثته، وقال أخوها: مات ابنها فورثته، ثم ماتت فورثناها. حلف كل واحد منهما على إبطال دعوى صاحبه، وكان ميراث الابن لأبيه، وميراث المرأة لأخيها وزوجها نصفين، فجعل ميراث كل واحد منهما للأحياء من ورثته، فيحتمل أن يجعل هذا روايةً عن أحمد في جميع مسائل الباب، ويحتمل أن يكون هذا قوله فيما إذا ادّعى وارثُ كلِّ ميت أن مورثه كان آخرهما موتاً، ويرث كل واحد منهما من الآخر، إذا اتّفق وُرَّاثُهم على الجَهْل بكيفية موتهم، لأن مع التداعي تتوجه اليَمينُ على المُدَّعَى عليه، فيحلف على إيطال دعوى صاحبه، ويتوقَّرُ الميراثُ له، كما في سائر الحقوق، بخلاف ما إذا اتفقوا على الجهل، فلا تتوجَّهُ يمينٌ؛ لأن اليمين لا يُشْرع في موضع اتفقوا على الجهل به. (١) في نسخة: إياس بن عبد المزني، له صحبة ((تهذيب التهذيب)) (٣٨٩/١ - ٣٩٠). (٢) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٢٢/٦). ٥٢٣ ٤٠ - كتاب الفرائض (١٤) باب واحتجَّ من قال بعدم توريث بعضهم من بعض، بما روى سعيد(١): حدثنا إسماعيل بن عيّاش عن يحيى بن سعيد، أن قتلى اليمامة وقتلى صفين والحرة لم يُؤُرِّثُوا بعضَهم من بعض، ووَرَُّوا عصبتَهم الأحياء، وقال: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه أنَّ أم كلثوم بنت علي توفيت هي وابنها زيد بن عمر، فالتقتِ الصَّيْحَتَان في الطريق، فلم يدر أيّهما مات قبل صاحبه، فلم ترثه ولم يرثها، ولأن أهل صفين وأهل الحرة لم يتوارثوا، ولأن شرط التوريث حياة الوارث بعد موت الموروث، وهو غير معلوم. وقد احتجَّ بعض أصحابنا بما روى إياس بن عبد الله المزني أن النبي صَلّه سُئل عن قوم وقع عليهم بيت، فقال يرث بعضُهم بعضاً، والصحيح أن هذا إنما هو عن إياس نفسه. وأنّه هو المسئول، وليس برواية عن النبي ◌َّ، هكذ رواه سعيد في ((سننه))(٢)، وحكاه الإمام أحمد عنه، وقال أبو ثور وابن شريح وطائفة من البصريين: يعطى كل وارث اليقين، ويوقف المشكوك فيه، حتى يتبين الأمر أو يصطلحوا، ثم بسط الموفق في أمثلة هذا الخلاف، وتفصيل تقسيم الميراث على مذهب كل واحد من المذاهب الثلاثة من التوريث، وعدمه، والتوقف. وقال ابن رشد(٣): اختلف العلماء في الذين يفقدون في حرب أو غرق أو هدم، ولا يدرى من مات منهم قبل صاحبه، كيف يتوارثون إذا كانوا أهل ميراث؟ فذهب مالك وأهل المدينة إلى أنهم لا يورث بعضهم من بعض، وأن ميراثهم جميعاً لمن بقي من قرابتهم الوارثين، أو لبيت المال، إن لم تكن لهم قرابةٌ ترث، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابه فيما حكى عنه الطحاوي، (١) ((سنن سعيد بن منصور)) (٨٦/١). (٢) («السنن)) (١٨٥/١). (٣) ((بداية المجتهد)) (٣٥٤/٢). ٥٢٤ ٤٠ - كتاب الفرائض (١٤) باب (١٥٠٣) حدیث ١٥/١٥٠٣ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ رَبِيْعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ: أَنَّهُ لَمْ يَتَوَارَثْ مَنْ قُتِلَ يَوْمَ الْجَمَلِ . وذهب علي وعمر - رضي الله عنه - وأهل الكوفة وأبو حنيفة فيما ذكر غير الطحاوي عنهم وجمهور البصريين إلى أنهم يتوارثون. وصفة توريثهم عندهم أنهم يورثون كل واحد من صاحبه في أصل ماله، دون ما ورث بعضهم من بعض، أعني لا يضم إلى مال الموروث ما ورث من غيره، فيتوارثون الكل على أنه مال واحد، مثاله زوج وزوجة توفيا في حرب أو غرق أو هدم، ولكل واحد منهما ألف درهم، فيورث الزوج من المرأة خمسمائة درهم، وتورث المرأة من الألف التي كانت بيد الزوج دون الخمسمائة التي ورث منها ربعها، وذلك مائتان وخمسون، انتهى. وفي ((السراجية)) من فروع الحنفية: إذا ماتت جماعة، ولا يدرى أيهم مات أولاً، جعلوا كأنهم ماتوا معاً، فمال كل واحد منهم لورثته الأحياء، ولا يرث بعض الأموات من بعض، هذا هو المختار، وقال علي وابن مسعود: يرث بعضهم عن بعض إلا فيما ورث كل واحد منهم من صاحبه، انتهى. ١٥/١٥٠٣ - (مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن) الرأي (وعن غير واحد من علمائهم) هكذا بلفظ الواو قبل عن غير واحد من النسخ الهندية. وأكثر المصرية، وفي بعضها بدون الواو، فتكون رواية ربيعة عنهم. والأمر معروف، يروى عن جماعة من الرواة (أنه لم يتوراث) أي لم يجر التوارث في (من قتل) ببناء المجهول (يوم الجمل) يوم الخميس عاشر جمادى الأولى، وقيل: خامس عشرة سنة ست وثلاثين، أضيف إلى الجمل الذي ركبته عائشة - رضي الله عنها - في مسيرها إلى البصرة، واسمه عسكر، اشتراه لها يعلى بن أمية الصحابي بمائتي درهم على الصحيح، وقيل: بأربعمائة، وخرجت مع طلحة والزبير في ثلاثة آلاف، منهم ألف من أهل المدينة ومكة، تدعو الناس إلى ٥٢٥ ٤٠ - كتاب الفرائض (١٤) باب (١٥٠٣) حديث طلب قتلة عثمان؛ لأن كثيراً منهم انضموا إلى عسكر علي - رضي الله عنه - من غير رضا منه، لكنه خشي الفتنة لكثرتهم وتغلبهم، فخرج علي - رضي الله عنه - إليهم، فراسلوه في ذلك، وأبى علي أن يدفع إليهم إلا بعد قيام دعوى من ولي الدم بثبوت ذلك على من باشره بنفسه. فكان بينهم مقتلة عظيمة من ارتفاع الشمس إلى العصر، قتل فيها من أصحاب الجمل ثمانية آلاف، وقيل: سبعة عشر ألفاً، ومن أصحاب علي نحو ألف، وقُطِعَ على خطام الجمل نحو من ثمانين كفاً، معظمهم من بني ضَبَّةَ، كلما قطعت يدُ رجل أخذ الخطام آخرُ، وكانوا قد ألبسوه الأدراع إلى أن عُقِرَ، فانهزموا، فأمر علي - رضي الله عنه - بحمل الهودج من بين القتلى، فاحتمله محمد بن أبي بكر الصديق وعمار بن ياسر، وجَهّزَ علي عائشة ، وأخرج أخاها محمداً معها وشَيَّعها عليٍّ بنفسه أميالاً، وسَرَّح بنيه معها يوماً، قاله الزرقاني(١). وفي ((المحلى)): يوم الجمل وقعة وقعت بالبصرة بين علي وعائشة - رضي الله عنهما - سنة ست وثلاثين في رجب أو النصف من جمادى الآخر، وقصتها مختصراً أنه لما بلغ عائشة قتل عثمان، وكانت بمكة فحَضَّتِ الناسَ على القيام بطلب دم عثمان، وكان الناس قد بايعوا علياً - رضي الله عنه - وممن بايعه طلحة والزبير، واستأذنا علياً في العمرة، فخرجا إلى مكة، فلقيا عائشة ، واتفقوا معها على طلب دم عثمان، حتى يقتلوا قَتَلتَهُ، فسارت عائشة على جمل اشتراه لها يعلى بن أمية من رجل من عرينة في ثلاثة آلاف رجل من مكة والمدينة، ومعها طلحة والزبير، فلما نزلت ببعض مياه بني عامر نبحت عليه الكلابُ، فقالت: أيُّ مكانٍ هذا؟ قالوا: الحوأب بفتح الحاء المهملة وسكون الواو بعدها همزة مفتوحة فموحدة، فقالت: إن النبي وَلّ قال لنا ذات (١) ((شرح الزرقاني)) (١٢١/٣). ٥٢٦ ٤٠ - كتاب الفرائض (١٤) باب (١٥٠٣) حديث وَيَوْمَ صِفِّينَ. يوم: كيف (١) كلاب الحوأب، وعند البزار عن ابن عباس أنه وَّ﴾ قال لنسائه: أيتكن صاحبة الجمل الأدبب؟ بهمزة مفتوحة ودال مهملة ساكنة، فموحدتین، تخرج حتى تنبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها وشمالها قتلى كثيرة، وتنجو بعد ما كادت، وخرج علي - رضي الله عنه - لما بلغه ذلك خوف الفتنة في آخر شهر ربيع الأول سنة ست وثلاثين في تسعمائة راكب، وقدم البصرة، إلى آخر ما ذكره صاحب ((المحلی)). قال صاحب ((الخميس))(٢): لا خلاف بينهم في أن عثمان - رضي الله عنه - استُشهد في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين من الهجرة، وإنما الخلاف في أيّ يوم منه قُتِلَ، فقيل: يوم الجمعة لثمان أو سبع خلت من ذي الحجة، وقيل: في وسط أيام التشريق، وقيل: غير ذلك، وبويع لعلي - رضي الله عنه - يوم قتله، وقيل: في الغد من قتله، وقيل: بعد ثلاثة أيام، وقيل: خمسة، وقيل: غير ذلك، وأقام بالمدينة بعد المبايعة أربعة أشهر، ثم سار إلى العراق، والتقى مع عائشة ومن معها بالبصرة، فجرت بينه وبينها وقعة الجمل بلا قصد، والتحم القتال من الغوغاء، وخرج الأمر عن علي وعن طلحة والزبير، وقتل من الفريقين نحو عشرين ألفاً، وقتل طلحة والزبير، فإنا لله وإنا إليه راجعون، انتهى ملتقطاً . (ويوم صفين) بكسر