Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٩ - كتاب الوصية
(٥) باب
قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالى - ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ -
نَسَخَهَا مَا نَزَلَ مِنْ قِسْمَةِ الْفَرَائِضِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
(قول الله تبارك وتعالى): ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْثُ﴾(١) (﴿إِن تَرَكَ
خَيْرًا﴾) أي مالاً (﴿اَلْوَصِيَّةُ﴾) مرفوع نائب فاعل لقوله: كتب، (﴿لِلْوَالِدَيْنِ
وَاَلْأَقْرَبِينَ﴾) فإن في أول الإسلام كانت الوصية لهم واجبة.
ثُمَّ ذكر المصنف بيان الناسخ، فقال: (نسخها ما نزل من قسمة الفرائض
في كتاب الله عزّ وجلّ) في آية الميراث، قال الباجي: يريد - والله أعلم - أنه
نسخ من ذلك الوصية للوالدين وللورثة من الأقربين، دون من لا يرث، وذلك
أن آية الفرائض قد استوعبت لكل وارث حقه، من تركة الميت، فليس للموصي
أن ينقص أحدهم من حقه، ولا أن يزيد فيه بوصية، أو غيرها، وقد روي في
ذلك عن النبي ◌َ﴾ ((أن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث))،
انتھی .
وقد أخرج البخاري في ((صحيحه)) عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال:
كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحبّ، فجعل
للذكر مثل حظ الأنثيين، الحديث، قال الحافظ(٢): هو موقوفٌ لفظاً إلا أنه في
تفسيره إخبار بما كان من الحكم قبل نزول القرآن، فيكون في حكم المرفوع
بهذا التقرير، قال جمهور العلماء: كانت الوصية في أول الإسلام واجبة
لوالدي الميت، وأقربائه على ما يراه من المساواة، والتفضيل، ثم نسخ ذلك
بآية الفرائض، وقيل: كانت للوالدين والأقربين دون الأولاد، فإنهم كانوا يرثون
ما يبقى بعد الوصية.
وأغرب ابن شريح، فقال: كانوا مكلفين بالوصية للوالدين، والأقربين
(١) سورة البقرة: الآية ١٨٠.
(٢) ((فتح الباري)) (٥/ ٣٧٢).
٣٤١

٣٩ - كتاب الوصية
(٥) باب
قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: السُّنّةُ الثَّابِتَةُ عِنْدَنَا الَّتِي لَا
اخْتِلَافَ فِيهَا أَنَّهُ لَا تَجُوزُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ .
بمقدار الفريضة التي في علم الله تعالى قبل أن ينزلها، واشتدّ إنكار إمام
الحرمين عليه في ذلك، وقيل: إن الآية مخصوصة؛ لأن الأقربين أعمُّ من أن
يكونوا وارثاً، وكانت الوصية واجبة لجميعهم، فخص منها من ليس بوارث،
بآية الفرائض، وبقوله {وَلجر: ((لا وصية لوارث)). وبقي حق من لا يرث من
الأقربين من الوصية على حاله، قاله طاووس، وغيره، واختلف في تعيين ناسخ
آية الوصية، فقيل: آية الفرائض، وقيل: الحديث المذكور، وقيل: دل الإجماع
علی ذلك وإن لم یتعین دليله، انتهى.
(قال مالك: السنة الثابتة عندنا التي لا اختلاف فيها) بيننا (أنه لا تجوز
وصية لوارث) لما أخرجه أبو داود والترمذي(١) وغيرهما عن أبي أمامة:
سمعت رسول الله والله يقول في خطبته في حجة الوداع: ((إن الله قد أعطى كل
ذي حق حقه، فلا وصية لوارث))، وفي إسناده إسماعيل بن عيّاش، وقد قَوَّى
حديثَه عن الشاميين جماعةٌ من الأئمة، منهم أحمد، والبخاري، وهذا من
روايته عن شرحبيل بن مسلم، وهو شاميٌّ، ثقة، وصَرَّح في روايته بالتحديث
عنه الترمذي، والنسائي.
وقال الترمذي: حديث حسن، وفي الباب عن عمرو بن خارجة عند
الترمذي، والنسائي، وعن أنس عند ابن ماجه، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده عند الدارقطني، وعن جابر عند الدارقطني أيضاً، وقال: الصواب
إرساله.
وعن عليٍّ - رضي الله عنه - عند ابن أبي شيبة، ولا يخلو إسناد كل منها
عن مقال، لكن مجموعها يقتضي أن للحديث أصلاً، بل جنح الشافعي في
(١) ((سنن أبي داود)) (٢٨٧٠)، ((سنن الترمذي)) (٢١٢٠)، ((سنن ابن ماجه)) (٢٧١٣).
٣٤٢

٣٩ - كتاب الوصية
(٥) باب
إِلَّا أَنْ يُجِيزَ لَهُ ذُلِكَ وَرَثَةُ الْمَيِّتِ .
(الأم)) إلى أن هذا المتن متواترٌ، فقال: وجدنا أهل الفتيا، ومن حفظنا عنهم
من أهل العلم بالمغازي من قريش، وغيرهم، لا يختلفون في أن النبي وَل قال
عام الفتح: ((لا وصية لوارث))، ويؤثرون عمن حفظوه عنه ممن لقوه من أهل
العلم، فكان نقل كافة عن كافة، فهو أقوى من نقل واحد.
وقد نازع الفخر الرازي في كون هذا الحديث متواتراً، وعلى تقدير تسليم
ذلك، فالمشهور من مذهب الشافعي أن القرآن لا ينسخ بالسنة، لكن الحجة في
هذا الإجماعُ على مقتضاه، كما صرح به الشافعي وغيره، والمراد بعدم صحة
وصية الوارث عدم اللزوم؛ لأن الأكثر على أنها موقوفة، على إجازة الورثة كما
سيأتي بيانه.
قال الباجي(١): يحتمل أن يريد بقوله: السنة الثابتة العمل المتصل من
زمان الصحابة إلى زمانه، ولذلك قال: التي لا اختلاف فيها عندنا، وليس
يخفى على مالك أنه ليس في ذلك حديث ثابت عن النبي وَّلة، وقال
سحنون في ((المجموعة)): وما روي عن النبي ◌َ ﴿ أنه قال: ((لا وصية
لوارث)) يقول: إذا لم يجز بقية الورثة ذلك، فأما إن لم يكن معه وارث،
فلا يكون وصية بحال، ويحتمل أن يكون سحنون(٢) اعتقد أن الحديث
لشهرته، واتفاق العلماء على العمل بمضمونه، وكثرة نقلهم له أنه قد بلغ
عندهم حد التواتر، والحديث المروي في ذلك قد أجمع على العمل به
الفقهاء، انتهى.
(إلا أن يجيز له) أي للموصى له (ذلك) أي الوصية للوارث (ورثة الميت)
الباقية، لما روى الدارقطني من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس
(١) ((المنتقى)) (١٧٩/٦).
(٢) كذا في الأصل، والظاهر عندي محله مالك. اهـ. ((ش)).
٣٤٣

٣٩ - كتاب الوصية
(٥) باب
وأَنَّهُ إِنْ أَجَازَ لَهُ بَعْضُهُمْ. وَأَبَى بَعْضٌ. جَازَ لَهُ حَقُّ مَنْ أَجَازَ مِنْهُمْ.
وَمَنْ أَبَىُ، أَخَذَ حَقَّهُ مِنْ ذُلِكَ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ فِي الْمَرِيضِ الَّذِي يُوصِي، فَيَسْتَأْذِنُ
وَرَثَهُ
مرفوعاً: ((لا تجوز وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة)). ورجاله ثقات إلا أنه
معلول فقد قيل: إن عطاء هو الخراساني، كذا في ((الفتح))(١).
قال الزرقاني(٢): وهو وإن أُعِلَّ بأنه قيل: إن عطاء هو الخراساني، فقد
وثقه ابن عبد البر، وغيره، فهذه الزيادة حجة واضحة على داود، والمزني في
قولهما: إنها باطلة للوارث ولغيره بأزيد من الثلث، ولو أجازها الورثة، انتهى.
قلت: وما حكي عن داود والمزني، هو قول للشافعي، وظاهر قول أحمد في
رواية حنبل، كما تقدم في أول ((باب الوصية في الثلث لا يتعدى)).
(وأنه إن أجاز له بعضهم وأبى بعضهم جاز له) أي للموصى له (حق من
أجاز منهم، ومن أبى أخذ حقه من ذلك) أي أخذ الآبي حقه كاملاً، قال
الباجي: معناه أن يكون للرجل ثلاثة من الولد، فيوصي لأحدهم بوصية، فيجيز
أحد إخوته، ويأبى الآخر، فإنه يجوز له حصة المجيز من تلك الوصية، وتردّ
حصة الآبي، انتهى. قال صاحب ((المحلى)): وبه قال أبو حنيفة.
قال الموفق(٣): وإن وصى لوارث، فأجاز بعض باقي الورثة الوصية دون
البعض، نفذ في نصيب من أجاز دون من لم يجز، وإن أجازوا بعض الوصية
دون بعض، نفذت فيما أجازوا دون ما لم يجيزوا، فإن أجاز بعضهم بعض
الوصية، وأجاز بعضهم جميعها، أو ردّها، فهو على ما فعلوا من ذلك، انتهى.
(قال مالك في المريض الذي) أراد أن (يوصي، فيستأذن ورثته) بالنصب
(١) «فتح الباري)» (٣٧٢/٥).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٦٩/٤).
(٣) ((المغني)) (٤٠٣/٨).
٣٤٤

٣٩ - كتاب الوصية
(٥) باب
فِي وَصِيَّتِهِ وَهُوَ مَرِيضٌ، لَيْسَ لَهُ مِنْ مَالِهِ إِلَّا ثُلُهُ. فَيَأْذَنُونَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ
لِبَعْضِ وَرَتَتِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا فِي ذَلِكَ وَلَوْ جَازَ
ذُلِكَ لَهُمْ، صَنَعَ كُلُّ وَارِثٍ ذُلِكَ فَإِذَا هَلَكَ الْمُوصِي، أَخَذُوا ذُلِكَ
لِنْفُسهمْ. وَمَنَعُوهُ الْوَصِيَّةَ فِي ثُلُثِهِ، وَمَا أَذِنَ لَهُ بِهِ فِي مَالِهِ.
قَالَ: فَأَمَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ وَرَثَتَهُ فِي وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا لِوَارِثٍ فِي
صِحَّتِهِ، فَيَأْذُنُونَ لَهُ. فَإِنَّ ذُلِكَ لَا يَلْزَمُهُمْ وَلَوَرَثَتِهِ أَنْ يَرُدُّوا ذُلِكَ إِنْ
شَاؤُوا . وَذُلِكَ
مفعول (في وصيته) التي أرادها (وهو مريض) حال من فاعل يستأذن (ليس له
مِنْ ماله إلا ثلثه) صفة لمريض يعني يكون مرضه مخوفاً حتى لا يجوز له
التصرف في الأكثر من الثلث (فيأذنون له أن يوصي) بشيء (لبعض ورثته) أو
يوصي لغير وارث (بأكثر من ثلثه) فأوصى بما أراد بعد إذنهم (إنه) الضمير
للشأن (ليس لهم أن يرجعوا في ذلك) الذي أذنوا فيه، إلا أن يكون المجيز في
عائلته، ويخشى من امتناع إذنه قطع معروفه عنه لو عاش، فله الرجوع بعد موته.
قال الباجي: وفي ((المجموعة)) لابن القاسم عن مالك: إنما يلزم إذن
الوارث، إذا كان بائناً عنه، فأما بناته الأبكار وزوجاته ومن في عياله، فله
الرجوع بعد موته، انتهى.
(ولو جاز لهم ذلك) أي الرجوع عن إذنهم (صنع كل وارث ذلك) يعني
يأذنون في حياته (فإذا هلك الموصي) رجعوا عن إذنهم و (أخذوا ذلك) المال
الموصى به (لأنفسهم، ومنعوه الوصية في ثلثه و) منعوه (ما أذن) ببناء المجهول
(له به) الضمير الأول للموصي والثاني للموصول (في ماله).
(قال) مالك، هذا الذي ذكر إذا استأذنهم الموصي في مرضه (فأما أن
يستأذن ورثته في وصية يوصي بها لوارث في صحته فيأذنون له) فيوصي بعد
إذنهم (فإن ذلك) الإذن (لا يلزمهم) لأنهم أسقطوا حقهم قبل وجوبه (ولورثته أن
يردّوا ذلك) الوصية (إن شاؤوا) بعد موته (وذلك) أي وجه الفرق بين إذنهم في
٣٤٥