الصاد المهملة وتشديد الفاء على وزن سكين، موضع قرب الرقة بشاطئ الفرات، كانت به الوقعة العظمى بين علي ومعاوية - رضي الله عنهما - غُرَّة صفر سنة سبع وثلاثين، وذلك أن علياً - رضي الله عنه - لما بايعه أهل المدينة امتنع معاوية في أهل الشام، فكتب إليه علي - رضي الله عنه - مع (١) محرف في الأصل، والحديث أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (١٢٠/٣) وفيه سمعت رسول الله ◌َي يقول: ((كيف بإحداكن إذا نبحتها كلاب الحوأب)). اهـ. ((ش)). (٢) (٢٦٤/٢). ٥٢٧ ٤٠ - كتاب الفرائض (١٤) باب (١٥٠٣) حديث جرير البجلي بالدخول في الطاعة، فأبى، فخرج إليه علي - رضي الله عنه - في أهل العراق في سبعين ألفاً، فيهم تسعون بدرياً، وسبعمائة من أهل بيعة الرضوان، وأربعمائة من سائر المهاجرين والأنصار. وخرج معاوية في أهل الشام في خمسة وثمانين ألفاً، ليس فيهم من الأنصار إلا النعمان بن بشير ومسلمة بن مخلد، والتقى الصفان بصفين، ودامت الحرب مائة يوم وعشرة أيام، فقتل من أهل الشام سبعون ألفاً، ومن أهل العراق عشرون ألفاً، وقيل: خمسة وأربعون ألفاً من أهل الشام، وخمسة وعشرون من أهل العراق. وآل الأمر في معاوية ومن معه إلى طلب التحكيم، ثم رجع علي إلى العراق، فخرجت عليه الحرورية، فقتلهم علي - رضي الله عنه - بالنهروان، ومات بعد ذلك علي - رضي الله عنه -، فبايع ابنه الحسن - رضي الله عنه - أربعون ألفاً على الموت، وخرج بالعساكر لقتال أهل الشام، وخرج إليه معاوية، فوقع بينهم الصلح، قاله الزرقاني(١). وفي ((المحلى)): كان سبب القتال ما أخرجه يعقوب بن سفيان بسند جيد عن الزهري قال: لما بلغ معاوية غلبةُ عليٍّ - رضي الله عنه - على أهل الجمل دعا إلى الطلب بدم عثمان، فأجابه أهل الشام، فسار علي - رضي الله عنه - إليه، فالتقيا بصفين، وعند ابن سعد: أنهم اقتتلوا في غُرَّة صفر، فلما كاد أهل الشام أن يغلبوا، فرفعوا المصاحف بمشورة عمرو بن العاص، ودعوا إلى ما فيها، وآل الأمر إلى الحكمين، فجرى ما جرى في اختلافهما، واستدار معاوية بملك الشام، واشتغل علي - رضي الله عنه - بقتل الخوارج، انتهى. قال السيوطي في ((تاريخ الخلفاء)) (٢) بعد وقعة الجمل: ثم انصرف علي (١) ((شرح الزرقاني)) (١٢٢/٣). (٢) (ص١٩٨). ٥٢٨ ٤٠ - كتاب الفرائض (١٤) باب (١٥٠٣) حديث إلى الكوفة، ثم خرج عليه معاوية من معه بالشام، فبلغ علياً - رضي الله عنه - فسار، فالتقوا بصفين في صفر سنة سبع وثلاثين، ودام القتال، فرفع أهل الشام المصاحف، يدعون إلى ما فيها مكيدةً من عمرو بن العاص، فكره الناس الحرب، وتداعوا إلى الصلح، وحكموا الحكمين، فحكم علي - رضي الله عنه - أبا موسى الأشعري، وحكم معاوية عمرو بن العاص، وكتبوا بينهم كتاباً على أن يُوافُوا رأس الحول بأذْرُحَ(١)، فينظروا في أمر الأمة، فافترق الناس، ورجع معاوية إلى الشام وعلي - رضي الله عنه - إلى الكوفة، فخرجت عليه الخوارج من أصحابه ومن معه، وقالوا: لا حكم إلا الله وَعَسْكروا بِحَرورَاءَ(٢)، فبعث عليهم ابنَ عباس - رضي الله عنه -، فخاصمهم، وحَجَّهم(٣)، فرجع منهم قوم كثير، وثبت قوم، وساروا إلى النَّهروان، فسار إليهم علي - رضي الله عنه - فقتلهم بالنهروان، وقتل منهم ذا الثديةِ، وذلك سنة ثمان وثلاثين. واجتمع الناس بأذرح في شعبان هذه السنة، فَقَدَّمَ عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري مکیدةً منه، فتكلم فخلع علیا، وتكلم عمرو، فأقرّ معاوية، وبایع له، وتفرق الناس على هذا، وصار علي - رضي الله عنه - في خلاف من أصحابه، وانتدب ثلاثة من الخوارج عبد الرحمن بن ملجم، والبُرك بن عبد الله، وعمر بن بكير، فاجتمعوا بمكة، وتعاهدوا ليقتلنَّ هؤلاء الثلاثة علياً ومعاوية وعمرو بن العاص - رضي الله عنهم -، ويريحوا العباد منهم. فقال ابن ملجم: أنا لكم بعلي، وقال البرك: أنا لكم بمعاوية، وقال ابن بكير: أنا لكم بعمرو، وتعاهدوا على أن ذلك يكون في ليلة، فتوجه كلُّ منهم إلى البلد الذي فيه صاحبه، حتى قتل ابن ملجم علياً - رضي الله عنه - في رمضان سنة أربعين، انتهى مختصراً. (١) أذرح: قرية من قرى الشام. (٢) حروراء: موضع بالكوفة. (٣) أي: عليهم بالحجة . ٥٢٩ ٤٠ - كتاب الفرائض (١٤) باب (١٥٠٣) حدیث وَيَوْمَ الْحَرَّةِ. (ويوم الحرة) بفتح الحاء وتشديد الراء المهملتين، أرض ذات حجارة سود كأنها أحرقت بالنار، أرضٌ بظاهر المدينة، كانت بها الوقعة بين أهلها وبين عسكر يزيد بن معاوية، وهو سبع وعشرون ألف فارس، وخمسة عشر ألف راجل سنة ثلاث وستين، بسبب خلع أهل المدينة يزيد، وأخرجوا عامل يزيد عثمان بن محمد من بين أظهرهم، فأباح مسلم بن عقبة أمير جيش يزيد المدينة ثلاثة أيام، يقتلون، ويأخذون النهب، ووقعوا على النساء حتى قيل: حملت في تلك الأيام ألف امرأة من غير زوج، وافتضّ فيها ألف عذراء، وبلغت القتلى من وجوه الناس سبعمائة من قريش والأنصار، ومن الموالي وغيرهم من نساء وصبيان عشرة آلاف، وقيل: قتل من القُرّاء سبعمائة، ثم أخذ عقبة(١) عليهم البيعة ليزيد، على أنهم عبيده إن شاء عتق، وإن شاء قتل. وفي ((البخاري)) عن سعيد بن المسيب: أن هذه الوقعة لم تبق من أصحاب الحديبية أحداً، ثم سار إلى قتال ابن الزبير بمكة، فمات بقديد، واستخلف على الجيش حصين بن نمير بعهد من يزيد إليه بذلك، فنزل مكة، وحاصرها، ورمى الكعبة بالمنجنيق، فجاء الخبر بموت يزيد، فرحل بالجيش إلى الشام، قاله الزرقاني(٢). قلت: توفي أمير المؤمنين معاوية - رضي الله عنه - في رجب سنة ستين، كما في ((التقريب))، وكان قد أخذ العهد لابنه يزيد في حياته، ولا خلاف فيه بين أهل التاريخ، فلما مات معاوية بايعه أهل الشام، ثم بعث إلى أهل المدينة من يأخذ البيعة، فأبى الحسين بن علي وابن الزبير أن يبايعاه، وخرجا إلى مكة، وكان أهل الكوفة يدعونه من زمن معاوية، وهو يأبى، فلما بويع يزيد، وخرج الحسين إلى مكة أقام بها أشهراً. وأهل العراق يرسلون إليه رسلاً وكتباً. (١) هكذا في الأصل والصواب ابن عقبة اهـ، ((ش)). (٢) (شرح الزرقاني)) (١٢٢/٣). ٥٣٠ ٤٠ - كتاب الفرائض (١٤) باب (١٥٠٣) حديث ثُمَّ کَانَ یَوْمَ قُدَیْدٍ . يدعونه إليهم، فخرج من مكة إلى العراق في عشر ذي الحجة، ومعه طائفة من أهل بيته، فكتب يزيد إلى واليه بالعراق عبيد الله بن زياد بقتاله، فوجه إليه جيشاً أربعة آلاف، وخذله أهل العراق، فاستشهد بكربلاء في عاشورة المحرم سنة إحدى وستين في قصة شهيرة، لا يحتمل القلب والقلم ذكرها، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وكان أهل المدينة يبغضون يزيد لذلك من بداية إمارته، ثم بلغهم الأخبار بفسقه من شرب الخمر وارتكاب الكبائر وانتهاك المحارم، فخلعوه سنة ثلاث وستين، قال عبد الله بن حنظلة الغسيل: والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء، أن رجلاً كان ينكح أمهات الأولاد والبنات والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة، قال ابن قتيبة: ذكروا أنه لم يبق بدريٌّ بعد وقعة الحرة، وكانت في ذي الحجة بثلاث بقين منها سنة ثلاث وستين، قالوا: وكان الناس يعجبون من ذلك أن ابن الزبير لم يصلوا إليه إلا بعد ستة أشهر، ولم يكن مع ابن الزبير إلا نفر قليل، وكان بالمدينة أكثر من عشرة آلاف رجل، والله ما استطاعوا أن يناهضوهم يوماً إلى الليل. قلت: وكتب مسلم بن عقبة في كتابه إلى يزيد: أدخلنا الخيل عليهم حين ارتفع النهار، إلى أن كتب: وسلّم الله رجال أمير المؤمنين، فلم يصب أحدٌ منهم بمكروهٍ، ولم يقم لهم عدوهم ساعة من ساعات نهارهم، فما صليت الظهر إلا في مسجدهم بعد القتل الذريع والانتهاب العظيم، وأوقعنا بهم السيوف، وقتلنا من أشرف منهم، واتبعنا مُذْبِرَهم، وأجهزنا على جريحهم، وانتهبناها ثلاثاً، كما قال أمير المؤمنين، إلى آخر ما كتبه في هلال المحرم. (ثم كان) بعد الوقائع المذكورة (يوم قديد) بضم القاف والدالين المهملتين