٣٩ - كتاب الوصية
(٥) باب
أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ صَحِيحاً كَانَ أَحَقَّ بِجَمِيعِ مَالِهِ. يَصْنَعُ فِيهِ مَا
شَاءَ. إِنْ شَاءَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ جَمِيعِهِ، خَرَجَ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ. أَوْ يُعْطِيْهِ مَنْ
شَاءَ. وَإِنَّمَا يَكُونُ اسْتِئْذَانُهُ وَرَثَتَهُ جَائِزاً عَلَى الْوَرَثَةِ، إِذَا أَذِنُوا لَهُ حِينَ
يُحْجَبُ عَنْهُ مَالُهُ. وَلَا يَجُوزُ لَهُ شَيْءٌ إِلَّا فِي ثُلُثِهِ. وَحِينَ هُمْ أَحَقُّ
بِثُلْثَيْ مَالِهِ مِنْهُ. فَذُلِكَ حِينَ يَجُوزُ عَلَيْهِمْ أَمْرُهُمْ وَمَا أَذِنُوا لَهُ بِهِ .....
مرضه، وبين إذنهم في صحته إذ لم يجز، لهم الرجوع عن إذنهم في الأول،
وجاز في الثاني (أن الرجل إذا كان صحيحاً) غير مريض (كان أحق بجميع ماله)
وفسّر قوله: ((أحق)) بقوله: (يصنع به) ويتصرف فيه (ما شاء) وأوضح قوله:
يصنع ما شاء بقوله: (إن شاء أن يخرج من جميعه خرج).
وبيَّنَ الخروجَ بقوله: (فيتصدق به) أي بجميع ماله (أو يُعْطيه) كله (من
شاء) فلما لم يكن محجوراً في ماله عن التصرف بما شاء لم يكن لإذنهم معنًى
(وإنما يكون استئذانه) مصدر مضاف إلى فاعله (ورثته) مفعوله (جائزاً) خبر يكون
(على الورثة إذا أذنوا له حين يُحْجَبُ) ببناء المجهول أي يمنع (عنه) أي عن
الموصي (ماله) نائب الفاعل، وفسر قوله: يحجب عنه ماله بقوله: (ولا يجوز
له شيء) من التصرف (إلا في ثلثه، وحين) عطف على حين يحجب (هم) أي
الورثة (أحق بثلثي ماله منه)وذلك عند المرض المخوف (فذلك حين يجوز) أي
في ذلك الوقت يجوز.
(عليهم أمرهم) وفسر قوله: أمرهم بقوله: (وما أذنوا له به) فحينئذٍ يعتبر
إذنهم، قال الباجي(١): وبيان ذلك - والله أعلم - أن إجازة الورثة تكون في
وقتين: أحدهما؛ بعد موت الموصي، وهي التي تقدم ذكرها في القول السابق،
واتفق العلماء على جوازها، والوقت الآخر؛ قبل موت الموصي، وذلك في
حالتين: إحداهما: حالة الصحة، والثانية: حال المرض.
(١) ((المنتقى)) (٦/ ١٨١).
٣٤٦

٣٩ - كتاب الوصية
(٥) باب
فأما حال الصحة، فلا يخلو أن يكون لسبب، أو لغير سبب، فإن كان
لسبب كالغزو، والسفر، ففي ((العتبية)) من سماع ابن القاسم: عن مالك فيمن
أذن له ورثته عند خروجه لسفر أو غزو أن يوصي بأكثر من ثلثه، ففعل، ثم
مات في سفره، أن ذلك يلزمهم كالمريض، وقاله ابن القاسم، قال ابن أصبغ:
قال لي ابن وهب: كنت أقول هذا، ثم رجعت إلى أن ذلك لا يلزمهم؛ لأنه
صحيح، قال أصبغ: وهو الصحيح.
فأما إن كان لغير سبب وصية، فلا خلاف في المذهب أنه لا يلزم ذلك
المجيز من الورثة، وله الرجوع فيه؛ لأنها حال لم تتعلق فيه حقوقهم بالتركة،
وأما الإجازة حال المرض، فلا يخلو أن تخلل بين وصيته ومرض وفاته صحة
أو لا؟ فإن تخللتها صحة، فذلك الإذن غير لازم لهم، فإن لم يتخلل بينهما
وقت صحة لزم ذلك الورثة، قال القاضي أبو محمد: وذلك في المرض
المخوف.
وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا تلزمهم الإجازة، إلا بعد موت الموصي،
وقد روي نحو ذلك في ((المجموعة)) عن عبد الملك في مريض باع عبداً بأقلّ
من قيمته بأمر بين، فإنه لا إجازة للورثة قبل الموت، إذ لا يعلم، لعل غيرهم
يرثه، والدليل على ما نقوله أن هذه حال تعتبر فيها عطيته بالثلث، فلزمت
الورثة الإجازة كبعد الموت.
واحتجّ مالك لذلك بما ذكره في الأصل، أنه لو لم يلزم ذلك الورثة،
لكان سبباً لمنع الموصي من الوصية بالإجازة لوصيته للوارث، فإذا مات،
وقد اقتصر على تملك الوصية، رجعوا إلى الإجازة، فمنعوا بذلك الوصية
التي أباحها الشرع له، والاعتماد في ذلك على إثبات أنه وقت إجازة،
وبذلك يفارق حال المرض حالة الصحة؛ لأن حال الصحة ليس بحال إجازة،
انتھی .
٣٤٧

٣٩ - كتاب الوصية
(٥) باب
وقال الموفق(١): ولا يعتبر الرد والإجازة إلا بعد موت المُؤْصي، فلو
أجازوا قبل ذلك، ثم ردُوا أو أذنوا لموروثهم في حياته بالوصية بجميع المال
أو بالوصية لبعض ورثته، ثم بدا لهم، فردّوا بعد وفاته، فلهم الردُّ سواء كانت
الإجازة في صحة الموصي، أو مرضه، نص عليه أحمد في رواية أبي طالب،
وروي ذلك عن ابن مسعود، وهو قول شريح وطاووس والحكم والثوري
والشافعي وأبي ثور وابن المنذر وأبي حنيفة وأصحابه.
وقال الحسن وعطاء وحماد بن أبي سليمان والزهري وربيعة والأوزاعي
وابن أبي ليلى: ذلك جائز عليهم؛ لأن الحق للورثة، فإذا رضوا بتركه، سقط
حقهم، كما لو رضي المشتري بالعيب، وقال مالك: إن أذنوا له في صحته،
فلهم أن يرجعوا، وإن كان ذلك في مرضه، وحين يحجب عن ماله، فذلك
جائز عليهم.
ولنا: أنهم أسقطوا حقوقه فيما لم يملكوه، فلم يلزمهم، كالمرأة إذا
أسقطت صداقها قبل النكاح، أو الشفيع أسقط حقه من الشفعة قبل البيع،
انتھی .
وفي ((المحلى)): قال صاحب ((الرحمة في اختلاف الأئمة)): الجمهور
على أنه إن أجازوا في حياة الموصي كان لهم الرجوع، وإن أجازوا بعده نفذ،
وقال الزهري وربيعة: ليس لهم الرجوع مطلقاً، وفصل المالكية بين مرض
الموت وغيره، فألحقوا مرض الموت بما بعده.
وفي ((الهداية))(٢): ولا معتبر بإجازتهم في حال حياته، وقال محمد في
((الآثار))(٣): إجازة الورثة الوصية قبل الموت ليس بشيء، فإن أجازوها بعد
(١) ((المغني)) (٤٠٥/٨).
(٢) (٥١٤/٢).
(٣) (ص٤١٣).
٣٤٨

٣٩ - كتاب الوصية
(٥) باب
فَإِنْ سَأَلَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ أَنْ يَهَبَ لَهُ مِيرَاثَهُ حِينَ تَحْضُرُهُ الْوَفَاةُ فَيَفْعَلُ.
ثُمَّ لَا يَقْضِي فِيهِ الْهَالِكُ شَيْئاً. فَإِنَّهُ رَدِّ عَلَى مَنْ وَهَبَهُ. إِلَّا أَنْ يَقُولَ
لَهُ الْمَيِّتُ: فُلَانٌ، لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ، ضَعِيفٌ. وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ تَهَبَ لَهُ
مِيرَاثَكَ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ فَإِنَّ ذُلِكَ جَائِزٌ إِذَا سَمَّاهُ الْمَيِّتُ لَهُ.
قَالَ: وَإِنْ وَهَبَ لَهُ مِيرَاثَهُ. ثُمَّ أَنْفَذَ الْهَالكُ بَعْضَهُ وَبَقِي بَعْضُ،
فَهُوَ رَدِّ عَلَى الَّذِي وَهَبَ. يَرْجِعُ إِلَيْهِ
الموت، وهي لوارث أو أكثر من الثلث، فذلك جائز، وليس لهم أن يرجعوا
فیه، وهو قول أبي حنيفة، انتهى.
(قال) أي مالك، هكذا بلفظ قال في النسخ الهندية. وليس هذا في النسخ
المصرية، بل ذكر الكلام الآتي بما سبق في نسق واحد، والأولى ذكره، فإنه كلام
مستقل مستأنف (فإن سأل) المورث المريض (بعض ورثته) أي سأل زيداً مثلاً (أن
يهب له) أي للمورث (ميراثَه) الذي سيصل إليه (حين يحضره الوفاة) ظرف لسأل،
أي سأله في المرض المخوف (فيفعل) الوارث أي يهبه زيد ميراثه (ثم لا يقضي
فيه) أي لا يحكم في المال الموهوب (الهالك) المورث (شيئاً) من التصرف (فإنه
رَةٌ) أي مردودٌ (على من وهبه) أي على زيد (إلا أن يقول له) أي للواهب، وهو
زيد في مثالنا (الميت) المورث (فلان) أي عمرو مثلاً (لبعض ورثته) بيان لفلان
(ضعيف) لا يقدر على مزيد كسب (وقد أحببت أن تهب له) أي لعمرو (ميراثك)
أي نصيبك (فأعطاه إياه) أي أعطى زيد نصيبه لعمرو (فإن ذلك جائز إذا سماه) أي
الموهوب له (الميت) فاعل سمى (له) أي للواهب؛ لأنه هبة لمُعَيَّنِ .
(قال: وإن وهب) بعض الورثة (له) أي للمورث (ميراثه، ثم أنفذ (١)
الهالك بعضه) أي تصرف في بعضه (وبقي بعض) لم يتصرف فيه (فهو) أي
البعض الباقي (رةٌ) أي مردودٌ (على الذي وهب) أي على زيد يعني (يرجع إليه)
(١) في نسخة ((المنتقى)) و((الزرقاني)): أنفق.
٣٤٩

٣٩ - كتاب الوصية
(٥) باب
مَا بَقِيَ بَعْدَ وَفَاةِ الَّذِي أُعْطِيَهُ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ، فِيمَنْ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ فَذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ
كَانَ أَعْطَى بَعْضَ وَرَثَتِهِ شَيْئاً لَمْ يَقْبِضْهُ. فَأَبَى الْوَرَثَةُ أَنْ يُجِيزُوا ذُلِكَ
فَإِنَّ ذُلِكَ يَرْجِعُ إِلَى الْوَرَثَةِ.
أي إلى زيد (ما بقي بعد وفاة الذي أعطيه) ببناء المجهول، والضمير المنصوب
إلى الميراث، أي بعد وفاة المورث المعطى له.
قال الباجي(١): ومعناه أن يقول له: إن فلاناً لبعض ورثته ضعيف،
وأحب أن تهب له ميراثك، فيفعل، فإن ذلك جائز، ووجه ذلك أنه إذا
استوجب(٢) ميراثه دون تسمية، فإنما يستأذنه في أن يصرفه في وجوهٍ يريدها
الوارث أو غيره، لا ليبقى على ملكه بعد موته، فإن ذلك لا يصح فيه، فإذا
مات الميت، ولم يحدث فيه حدثاً، فقد مات قبل أن ينفذ ما استأذن فيه،
فيرجع إلى مستحقه، إلا أن يسمي له الموهوب له، فقد بَيَّنَ الوجه الذي سأله
إنفاذه فيه، وقد وجد الإنفاذ من الوارث الواهب، ولو قال: أعطنيه أوصي به
لفلان، فقد روى ابن عبد الحكم عن مالك في ((الموازية)) إذا أذن له أن يوصي
به لوارث آخر، فإن أنفذه مضى، وإن لم ينفذ فهو ردٌّ، انتهى.
قلت: وهذا كله مبنيٌّ على مسلك الإمام مالك، أن إذن الوارث في
المرض المخوف ملحق عنده بما بعد الموت، ولا عبرة عند الجمهور بإذنه في
حياته، كما تقدم في القول السابق.
(قال مالك في من أوصى بوصية، فذكر أنه) كان (قد أعطى) في صحته
(بعض ورثته) أي لزيد مثلاً (شيئاً لم يقبضه) زيد (فأبى الورثة أن يجيزوا ذلك)
أي ينفذوا قول المورث (فإن ذلك) المال الموهوب (يرجع إلى الورثة) ويكون
(١) ((المنتقى)) (٦/ ١٨٢).
(٢) كذا في الأصل، والظاهر عندي ((إذا استوهب)). اهـ. ((ش)).
٣٥٠