مصغراً، موضع قرب مكة، قال صاحب ((المحلى)): بها وقعة أبي حمزة الخارجي، وكان خرج على مروان من اليمن، وغلب مكة والمدينة، ثم توجه إلى الشام، فقتل، كذا في ((المعارف)) لابن قتيبة، انتهى. ٥٣١ ٤٠ - كتاب الفرائض (١٤) باب (١٥٠٣) حديث قلت: وبسط الطبري في ((تاريخه)) من سنة ١٢٨ هجرية إلى سنة ١٣٠ هجرية في حروب الخوارج مع مروان بن محمد، وهو مروان الحمار، آخر خلفاء بني أمية المولود في سنة ٧٢ هجرية، قال السيوطي في ((تاريخ الخلفاء)) (١): وَلِيَ مروانُ قبل الخلافة ولايات جليلة، وافتتح قونية سنة ١٠٥ هـ، وكان مشهوراً بالفروسية، والإقدام، والرجلة، والدهاء، بويع له في نصف صفر سنة ١٢٧ هـ، ثم لم يتهنَّ بالخلافة لكثرة من خرج عليه إلى أن قال: فخرج عليه بنو العباس، فقتل مروان بقرية بُوصِير في ذي الحجة يعني سنة ١٣٢هـ. قال صاحب ((الخميس))(٢): قال ابن السندي: قُتِل مروان، وهو ابن اثنتين وستين سنة، وقال الذهبي: عاش بضعاً وخمسين سنة، وكانت خلافته خمس سنين وشهراً وعشرة أيام، كذا في ((سيرة مغلطاي))، وكان قتله في ذي الحجة سنة ١٣٢ هـ في بُوصِير من أرض مصر، انتهى. وبسط ابن جرير الطبري في حروبه مع الخوارج من سنة ١٢٨ هـ إلى سنة ١٣٠ هـ، وقال في ((ذيله)) في أحوال سنة ١٢٨ هـ: كان أول أمر أبي حمزة الخارجي، وهو المختار بن عوف الأزدي السليمي من البصرة، وكان أول أمره أنه كان يوافي كل سنة مكة يدعو الناس إلى خلاف مروان بن محمد، وإلى خلاف آل مروان. ثم قال: وفي حجة سنة ١٢٩ هـ وافى أبو حمزة الخارجي بسبعمائة عمائم سُؤْدٍ في رؤوس الرماح، فتحير الناس لذلك، ثم قال: وفي سنة ١٣٠ هـ كانت الوقعة التي كانت بقُديد بين أبي حمزة الخارجي، وبين أهل المدينة، وفيها دخل أبو حمزة مدينة رسول الله صل*، وهرب عبد الواحد بن سليمان عاملها إلى الشام، وتغلب عليها أبو حمزة الخارجي. (١) (ص ٢٩٧). (٢) (٣٢٣/٢). ٥٣٢ ٤٠ - كتاب الفرائض (١٤) باب (١٥٠٣) حديث فَلَمْ يُوَرَّثْ أَحَدٌ مِنْهُمْ مِنْ صَاحِبِهِ شَيْئاً. إِلّا مَنْ عُلِمَ أَنَّهُ قُتِلَ قَبْلَ صَاحِبِهِ . قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتَلَافَ فِيهِ. وَلَا شَكَّ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْم بِبَلَدِنَا. وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ فِي كُلِّ مُتَوَارِثَيْنِ هَلَكًا، بِغَرَقٍ، أَوْ قَتْلِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَوْتِ. إِذَا لَمْ يُعْلَمْ أَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلَ صَاحِبِهِ، لَمْ يَرِثْ أَحَدٌ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ شَيْئاً. وَكَانَ مِيرَاثُهُمَا (فلم يورث) ببناء المجهول (أحد منهم) أي من أحياء يوم قديد (من صاحبه) أي من المقتول يوم قديد أيضاً (شيئاً) من الميراث (إلا من علم) ببناء المجهول (أنه قتل قبل صاحبه) أي قبل المورث. (قال يحيى: وسمعت مالكاً يقول: وذلك) الذي ذكر من عدم الإرث عند الجهل هو (الأمر الذي لا اختلاف فيه) ببلدنا (ولا شك) أي في ذلك، كذا في النسخ المصرية وفي الهندية بدله ((والذي لا شك فيه)) (عند أحد من أهل العلم ببلدنا) المدينة المنوّرة. وما تقدم في أول الباب من خلاف عمر - رضي الله عنه - وغيره من أهل المدينة، فلعله لم يبلغ الإمام مالكاً، أو لم يثبت عنده، أو لم يعتدَّ به لما صار مذهب أهل المدينة بخلافه، فإن نقلة المذاهب ذكروا مذهب أهل المدينة بعدم التوريث، كما تقدم في كلام ابن رشد، وعلى وفقه تعويل في وقعة الجمل وصفین وغيرهما . (قال مالك: وكذلك) أي مثل الذي ذكر من عدم التوارث (العمل عندنا في كل متوارثين) بصيغة التثنية (هلكا) معاً (بغرق أو قتل أو هدم أو غير ذلك من) أسباب (الموت إذا لم يعلم أيهما مات قبل صاحبه، فإذا لم يعلم) ببناء المجهول في الموضعين (أيهما مات قبل صاحبه لم يرث أحد منهما) كذا في النسخ المصرية، وهو أوجه مما في