٣٩ - كتاب الوصية
(٥) باب
مِيرَاثاً عَلَى كِتَابِ اللَّهِ. لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَقَعَ شَيْءٌ مِنْ ذُلِكَ فِي
ثُلُثِهِ. وَلَا يُخَاصُّ أَهْلُ الْوَصَايا فِي ثُلُثِهِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
(ميراثاً على) وفق (كتاب الله) تعالى (لأن الميت لم يرد) بقوله المذكور (أن يقع
شيء من ذلك) الذي قاله (في ثلثه) لأنه ليست بوصية حتى ينظر فيه إلى الثلث
(ولا يحاص) زيد (أهل الوصايا) الأخر (في ثلثه بشيء من ذلك) الذي قاله؛
لأنه ليست بوصية حتى يحاص فيها أهل الوصايا .
قال الباجي(١): وهذا على حسب ما قال: إن من أوصى بوصية، يريد
في مرضه، فذكر في وصيته أنه قد كان أعطى بعض ورثته شيئاً، لم يقبضه، فإن
ذلك ليس لمن ذكر أنه كان أعطاه إياه، ولو أقرَّ له بما قال الورثة لأنها عطية،
ذكر أنها كانت في الصحة، فتبطل بمرض الموصي قبل القبض، وإنما أَقَرَّ به
في حال حكم العطية فيها حكم الوصية، ولا تصح الوصية لوارث، فبأي
الحالتين اعتبرت إقراره بطل، انتهى.
قلت: وهذا مبنيٌّ على أن الهبة لا تتم إلا بالقبض، قال ابن رشد(٢): أما
الشروط، فأشهرها القبض، أعني أن العلماء اختلفوا هل القبض شرط في صحة
العقد أم لا؟ فاتفق الثوري والشافعي وأبو حنيفة أن من شرط صحة الهبة
القبض، وأنه إذا لم يقبض لم يلزم الواهب، وقال مالك: ينعقد بالقبول،
ويجبر على القبض، كالبيع سواء، فإن تأنَّى الموهوب له عن القبض حتى أفلس
الواهب، أو مرض، بطلت الهبة، فمالك: القبض عنده في الهبة من شروط
التمام، لا من شروط الصحة، وهو عند أبي حنيفة والشافعي من شروط
الصحة، وقال أحمد وأبو ثور: تصح الهبة بالعقد، وليس القبض من شروطها
أصلاً، لا من شرط تمام، ولا من شرط صحة، وهو قول أهل الظاهر، وروي
عن أحمد أن القبض من شروطها في المكيل، والموزون.
(١) ((المنتقى)) (١٨٢/٦).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٣٢٩/٢).
٣٥١

٣٩ - كتاب الوصية
(٥) باب
فعمدة من لم يشترط القبض في الهبة تشبيهها بالبيع، وعمدة من اشترط
القبض ما روى مالك عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: ما بال رجال ينحلون
أبناءهم نحلاً يمسكونها، فإن مات ابن أحدهم، قال: مالي بيدي لم أعطه
أحداً، وإن مات، قال: هو لابني، قد كنت أعطيته إياه، فمن نحل نحلة، فلم
يحزها الذي نحلها للمنحول له، وأبقاها حتى تكون إن مات لورثته، فهي
باطلة، وهو قول علي - رضي الله عنه -، قالوا: وهو إجماع من الصحابة؛ لأنه
لم ينقل عنهم في ذلك خلاف.
وأما مالك فاعتمد الأمرين جميعاً، أعني القياس، وما روي عن
الصحابة، وجمع بينهما، فمن حيث هي عقد من العقود لم يكن عنده شرطاً من
شروط صحتها القبض، ومن حيث شرطت الصحابة فيه القبض لسدِّ الذريعة
التي ذكرها عمر - رضي الله عنه -، جعل القبض فيها من شرط التمام، ومن
حق الموهوب له، وأنه إن تراخى حتى يفوت القبض بمرض أو إفلاس على
الواهب سقط حقه، انتهى.
وما حكي من روايتي مذهب الإمام أحمد يأبى عنه ما حكى عنه أهل
فروعه، فإن الموفق وغيره حكى عنه إحدى الروايتين أولاً التفريق بين المكيل
والموزون، وبين غيرهما كما حكى عنه ابن رشد، ثم قال: وعن أحمد رواية
أخرى، لا تلزم الهبة في الجميع إلا بالقبض، وهو قول أكثر أهل العلم، قال
المروذي: اتفق أبو بكر وعمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - على أن الهبة
لا تجوز إلا مقبوضة، ويروى ذلك عن النخعي والثوري والشافعي وأصحاب
الرأي، انتهى.
وقد ذكر الموفق أثر عمر - رضي الله عنه - المذكور بلفظ آخر، فقال:
وروى ابن عيينة عن الزهري عن عروة عن عبد الرحمن بن عبد القاري أن عمر
- رضي الله عنه - قال: ما بال أقوام ينحلون أولادهم، فإذا مات أحدهم، قال:
٣٥٢