النسخ الهندية بلفظ ((لم يرث أحدهما الآخر)) (من صاحبه شيئاً) مفعول لقوله: لم يرث (وكان ميراثهما) أي ميراث ٥٣٣ ٤٠ - كتاب الفرائض (١٤) باب (١٥٠٣) حديث لِمَنْ بَقِيَ مِنْ وَرَثَتِهِمَا. يَرِثُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَرَثَتُهُ مِنَ الْأَحْيَاءِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَرِثَ أَحَدٌ أَحَداً بِالشَّكِّ. وَلَا يَرِثُ أَحَدٌ أَحَداً إِلَّا بِالْيَقِينِ مِنَ الْعِلْمِ، وَالشُّهَدَاءِ. وَذُلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ يَهْلَّكُ هُوَ وَمَوْلَاهُ الَّذِي أَعْتَقَهُ أَبُوهُ، فَيَقُولُ بنُو الرَّجُلِ الْعَرَبِيِّ: قَدْ وَرِئَهُ أَبُونَا. فَلَيْسَ ذُلِكَ لَهُمْ أَنْ يَرِثُوهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا شَهَادَةٍ. إِنَّهُ مَاتَ قَبْلَهُ. وَإِنَّمَا يَرِثُهُ أَوْلَى النَّاسِ المتوارثين الهالكين (لمن بقي من ورثتهما) يعني (يرث كل واحد منهما) مفعول يرث، وفاعله (ورثته من الأحياء) الموجودين بعده. (قال مالك: لا ينبغي) ولا يجوز (أن يرث أحد أحداً بالشك) في أنه مات قبل صاحبه فيرث، أو بعده فلا يرث (ولا يرث أحد أحداً إلا باليقين من العلم) في وقت موته (والشهداء) قال الباجي(١): يريد أن يعلم ذلك الشهداء ويتيقنونه، ثم يشهدون به، وإذا لم يثبت ذلك بشهادة أهل العدل لم يورث بعضهم من بعض، قال: وهذا على ما قال: إن كل متوارثين جُهِل أولهما موتاً، فإنهما لا يتوارثان، وكذلك القوم يكونون في البيت فينهدم عليهم، فيموتون، فلا يعلم أيُّهم أسبق موتاً، فهؤلاء لا يتوارثون، وكذلك القوم يكونون في السفينة، فيغرقون فلا يعلم أيّهما مات أولاً، ولو رؤي أحدهم رافعاً رأسه، ثم غرق لم يرث ولم يورث؛ لأنه لا يعرف، هل مات من كان يتوارث معه قبله أو بعده، انتهى. (وذلك) أي مثال الذي ذكر (أن الرجل) العربي مثلاً (يهلك هو ومولاه الذي أعتقه أبوه) فماتا معاً، ولا يدرى أيهما مات قبل (فيقول بنو الرجل العربي) المذكور: (قد ورثه) أي المولى (أبونا) فاعل ورث (فليس ذلك لهم) وذكر المشار إليه بقوله: (أن يرثوه) فهو بدل من ذلك (بغير علم ولا شهادة) على (إنه) أي المولى (مات قبله) أي قبل أبيهم (وإنما يرثه) أي المولى (أولى الناس (١) ((المنتقى)) (٢٥٤/٦). ٥٣٤ ٤٠ - كتاب الفرائض (١٤) باب (١٥٠٣) حديث بِهِ مِنَ الْأَحْيَاءِ. قَالَ مَالِكٌ: وَمِنْ ذُلِكَ أَيْضاً الْأَخَوَانِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ. يَمُوتَانِ. وَلِأَحَدِهِمَا وَلَدْ. وَالآخَرُ لَا وَلَدَ لَهُ. وَلَهُمَا أَخْ لِأَبِيهِمَا، فَلَا يُعْلَمُ أَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلَ صَاحِبِهِ. فَمِيرَاثُ الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ، لِأَخِيهِ لِأَبِيهِ. وَلَيْسَ لِبَنِي أَخِيهِ، لِأَبِيهِ وَأَمِّهِ، شَيْءٌ. قَالَ مَالِكٌ: وَمِنْ ذُلِكَ أَيْضاً أَنْ تَهْلَكَ الْعَمَّةُ وَابْنُ أَخِيهَا، أَوِ ابْنَةُ الْأَخِ وَعَمُّهَا، فَلَا يُعْلَمُ أَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلُ. فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلُ، لَمْ يَّرِثِ الْعَمُّ مِنِ ابْنَةِ أَخِيهِ شَيْئاً. وَلَا يَرِثُ ابْنُ الْأَخِ مِنْ عَمَّتِهِ شَيْئاً. به) أي بالمولى (من الأحياء) أي أقربهم إليه حينئذٍ بقطع النظر عن أبيهم. (قال مالك: ومن ذلك أيضاً) أي من أمثلة الضابطة المذكورة (الأخوان للأب والأم) أي الشقيقان زيد وعمرو (يموتان ولأحدهما) زيد (ولد، والآخر) عمرو (لا ولد له) أيضاً (ولهما) أي لزيد وعمرو (أخ لأبيهما) موجود، وهو بكر مثلاً (فلا يعلم أيهما) من زيد وعمرو (مات قبل الآخر. فميراث الذي لا ولد له) وهو عمرو (لأخيه لأبيه) أي لبكر (وليس لبني أخيه لأبيه وأمه) أي ليس لأولاد زيد من ميراث عمرو (شيء) لأن الشقيقين إذا جهل موتهما، فلا