٣٩ - كتاب الوصية
(٦) باب
(٦) باب ما جاء في المؤنث من الرجال ومن أحق بالولد
مالي، وفي يدي، وإذا مات هو، قال: كنت نحلته ولدي، لا نِحْلَةَ إلا نِحْلَةٌ
يحرزها الولد دون الوالد، فإن مات ورثه، انتهى(١).
(٦) ما جاء في المؤنث من الرجال
قال الزرقاني (٢): نبّهَ بالتعبير بالمؤنث، على أنه المراد بالمخنث في
حديث الباب، وهو كما في ((التمهيد)): من لا أرب له في النساء، ولا يهتدي
إلى شيء من أمورهن، فيجوز دخوله عليهن، فإن فهم معانيهن، منع دخوله،
كما منع المخنث المذكور في الحديث؛ لأنه حينئذٍ ليس ممن قال الله تعالى
فيهم ﴿غَيْرِ أَوْلِ اُلْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾(٣)، وقد اختلف في معناه اختلافاً متقارباً
معناه يجمعه أنه من لا فهم له، ولا همة يتنبه بها إلى أمر النساء، ولا
یشتهیهن، ولا يستطيع غشيانهن.
وليس المخنث الذي يعرف فيه الفاحشة خاصة، وإنما هو التأنيث في
الخِلقة، حتى يشبه المرأةَ في اللِين، والكلام، والنظر، والنغمة، والفعل،
والعقل، سواء كانت فيه عاهة الفاحشة أم لا، انتهى.
وفي ((المنتقى)) (٤): قال ابن حبيب: المخنث هو المؤنث من الرجال،
وإن لم تعرف فيه الفاحشة، وهو مأخوذ من تثني الشيء وتكسِّره، وقال عكرمة
في قوله تعالى: ﴿غَيْرِ أُوْلِ اُلْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾: هو المخنث الذي لا يقوم له،
يريد العنِّين، وقيل: هو الشيخ الهرم، والخنثى، والمعتوه، والطفل، والعِنِّين،
وقال ابن عباس: هو الأحمق الذي لا حاجة له في النساء، وقال مجاهد، وقتادة:
(١) انظر: ((المغني)) (٢٤١/٨).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٧٠/٤).
(٣) سورة النور: الآية ٣١.
(٤) (١٨٣/٦).
٣٥٣

٣٩ - كتاب الوصية
(٦) باب
(١٤٨٤) حديث
١٤٨٤/ ٥ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ
مُخَنَّثَاً
هو الذي يتبعك ليصيب من طعامك، ولا يريد النساء، ولا يهمه إلا بطنه، فلا
يخاف منه على النساء، انتهى.
ومن أحق بالولد؟
يعني وما جاء في من هو أحق بحضانة الولد
٥/١٤٨٤ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه) هكذا رواه جمهور الرواة
عن مالك مرسلاً. ورواه سعيد بن أبي مريم عن مالك عن هشام عن أبيه عن
أم سلمة، أخرجه ابن عبد البر(١)، وقال: الصواب ما في ((الموطأ))، ولم
يسمعه عروة عن أم سلمة، وإنما رواه عن بنتها زينب عنها، وأخرجه البخاري
ومسلم وغيرهما من طرق عن هشام عن أبيه عن زينب بنت أم سلمة عن أمها
أم سلمة أم المؤمنين.
قال الحافظ(٢): هكذا قال أكثر أصحاب هشام، وهو المحفوظ، وأخرج
البخاري في اللباس من طريق زهير عن هشام أن عروة أخبره أن زينب بنت أم
سلمة أخبرته أن أم سلمة أخبرتها، وخالفهم حماد بن سلمة عن هشام، فقال:
عن أبيه عن عمرو بن أبي سلمة، وقال معمر: عن هشام عن أبيه عن عائشة،
وأرسله مالك، فلم يذكر فوق عروة أحداً، انتهى.
(أن مخنثاً) بضم الميم، وفتح الخاء المعجمة، والنون على الأشهر،
وكسر النون أفصح، آخره مثلثة، وهو من فيه انخناث أي تكسر ولين كالنساء،
وهو المعروف عندنا اليوم بالمؤنث، قاله الزرقاني(٣).
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٦٠/٢٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٤٣/٨) و(٣٣٤/٩).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٧٠/٤).
٣٥٤

٣٩ - كتاب الوصية
(٦) باب
(١٤٨٤) حديث
وقال الحافظ(١): المخنث بكسر النون وبفتحها من يشبه خلقه النساء في
حركاته وكلامه وغير ذلك، فإن كان من أصل الخلقة لم يكن عليه لوم، وعليه
أن يتكلف إزالة ذلك، وإن كان بقصد منه، وتكلف له، فهو المذموم، ويطلق
عليه اسم مخنث، سواء فعل الفاحشة أو لم يفعل، وورد في الحديث ((لُعِنَ من
فعل ذلك)) وأخرج أبو داود(٢) من حديث أبي هريرة: أن النبي ◌َّ أتي
بمخنث، قد خضبت يديه ورجليه، فقيل: يا رسول الله: إن هذا يَتَشَبَّهُ بالنساء،
فنفاه إلى النقيع، فقيل: ألا نقتله؟ فقال: إني نهيت عن قتل المصلين، انتهى.
وفي ((المجمع)): المخنث بفتح النون من يؤتى في دبره، وبكسرها من فيه
تسكين وتكسرٌ خلقة كالنساء، وقيل: بفتح نون وكسرها من يتشبه بهن، سمي به
الانكسار كلامه، وقيل: قياسه الكسر، والمشهور فتحه، والتشبه قد يكون طبعياً
وقد يكون تكلفياً، ومن الثاني حديث ((لعن المخنثين))، انتهى.
واختلف في اسم هذا المخنث على أقوال، وأخرج البخاري في
(صحيحه)) عن ابن جريج أن المخنث هيت، قال الحافظ(٣): هو بكسر الهاء
وسكون الياء التحتانية بعدها مثناة، وضبطه بعضهم بفتح أوله، وأما
ابن درستويه، فضبطه بنون ثم موحدة، وزعم أن الأول تصحيف، قال: والهنب
الأحمق، وقال الزرقاني: ضبطه ابن درستويه بكسر الهاء وسكون النون
وموحدة، وزعم أن ما سواه تصحیف، انتهى.
قال الحافظ(٤): وذكر ابن حبيب في (الواضحة)) عن حبيب كاتب مالك
(١) ((فتح الباري)) (٣٣٥/٩).
(٢) (سنن أبي داود)) (٤٩٢٨).
(٣) ((فتح الباري)) (٤٤/٨).
(٤) ((فتح الباري)) (٩/ ٣٣٤).
٣٥٥

٣٩ - كتاب الوصية
(٦) باب
(١٤٨٤) حديث
وَ فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ،
كَانَ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ
قال: قلت لمالك: إن سفيان بن عيينة زاد في حديث بنت غيلان أن المخنث
هيت، وليس في كتابك هيت، فقال: صدق هو كذلك، وبسط الحافظ في
روایات، ذکر فيها أن اسمه هيت.
ثم قال: وذكر ابنُ إسحاق في ((المغازي)) أن اسم المخنث في حديث
الباب ماتع، وهو بمثناة، وقيل: بنون، وحكى أبو موسى المديني في كون ماتع
لقب هيت، أو بالعكس، أو أنهما اثنان خلافاً، وجزم الواقدي بالتعدد، فإنه
قال: كان هيت مولى عبد الله بن أبي أمية، وكان ماتع مولى فاختة، وذكر أن
النبي ◌َليّ نفاهما معاً إلى الحمى، وذكر الماوردي في ((الصحابة)) أن عائشة
- رضي الله عنها - قالت لمخنثٍ بالمدينة، يقال له: أنة بفتح الهمزة وتشديد
النون: ألا تدلنا على امرأة نخطبها على عبد الرحمن بن أبي بكر - رضي الله
عنه -؟ قال: بلى، فوصف امرأة تقبل بأربع، وتدبر بثمان، فسمعه النبي وَ لَره
فقال: ((يا أنة اخرج من المدينة إلى حمراء الأسد))، قال الحافظ: والراجح أن
اسم المذكور في حديث الباب هيت، ولا يمتنع أن يتواردوا في الوصف
المذكور، انتهى.
وبه جزم غير واحد من شراح الحديث منهم الباجي إذ قال: والمخنث
المذكور فى الحديث اسمه هيت.
(كان عند أم سلمة) أم المؤمنين (زوج النبي ◌ََّ) وفي كتاب النكاح من
البخاري: عن أم سلمة أن النبي وَلّ كان عندها، وفي البيت مخنث، فقال
المخنث لأخي أم سلمة، الحديث، (فقال) المخنث (لعبد الله بن أبي أمية)
المخزومي أخي أم سلمة الأكبر، وتقدم في ((باب القضاء بإلحاق الولد بأبيه))
أنهما اثنان. أحدهما: هذا الأكبر الذي استشهد بالطائف، والثاني: أخوه
الأصغر، كان له عند وفاته وَ ل ثمان سنين، والأكبر المذكور هاهنا هو أخو أم
سلمة لأبيها، وأمه عاتكة عمته وَّله، وكان شديداً على المسلمين، وهو الذي
٣٥٦

٣٩ - كتاب الوصية
(٦) باب
(١٤٨٤) حديث
وَرَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ يَسْمَعُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، إِنْ فَتْحَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ
غَداً، فَأَنَا أَدُلَّكَ عَلَى ابْنَةِ غَيْلَانَ.
قال للنبي وَله: ﴿لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ اْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾(١) الآية، ثم
هداه الله تعالى، فأسلم، وهاجر قبل الفتح، فلقي النبي صَ لّ هو وأبو سفيان بن
الحارث بين السقيا والعرج، فأعرض رسول الله صل# عنهما، فكلمته أم سلمة
- رضي الله عنها - في ذلك، فقبل منهما، وأسلما، وشهد عبد الله فتح مكة،
وحنيناً، والطائف، فاستشهد بها بسهم أصابه، وذكر الحافظ في ترجمته من
(الإصابة)) هذا الحديث، وذكر في ((الفتح)) عدة روايات، ورد فيها قولُ هيت
هذا لعبد الله بن أبي أمية.
ثم قال: وروى المستغفري من مرسل محمد بن المنكدر أن النبي
نفى هيتاً في كلمتين، تكلم بهما من أمر النساء، قال لعبد الرحمن بن أبي بكر:
إذا فتحتم الطائف غداً، فعليك بابنة غيلان، فذكر نحو حديث الباب، وروى
ابن أبي شيبة وأبو يعلى والبزار من طريق عامر بن سعد عن أبيه أن اسم
المخنث هيت أيضاً، لكن ذكر فيه قصة أخرى، فهذه قصص وقعت لهيت.
ويحمل على تعدد القول منه لكل من أخي عائشة وأخي أم سلمة،
والعجب أنه لم يقدر أن المرأة الموصوفة حصلت لواحد منهما، فإن الطائف
لم يفتح حينئذٍ، وقتل عبد الله بن أبي أمية في الحصار، ولما أسلم غيلان
وأسلمت بنته بادية تزوجها عبد الرحمن بن عوف.
(ورسول الله وَّير يسمع) كلام المخنث إذ تكلم به (يا عبد الله) بن أبي أمية
(إن فتح الله عليكم الطائف غداً) زاد أبو أسامة عن هشام عند البخاري، وهو
محاصر الطائف يومئذٍ (فأنا أدلك على ابنة غيلان) كذا في النسخ المصرية، وفي
الهندية ((فعليك بابنة غيلان)) أي خُذها والْزَمها، وغيلان بفتح الغين المعجمة
(١) سورة الإسراء: الآية ٩.
٣٥٧

٣٩ - كتاب الوصية
(٦) باب
(١٤٨٤) حديث
فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعِ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ .
وسكون التحتية ابن سلمة بن معتب بن مالك الثقفي، أسلم بعد فتح الطائف
على عشر نسوة، فأمره وهل﴿ أن يختار منهن أربعاً، كما تقدم في جامع الطلاق،
واسم هذه البنت بادية، بموحدة فألف، فدال مهملة، فتحتية عند الأكثر، وقيل:
بالنون بدل التحتية حكاه أبو نعيم، وصوب أبو عمر التحتية، قاله الزرقاني(١).
وفي ((الإصابة)): حكى ابن منده في ضبطهما وجهين بالموحدة وبالنون
بدلها، وقال: إنه وهم، وعلم منه أنهم اختلفوا فيها على ثلاثة أقوالٍ: بادية،
ونادية، وبادنة، والأكثر على الأول.
قال العيني (٢): هي بالموحدة، وكسر الدال المهملة، وتخفيف الياء آخر
الحروف، ضد الحاضرة، وعليه الجمهور، انتهى. ولها ذكر في المغازي، قال
ابن إسحاق: إن خولة بنت حكيم قالت للنبي ◌ّلر: إن فتح الله عليك الطائف
أعطِني حُلِيّ بادية بنت غيلان، وكانت من أحلى نساء ثقيف، ولما أسلم أبوها
أسلمت، وتزوجها عبد الرحمن بن عوف، فولدت له بريهة على قول
ابن الكلبي.
(فإنها تقبل بأربع) من العكن - بضم عين وفتح كاف - جمع عكنة، وهي
ما انطوى وتثنى من لحم البطن سمناً (وتدبر بثمان).
قال الباجي(٣): روى ابن حبيب عن مالك أن معنى ذلك أن أعكانها،
وهي تراكيب اللحم في البطن حتى ينعطف بعضها على بعض، فهي في بطنها
أربع طرائق، وتبلغ أطرافها إلى خاصرتيها في كل جانب أربع، فهي على هذا
ثمان .
(١) ((شرح الزرقاني)) (٧١/٤).
(٢) ((عمدة القاري)) (٢١٠/١٤).
(٣) ((المنتقى)) (١٨٣/٦).
٣٥٨