يرث أحد منهما من الآخر، وفي الأحياء الموجودين الأخ العلّاتي مقدَّمٌ على أبناء الأخ الشقيق. (قال مالك: ومن ذلك) القبيل (أيضاً) ذكر الإمام عدة فروع توضيحاً، كدأبه في كتابه (أن تهلك العمة وابن أخيها) مثلاً (أو) تهلك (ابنة الأخ وعمها) مثلاً (فلا يعلم) في الصورتين (أيهما مات قبلُ) بالبناء على الضم، ففي الصورتين المذكورتين (إن لم يعلم أيهما مات قبل) كرره تأكيداً وتوضيحاً (لم يرث العم من ابنة أخيه شيئاً) في الصورة الثانية (ولا يرث ابن الأخ من عمته شيئاً) في الصورة الأولى لأنه قد جهل أولهما موتاً، وهكذا في سائر المواريث. ٥٣٥ ٤٠ - كتاب الفرائض (١٥) باب ( ١٥٠٤) حدیث (١٥) باب ميراث ولد الملاعنة وولد الزنا ١٦/١٥٠٤ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَقُولُ فِي وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ وَوَلَدِ الزِّنَا: إِنَّهُ إِذَا مَاتَ وَرِئَتْهُ أُمُّهُ، حَقَّهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَإِخْوَتُهُ لِأُمِّهِ حُقُوقَهُمْ. وَيَرِثُ الْبَقِيَّةَ، مَوَالِي أُمِّهِ. إِنْ كَانَتْ مَوْلَاةً. وَإِنْ كَانَتْ عَرَبِيَّةً، وَرِثَتْ حَقَّهَا. وَوَرِثَ إِخْوَتُهُ لِأُمِّهِ حُقُوقَهُمْ. وَكَانَ مَا بَقِيَ لِلْمُسْلِمِينَ. (١٥) ميراث ولد الملاعنة بفتح العين وكسرها هي التي وقع اللعان بينها وبين زوجها . وولد الزنا تقدم هذا الباب مع ما فيه من الآثار في ((كتاب النكاح)) كرره الإمام مالك بمناسبة الميراث. ١٦/١٥٠٤ - (مالك أنه بلغه أن عروة بن الزبير كان يقول في ولد الملاعنة) أي في ميراثه (وولد الزنا) عطف على ولد الملاعنة (إنه إذا مات) الولد المذكور (ورثته أمه حقها) بالنصب أي الحق الذي كان لها (في كتاب الله عزّ وجلّ) في آية الميراث (وورث إخوته لأمه) أي بنو الأخياف (حقوقهم) فإن نسبه من الأب منتفٍ فلا يرثه ذو قرابة الأب، فلم يبق إلا ذو قرابة الأم (وترث البقية) مفعول ترث أي ما بقي من المال بعد نصيب الأم والإخوة (موالي أمه) فاعل ترث (إن كانت) الأم (مولاة) أي أمة معتقة (وإن كانت) الأم (عربية) حُرَّةً أصليّةً (ورثت) الأم (حقها وورث إخوته لأمه حقوقهم) كما ورثوا في الأم المولاة (وكان ما بقي) من المال بعد نصيب الأم والإخوة (للمسلمين) أي في بيت المال. ٥٣٦ ٤٠ - كتاب الفرائض (١٥) باب (١٥٠٤) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَبَلَغَنِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مِثْلُ ذُلِكَ. قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى ذُلِكَ أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا. (قال مالك: وبلغني عن سليمان بن يسار مثل ذلك) الذي بلغني عن عروة. (قال مالك: وعلى ذلك) الذي ذكرت (أدركتُ) رأي (أهل العلم ببلدنا) في المدينة المنوّرة، وتقدم البحث في ذلك، واختلاف العلماء فيه في كتاب النكاح. ٥٣٧ ٤١ - كتاب العقول (١) باب بسم الله الرحمن الرحيم ٤١ - كتاب العقول (١) باب ذكر العقول (٤١) كتاب العقول بسم الله الرحمن الرحيم هكذا في جميع النسخ الهندية والمصرية المتون والشروح، من تقديم الكتاب على التسمية غير نسخة الباجي، ففيها قُدِّمَتِ التسميةُ على الكتاب، قال الزرقاني: أَخَّرَ التسمية؛ لأنه جعل الترجمة بكتاب كالعنوان، والمقصود بالبداءة به ما بعدها، فجعل التسمية أوله، وكثيراً ما يقدم البسملة على كتاب نظراً إلى البدء الحقيقي، وذلك تفنن لطيف، اهـ. والعقول جمع عقل، يقال: عقلت القتيل عقلاً أديتُ ديته، قال الأصمعي: سُمِّيتِ الدية عقلاً تسميةً بالمصدر؛ لأن الإبل كانت تُعْقَلُ بفناء ولي القتيل، ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية إبلاً كانت أو نقداً، قاله الزرقاني(١). وقال الراغب(٢): أصل العقل الإمساك والاستمساك كعقل البعير بالعقال، وعقلت المرأة شعرها، وعقل لسانه: كفَّه، ومنه قيل للحصن: معقل، جمعه