٣٩ - كتاب الوصية
(٦) باب
(١٤٨٤) حديث
قال الحافظ(١): وتفسير مالك المذكور تبعه فيه الجمهور، قال الخطابي:
يريد أن لها في بطنها أربع عكن، فإذا أقبلت رؤيت مواضعها بارزة، متكسراً
بعضها على بعض، وإذا أدبرت كانت أطراف هذه العكن الأربع عند منقطع
جنبيها ثمانية.
وحاصله أنه وصفها بأنها مملؤة البدن، بحيث يكون لبطنها مكن، وذلك
لا يكون إلا للسمينة من النساء، وجرت عادة الرجال غالباً في الرغبة فيمن
تكون بتلك الصفة، وقد وقع في رواية أخرى عن سعد بن أبي وقاص أنه
خطب امرأة بمكة وهو مع النبي وَلّره، فقال: ليس عندي من يراها، ولا من
يخبرني عنها، فقال هيت: أنا أنعتها إذا أقبلت أقبلت بست، وإذا أدبرت أدبرت
بأربع، كذا في ((العيني))(٢).
قال الحافظ: فقوله في حديث سعد: إن أقبلت قلت: تمشي بستٍ، وإن
أدبرت قلت: تمشي بأربع، كأنه يعني ثدييها ورجليها، وطرفي ذاك منها
مقبلة، ورد فيها مدبرة، وإنما نقص إذا أدبرت؛ لأن الثديين يحتجبان حينئذٍ،
وذكر الواقدي وابن الكلبي في حديث الباب بعد الصفة المذكورة: (مع ثغر
كالأقحوان، إن جلست تثنت، وإن تكلمت تغنت، وبين رجليها مثل الإناء
المكفوء، ورسول الله وَ ل يسمع، فقال: لقد غلغلت النظر إليها يا عدو الله))،
ثم أجلاه عن المدينة إلى الحمى، كذا في ((العيني)) و ((المنتقى)). قال
الحافظ(٣): وزاد المديني عن عروة مرسلاً في هذه القصة: ((أسفلها كثيب،
وأعلاها عسیبٌ)).
(١) ((فتح الباري)) (٣٣٥/٩).
(٢) ((عمدة القاري)) (٢٩٨/١٢).
(٣) ((فتح الباري)) (٣٣٥/٩).
٣٥٩

٣٩ - كتاب الوصية
(٦) باب
(١٤٨٤) حديث
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَا يَدْخُلَنَّ هَؤُلَاءِ عَلَيْكُمْ)).
هكذا رواه الجمهور مرسلاً. وأخرجه البخاريّ متصلاً في: ٦٤ - كتاب
المغازي، ٥٦ - باب غزوة الطائف في شوال سنة ثمان. ومسلم في: ٣٩ - كتاب
السلام، ١٣ - باب منع المخنث من الدخول على النساء الأجانب، حديث ٣٢.
(فقال رسول الله وَ لير: لا يدخلن هؤلاء) المخنثون (عليكم) بالميم في جمع
النسوة للتعظيم، وفي رواية عليكن بالنون، قال الحافظ: وهي رواية مسلم،
قلتُ: واختلفت نسخ (الموطأ)) فيه، ففي الهندية بالنون، وفي المصرية بالميم.
وفي ((المحلى)): قال السيوطي: الحديث رواه أصحاب السير بأبسط من
هذا، ولفظه ((كان بالمدينة في زمان النبي وّ من المخنثين يدخلون على
النساء، فلا يحجبون هيت، وهو ماتع، وكان هيت يدخل على أزواج النبي وَّة،
فدخل يوماً دار أم سلمة، ورسول الله وَير عندها، فأقبل على أم سلمة عبد الله بن
أبي أمية، فقال: إن فتح الله عليكم الطائف غداً، فعليك ببادنة بنت غيلان،
فإنها إن قامت تثنت، وإن تكلمت تغنَّتْ، وإن قعدت أثبتت، تقبل بأربع، وتدبر
بثمانٍ مع ثَغْرِ كالأَفْحُوَانِ(١) ودي كالرُّمَّان، أعلاها قضيب، وأسفلها كثيب،
وبين رجليها كالقعب يكفو، وفي رواية: مثل الإناء المكفوف، فقال النبي وَل
حين سمع كلامه: ما كنت أحسبك إلا غير أولي الإربة، وقال لنسائه: ((لا
يدخل هیت علیکم)، انتهى.
قال الباجي(٢): معناه - والله أعلم - المنع من دخول من يفطن لمحاسن
النساء من المخنثين، ومن يحسن وصفهن، ويهتبل بذلك، وإن المراد بقوله
تعالى: ﴿غَيْرِ أُوْلِ الْإِرْبَةِ﴾ من لا يتفطن لذلك، ولا فرق عنده بين الحسناء
منهن، والقبيحة، فهو الذي أبيح له الدخول على النساء، وقال سعيد بن جبير:
هو الذي لا ينتشر ذكره، وفي ((شرح أمالي القالي)) لأبي عبيد البكري: كان
(١) هو نبت زهرة أصفر أو أبيض، وهنا تشبيه الأسنان بالأبيض المؤثّل منه.
(٢) ((المنتقى)) (١٨٣/٦).
٣٦٠