معاقل، وباعتبار عقل البعير. قيل: عقلت المقتول، أعطيت ديته، وقيل: أصله أن تعقل الإبل بفناء وليّ الدم، وقيل: بعقل الدم أن يسفك، ثم سميت الدية بأي شيء كان عقلاً، وسمي الملتزمون له عاقلة، اهـ. (١) ذكر العقول هكذا في جميع النسخ الهندية والمصرية غير نسخة الباجي، فليس فيها (١) (شرح الزرقاني)) (١٧٥/٤). (٢) ((مفردات القرآن)) (ص٥٧٨). ٥٣٨ ٤١ - كتاب العقول (١) باب (١٥٠٥) حديث ١/١٥٠٥ - حذَّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن أَبي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ أَالآلِ هذه الترجمة، بل ذكر الحديث الآتي في ذيل كتاب العقول، والغرض بذكر هذه الترجمة بيان الأصل في ذلك الباب أن الأصل فيه حديث ابن حزم الآتي، اهـ. ١/١٥٠٥ - (مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم) الأنصاري المدني قاضيها (عن أبيه) أبي بكر بن محمد، هكذا أخرجه محمد، في ((موطئه)) بواسطة الأب، والحديث تقدم أولاً في ((باب الأمر بالوضوء لمن مسّ القرآن))، وليس فيه واسطة الأب، بل عن مالك عن عبد الله أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله وَلّ لعمرو بن حزم، الحديث. (أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله وَ ل18) قال ابن عبد البر(١): لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث، وقد روي مسنداً من وجه صالح، ورواه معمر عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن جده، ورواه الزهري عن أبي بكر عن أبيه عن جده، اهـ. ونحو رواية ((الموطأ)» هذه أخرجه النسائي برواية ابن القاسم عن مالك. قال الحافظ في ((تلخيص الحبير)) (٢): وصله نعيم بن حماد عن ابن المبارك عن معمر عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن جده، وجده محمد بن عمرو بن حزم ولد في عهد النبي ◌َّر، ولكنه لم يسمع منه، وكذا أخرجه عبد الرزاق عن معمر، ورواه أبو داود والنسائي من طريق ابن وهب عن يونس عن الزهري مرسلاً، ورواه النسائي وابن حبان والحاكم والبيهقي موصولاً (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١٧٥/٤). (٢) (٤ /١٧). ٥٣٩ ٤١ - كتاب العقول (١) باب (١٥٠٥) حدیث مطولاً من حديث الحكم بن موسى عن يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود حدثني الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده. ثم بسط الكلام على وهم من قال فيه: سليمان بن داود، ورجّح أن الصواب بدله سليمان بن أرقم، ثم قال بعد ما بسط الكلام على تضعيف الحديث وتصحيحه: وقد صحح الحديث بالكتاب المذكور جماعةٌ من الأئمة لا من حيث الإسناد، بل من حيث الشهرة، فقال الشافعي في ((رسالته)): لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله وَالچ . وقال ابن عبد البر(١): هذا كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد؛ لأنه أشبه التواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول، وقال العقيلي: هذا حديث ثابت محفوظ، إلا أنا نرى أنه كتاب غير مسموع عمن فوق الزهري، وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتاباً أصح من كتاب عمرو بن حزم هذا، فإن أصحاب رسول الله وَله والتابعين يرجعون إليه، ويدَعون رأيهم، وقال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز إمام عصره الزهري لهذا الكتاب بالصحة، اهـ مختصراً. وأخرج الحاكم في ((المستدرك))(٢) بسنده إلى أبي الرجال: أن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - حين استخلف أرسل إلى المدينة يلتمس عهد النبي ◌ّيّ في الصدقات، فوجد عند آل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كتابَ عمر إلى عماله في الصدقات بمثل كتاب النبي ◌َّر إلى عمرو بن حزم، فأمر عمر بن عبد العزيز عُمَّالَه على الصدقات أن يأخذوا بما في ذينك الكتابين، الحديث. (١) ((الاستذكار)) (٨/٢٥). (٢) (٣٩٥/١) من كتاب الزكاة. ٥٤٠